النص المفهرس
صفحات 21-36
مري
وضعته في المكان القصي الذي انتبذت فيما يظنون صورة سيئة فقالت ﴿بَلَيْتَنِ مِثُ
قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا الحال، ﴿وَكُنتُ
إلیه أو قريبًا منه، وقد كانت في هذا المكان
وحيدةً فريدةٌ(١).
نَسْيًّا مَّنسِيًّا﴾ أي: لم أخلق ولم أك شيئا،
قال ابن عباس قالت ذلك استحياء من
الناس» (٢).
قال تعالى: ﴿فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ إِلَى جِدْعُ
اُلْنَّخْلَةِ قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْبًا
مَّنْسِيًّا ))﴾.
فَأَجَاءَ هَا الْمَخَاضُ﴾ أي:
ومعنی:
ألجأها المخاض واضطرها، والمخاض:
ما يرافق الولادة من جهد وإعياء وآلام
وزفرات، والجذع: ساق النخلة اليابسة
الذي لا سعف علیہ ولا غصن له، حیث
أسندت ظهرها إليه.
﴿قَالَتْ يَلَيْتَنِ مِثُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا
مَّنسِيًّا ﴾ تمنت لو أنها قد ماتت، قبل هذا
الموقف العصيب، وكانت نسيًا منسيًّا، أي:
شیئا لا يعتد به ولا یؤبه له، من شأنه أن ینسی
فلا يذكر، ولكن كيف تمنت ذلك مع ما
علمت من البشارة والكرامة ؟
عن ذلك يجيب المفسرون بأجوبة كثيرة
ومتنوعة: فیقول ابن کثیر في التفسير (( فیه
دليلٌ على جواز تمني الموت عند الفتنة،
فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا
المولود الذي لا یحمل الناس أمرها فیه علی
السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما
كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم
(١) ذكره الزمخشري في الكشاف ١١/٣.
وفي حاشية الجمل على الجلالين
(تمنت الموت من جهة الدين، إذ خافت
أن يظن بها السوء في دينها، أو استحياءً من
الناس فأنساها الاستحياء بشارة الملائكة لها
بعيسى عليه السلام، أو لعلها قالت ذلك:
لئلا تقع المصيبة بمن يتكلم فيها، وإلا فهي
راضية بما بشرت به، فلا يرد السؤال كيف
تمنت الموت مع أنها كانت تعلم أن الله
تعالی بعث لها جبريل عليه السلام، ووعدها
بأن يجعلها وولدها آية للعالمين)»(٣).
قال تعالى: ﴿فَنَادَتِهَا مِن تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ
قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِبًا وَهُزِىّ إِلَيْكِ يحِذْع
النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ رُطَبَّا جَنِيًّاً { فَكْلِى
وَأَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا فَإِمَّا تَرَبِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا
فَقُولِرَانِ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَّوْمَ
إِنسِيًّا ﴾[مريم: ٢٤-٢٦].
في غمرة الآلام التي ألمت بمريم رضي
الله عنها، وفى تلك اللحظات العصيبة التي
مرت بها وهي تعاني من آلام المخاض
ومخاطره، والوحدة والوحشة والترقب لما
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٦/٣.
(٣) حاشية الجمل على الجلالين ٣/ ٥٧.
www. modoee.com
٣٧٥
حرف الميم
ينتظرها من قومها حين يرون هذا الوليد، في
غمرة هذه الآلام الحسية والنفسية تغمرها
رحمة الله تعالی، فیتحول العسر إلى يسر
والضيق إلى سعة، والحزن والقلق إلى
فرح واستبشار وطمأنينة، ویولد عيسى عليه
السلام في جوٍّ من الكرامات، وينطقه(١)
المولى عز وجل.
وقال لها كما أخبر القرآن: ﴿فَنَادَتهَا مِن
تَحْنِهَا أَلَّا تَحْزَنِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِيًا﴾، أنطق
الله عيسى عليه السلام تسلية لأمه وتثبيتًا
لقلبها، وتمهيدًا لها إلى أنه كما نطق أمامها
وحدها فسوف ينطق أمام قومها ببراءتها
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ
اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ إِنِ عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَمِنِىَ الْكِتَبَ
وَجَعَلَنِى فِيَّان﴾ [مريم: ٢٩ -٣٠].
ولقد أجرى الله هذه المعجزة أمامها
وحدها، ثم أجراها بعد ذلك أمام قومها، كما
أجرى الله معجزة قلب العصا إلى حية أمام
موسی وحده، قبل أن يجريها أمام فرعون
وملئه؛ تثبيتًا لموسى عليه السلام وإعدادًا له
لمواجهة هذا الموقف.
﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْنَكِ سَرِبًا﴾ السري: قيل:
هو الجدول - النهر الصغير الجاري - سمى
بذلك لأن الماء يسري فيه، وعلى هذا القول
عامة المفسرين(٢).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٤/٢١.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٤/١٦، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢٢١/٥، تفسير القرآن
ولعل إيثار تسميته هنا ((سريا)) لما فيه من
تسرية لقلبها، وترويح عن نفسها وتسليةٍ لها
وهي في هذا الكرب والمحنة.
والسياق يدل على ذلك، قال تعالى:
﴿فَكُلِى وَأَشْرِ وَقَّرِى عَيْنًا﴾ فدل الأكل
على وجود الرطب، ودل الشرب على
وجود الماء الذي جاء عن طريق ذلك الماء
الجاري، وعن البراء بن عازب رضي الله
عنه قال: ﴿سَرِيًّا﴾: الجدول، نهرٌ صغيرٌ
بالسريانية (٣)
وقد أجرى لها المولى عز وجل هذا النهر
كرامةً لها، وإرهاصًا لعيسى عليه السلام،
وتسليةً لقلبها.
