النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ مَدِين عناصر الموضوع التعريف بمدين ٢٧٠ ذكر مدين في القرآن الكريم ٢٧٨ رسول الله إلى مدين ورسالته ٢٧٩ موقف مدين من رسولهم عليه السلام ٢٨٧ ٢٩٣ نعم الله على مدين وموقفهم منها ٢٩٦ عاقبة قوم مدين ٣٠١ اقتران مدين وثمود في القرآن ٣٠٤ موسى عليه السلام في مدين ٣١٤ الدروس المستفادة من قصة مدين المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ حرف الميم التعريف بمدين أولًا: المكان: اتفق المفسرون على أن مدين التي ذكرت في القرآن الكريم هي: اسمٌ لقوم شعيب عليه السلام، وهم قبيلة من العرب، وكانوا يسكنون في شمال غرب الجزيرة العربية وجنوبي الشام، بالقرب من مدينة معان، وتبوك، وبحر القلزم (الأحمر حاليا)، وأن الله تعالى أرسل إليهم شعيباً عليه السلام، وهم من بني مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام على ما ذكره جمهور المفسرين والمؤرخين(١). ولكن اختلف المفسرون وغيرهم من الجغرافيين والمؤرخين في تحديد الموقع الجغرافي لـ(مدين) على ثلاثة أقوال: القول الأول: ذهب الإمام ابن كثير وابن عاشور وبعض المفسرين إلى أن مدين مدينة تقع بالقرب من مدينة معان في شرقي الأردن، من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز، وقريبًا من بحيرة قوم لوط (٢). ومدينة معان حاليًا هي: مدينة في المملكة الأردنية الهاشمية، تقع جنوب العاصمة عمان، وتبعد عنها بحوالي (٢١٦) كيلومترًا، وهي أكبر محافظات الأردن مساحة، وأول منطقة دخلها الإسلام في بلاد الشام(٣). القول الثاني: إن مدين تقع شمال خليج العقبة في بلاد فلسطين في قرية تسمى: (كفر مندا)، وهي قرية عربية فلسطينية، تقع في الجليل الأسفل، وتبعد (١٦) كيلو مترًا شمال غربي الناصرة المحتلة من قبل الصهاينة (٤). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٥٢/١٨، النكت والعيون، الماوردي ٤٩٤/٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٥٠٩/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٧/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠١/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/ ٢٤٠. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠١/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/ ٢٤٠، معجم البلدان، ياقوت الحموي ٧٧/٥، الإشارات إلى معرفة الزيارات، الهروي ص ٨١، آثار البلاد وأخبار العباد، القزويني ص ٢٤٩، مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع، القطيعي ١٢٤٦/٣، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي ٣٤٥/١. (٣) انظر: معجم البلدان، ياقوت ١٥٣/٥، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص ٣٠٠. (٤) انظر: معجم البلدان ٤ /٤٧١، التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٣١/١٠، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦١٤، التفسير المنير، الزحيلي ٨٣/٢٠. جَوَسُولَة التقنية القرآن الكريم ٢٧٠ ملين وذلك وفقا لما ذكره المؤرخ الشهير ياقوت الحموي في كتابه معجم البلدان تحت اسم ((كفر مندا)»، والذي مر بالمكان سنة (١٢٣٠م)، حيث ذكر أنه يوجد في القرية بعض الدلائل التي تشير لذلك، وأهمها البئر الموجودة في ساحة القرية، وقبر بنات شعيب، ولكن يرجح الحموي أن تكون مدين: قرية على بحر القلزم بمحاذاة تبوك (١). القول الثالث: ذهب الجغرافیون المسلمون في تحدید بلاد مدین بوضوح وبلا اختلاف بينهم، وكذلك جمهور المؤرخين إلى أن: مدين تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك وبحر القلزم (البحر الأحمر)، على بعد (١٣٢) كيلًا من تبوك، مما يلي جهة الشام قريبًا من مدينة معان وخليج العقبة، من أطراف الشام، وهي كذلك قريبة من بحيرة قوم لوط عليه السلام(٢). وتعرف مدين اليوم باسم: (البدع)، وهي بلدة بين تبوك وساحل البحر الأحمر على بعد (١٣٢) كيلًا غرب تبوك، وشرق رأس الشيخ حميد - على البحر - بمسافة (٧٠) كيلاً، وهي تابعة لمنطقة تبوك التي تقع شمال غرب المملكة العربية السعودية (٣). ومن خلال الاطلاع والبحث عن موقع مدينة مدين عند المفسرين والجغرافيين القدماء والمعاصرين يمكن القول بأن مدين على الصحيح: كانت تمثل إقليمًا كبيرًا وواسعًا، وكانت تقع في شمال غرب الجزيرة العربية بين تبوك والبحر الأحمر، على بعد (١٣٢) كيلًا غرب تبوك، وكانت عاصمتها ومركزها الرئيس في مدينة البدع السعودية حاليًا، وكان لها منفذ بحري على البحر الأحمر، وكانت ممتدة إلى معان في الأردن، وبئر السبع وكفر مندا في فلسطین، وكانت في فترات ازدهارها تصل إلى طور سيناء في حدود مصر. ويؤيد هذا ما ترجح لدى الجغرافيين وعلماء الآثار المعاصرين: أن أرض مدين كان مركزها في بلدة ((البدع)» بين تبوك والساحل، وهي في واد بين الجبال، ويسمى واديها: ((عفال))، وأنها كانت ممتدة في أصقاع واسعة، قد تصل إلى معان في شرقي الأردن مما يلي (١) انظر: معجم البلدان ٤ /٤٧١، تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبدالعزيز بن صالح ص ١٣٥، المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام، جواد علي ١/ ٤٥٥، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومي مهران ص١٧١ . (٢) انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ٤٧١/٤، آثار البلاد وأخبار العباد، زكريا القزويني ص ٢٤٩، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص ٢٤٣، أطلس القرآن، شوقي أبو خليل ص٧١. (٣) انظر: معجم المعالم الجغرافية في السيرة، عاتق البلادي ص ٢٨٤، أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص١٣٩. www. modoee.com ٢٧١ حرف الميم ناحية الحجاز(١). ومما يؤيد ذلك أيضا أن (مغاير شعيب) وآثارهم وبيوتهم وقبورهم تقع حاليا في محافظة البدع، وهي إحدى محافظات منطقة تبوك السعودية، وتبعد عن تبوك (١٣٢) كيلًا إلى الشمال الغربي منها(٢). ثانيًا: التسمية: سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام باسمين الأول منهما: وهو مدين، والآخر بأصحاب الأيكة كما يأتي على هذا التفصيل: أولًا: سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام بمدين في مواضع في القرآن الکریم. