النص المفهرس

صفحات 41-60

المسؤولية
بین العبد وربه، وفیما بینه وبین الناس(١).
قال القرطبي: قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ مِشَقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥].
بِعَهْدِ اللَّهِ ﴾ لفظ عام لجميع ما يعقد باللسان
ويلتزمه الإنسان بالعدل والإحسان (٢).
والقرآن ینبه إلى ضرورة الوفاء بالعهد
والعقد، والذي ينشأ بموجبه حقٌّ للمعاهد،
لاسيما إذا كان مؤكدًا وموثقًا بالأيمان،
ويحذر من نقضه بعد توثيقه بالأيمان
وتغليظه بأن جعل الله سبحانه علیه راعيًا،
فأمر بعدم مخالفة الأمر الذي تم التعاقد
عليه، ونهى عن الحنث في الأيمان المبرمة
المؤكدة (٣)
.
ونقض الأيمان: إبطال ما كانت لأجله،
فالنقض إبطال المحلوف عليه لا إبطال
القسم، فجعل إبطال المحلوف عليه نقضًا
لليمين في قوله: ﴿وَلَا نَنقُضُوا الْأَيْمَنَ﴾
تهويلًا وتغليظًا للنقض؛ لأنه نقض لحرمة
الیمین.
و﴿بَعْدَ تَّوْكِيدِهَا﴾ زيادة في
التحذير، وليس قيدًا للنهي بالبعدية، إذ
المقصود أيمان العهد والبيعة، و (بعد) هنا
بمعنى (مع)، إذ أثرهما واحد هنا، وهو
حصول توثيق الأيمان وتوكيدها، كقوله
تعالى: ﴿يِّئْسَ الِاسْمُ اَلْفُسُوقُ بَعْدَ اَلْإِيَمَنِ﴾
[الحجرات: ١١].
(١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ٤٣٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٦٩/١٠.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٢٨١.
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ
والتوكيد: التوثيق وتكرير الفتل (٤).
ـمَهْدِ اللَّهِ أَوْفُو
وفي قوله سبحانه:
[الأنعام: ١٥٢].
أشار بعض أهل التفسير إلى أن العهد
هنا عام في جميع ما عهده الله إلى عباده.
واحتمال أن يراد به العهود بين الناس،
وإضافة ذلك العهد إلى الله سبحانه هو من
حیث کونه من أمر بحفظه والوفاء به(٥).
والوفاء بالعهد: هو القيام بحفظه على
الوجه الشرعي والقانون المرضي، إلا إذا
دل دليل خاص على جواز النقض (٦).
والعقد الذي يجب الوفاء به ما وافق
كتاب الله وسنة رسول الله، فإن خالفهما
فهو رد لا يجب الوفاء به ولا يحل (٧).
ثالثًا: القرآن:
القرآن بيان للرسول وللأمة فيما بها إليه
حاجة، وهو تذكرة بأمر الدين والعمل به،
وهو شرف لمن عمل به، والقرآن مسؤول
عنه.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ
وَسَوْفَ تُشْتَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦١/١٤-
٢٦٢.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ١٣٧.
(٦) فتح القدير، الشوكاني، ٨٢٢/٣.
(٧) فتح القدير، الشوكاني، ٣٤٩/٣.
www. modoee.com
٤٣١