﴿وَهُزِىّ إِلَيْكِ بِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَقِطْ عَلَيْكِ
رُطَبًا جَنِيًّا
[مريم: ٢٥]. نعمة أخرى
ونفحة کبری لمریم رضي الله عنها، أن يأتيها
رزقها من الرطب وهي في مكانها، بقدرة
الله عز وجل ولطفه ورحمته، وكانت تلك
النخلة يابسةً فاخضرت وأثمرت في غير
أوانها؛ كرامة لمريم وتسلية لقلبها وزيادةً في
يقينها، وإظهارًا لقدرة الله عز وجل وعجيب
صنعه (٤).
العظيم، ابن كثير ١٧/٣، ومفاتيح الغيب،
الرازي ٢٠٥/٢١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب
أحاديث الأنبياء، باب قول الله: (واذكر في
الكتاب مريم)، ٤/ ١٦٥.
(٤) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ص ٥٦٥.
٣٧٦
جَوَسُور
القرآن الكريم
مري
﴿فَكُلِى وَآَشْرِ وَقَرِى عَيْنًا﴾، كلي من
ذلك الرطب الجني واشربي من ذلك الماء
العذب، ﴿وَقَرِى عَيْنًا﴾ أي: وطيبي نفسًا
بهذه الآيات وتلك الكرامات، واهنئي بالًا
بهذا المولود المبارك الذي صاحب مولده
تلك النفحات.
﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِ إِ نَذَرْتُ
لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَّوْمَ إِنسِيًّا
[مريم: ٢٦] أُمرت بالصوم عن الكلام
لأمرين:
أحدهما: أن كلام عيسى عليه السلام
وهو في المهد أقوى وأبلغ في إزالة التهمة
عنها، وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل
أولی.
والثاني: أن السكوت عن جدال السفهاء
أصون للعرض وأنسب لحيائها.
اتهام اليهود لمريم
قال تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلَّةٌ.
قَالُواْ يَمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّاً ) يَتَأُخْتَ
هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ تُكَلِّمُ مَن كَانَ فِ
٢٨
اَلْمَهْدِ صَبِيَّا ﴾ [مريم ٢٧ -٢٩].
قال القرطبي: « لما اطمأنت لما رأت
من الآيات، وعلمت أن الله تعالى سيبين
عذرها، أتت به تحمله من المكان القصي
الذي كانت انتبذت فيه)) (١).
والفاء هنا في (فأتت) تفيد التعقيب،
والسرعة، وهناك مفارقة عجيبة في هذه
فَحَمَلَتْهُ فَأَنتَبَدَتْ
القصة ففي بدايتها
بِهِ، مَكَانًاقَصِيًّا﴾ وفى نهاية المطاف ﴿فَأَتَتْ
بِهِ، قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾.
ففي الموضع الأول نرى مريم البتول
رضي الله عنها تسارع بحملها بعيدًا عن
قومها، خوفًا من نفوسهم المريضة وعقولهم
الفاسدة وظنهم السيِّئ وكلامهم الجارح
حین یرونها وهی حامل.
وفي الموضع الثاني بعد أن وضعت
المسح وقرت عينها به، واطمأن قلبها إليه،
وانشرح صدرها بالكرامات التي وقعت
لها، وامتلأ قلبها يقينا، وتبدل خوفها أمنًا،
وحزنها سرورًا وضعفها قوة وعزة وترفعًا
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١/ ٩٩.
www. modoee.com
٣٧٧
حرف الميم
وتحديًا وتعاليًا على الباطل وأهله، فجاءت امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَضِيًّا ﴾ [مريم ٢٨].
وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلمَّا
قدمت على رسول الله صلی الله عليه وسلم
سألته عن ذلك، فقال: (إنهم كانوا يسمون
بنفس راضية هانئة بهذه الهدية التي منحها بأنبيائهم والصالحين قبلهم)) (١).
إلى قومها يحملها اليقين ويحدوها الأمل
ويقودها الإيمان، وهى تحمل وليدها
الحبیب نبي الله عیسی علیه السلام، جاءت
لها رب البرية.
لقد أصبحت مریم أمَّا لنبي، وأي شرف
لأمِّ أعظم من ذلك، وأي رجاء أعظم من
نجابة الولد واستقامته، ومع ذلك فإنها
تعرف سلفا موقف قومها، الذين يقابلون
الآيات بالإنكار والجحود، والإنعامات
بالحسد والحقد، وقد صدق ظنها فيهم
حين رأوها فقالوا دون تفكر أو تمهل - كما
أخبر القرآن الكريم: ﴿قَالُواْ يَمَرْبَهُ لَقَدْجِئْتِ
شَيْشَّا فَرِيًّا﴾: أي: شيئًا فظيعًا منكرًا عجيبًا.
﴿يَأْخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ آَمْرَأَ سَوْءٍ
وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّاً﴾: بعد أن اتهموها،
وافتروا عليها، قالوا لها هذه المقولة
على سبيل السخرية والتهكم والتشكيك
والتحريض.
قالوا: ﴿يَأْخْتَ هَرُونَ﴾ تشبيهًا لها:
بهارون النبي أخي موسى عليهما السلام
في تقواه وصلاحه وحياته، وكانوا يسمون
وينعتون بأنبيائهم عن المغيرة بن شعبة رضي
الله عنه.