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَنقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَّاءٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٨٥]، وقوله سبحانه: ﴿﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود:٨٤]. وقوله عز وجل: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُ وا اللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦)﴾ [العنكبوت: ٣٦]. بالإضافة إلى تسمية مدين في قصة موسى عليه السلام من دون ذكر النبي شعيب عليه السلام: قال سبحانه: ﴿فَبِّثْتَ سِنِينَ فِىَ أَهْلِ مَذْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَمُوسَى﴾ [طه: ٤٠]. وقال تقدست أسماؤه: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَآءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَّتِ أَنْ يَهْدِيَنِ سَوَآءَ السَّبِيلِ ﴾ [القصص: ٢٢]. ٢٢ وقال عز وجل: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَّدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمْ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ قَالَ مَا خَطْبُّكُمَّا قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ كَبِيرٌ * [القصص: ٢٣]. وقال جل شأنه لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا كُنتَ ثَاوِيًّا فِى أَهْلِ مَدْيَنَ تَنْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [القصص: ٤٥]. (١) انظر: المعالم الأثيرة في السنة والسيرة، محمد حسن شراب ص ٢٤٣، معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية، عاتق البلادي ص ٢٨٤. (٢) انظر: معجم البلدان، ياقوت الحموي ٧٧/٥، المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، المقريزي ٣٤٥/١. ٢٧٢ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيمِ ملين وفي تسمية قوم شعیب بمدین قولان: أحدهما: لأنهم بنو مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام، فقيل مدين، والمراد بنو مدين، کما یقال مضر والمراد بنو مضر. الثاني: أن مدين اسم مدينتهم، فنسبوا إليها، ثم اقتصر على اسم المدينة تخفيفًا، وعلى اعتبار أنها اسم مدينة فهل هو اسم أعجمي أو عربي، فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم أعجمي، والثاني: أنه اسم عربي، وهل هو اسم مشتق أو جامد، فقد ذكر المفسرون أنه اسم مشتق، واختلفوا في مادة اشتقاقه على وجهين: أحدهما: أنه من قولهم مدن بالمكان، إذا أقام فيه، والياء زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم مدينة، والثاني: أنه مشتق من قولهم دينت، أي ملكت والميم زائدة، وهذا قول من زعم أنه اسم رجل (١). وأما شعيب فتصغير شعب، وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه الطريق في الجبل، والثاني: أنه القبيلة العظيمة، والثالث: أنه مأخوذ من شعب الإناء المكسور (٢). ثانيًا: سمى الله سبحانه وتعالى قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة في عدة مواضع من كتابه فقال سبحانه: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ ()﴾ [الحجر: ٧٨]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣) إِذْ قَالَ لَّمْ شُعَيْبُ أَلَا نَنَّقُونَ (٣) إِنِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾﴾ [الشعراء: ١٧٦ -١٧٨]. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُوْ اْأَوْنَادِ ، وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ لَتَيْكَةٍ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ﴾ [ص: ١٢ - ١٣]. وقوله سبحانه: ﴿وَأَصْحَبُّ الْأَبِّكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعْ كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَنَّ وَعِيدِ ﴾ [ق: ١٤]. والأيكة عند أهل اللغة هي: الشجر الكثير الملتف، وتسمى أيضا الغيضة، وجمعها أيك، وكل شجر ملتف فهو عند العرب أيكة، وقيل: هي الغيضة تنبت السدر والأراك ونحوهما من ناعم الشجر (٣). (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٣/٧، النكت والعيون، الماوردي ٢/ ٤٩٤، معالم التنزيل، البغوي ٢/ ٢١٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٢٦، مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٣/١٤، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦١/١٠. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٤/١٢، الكشف والبيان، الثعلبي ٢٤٣/٧، معالم التنزيل، البغوي ٢١٤/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٣/١٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٢٤٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦١/١٠. (٣) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٣٢٠، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦٥/١، لسان العرب، ابن منظور ١٠/ ٣٩٤. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الميم ولكن تسمية قوم شعيب عليه السلام بأصحاب الأيكة محل خلاف بين المفسرين على أقوال: القول الأول: ذهب أكثر المفسرين على أن أصحاب الأيكة هم قوم شعيب عليه السلام. القول الثاني: ذكر بعض المفسرين عن قتادة: إن شعيبًا عليه السلام أرسل مرتين إلى مدين وإلى أصحاب الأيكة، فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أهل مدين فأخذتهم الصيحة، صاح بهم جبريل صيحة فهلكوا جميعًا (١). القول الثالث: هناك من المفسرين من يجعل أصحاب الأيكة فريقًا من قوم شعيب غير أهل مدين: فأهل مدين عندهم هم سكان الحاضرة، وأصحاب الأيكة هم باديتهم، وقيل: من ساحل البحر إلى مدين، وكان شعيب رسولًا إليهم جميعًا، وفيهم قال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣٦) إِذْقَالَ لَهُمْ شُعَيْبُ أَلَا نَنَّقُونَ (٦) إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (٣)﴾ [الشعراء: ١٧٦ -١٧٨]. وفي آية أخرى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَئِكَةِ لَظَلِينَ (٥) فَأَتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ #[الحجر: ٧٨-٧٩].(٢ . V قال الإمام ابن كثير: ((وأصحاب الأيكة: هم أهل مدين على الصحيح،.