حرف الميم
قال تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكُ أَنزَلْتَهُ أَفَأَنتُمْ لَهُ.
مُنْكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿صَّّ وَالْقُرْءَانِ ذِى الذِّكْرِ﴾
[ص: ١].
فالقرآن ذكر وذو ذكر. وأرجح الأقوال
في معنی کون القرآن ذکر للنبي صلی الله
عليه وسلم ولقومه: أن القرآن شرف لك
ولمن عمل به ممن اتبعك من أمتك؛ فقد
قال سبحانه: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ
وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلََّّ خَسَارًا﴾
[الإسراء: ٨٢].
فيبعد أن يكون فيه شرف لقومه صلى
الله عليه وسلم الكافرين، لإخباره سبحانه
أن القرآن لا يزيد الظالمين إلا خسارًا
والشرف خلاف الخسران. فإن كان ثمة
تنويه فالمؤمنون أحق به.
وقد جاء في الأثر عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه: (إن الله يرفع بهذا الکتاب
أقوامًا ويضع به آخرين).
وقيل: سوف تسألون عن الشكر عليه
ومنها كذلك: أن القرآن بيان لك ولأمتك وقيل: تسألون أنت ومن معك على ما آتاك
فيما بكم إليه حاجة. وتذكرة تذكرون به أمر وقيل: تسألون عما عملتم به (٣).
الدین و تعملون به(١).
إن القرآن هو ذکر للنبي صلی الله علیه
وسلم بأن يستمسك بالذي أوحي إليه، ولا
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٩٣/١٦،
فتح القدير، الشوكاني ٣٤١/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٢٩/٧.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٩٣/١٦.
٤٣٢
جَوَنُوا
القرآن الكريمِ
قوله: ﴿وَإِنَّهُلَذِگرٌ﴾ يعني: القرآن؛ کما يعبأ باستجابة قومه له، مهما كان اختيارهم،
وأي مصير من مصائر السابقين كان مآلهم.
وهو تذكير لقومه بمآل السابقين، وأحوال
الكافرين، ومصائر المكذبين، وقضاء الله
سبحانه فيهم. وسيكون السؤال للرسول
عن البلاغ، وسيكون السؤال لقومه المرسل
إليهم عن إجابتهم وعن وصول هذه التذكرة
إليهم؛ كما قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ
أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَكَنَّ الْمُرْسَلِينَ
[الأعراف: ٦].
فالمعنى الظاهر هو: أن القرآن تذکیر لك
ولقومك، ولا يعني تخصیص قومه بالذكر
نفي من سواهم، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَآ
إِلَيْكُمْ كِتَبًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾
[الأنبياء: ١٠].
وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِيِنَ
[الشعراء: ٢١٤].
(٢١٤)
وسوف تسألون عن هذا القرآن وكيف
كنتم في العمل به والاستجابة له(٢).
وكل هذه المعاني ترجع إلى أن القرآن
مسؤول عنه، يسأل عنه الرسول صلى
الله عليه وسلم ويسأل عنه من استجاب

المسؤولية
له وعمل به، ومن أعرض عنه وصد کل
بحسب حاله؛ فأما المستجیبون فيسألون عن
مقدار استجابتهم، والإخبار عن السؤال في
حقهم حض وحفز للعمل، وأما من أعرض
وصد فالإخبار عن السؤال في حقه تهدید
ووعيد، وسؤاله عن القرآن سؤال توبيخ
وزجر وتقريع (١).
والإجابة عن القرآن وما فيه من الذكر
والتذكرة، فإنه قرر كذلك سؤال المكذبين به
الذین عابوه، وسخروا منه.
﴿كَمَّا أَنزَلْنَا عَلَى
سبحانه:
قال
الْمُقْتَسِمِينَ ﴿ الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ
٢ فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( عَمَّا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ﴾ [الحجر: ٩٠-٩٣].
قيل: إن المقتسمين هم أهل الكتاب
من اليهود والنصارى آمن كل منهم ببعض
الکتاب الذي أنزل إليهم و کفروا ببعضه،
وكفر اليهود بالإنجيل، وكفروا جميعًا
بالقرآن.
وقيل: سمي أهل الكتاب بالمقتسمین،
لأن بعضهم كان يقول لبعض استهزاء
بالقرآن هذه السورة لي ويقول الآخر هذه
السورة لي.
وقيل: إن المقتسمين قوم صالح الذين
تقاسموا بالله ليبيتنه وأهله -وهو بعيد -.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢٠/٢٥.
وقيل: هم كفار قريش اقتسموا طرق
مكة ومداخلها ليصدوا الناس عن الرسول
صلى الله عليه وسلم ودعوته بأن يقول
فريق منهم للقادمين للحج والحرم: هو
شاعر، وآخرون: هو ساحر، وفريق ثالث:
هو كاهن.
وقيل: لأنهم - كفار قريش- اقتسموا
وكما قرر القرآن سؤال أمة الدعوة القرآن بأن سماه بعضهم شعرًا، وبعضهم
كهانة، وبعضهم أساطير الأولين(٢).
﴿الْمُقْتَسِينَ
المتحالفين
وقال آخرون:
(٣)
و﴿عِضِينَ﴾ أي: أعضاء متفرقة، بمعنى
قسموه أوزاعًا فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه،
فهو كقوله تعالى: ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْ
دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَقًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ
فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢].
وقيل: ﴿عِضِينَ﴾ بمعنى مقذوفًا ببهتان،
وهو قول الكفار: شعر، کهانة، وسحر. وقيل
معناه: السحر (٤).
والظاهر أن السؤال في حق كل هؤلاء
قائم، فإن معظم الكفار كانوا يقرون ببعض
ما في القرآن مع کفرهم به، فهم یقرون بأن
الله هو الرب الخالق الرازق المدبر؛ كما
قال سبحانه: ﴿ وَلَيِنِ سَأَلْتَّهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَّتِ
وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللٌّ فَأَنَّ
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٤٣/١٧-١٤٥.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٥٤٧.
(٤) جامع البيان، الطبري، ١٤٧/١٧-١٤٨.
www. modoee.com
٤٣٣