قال: لما قدمت نجران سألوني: فقالوا:
إنكم تقرؤون: ﴿يَأُخْتَ هَرُونَ مَا كَانَ أَبُكِ
والظاهر أن هذه الآية العجيبة التي بهتت
اليهود لم تزجر كثيرًا منهم ولم تكفهم عن
التمادي في الافتراء والكذب على مريم
البتول، فكان هذا من أسباب غضب الله
عليهم وعقوبتهم الدنيوية مع ما ينتظرهم
يوم القيامة، وأي ذنبٍ بعد الكفر بالله،
والافتراء على أنبيائه الكرام الأخيار، وآلهم
الطيبين الأبرار، سيما من برأها الله تعالى
بآيةٍ مشاهدةٍ محسوسة، وسجَّلَ براءتها في
كتابه الكريم.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ
وَكُفْرِهِم ◌ِثَايَتِ الَّهِ وَقَيْلِهِمُ الْأَنْبِيَّةَ بِغَيْرِ حَقٍّ
وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا خُلُّفٌ بَلْ طَبَعَ اَللَّهُ عَلَيَّهَا بِكُفْرِهِمْ
فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا
وَبِكُفْرِهِمْ وَقَّوْلِهِمْ
١٥٥
عَلَى مَرْيَمَ بَهْتَنَا عَظِيمًا
[النساء: ١٥٥ -
١٥٦].
فتلك صفحاتٌ مطويةٌ في تاريخ اليهود
وجرائم مسجلة عليهم، منها: نقض المواثيق
مع جلالها، والجحد بآيات الله مع جلائها،
وقتلهم الأنبياء خيرة الخلق، بدون جريرة ولا
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الآداب،
باب النهي عن التكني بأبي القاسم، وبيان ما
يستحب من الأسماء، رقم ٢١٣٥.
٣٧٨
مُوسُو ◌َةُ التقنية
القرآن الكريم
مر
حق. ومن کفرهم البواح وظلمهم العظیم
افتراؤهم على خير نساء العالمين الصديقة
العابدة التقية الطاهرة مريم بنت عمران
التي نبتت من أرومة مجدٍ طاب غراسها،
ودرجت في بيت صلاح وتقى شَعَّتْ أنواره،
وتقبلها ربها بأحسن قبول ظهرت بركاته
وجلت آثاره، وكان كافلها ومعلمها نبيِّ
كريمٌ مبجل، وانقطعت للعبادة والتبتل،
ورغم ذلك فقد اتهمها اليهود في عرضها،
وغمزوها في عفافها، وهي الصديقة التي
بلغت معالي الرتب والدرجات، الطاهرة
التي برأها ربها بأعظم الآيات وأبلغ البينات،
فأنطق ولدها في المهد، وشهد لها بالطهر
والمجد، وفند كذب اليهود وبهتانهم الذي
لیس له حد.
بعد کفر حجب کثیفة وغیوم قاتمة وقلوب
تراکم عليها الظلام، کفروا بموسی ثم كفروا
بعیسی، فقد دخلوا إلى الكفر من أبوابٍ
كثيرة، فقد كفروا بالأنبياء بل وقتلوهم،
وشنعوا على مريم وتآمروا على ولدها
عيسى عليه السلام.
وعطف البهتان على الكفر دليلٌ على
شناعته و قبحه، ووصفه بالعظیم لتهویله، إذ
أي بهتان أعظم من رمي سيدة نساء العالمين
الصديقة العابدة سليلة بيت الطهر والعفاف
ربيبة أهل التقى والصلاح، نذيرة العبادة،
وراهبة المحراب !
إنه ابتلاءٌ عظيمٌ أن يرمي الغوغاء ذات
الطهر والنقاء، وهل أشد على الحرائر
العفيفات، المحصنات الغافلات من الاتهام
في أغلى ما يملكن.
كلام المسيح عليه السلام في المهد تبرئة
لأمه مما اتهمت به:
قال تعالى ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِمُ
مَنْ كَانَ فِ اَلْمَهْدِ صَبِيًّا ، قَالَ إِ عَبْدُ اللَّهِ
ءَاتَنِىَ الْكِتَبَ وَجَعَلَغِي ◌َبِيًّا وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ
مَا كُنتُ وَأَوْصَنِى بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَا دُمْتُ
حَيَّا (٦) وَبَرَّا بِوَلِدَتِ وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَفِيًّا
٦ وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتٌ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ
أَبْعَثُ حَيَّات)﴾
نطق عيسى عليه السلام وهو في المهد
وتكرر الكفر منهم لأنه كفرٌ بعد كفر بقدرة الواحد الأحد، نطق أول ما نطق
بأنه عبد الله وفي هذا تنزيهٌ لله تعالى عن
الصاحبة والولد، وردٌّ على النصارى الذين
زعموا أنه إله وابن إله، تعالى الله عما
يقولون علوًا كبيرًا.
قال الرازي في هذا المقام: (( إن الذي
اشتدت إليه الحاجة في ذلك الوقت إنما
هو نفي التهمة عن مريم، ثم إن عيسى عليه
السلام لم ينص على ذلك وإنما نص على
إثبات عبوديته لله كأنه جعل إزالة التهمة عن
الله تعالى أولى من إزالة التهمة عن الأم،
فلهذا أول ما تكلم إنما تكلم بها، لأن التكلم
www. modoee.com
٣٧٩
حرف الميم
بإزالة التهمة عن الله تعالى يفيد إزالة التهمة
عن الأم، لأن الله سبحانه لا يخص الفاجرة
بولد في هذه الدرجة العالية والمرتبة
العظيمة، وأما التكلم بإزالة التهمة عن الأم
فلا يفيد إزالة التهمة عن الله تعالى فكان
الاشتغال بذلك أولى)) (١).
﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَّمْنِىَ الْكِنَبَ وَجَعَلَنِى
نَبِيًّا﴾: فنطق عليه السلام أول ما نطق
بغاية وجوده و کمال إنسانيته في عبوديته لله
تعالى، وأجل نعم الله عليه الكتاب والنبوة،
وهي اصطفاء خاصٍّ، ومنزلة عظيمة،
ومكانة عالية، لا تكون إلا لأشرف وأكرم
وأطهر خلق الله، فنبوته عليه السلام دليل
على براءة أمه، لأن الأنبياء من أطهر الناس
نسبا، والمراد بالكتاب الإنجيل الذي أنزله
الله عليه، أو التوراة التي علمه الله إياه.
﴿وَجَعَلَنِ مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ نفاعا يجعلني متجبرًا متكبرًا على الحق والخلق
حیث کنت، وقيل: معلما للخير، وقيل:
ثابتا في الدین، صاحب عزم ویقین، وقيل:
البركة هي الزيادة والعلو، فكأنه قال جعلني
في جميع الأشياء غالبا موفقا إلى أن يكرمني
الله بالرفع إلى السماء(٢)، والمقصود من
كلامه: باعتبار ما سيكون، إخبارٌ عما قدره
الله تعالى له، فهو في حكم الواقع المحقق
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٩/٢١.
(٢) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٥٣/١٦،
مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٢١٤.
لأنه سيقع بإذن الله (٣).
﴿وَأَوْصَغِ بِالصَّلَوَةِ وَالزَّكَوْةِ مَادُمْتُ حَيَّ﴾
أي: أوصاه بها حين يقدر على القيام بها،
والصلاة والزكاة لا تجب إلا بعد البلوغ،
وإن کانت تصح قبل ذلك، فأوصاني بالقيام
بحقوقه التى من أعظمها الصلاة وحقوق
عباده التي من أجلها الزكاة، مدة حياتي في
هذه الدنيا أي فأنا ممتثل لوصية ربى، عامل
علیھا منفذ لها.
﴿وَبَرَّا بِوَلِدَتِ﴾ أي: جعلني المولى عز
وجل بارًا بأمي، رفيقًا بها، محسنًا إليها، وفى
ذلك بيان لنزاهتها وبراءتها من افتراء اليهود
عليها، واستحقاقها للبر والإحسان، وردٌ
على ما جاء في الأناجيل من ادعاء جفوته
وغلظته في معاملتها وتنکره لها ونفوره منها.
﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِ جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ أي: ولم
بل جعلني برًا رحيمًا، عطوفًا كريمًا،
متواضعًا للحق، مطيعًا لأوامر الله عز وجل.
وبهذه الصفات التي تحلى بها عيسى
عليه السلام استحق السعادة في الدنيا
والآخرة واستحق السلام من المولى عز
وجل في الدنيا والآخرة.
﴿وَالسَّلَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدِتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ
وَيَوْمَ أَبْعَثُ حَيًّا﴾ ومروره بهذه الأطوار،
وتقلبه في هذه الأدوار میلاد ثم ممات ثم
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣٢١/٣.
٣٨٠
جوبيه
القرآن الكريم
مرس
بعث: دليل على حدوثه ويشريته، فالإله
لا يتغير ولا يتحول، والإله الحق لا يفتقر
لغیرہ، ولا يحتاج إلى من سواه.
نبوة مريم عليها السلام
زعم بعض أهل العلم أن مريم عليها
السلام نبية من الأنبياء، لأن الله عز وجل
أوحى إليها، ومن الذين قالوا بهذا: الإمام
ابن حزم الظاهري الأندلسي، الذي عقد
فصلا في كتابه الفصل بعنوان (نبوءة النساء):
ادعى فيه ثبوت نبوءة النساء ومن كلامه في
ذلك: (( جاء في القرآن أن الله عز وجل قد
أرسل ملائكة إلى نساء فأخبروهن بوحي
حق من الله تعالى، من ذلك تبشير الملائكة
لأم إسحاق به.
قال عز وجل: ﴿وَأَمْرَأَتُهُ. قَآيِمَةٌ فَضَحِكَتْ
فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ))
[هود: ٧١].
فهذا خطاب من ملك لغير نبي بوجه من
الوجوه، ووجدناه تعالی قد أرسل جبريل
إلى مريم عليها السلام فخاطبها وقال لها:
قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَمًّا
زَكِيًّا ﴾﴾ [مريم: ١٩].
فهذه نبوة صحيحة بوحي صحيح،
ورسالة من الله تعالى إليها، وهكذا أم
موسى أوحى الله تعالى إليها أن تلقي موسى
في اليم، وأنه سوف یعیده، ویجعل له شأنًا.
قال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَآَ إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ
أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْفِيهِ فِىِ الْيَدِّ وَلَا
تَخَافِى وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكٍ وَجَاِلُوهُ مِنَ
www. modoee.com
٣٨١
حرف الميم
المُرْسَلِين
[القصص: ٧])) (١).
٧
ومن القائلين بنبوة مريم أيضا الإمام
القرطبي في تفسيره حيث يقول: «
والصحيح أن مريم نبية؛ لأن الله تعالى
أوحی إليها بواسطة ملك، كما أوحى إلى
سائر الأنبياء))(٢).
وقال القرطبي إن مريم أفضل النساء
على الإطلاق؛ لأنها نبية والنبي أفضل من
الولي، فهي أفضل من كل النساء: الأولين
والآخرين مطلقًا (٣).
وقال أيضًا: ومن قال لم تكن نبية قال: إن
رؤيتها للملك کما رؤي جبريل عليه السلام
في صورة بشرية حين سؤاله عن الإسلام
والإيمان ولم تكن الصحابة بذلك أنبياء.
والأول أظهر، وعليه الأكثر. والله أعلم (٤).
وقال في تفسير قوله تعالى ﴿وَأُتُّهُ.