، والصحيح أنهم أمة واحدة، وصفوا في كل مقام بشيء، ولهذا وعظ هؤلاء وأمرهم بوفاء المكيال والميزان، كما في قصة مدين سواء بسواء، فدل ذلك على أنهما أمة واحدة)) (٣). وقد كان نبي الله شعيب عليه السلام من أنفسهم، وإنما لم يقل هاهنا: أخوهم شعيب؛ لأنهم نسبوا إلى عبادة الأيكة، وهي شجر كثير ملتف، كانوا يعبدونها، فلهذا لما قال: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَابُ لْفَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾، لم يقل: إذ قال لهم أخوهم شعيب، وإنما قال: ﴿إِذْقَالَ لَمْ شُعَيْبُ﴾، فقطع نسب الأخوة بينهم، للمعنى الذي نسبوا إليه من عبادة الأيكة، وإن كان أخاهم نسبًا، وبعض المفسرين لم يفطن لهذه النكتة، فظن أن أصحاب الأيكة غير أهل مدين، فزعم أن شعيبًا عليه السلام بعثه الله إلى أمتين، ومنهم من قال: ثلاث أمم (٤). (١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٤ / ٢٦٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٩/٢، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٨٥. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٤/١٧، التفسير الوسيط، الواحدي ٣ /٥٠، النكت والعيون، الماوردي ٣ / ١٦٨، الكشف والبيان، الثعلبي ٤ / ٢٦٠، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٩/٢، البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ١٠٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٨٥، لباب التأويل، الخازن ٢٢٦/٢، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/ ٧١. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٤٣. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٠/١٩، النكت والعيون، الماوردي ١٦٨/٣، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧٤ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ملين وأما موقع الأيكة ومكانها الجغرافي هو ضمن موقع مدین، وعلى وجه التحديد يمكن الاستئناس بما ذكره علامة الجزيرة في التاريخ حمد الجاسر في كتابه: في شمال غربي الجزيرة: (( أن الأيكة التي ورد ذكرها في القرآن الكريم هي قبل تبوك التي غزاها الرسول صلى الله عليه وسلم في آخر غزواته، وأهل تبوك يقولون ذلك ويعرفونه، ولم أجد هذا في كتب التفسير، بل يقولون الأيكة الغيضة الملتفة بالأشجار، والجمع أيك، والمراد بأصحاب الأيكة أهل مدين، قلت: ومدين وتبوك متجاورتان، وأقول: لا يزال يطلق اسم الأيكة على واد من روافد عفال في المنطقة المعروفة ببلاد مدين، والتي فيها مغاير شعيب عليه السلام ))(١). ثالثًا: الزمان: لقد بين القرآن الكريم الزمن الذي كانت فيه مدین و عاش فيه النبي شعيب عليه السلام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّا أَصَابَ قَوْمَ نُوجِ أَوْ قَوْمَهُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمِبَعِيدٍ ﴾ [هود: ٨٩]. والمراد بالبعد في الآية هو: بعد الزمن والمكان والنسب، فزمن لوط عليه السلام غير بعيد من زمن شعيب عليه السلام، وكان مدين بن إبراهيم عليه السلام وهو جد قبيلة شعيب المسماة باسمه، وقد ذكر بعض المفسرين أن مدين كان متزوجًا بابنة لوط عليه السلام (٢)، وقيل: إن المراد بالبعد هو أنهم غير بعيدين في الصفات والأفعال المستقبحات، من قطع الطريق، وأخذ أموال الناس جهرة وخفية، بأنواع الحيل والشبهات، والجمع بين هذه الأقوال ممكن، فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانًا، ولا مكانًا، ولا صفاتٍ(٣). ١٥٧/١٩، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧١/١٤. (١) انظر: أطلس تاريخ الأنبياء والرسل، سامي الملغوث ص ١٤١. (٢) ذكر جمهور المؤرخين والمفسرين أن شعيبًا يتصل نسبه بمدين بن إبراهيم الخليل، ولا يعني ذلك أن لإبراهيم ولدان فقط وهو إسماعيل وإسحاق فقط، إذ لا يوجد دليل شرعي يحصر أبناء إبراهيم في اثنین. انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ابن الجوزي ٣٢٤/١، البداية والنهاية، ابن كثير ٤٢٨/١، جامع البيان، الطبري ١٤/ ٣٤٥، النكت والعيون، الماوردي ٤٩٤/٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، الكشاف، الزمخشري ١٢٨/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢، البحر المحيط، أبو حيان ١٠٨/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٠١ فتح القدير، الشوكاني ٥٨٩/٢. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٩/١٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٢٩٧، فتح القدير، الشوكاني ٥٨٩/٢، التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٦٢/٧، التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٨/٨. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الميم ويعتقد بعض المفسرين أن شعيبًا عليه السلام قد عاش بعد إبراهيم الخليل، وبعد يوسف عليهما السلام(١)، قال ابن كثير: ((كان شعيب قبل زمان موسى عليه السلام بمدة طويلة؛ لأنه قال لقومه: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمِبَعِيدٍ﴾، وقد كان هلاك قوم لوط في زمن الخليل عليه السلام بنص القرآن، وقد علم أنه كان بين الخليل وموسى عليهما السلام مدة طويلة تزيد على أربعمائة سنة، كما ذكره غير واحد)) (٢). رابعًا: تاريخ مدين: يعتقد بعض علماء الآثار المعاصرين أن آثار بلدة قرية البدع التي تقع في شمال تبوك ترجع إلى قوم مدين، وأن مدين كانت معاصرة لعهد موسى عليه السلام، ويرون في هذا دليلًا على قدم وجودها وإمكان نسبتها إلى ما قبل القرن الثالث عشر ق. م على أقل تقدير عندهم. ويعتقدون أن النبي شعيبًا عليه السلام الذي ذكر في القرآن الكريم رسولٌ لأهل مدین، بأنه یحتمل (٣) ٠ توقيت عهده بأوائل فترات ازدهار تاريخها القديم ويرجح بعض الباحثين المعاصرين من علماء الآثار والتاريخ: أن عصر شعيب عليه السلام إنما كان قبل عصر موسى، معتمدين في ذلك على أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر شعيبًا في القرآن الكريم - كما في سورة الأعراف وهود والحج والشعراء والعنكبوت- بعد نوح وهود وصالح ولوط، وقبل موسى (٤). ومن خلال تقدیرهم لعصر الخلیل علیه السلام، والذي كان بین: (١٩٤٠ - ١٧٦٥ق. م)، وأن لوط عليه السلام وقومه إنما كانوا معاصرين لأبي الأنبياء عليه السلام، قال بعض الباحثين المعاصرين: ((إن شعيبًا وقومه إنما كانوا يعيشون بعد القرن الثامن عشر قبل الميلاد، وخاصة أن المصادر التاريخية تذكر أن مدين هو من ولد إبراهيم الخليل عليه السلام، فقدر (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٩/١٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٧/٤، فتح القدير، الشوكاني ٥٨٩/٢. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم ٢٠٥/٦. (٣) انظر: تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبدالعزيز بن صالح ص ١٣٥، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي ٤٥٥/١، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومى مهران ص ١٧١ . (٤) انظر: دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومى مهران ص ١٧٢ . جَوَبُواحَةُ النَّفِيَّة القرآن الكريمِ ٢٧٦ ملين هؤلاء - حدسًا عن غير يقين - أن القوم إنما كانوا يعيشون في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، على صحة فرض ما ذهب إليه بعضهم من أن يثرون كاهن مدين وصهر موسى، إنما هو شعيب نبي مدين العربي، وذلك لأنهم يقدرون رحلة خروج موسى من مصر متوجهًا إلى مدين، إنما كانت في هذا القرن الثالث عشر ق. م)) (١). ويمكن القول: إن هذا التقدير ربما قد يكون صحيحا أو يقارب الصحة الى حد كبير؛ لأن بعض المفسرين يذكرون أن بين الخليل عليه السلام وموسى عليه السلام أربعمائة عام، وكذلك بين اليوم الذي دخل فيه يوسف مصر واليوم الذي دخله موسى أربعمائة عام (٢)، بالإضافة الى ما يذكر من أن شعيبا عليه السلام كان من المعمرين، فقد ذكرت بعض المصادر أن شعيبًا عليه السلام عمر (٢٤٠) عامًا(٣). (١) انظر: تاريخ شبه الجزيرة العربية في عصورها القديمة، عبد العزيز بن صالح ص ١٣٥، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي ١/ ٤٥٥، دراسات في تاريخ العرب القديم، محمد بيومي مهران ص ١٧١ . (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٣٨/٢، البحر المحيط، أبو حيان ١٢٩/٥، مدارك التنزيل، النسفي ٥٩١/١، التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ٣٧. (٣) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ٢١٤/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٥/٦. www. modoee.com ٢٧٧ حرف المير ذكر مدين في القرآن الكريم ورد ذكر مدين في القرآن الكريم (١٠) مرة في (٧) سورة، وقد ذكروا بلفظ (أصحاب الأيكة) (٤) مرات. وأما قصتهم فقد وردت في السور الآتية: السورة الآيات الأعراف ٨٥-٩٣ هود ٨٤-٩٥ العنكبوت ٣٦-٣٧ الفتح ٢٩ ٢٧٨ جوي النفسية القرآن الكريم قَضوري ملين رسول الله إلى مدين ورسالته أولًا: رسول الله إلى مدين: ذكر الله تعالى في القرآن الكريم أن الرسول الذي أرسله إلى مدين هو شعيب عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمَّ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا نُفْسِدُوا فِ اْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ )) ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُرْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤]. وقوله تعالى أيضًا: ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْاللَّهَ وَأَرْجُواْ أَلْيَوْمَ اُلْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٦]. وكذلك قوله تعالى: ﴿ كَذَّبَ أَصْحَبُ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا نَنَّقُونَ ١٧ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٧ ﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٧]. (١). واختلف المفسرون في نسب نبي الله شعيب عليه السلام على أقوال: (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٥٤، لباب التأويل، الخازن ٢٢٦/٢. الأول: أنه شعیب بن میکیل بن یشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه عليه السلام، وإن أمه بنت نبي الله لوط، وقال ابن إسحاق هو: شعیب بن میکائیل بن یزجر بن مدین بن إبراهيم وأم ميكائيل بنت لوط. الثاني: ما قاله عطاء بأنه: شعيب بن توبة بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام. الثالث: شعيب بن يثرون بن مدين بن إبراهيم الخليل عليه السلام (٢). قال الإمام ابن عاشور معلقًا على الاختلاف في نسب النبي شعيب: (( وشعيب علیه السلام هو رسول الله لأهل مدین، وهو من أنفسهم، اسمه في العربية شعيب عليه السلام واسمه في التوراة: (یثرون)، ويسمى أيضا (رعوئيل)، وهو ابن (نويلى أو نويب) بن (رعويل) بن (عيفا) بن (مدين)، ثم قال: وقد خبط في نسب مدین، ونسب شعيب عليه السلام جمع عظيم من المفسرين والمؤرخين، فما وجدت مما يخالف هذا فانبذه))(٣). ويلاحظ من أقول المفسرين أنهم متفقون على أن شعيبًا عليه السلام من ذرية (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٧، الكشف والبيان، الثعلبي ٤/ ٢٦٠، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، معالم التنزيل، البغوي ٢١٤/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠١/٣، محاسن التأويل، القاسمي ١٥٦/٥. (٣) انظر: التحرير والتنوير ٢٤١/٨. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الميم إبراهيم الخليل عليه السلام (١). وقد ذكر جمهور المفسرين أن شعيبًا عليه السلام من الأنبياء الأربعة العرب اعتمادًا منهم على حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلی الله علیه وسلم قال له عند ذکر الأنبياء والرسل: (وأربعة من العرب، هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر)(٢). وكان النبي شعيب مشهورًا بالفصاحة وعلو العبارة، وببلاغته في دعوة قومه إلى الإيمان والإسلام، فقد روى ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول (١) ويلاحظ هذا الاتفاق من خلال ذكر نسب مدين في كتبهم. انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٧، الكشف والبيان، الثعلبي ١٨٦/١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٤/١١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠١/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٨/٢، الدر المنثور، السيوطي ٧٤٨/٢، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٤٦٦ . (٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم ٣٦١، ٧٦/٢. قال ابن كثير في تفسيره ٤١٨/٢: وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي في كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسمه بالصحة، وخالفه أبو الفرج بن الجوزي فذكر هذا الحديث في كتابه الموضوعات، واتهم به إبراهيم بن هشام هذا، ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث والله أعلم. وقال السيوطي في الدر المنثور ٧٤٦/٢: أخرجه ابن حبان في صحيحه، وابن الجوزي في الموضوعات، وهما في طرفي نقيض، والصواب أنه ضعيف لا صحيح ولا موضوع. الله صلی الله عليه وسلم إذا ذکر شعيبًا قال: (ذاك خطيب الأنبياء)(٣)، يعني: لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه إلى الإيمان برسالته (٤). [انظر شعيب: نبذة عن شعيب عليه السلام ومكانته] ثانيًا: رسالة النبي شعيب عليه السلام: قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأُ قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَاءَتَكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّبِّكُمْ فَأَوْقُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا نَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ وَلَا نُفْسِدُواْ فِىِ الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ﴿ وَلَا نَقْعُدُوا بِكُلِ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَاً وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَتََّكُمْ وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٥-٨٦]. (٣) أخرجه الحاكم في المستدرك على الصحيحين، رقم ٦٢٠/٢،٤٠٧١، والطبري في تفسيره ١٢ / ٥٦٧. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦٧، الكشف والبيان، الثعلبي ١٨٦/١٠، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧٤/١١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠١/٣، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٨/٢، الدر المنثور، السيوطي ٧٤٨/٢، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨ / ٤٦٦ . ٢٨٠ جَوَسُو القرآن الكريم ملين وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ وقال سبحانه: شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمٍ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، وَلَا تَنْقُصُواْ الْمِكْبَالَ وَاَلْمِيزَانَ إِنَّ أَرَِّكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنَّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ يَوْمٍ مُحِيطِ ) وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْبَآءَ هُمْ وَلَا تَعْثُواْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ يَحَفِيظٍ (٦﴾ [هود: ٨٤-٨٦]. وقال عز وجل: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَنقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَرْجُواْ الْيَوْمَ اُلْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْاْ فِ اَلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٦]. الرئيسة لدعوة النبي شعيب عليه السلام وهي: الأمر بتوحيد الله في العبادة، والنهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم، والأمر بالفضيلة التي تقابلها(١)، وهذه المحاور هي: ١ . الأمر بعبادة الله وتوحيده وتقواه. إن الأنبياء عليهم السلام يشرعون في أول الأمر بالدعوة إلى التوحيد، ويأمرون بعبادة الله وحده، وینهون عن عبادة غير الله، وهذا أصل معتبر في شرائع جميع الأنبياء، وعليه مدار دعوة الرسل عليهم السلام كلهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ. (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١١٦/١٢. لَا إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل: ٢]. كما قال تعالى بخصوص أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب:؛ ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (٣٦) إِذْقَالَ لَمْ شُعَيْبُ أَلَا نَنَّقُونَ إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (٣٠) فَتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٨)﴾ [الشعراء: ١٧٦ - ١٧٩]. لأن معرفة الله تعالى وتوحيده في صفات العظمة التي هي صفات الألوهية، وعبادته وحده لا شريك له، فهي التي أنزل الله بها كتبه وأرسل رسله، وجعل الشرائع كلها تدعو إليها، وتجاهد من حاربها وقام بضدها. وهذا هو منهج جميع الأنبياء عليهم فهذه الآيات السابقة تبين المحاور السلام: فقد قال الله تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ، فَقَالَ يَقَوْرِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلاَ نَنَّقُونَ ٣)﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وقال الله تعالى عن هود عليه السلام: وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، أَفَلَا نَنَّقُونَ ٦٥ [الأعراف: ٦٥]. وقال الله تعالى عن صالح عليه السلام: ﴿ وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا قَالَ بَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَأَسْتَعْمَرَّكُمْ فِيَهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَقِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾ [هود: ٦١](٢). (٢) انظر: معاني القرآن، الفراء ٢٥/٢، غريب www. modoee.com ٢٨١ حرف الميم وكان أهل مدین علی دین إبراهيم عليه السلام الذي هو الإسلام، هو دين جميع الأنبياء، ولکنه لم يطل بهم العهد حتى غيروا دینهم الحق، و كفروا بالله، وعبدوا غير الله، وانحرفوا عن الصراط المستقيم، فغرتهم الحياة الدنيا ومتاعها الفاني، فقد كانوا أصحاب تجارة وسلع. وكانوا على الطريق التجارية الكبيرة بين اليمن والشام، وبين العراق ومصر على ساحل البحر الأحمر، ولكن حب المال سيطر على قلوبهم وأعماهم عن اتباع الحق، فقد كانوا يعبدون الأيكة، وزيادة على كفرهم وضلالهم فقد كانوا ينقصون المكيال والميزان ويطففون فيهما، أي: يأخذون مع الزيادة، ويدفعون مع النقصان، ويأكلون المال الحرام. ولم يكتفوا بهذه المعاملة السيئة، بل كانوا يقطعون الطريق على المارة، ويتعرضون للقوافل، فيتوعدونها ويخيفونها ويعيثون في الأرض فسادًا (١). القرآن، ابن قتيبة ص ٢٠٨، جامع البيان، الطبري ٥٥٥/١٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، تفسير السمعاني ١٩٧/٢، الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٢٧. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٨/١٢، مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣١٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥١/٦، في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ١٩١٧. ٢. الأمر بالفضائل والنهي عن أشد وو # الرذائل فُشُوًّا فيهم. ١. دعوته إلى الفضيلة. وذلك من خلال دعوته إلى الخير والمعروف، فقد أخذ نبي الله شعيب عليه السلام يبسط لقومه في الكلام وهو يدعوهم للمعروف وينهاهم عن المنكر والفساد، فأراد أن يخرجهم من التعلق بالدنيا وزخارفها ويبين لهم أن أخذ المال وجمعه بالحلال خير لهم من أخذه بالظلم والخيانة وبطرق الحرام، فقال لهم برفق وحكمة: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنْتُمـ مُؤْمِنِينَ ﴿ وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍ صِرٍَّ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٥-٨٦]. وقال: ﴿وَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْ مِنِينَّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بَحَفِيظٍ ٥ [هود: ٨٦]. و﴿َقِيَّتُ اَللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: أي ما يفضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والمیزان خير لكم إن كنتم مؤمنين من أخذ أموال الناس بالتطفيف والظلم والخيانة، ويقال ﴿يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي: مراقبة ٢٨٢ ◌َ النََّسَبـ جوسية القرآن الكريم ملين الله خير لكم (١). وقال الراغب هو: « ما يبقى ثوابه للإنسان من الأعمال، والصحيح أنها كل عبادة بقصد بها وجه الله تعالى))(٢). والقليل من الحلال الطيب خير من الكثير من الحرام الخبيث، وذلك لأن الحلال مبارك فيه وإن قل، والحرام ممحوقٌ لا بركة فيه وإن کثر، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَوَأُ وَيُرْبِ الصَّدَقَتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]. وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الربا وإن كثر، فإن عاقبته تصير إلى قُلِّ) (٣). ٢. النهي عن أشد الرذائل فُشُوًّا فيهم. كانت هناك بعض المنكرات التي يمارسها قوم النبي شعيب عليه السلام والتي نهاهم عنها وهي: الأول: النهي عن التلاعب بالمكاييل والموازيين في الأخذ والعطاء. من خلال الآيات يلاحظ أن النبي شعيبًا (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٥/١٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، تفسير السمعاني ١٩٧/٢، الكشاف، الزمخشري ١٢٧/٢. (٢) انظر: المفردات ص ١٣٩ (٣) أخرجه أحمد في مسنده رقم ٣٧٥٤، ٢٩٧/٦، عن ابن مسعود، والحاكم المستدرك على الصحيحين رقم ٢٢٦٢، ٢/ ٤٣. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ولم يتعقبه الذهبي. عليه السلام أمر قومه بالوفاء بالمكاييل والموازيين أولا، وذلك يكون بالاستقامة في الأخذ والإعطاء، ثم نهاهم عن نقصان المكاييل والموازيين زيادة في التأكيد على ذلك، وكانت هذه المعصية قد فشت فيهم في ذلك الزمن وفحشت مع كفرهم الذي نالتهم الرجفة بسببه. الثاني: النهي عن بخس الناس أشياءهم. والبخس في المعاملة هو: النقص والظلم والتقليل، ومعناه لا تظلموا الناس حقوقهم التي یجب علیکم أن توفوهم إياها، و﴿أَشْبَآءَهُمْ﴾ أي: أموالهم وأمتعتهم مما یکال أو یوزن، وحقوقهم (٤). والنهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْیَآءَهُمْ ﴾، عام يتناول كل حق يدخله البخس والنقص سواء أكان ذلك من الأشياء المادية أو المعنوية (٥). وقد فشا كلّ من هذا النوع في هذا العصر، مما أدى الى انهيار الاقتصاد، فكثير من التجار باخسون، مطففون فيما يبيعون وما يشترون، وكثير من المشتغلين بالعلوم والآداب والسياسة بخاسون لحقوق بنى جلدتهم، مُدَّعونَ للتفوق عليهم، منكرون (٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٤/١٨، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٤٢٦. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٦/١٥، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، تفسير السمعاني ٢/ ١٩٧. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الميم لما خص الله به سواهم من المزايا وإلى النبوءات والشرائع بالإصلاح (٣). والخصائص حسدًا عليهم وبغيًا، فيدخلون في عموم حكم الآية وهو تحریم بخس الناس أشياءهم بمختلف أنواعها (١). الثالث: النهي عن الفساد في الأرض والعتو فيها. ذكر الله تعالى على لسان شعيب عليه السلام أنه نهى قومه عن الفساد في الأرض بقوله: ﴿وَلَا فِى الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَّوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ يَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾ [هود: ٨٥- ٨٦]. وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٦]. ﴿وَلَا تُفْسِدُواْ﴾ لفظ عام يتناول جميع أنواع الفساد دقيقه و جلیله، وهو نهي شامل لكل ما يمس نظام المجتمع بالظلم وأكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الأخلاق والآداب: بارتكاب الإثم والفواحش، وإفساد العمران بالجهل وعدم النظام (٢). وكذلك الإصلاح لفظ عام: والمفسرون نَصُّوا على أن الإشارة إلى الكفر بالفساد، (١) انظر: تفسير المراغي ٢١٠/٨. (٢) انظر: المصدر السابق ٢٠٧/٨. والمعنى: ولا تعملوا في أرض الله بمعاصیه، وما كنتم تعملونه قبل أن يبعث الله إليكم نبيه، من عبادة غير الله، والإشراك به، وبخس الناس في الكيل والوزن (بعد إصلاحها)، یقول: بعد أن أصلح الله الأرض بالأمر بالعدل وإرسال الرسل وابتعاث النبي شعیب فیکم، پنھاکم عما لا يحل لكم، وما (٤) یکرهە الله لكم (٤). ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنین﴾، فيه إشارة إلى كل ما تقدم من أمر ونهي، أي: هو خير لكم في دينكم ودنياكم، لا تكليف إعنات، فربكم لا یأمر کم إلا بما هو نافع لکم، ولا ینهاکم إلا عما هو ضار بكم، وهو على كل حال غني عنکم، ولو شاء لأعنتكم، ولکنه رحيم لا يفعل ذلك، ومعنى الخيرية إما الزيادة مطلقًا أو في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال، وإنما تتحقق لكم خيرية ما ذكر إن كنتم مؤمنين بوحدانيته وصفاته تعالى، وبرسوله وما جاءكم به عنه سبحانه من الدين والشرع، وسيأتي تعليل ذلك بعد بيان (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٥٥، معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣٥٤/٢ التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٣٨٧، تفسير السمعاني ١٨٩/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢. ٢٨٤ موسُوعة النفسيةللوصور القرآن الكريمِ ملين ما قيل في هذا الإيمان (١). الرابع: النهي عن قطع الطريق. قال عليه السلام: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلِ صِرَّطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [الأعراف: ٨٦]. نھی النبي شعیب علیه السلام قومه عن قطع الطريق الحِسِّيِّ والمعنوي؛ لأنهم كانوا يتوعدون الناس بالقتل، إن لم يعطوهم أموالهم؛ لأنهم كانوا عشارين، وذلك من قبیل بخسهم ونقصهم الکیل والوزن، وهذا نهي للعشارين ونحوهم من أخذ أموال الناس بالباطل، والسلب وقطع الطريق. كما أنه نهاهم عن القعود على الطرقات التي توصل إليه، مخوفین من یجیئه، ليرجع عنه قبل أن يراه ويسمع دعوته، وصدهم من وصل إليه وآمن به بصرفه عن الثبات على الإيمان والاستقامة على الطريق الموصلة إلى سعادة الدارين، وابتغاؤهم جعل سبيل الله المستقيمة معوجة بالطعن وإلقاء الشبهات المشككة فيها أو المشوهة لها، وهم بعلمهم هذا ارتكبوا ضلالتين: التقليد والعصبية الآباء والأجداد، وضلالة الغلو في الحرية الشخصية التي أباحت لهم (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٣/٣ البحر المحيط، أبو حيان ١٠٥/٥ تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠١/٣، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨/ ٤٧٠. الطعن في الأدیان حتى بلغوا في ذلك حد الطغيان(٢). ٣. دعوته إلى الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي. قام النبي شعيب بدعوة قومه إلى عبادة الله وتوحيده الذي هو الأساس للإصلاح الاجتماعي والاقتصادي؛ ذلك أن إصلاح الحياة الاجتماعية والاقتصادية يكون بإقامة القسط والعدل في الموازين والمكاييل، والحفاظ على الحقوق، والقيام بحق الأمانة في التعامل، وترك الإفساد في الأرض، واستئصال سبب المنازعات والخلافات بين الناس، وإشاعة المحبة والمودة بينهم (٣). بينه النبي شعيب عليه السلام في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَآءَتَّكُم بَيِّنَةٌ مِنْ رَّێِّكُمْ﴾. ذهب جمهور المفسرين إلى أن الله تعالی قد أقام الحجج والبینات على صدق ما جاءهم به شعيب، مما يتبين به الحق من الباطل، ومن المفسرين من فسر البينة بالحجة والبرهان والمعجزة المحسوسة (٢) تفسير المراغي ٢١٢/٨. وانظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، الكشاف، الزمخشري ١٢٧/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٢٦/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣١٤. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠١/٣، التفسير الوسيط، الزحيلي ١ / ٦٩٠. www. modoee.com ٢٨٥ حرف الميم وقال بعض المفسرين: عني بالبينة مجيء ذهابًا إلى أن النبي لما كان يدعو إلى شرع یوجب قبوله، فلا بد من دلیل یعلم صدقه شعيب، وأنه لم تكن له آية إلا النبوة، ولا به، وما ذاك إلا المعجزة- قال: إن معجزة يخفى أن البيئة أعم من المعجزة بعرفهم، فكل من أبطلت شبهة ضلاله، وأظهرت له شعیب لم تذکر في القرآن، ولیست کل آیات الأنبياء مذكورة في القرآن، يعني: دعوته وإرشاده. حجة الحق الذي يدعى إليه فقد جاءته البينة؛ لأن حقيقة البينة كل ما يبين الحق، فتشمل المعجزات الكونية والبراهين العقلية، والأمم القديمة لم تكن تذعن إلا لخوارق العادات (٤). لأنه لا بد لمدعي النبوة من معجزة تشهد له وتصدقه، وإلا لم تصح دعواه، و کان متنبئًا لا نبيًا، غير أن معجزته لم تذكر في القرآن الكريم، كما لم تذكر أكثر معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فيه (١). يؤيد هذا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما مثلها آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)(٢). أي: إن كل نبي مرسل أعطاه الله من الآيات الدالة على صدقه وصحة دعوته ما شأنه أن يؤمن البشر على مثله (٣). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٥٥/١٢، التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٧/٢، الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٢٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠١/٣، محاسن التأويل، القاسمي ١٤٦/٥ التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٩/٨، أضواء البيان، الشنقيطي ٦ / ٩٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي، وأول ما نزل، رقم ٦،٤٩٨١/ ١٨٢. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ١٢٧. قال سيد قطب: « ولا یذکر السياق نوع هذه البينة-كما ذكرها في قصة صالح-ولا نعرف لها تحديدًا من مواضع القصة في السور الأخرى، ولكن النص يشير إلى أنه كانت هناك بينة جاءهم بها، تثبت دعواه أنه مرسل من عند الله، ويرتب على هذه البينة ما يأمرهم به نبيهم من توفية الكيل والميزان، والنهي عن الإفساد في الأرض، والكف عن قطع الطريق على الناس)) (٥). [شعيب: معالم نصح شعيب عليه السلام لقومه] (٤) انظر: تفسير المراغي ٢٠٩/٨. (٥) انظر: في ظلال القرآن ١٣١٧/٣. ٢٨٦ جَوَسُوع القرآن الكريم ملين موقف مدين من رسولهم عليه السلام أولًا: جواب مدين وكيف واجهوا دعوته: تبين الآيات الآتية جواب قوم شعيب شعيبًا عليه السلام، و کیف واجهوا دعوته. قال تعالى: ﴿وَ إِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبَأْ قَالَ يَقَّوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ، قَدْ جَآءَتَكُمْ بَيِّنَةٌ﴾، إلى قوله: ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، لَتُخْرَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرِّيَتِنَا أَوْ ◌َتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَأَ قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَبِهِينَ سَ قَدِ أَفْتَرَيْنَا عَلَى اللّهِ كَذِّبًا إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّيِكُمْ بَعْدَ إِذْ ◌َّنَا اللهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَّا أَنْ نَّعُودَ فِيهَا إِلَّآ أَنْ يَشَآءُ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَىْءٍ عِلْمَاً عَلَى اللّهِ تَوَّكِّلْنَا رَبَّنَا أَفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَئِينَ ﴿ وَقَالَ لْلَُلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ، لَيْنِ أَتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذَا لَّخَسِرُونَ : [الأعراف: ٨٥ - ٩٠]. ﴿ وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُرْ وقال تعالى: شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُرُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفَعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتُؤْاْ إِنَّكَ لَأَنْتَ قَالَ يَقَوْمِ أَرَّهَيْتُمْ إِنِ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ كُتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبٍِّ وَرَزَقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاْ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَّآ أَنْهَنُكُمْ عَنْهٌ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّ يِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ مْ وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِى أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَّ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحَّ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمِ ◌ِبَعِيدٍ ١ وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهُ إِنَّ رَبِ رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴿ قَالُواْ يَشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرً مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَبِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلًا رَهُْكَ لَرَجَمْنَكٌ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ) قَالَ يَقَوْمِ أَرَهْطِىَّ أَعَزُّ عَلَيَّكُمْ مِنَ اللَّهِ وَأَنَّخَذْ تُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَ رَبِّ بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ وَيَقَوْمِ أَعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَئِكُمْ إِنَّ عَمِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَذِبٌ وَأَرْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبُ ﴾ [هود: ٨٤ - ٩٣]. وقال تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَبُ لَيْكَةِ اٌلْمُرْسَلِينَ (٣٦) إِذْ قَالَ لَمْ شُعَيْبٌ أَلَا نَنَّقُونَ ١٧٧ إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ()﴾ إلى قوله: ﴿قَالُواْ وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ إِنَّمَآ أَنْتَ مِنَ الْمُسَخَّرِينَ ناسقِطْ ١٨٦) مِثْلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ الْكَذِينَ ( عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَآءِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ قَالَ رَبٍ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ ١٨٧ [الشعراء: ١٧٦ -١٨٨]. ومن خلال هذه الآيات یتبن أن رد أهل مدين على شعيب عليه السلام عما أمرهم به کان متنوعًا بین رد خطاب بخطاب والرد بالاستهزاء والإهانة والتكذيب، والرد بالتهديد بالطرد والتهجير، والرد بالتهديد www. modoee.com ٢٨٧ حرف الميم بالقتل على النحو الآتي: ١. رد خطاب بخطاب. یبین القرآن الکریم أن قوم شعیب ردُّوا خطاب النبوة والرحمة والهداية بخطاب فيه السخرية والاستهزاء والتكذيب بما لا يليق بنبي مرسل لقومه على النحو الآتي: أما ردهم على أمرهم بعبادة الله وحده، فقالوا: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ تَأْمُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا﴾، أي: هل صلاتك التي تكثر منها تأمرك بترك عبادة آبائنا وأجدادنا، وهي عبادة الأوثان والأصنام، وهذا منهم على سبيل الاستهزاء والسخرية، فهم مصرون على تقليد أسلافهم في الوثنية. وأما الرد على ترك البخس (النقصان) في الكيل والميزان فقالوا: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَؤُا﴾، أي: وهل صلاتك تأمرك أن نترك فعل ما نريد فعله؟، ومقصودهم أن مطلبه بالعدل وأداء الزكاة منافٍ لسياسة تنمية المال وتكثيره، وهو حَجْرٌ وتقييد لحريتهم الاقتصادية. واختلف في معنى ((الصلاة)) هنا، فقالت فرقة: أرادوا الصلوات المعروفة، وروي أنَّ شعيبًا عليه السلام كان أكثر الأنبياء صلاة، وقال الحسن: لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وقيل: أرادوا قراءتك، وقيل أرادوا: أمساجدك؟ وقيل: أرادوا: أدعواتك، وقيل: دینك الذي تدین به وأمرت باتباعه؛ لأن أصل الصلاة الاتباع، ومنه أخذ المَصْلِي في الخیل. قال القاضي أبو محمد: وأقرب هذه الأقوال الأول والرابع، وجعلوا الأمر من فعل الصلوات على جهة التجوز، وذلك أن كل من حصل في رتبة من خير أو شر ففي الأكثر تدعوه رتبته إلى التزيد من ذلك النوع، فمعنى هذا: ألما کنت مصلیا تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا؟ فكأن حاله من الصلاة جَسَّرَتْهُ على ذلك فقيل: أمرته، كما قال تعالی: ﴿إِنَ الضَّلَوةَ تَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥](١). ﴿تَأْمُرُكَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: تدعوك إلى أمرنا، الثاني فيها: أن تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا يعني من الأوثان والأصنام. ﴿أَوْ أَنْ نَّفَعَلَ فِىّ أَمَوَلِنَا مَا نَشَتؤًا﴾، فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: ما كانوا عليه من البخس والتطفيف. الثاني: الزكاة، كان يأمرهم بها فيمتنعون منها، قاله زيد بن أسلم وسفيان الثوري. الثالث: قطع الدراهم والدنانیر؛ لأنه كان ینهاهم عنه، قاله زيد بن أسلم (٢). (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٠٠/٣. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤١٩/٢، فتح القدير، الشوكاني ٥٨٨/٢، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٨٧. ٢٨٨ القرآن الكريمِ