صِدِّيقَةٌ﴾ (« يجوز أن تكون صديقة مع
كونها نبیة کإدريس عليه السلام» (٥).
والصحيح في هذه المسألة أن مريم
عليها السلام ليست نبية وإنما هي صديقة،
والدليل على ذلك ما يلي:
١. قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا
(١) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن
حزم ٥ / ١٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤ / ٠٨٣
(٣) المصدر السابق.
(٤) المصدر السابق ٤ / ٨٤.
(٥) المصدر السابق.
رِجَالًا تُوجِىّ إِلَيْهِمْ فَسْتَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن
كُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، فهذا دليلٌ
صريحٌ على أن النبوة في الرجال دون
النساء.
٢. أن مريم وأم إسحاق وأم موسى لم يأت
في القرآن تصريح بنبوتهن ضمن من
صرح الله بنبوتهم.
٣. أن كلام الملائكة لمريم عليها السلام
لا يعد دليلا على ثبوت نبوتها، إذ النبوة
هي وحى من الله تعالى لنبي من الأنبياء
بكيفية مخصوصة، وبواسطة الملك،
کما أن کلام جبريل لها لم يكن برسالة
أو نبوة بمفهومها الشرعي وإنما كان
بأمر من الله تعالى وبشارة منه سبحانه
وکلام الملائكة لأم إسحاق لم یکن إلا
بشارة لها، والحكمة في الكلام المباشر
أن البشارة تعظم في النفس بعظم
المبشر بها.
٤. أن الإلهام كما يقع للأنبياء فقد يقع
للأولياء، ويكون في حقهم كرامة
وليس بمعجزة، والرؤيا الصالحة نوع
من أنواع الوحي (الإلهامي) ولم يقل
أحد أن کل من رأى رؤيا صالحة فهو
نبي.
٥. أن الوحي بمعناه الأعم: إعلام الله
تعالى، جاء في القرآن الكريم في
مواضع كثيرة ولم يقل أحد أنه نبوة.
٣٨٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
مري
قال تعالى: ﴿فَقَضَنُهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِی
يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِ كُلِّ سَمَآٍ أَمْرَهًا﴾ [فصلت:
١٢]. وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّْلِ
أَنِ أَخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُونًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِنَّا
[النحل: ٦٨]. ولم يقل
(٦٨)
يَعْرِشُونَ
أحد من العقلاء بنبوة الأرض والسماء
ولا بنبوة النحل، إذ أن الوحي بمفهومه
اللغوي العام أوسع من معناه الشرعي
المخصوص: إعلام الله تعالى لنبي من
أنبيائه بواسطة أو بغير واسطة.
٦. هذا ولم يرد في القرآن الكريم ولا
في السنة وصفها بالنبوة، وإنما جاء
وصفها بأوصاف أخرى تدل على
صلاحها وطهرها وصديقيتها. قال
تعالى: ﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُّ مَرْيَمَ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأَتُّهُ.
صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: ٧٥].
ضلال بعض طوائف النصارى في مريم
بلغ غلو بعض طوائف النصارى في
مريم إلى عبادتها والاستغاثة بها والتوسل
بھا والصلاة لها.
يقول ول ديورانت: (( كانت تشير عبادة
مريم العذراء في العصور الوسطى إلى ما
كان لها من التبجيل وقتذاك)» (١).
وفي موضع آخر يقول: بل إن العابد
التقي في بلاد البحر الأبيض المتوسط في
هذه الأيام يلجأ إلى مريم أكثر مما يلجأ إلى
الأب أو الإبن (٢).
وفي موضع آخر یذکر « ذلك أن سیریل
كبير أساقفة الإسكندرية وصف في موعظة
له شهيرة ألقاها في إفسس عام ٤٣١،
مریم بكثير من العبارات التي كان الوثنيون
من أهل تلك المدينة يصفون بها ((إلهتهم
الكبرى)» أرتميس - ديانا دلالة على حبهم
إياها)»(٣).
وقد بين القرآن الكريم أنها عابدةٌ قانتةٌ
لله تعالى، مستسلمةٌ لقضائه راضيةٌ بحكمه،
وأنها بلغت منازل الصديقين، بصدقها
واجتهادها في العبادة.
قال تعالى في سورة المائدة: ﴿لَقَدْ
كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ اَلْمَسِيحُ
(١) قصة الحضارة ١/ ٤٨٢.
(٢) المصدر السابق ١١/ ٤٥٣.
(٣) المصدر السابق ١٦ /٤٤١.
www. modoee.com
٣٨٣
حرف الميم
أَبْنُ مَرْيَمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
إِنْ أَرَادَأَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ
وَأُنَّهُ, وَمَن فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ
مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَأَّ
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاَللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ))﴾.
وأقامه علی سننهم، وأمه صديقةٌ عابدةٌ، كانا
يأكلان الطعام، والحاجة للطعام والشراب
غریزةٌ إنسانيةٌ، أما الإله فهو غنيٌ قويٌّ، لیس
کمثله شيء، فکیف یدعون أنه إله أو ابن إله
! فتأمل كيف يقيم الله الحجة عليهم من
فالمسيح عليه السلام بشرٌ رسولٌ، لا وجوهٍ عديدةٍ ثم هم يصرفون عن الحق،
ويقلبون الحقائق ويقرون الأباطيل ! مع
جلاء الآيات و تصريفها !
يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا، ولو أراد الله
أن یهلکه وأمه ومن في الأرض جميعا فلا
يملك أحدٌ من الخلق أمرًا، وكل ما في
السموات والأرض ملكٌ لله تعالى وتحت
قدرته تعالى، لا يقدر أحدٌ من المخلوقين أن
يدفع عن نفسه ضرًا أراده الله، فضلا عن أن
يدفع عن غيره ما حل به، وفي هذا ردٌ لمن
زعم ألوهية مريم أو أضفى عليها شيئا من
الخصائص أو الصفات الإلهية.
﴿مَّا الْمَسِيحُ أَبْنُّ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ
قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُتُّهُ صِدِّيقَةٌ
كَانَا يَأْكُلَانِ الَّعَامُّ أَنْظُرْ كَيْفَ
نُبَيُِّ لَهُمُ الْآَيَتِ ثُمَّ أَنْظُرْ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ ﴾ [المائدة: ٧٥].
فبين الله تعالى القول الحق في المسيح
عليه السلام وهو أنه بشرٌ رسول، ونسبته
لمریم، لأنه لا أب له، ولو کان له أبُّ لُنسب
إليه، وإنما خلقه الله بلا أبٍ لحكمةٍ بالغةٍ،
تدل علی کمال قدرته تعالى، وبديع صنعه،
وعيسى عليه السلام بشرٌ رسولٌ، شأنه شأن
من سبقه من الرسل، أرسله الله على نهجهم
٣٨٤
صَوَنُو
القرآن الكريم
مري
الدروس المستفادة من قصة مريم
في تخصيص آل عمران بالذكر وعطف
على آل إبراهيم وهم منهم اعتناء بهم
وزيادة تشريف لهم وتوطئة للحديث
عن أم مريم ومريم وعيسى عليه السلام.
ضرب القرآن الكريم أمثلةً رائعة للمرأة
الصالحة، وصور بأبلغ بيان مشاهد
وصورا في حياة المرأة وهي في حملها
وعند مخاضها وعند رعايتها لصغيرها،
وهذا يدل على احتفاء القرآن بالأم
ورعاية الإسلام للأمومة.
قال الشيخ السعدي: ((ومن الفائدة
والحكمة في قصه علينا أخبار هؤلاء
الأصفياء أن نحبهم ونقتدي بهم،
ونسأل الله أن يوفقنا لما وفقهم، وأن لا
نزال نزري أنفسنا بتأخرنا عنهم وعدم
اتصافنا بأوصافهم ومزاياهم الجميلة،
وهذا أيضا من لطفه بهم، وإظهاره
الثناء عليهم في الأولين والآخرين،
والتنويه بشرفهم، فلله ما أعظم جوده
وكرمه وأكثر فوائد معاملته، لو لم يكن
لهم من الشرف إلا أن أذكارهم مخلدة
ومناقبهم مؤبدة لكفى بذلك فضلا. (١)
دور الأم في تربية الأبناء وبركة الدعاة
للأبناء بالصلاح.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٢٨.
رعاية الولد تبدأ مبكرة منذ أن يتحرك
في أحشاء أمه بل تبدأ باختيار الأم
الصالحة، قال أبو الأسود الدؤلى لبنيه:
لقد أحسنت إليكم صغارا، وأحسنت
إليكم كبارا، وقبل أن تولدوا، قالوا:
وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد ؟
فقال: اخترت لكم أما صالحة (٢).
■ استحباب النذر ووجوب الوفاء به
وبر كته.
حرص المؤمن على تقبل عمله، بتحري
أسباب القبول.
قول أم مريم: ﴿رَبِّ إِنِّ نَذَرْتُ لَكَمَا
فِي بَطْنِ مُحَزَّرًا﴾ أي: خالصا لوجهك،
مخلصا لطاعتك وعبادتك، عن مجاهد
قال: ((إن المحرر هو الخالص لله عز
وجل لا يشوبه شيء من أمر الدنيا ولا
يشغله شاغل عن عبادة الله تعالى ))
(٣)، وفي هذا منقبةٌ لمريم حيث نذرتها
أمها خالصة للعبادة، فكأنما حررت من
أسر الدنيا وقيودها (٤). وفي هذا بيان
للمفهوم الصحيح للتحرر أنه التجرد
لله تعالى من كل الأهواء، والتحرر من
کل قیدٍ یحول بين العبد وبين ربه، أما
التحرر الذي يدعو إليه أعداء الإنسانية
فهو دعوة مشبوهة ودعوى زائفة
(٢) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ١٩٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٦٦.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/ ٢٣٢.
www. modoee.com
٣٨٥
حرف الميم
وشعارات براقة خداعة، تعنى التحرر
من كل فضيلة، والتمرغ في أوحال
الرذيلة، وتحطيم القيم والأخلاق
الكريمة والهجوم الشرس على دين
الإسلام وتعاليمه القويمة.
حسن التأدب مع الله تعالى في الدعاء
والتوسل بالعمل الصالح وبأسماء الله
الحسنى وصفاته العلى.
الصدق مع الله تعالى وإمضاء العزم
وعلو الهمة.
الحرص على صلاح الأولاد ونفعهم
لدینهم وقومهم.
بيان أهمية العامل الوراثي وأثره الفعال
في تكوين الشخصية والطباع.
قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَّوَ كَالْأُنَ﴾
إشارةٌ لكون (( الأنثى ليست كالذكر
في ترکیبها الجسمي، ولا في ترکیبها
النفسي، ومن ثم فلابد أن تكون
وظيفتها تختلف عن وظيفة الذكر،
ولا بد أن يترتب على ذلك اختلاف
في المسئوليات واختلاف في الحقوق
والواجبات، ومن أراد المساواة
المطلقة بين الرجال والنساء: فليسو
بينهما في التركيب الجسمي والنفسي
أولًاً!)) (١). وقد أثبت العلم أن هناك
فروقا كثيرة عضوية ونفسية بين الرجل
(١) الأساس في التفسير، سعيد حوى ٢/ ٧٦٢.
جومبو
القرآن الكريمِ
والمرأة، وهى فروق كثيرة ومتعددة.
تحري الأسماء الحسنة العذبة من حق
الولد على أبيه، ومن أسباب البركة
والصلاح.
* في هذه الدعوة التي توجهت بها امرأة
عمران لربها إشارة إلى حرصها
ورجائها في أن يحفظ الله لها بنتها
ويرعاها حتى تشب وتکبر وتكون لها
ذرية ولقد استجاب الله تعالى لها. عن
أبى هريرة رضي الله عنه قال: سمعت
رسول الله صلی الله علیه وسلم (قال:
ما من بني آدم مولودٌّ إلا يمسه الشيطان
حين يولد فيستهل صارخًا من مس
الشيطان غير مريم وابنها) ثم قال أبو
هريرة: واقرءوا إن شئتم ﴿وَإِنٌ أُعِيذُهَا
بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾))(٢).
حرص الأبوين على تجنيب الذرية كل
وساوس الشيطان ونزغاته.
الغراس الطيب في التربة الطيبة مع
تعهده بالرعاية يثمر نبتًا طيبًا مباركًا
نافعًا.
٤ رعاية الله تعالى لأنبيائه وأوليائه
وذریاتهم.
قال البقاعي: (( ﴿ فَقَبَّلَهَا ﴾ جاء بصيغة
التفعل مطابقة لقولها: (فتقبل)، وفيه
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واذكر في
الكتاب مريم)، ٤ / ١٦٥.
٣٨٦
مري
إشعار بتدریج وتطور وتکثر، کأنه یشعر
بأنها مزيد لها في كل طور تتطور إليه،
من حیث لم یکن فاقبل مني فلم تكن
إجابته: فقبلها، فيكون إعطاء واحدًا
منقطعًا عن التواصل والتتابع، فلا تزال
بركة تحريرها متجددًا لها في نفسها
وعائدًا بركته على أمها حتى تترقى)) (١).
وفي ذكر الفعل من (أفعل) في قوله:
﴿وَأَنْبَتَهَا﴾ والاسم من (فعل) في
قوله: ﴿نَبَاتَّا حَسَنًا﴾ إعلام بكمال
الأمرين من إمدادها في النمو الذي
هو غيب عن العيون وكمالها في ذاتية
النبات الذي هو ظاهر للعين، فكمل
في الإنباء والوقوع حسن التأثير وحسن
الأثر، فأعرب عن إنباتها ونباتها معنى
حسناً. انتهى(٢).
لزوم مريم الصديقة للمحراب دليل
كمالها وعلو همتها وصدقها مع الله
تعالى.
رد على اليهود والنصارى الذين
يزعمون أنهم أبناء الله وأحباؤه
وصفوة خلقه مع فساد اعتقادهم وسوء
أخلاقهم وعدائهم للحق ومخالفتهم
لما جاء به الأنبياء عليه السلام.
توجیه وإرشاد إلى وجوب اتباع الأنبياء
(١) نظم الدرر ٢/ ٧٢.
(٢) المصدر السابق.
والاقتداء بهم والسير على طريقهم ففيه
الصلاح والفلاح.
# حرص الأحبار من بني إسرائيل على
كفالة مریم وتنافسهم علی ذلك دليل
حرصهم على نيل الأجر والثواب،
فمريم بنت إمامهم ومعلمهم، وهى
طفلة يتيمة تحتاج إلى يد كريمة وإلى
قلب عطوف، يقودها إلى بر الأمان،
ولقد حثنا الإسلام على كفالة اليتيم،
وأمر بإصلاح شأنه والمحافظة على
ماله، وتنميته، حتى يبلغ سن الرشد.
قال أبو حيان: ((و(كلما): تقتضي
التكرار، فيدل على كثرة تعهده وتفقده
لأحوالها (٣).
اليتيم ليس في حاجة للطعام والشرب
والملبس والمأوى فحسب بل في
حاجة إلى رعاية نفسية وإلى رعاية
تربوية وعلمية وقد ظهر ذلك في كفالة
زكريا عليه السلام لمريم.
قال الإمام القرطبي رحمه الله: استدل
بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات
القرعة وهي أصل في شرعنا لكل من
أراد العدل في القسمة، وهى سنة عند
جمهور الفقهاء في المستويين في
الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم
وترتفع الظنة عمن يتولى قسمتهم
(٣) البحر المحيط ٣٣٦/٢.
www. modoee.com
٣٨٧
حرف الميم
ولا یفضل أحد منهم علی صاحبه إذا
كان المقسوم من جنس واحد؛ إتباعا
للكتاب والسنة)) (١).
وقوع الكرامات للأولياء؛ فهذا الرزق
الذي ساقه المولى عز وجل لمريم
بغير حساب وبهذا الأمر العجاب كرامة
لها، والكرامة هي أمر خارق للعادة
يظهره الله على يد عبد صالح غير
مدع للرسالة، وهى مأخوذة من الكرم
والإكرام؛ لأنها كرم وجود من المولى
عز وجل، وإكرام لصاحبها وتكريم
له، قال الإمام الطحاوى رحمه الله:
(( ونؤمن بما جاء من كراماتهم، وصح
عن الثقات فى رواياتهم.)» (٢).
إعداد الله تعالى لأنبيائه وأوليائه لما
پھیئهم له من جلائل الأمور.
يجوز تمني الموت عند وقوع الفتن
واشتداد المحن، وخوف المؤمن على
نفسه من الافتتان.
بركة رعاية الصالحين وتفقد أحوالهم.
اصطفاء مريم على سائر نساء العالمين
منقبة لها لم ترد في الأناجيل المحرفة،
حيث تفرد القرآن بذكر أمور كثيرة
ومناقب عديدة للصديقة مريم لم ترد
في كتب النصارى.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٦/٤.
(٢) شرح العقيدة الطحاوية، شرح ابن أبي العز
ص٤٩٥.
أمر القرآن بذكر مريم الصديقة ومدارسة
قصتها العجيبة ومآثرها الماجدة، فلقد
ضربت أروع الأمثلة في الطهر والعفاف
والعبادة والصبر والثبات والفصاحة
والحصافة والحياء والحشمة واليقين
والمعرفة قال السعدي رحمه الله: ((
وهذا من أعظم فضائلها، أن تذكر في
الكتاب العظيم، الذي يتلوه المسلمون
في مشارق الأرض ومغاربها، تذكر فيه
بأحسن الذكر، وأفضل الثناء، جزاء
لعملها الفاضل، وسعيها الكامل)) (٣).
حسن بديهة مريم وحسن تصرفها
وحكمتها ورزانتها وحصانتها وثباتها
وأدبها وحسن ظنها وثقتها بربها، تجلى
ذلك حينما دخل عليها جبريل عليه
السلام خلوتها فقالت كلماتها القيمة.
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ
هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌّ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةٌ لِلنَّاسِ
تدل على كمال قدرة الله تعالى وعلى
أن الأسباب جميعها لا تستقل بالتأثير
وإنما تأثيرها بتقدير الله فيري عباده
خرق العوائد في بعض الأسباب
العادية لئلا يقفوا مع الأسباب ويقطعوا
النظر عن مقدرها ومسببها (٤).
قال أبو حيان: ((ودل على عفافها
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩١.
(٤) المصدر السابق.
٣٨٨
جوبيه
القرآن الكريم
مري
وورعها أنها تعوذت به من تلك
الصورة الجميلة الفائقة الحسن وكان
تمثيله على تلك الصفة ابتلاءً لها وسبر
لعفتها (١).
* آلام المخاض وأثره البدني والنفسي
على المرأة، وحاجتها إلى لطف وأنسٍ
وهي في أصعب الأوقات.
يأتي الفرج بعد اشتداد الكرب ويأتي
اللطف وتهب نسائم الرحمات عند
الابتلاءات.
الإعراض عن السفهاء ومجانبتهم،
وكراهة مجاراتهم.
الابتلاء سنة الله تعالى في الأنبياء
والأصفياء.
الله تعالى يتولى الدفاع عن أنبيائه
وأوليائه.
الافتراء وسوء الظن بالأنبياء والصالحين
من طباع اليهود والمنافقين.
بلغ قوم مريم من السفاهة مبلغا عظيما
حتى رموها وهى الطاهرة العفيفة بما
هي بريئة منه، ومع ذلك فإنها امتنعت
عن الكلام، وفى ذلك إشارة إلى
الإعراض عن السفهاء وعدم مجاراتهم
في سفههم.
بر عیسی علیه السلام بأمه دليل طهرها
وصدقها، وردٌ على ما ورد في الأناجيل
(١) البحر المحيط ٦/ ١٣٢.
مما يدل على جفائه.
* التوكل على الله لا ينافي الأخذ
بالأسباب، ومريم رضي الله عنها كان
رزقها یأتیها من عند الله، ولما جاءت
ساعة المخاض أمرها الله عز وجل أن
تهز النخلة أخذا بالأسباب.
قال ابن عطية: ((وقد استدل بعض
الناس من هذه الآية على أن الرزق وإن
کان محتوما فإن الله تعالی قد و کل ابن
آدم إلی سعي ما فیه لأنه أمرت مریم بھز
الجذع لترى آية و کانت الآية تکون بأن
لا تهز هي» (٢).
أكل مريم رحمها الله من الرطب إشارة
إلى ما أثبته الطب من أهمية الرطب
للمرأة النفساء.
وردت قصة مريم في سورة تحمل
اسمها وأخرى تحمل اسم أبيها عمران،
وسورة الأنبياء، وسورة التحريم التي
استفتحت بذكر أمهات المؤمنين،
وختمت بذكر سيدة نساء العالمين آسية
ومريم، وذكرها في سورة الأنبياء في
سياق رعاية الله تعالى لأنبيائه عطفا
على ولدها المسيح عليه السلام بيان
لمكانة مريم في القرآن، وعظمة القرآن
ورفعته وتسامح الإسلام وشموله
وعالميته، وأن القرآن امتداد للكتب
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٤.
www. modoee.com
٣٨٩
حرف الميم
السابقة المنزلة، ونبينا محمدا صلى
الله عليه وسلم حلقة أخيرة في سلسلة
الأنبياء عليهم السلام وامتداد لهم.
التكاليف الشرعية لا تسقط عن العبد
ما دام حيا عاقلا، ومهما بلغ مقامه
عند الله، وفى ذلك رد على بعض
المتصوفة، الذين قالوا بسقوط التكليف
عن العبد عند بلوغه درجة معينة.
عن كلام المسيح في المهد قال
الألوسي: (( وذكر عبوديته لله تعالى
أولًا: لأن الاعتراف بذلك على ما قيل
هو أول مقامات السالكين، وفيه رد على
من يزعم ربوبيته وفى جميع ما قال تنبيه
على براءة أمه لدلالته على الاصطفاء
والله سبحانه أجل من أن يصطفي ولد
الزنا، وذلك من المسلمات عندهم،
وفيه من إجلال أمه عليهما السلام ما
ليس في التصريح، وقيل: لأنه تعالى لا
يخص بولد موصوف بما ذكر إلا مبرأة
مصطفاة)) (١).
موضوعات ذات صلة:
بنو إسرائيل، زكريا عليه السلام، عيسى
عليه السلام، النساء
(١) روح المعاني، الألوسي ٨٩/١٦.
٣٩٠
جوسين
القرآن الكريم