حرف الميم
يُؤْفَّكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦١].
بل إنهم يقرون بأن الله سبحانه خلقهم
هم أنفسهم؛ قال سبحانه: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ
خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْقَّكُونَ ﴾﴾ [الزخرف:
٨٧].
وأقر آخرون بأن ما في القرآن موافق لما
في الكتب السماوية التي قبله لكنهم قالوا إن
الذي یعلم رسول الله بشر عنده علم الكتاب؛
قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا
يُعَلِّمُهُ بَشَرُّ ◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ
أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌ مُّبِينُ
[النحل: ١٠٣].
أحدهما: أن يكون الإنسان هو المسئول
عن السمع والبصر والفؤاد؛ لأنه يعمل بها
فرد عليهم القرآن فريتهم.
وعلى هذا فإن السؤال يمكن أن يكون إلى الطاعة والمعصية.
شاملًا لكل من عضه القرآن، فإنهم جميعًا
تحالفوا علی حربه فقذفوه بالبهتان، بأن قال
بعضهم: هو كلام بشر، وقال آخرون: هو
شعر أو كهانة أو سحر، والله سبحانه سائلهم
جمیعًا عن أعمالهم تلك سؤال زجر وتبكيت
وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكَ
و تقریع. كما قال سبحانه:
﴾ [الأنبياء: ٥٠].
أَنْزَلْنَهُ أَقَفُمْ لَهُ مُنكِرُونَ )
رابعًا: الجوارح:
إن الجوارح هي نعم من نعم الله الكثيرة
الجليلة على عباده، وهي أدوات العمل
ووسائل إنفاذ الإرادة، والله سبحانه قرر
في كتابه العزيز أنه سائل الإنسان عما حواه
سمعه وبصره وفؤاده (١)؛ قال تعالى:
نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌّ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء:
٣٦].
والقفو في اللغة هو اتباع الأثر يقال:
قفوت فلانا أقفوه وقفيته وأقفيته إذا اتبعت
أثره وبه سميت القافية لتتبعهم الآثار، مأخوذ
من القفا كأنه يقفو الأمور أي: يكون في
أقفائها يتبعها ويتعرفها. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ
وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ تحتمل
وجھین:
الثاني: أن السمع والبصر والفؤاد تسأل
عن الإنسان؛ لیکونوا شهودًا علیه أو له بما
فعل من طاعة وما ارتكب من معصية (٢).
وقوله: ﴿كُلُّ أُوْلَكَ﴾ أي: كل هذه
الجوارح والأعضاء. وعلى القول الأول
يرجع (أولئك) إلى أربابها(٣).
إن الجوارح رعية استرعاها الله الإنسان،
وهي شاهدة عليه تنطق بما عمل بها. لذلك
فإنه ينبغي للإنسان أن يحرص أشد الحرص
ألا يفتري الكذب ويشهد الزور، فيقول
رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٩/١٠.
(٢) النكت والعيون، الماوردي، ٢٤٣/٤.
(٣) معالم التنزيل، البغوي، ٩٢/٥-٩٣.
٤٣٤
جوب
القرآن الكريمِ

المسؤولية
ولم يعلم، فإن الله تبارك وتعالى سائل هذه
الأعضاء عما قال صاحبها وادعاه، من أنه صلى الله عليه وسلم: (يا معشر من آمن
سمع أو أبصر أو علم، فتشهد عليه جوارحه
عند ذلك بالحق (١).
ويحتمل أن يكون المقصود النهي عن
تقفي وتتبع وتعرف الأخبار وأحوال الخلق،
فإن السمع والبصر أدوات تتبعها، والفؤاد
أداة تعقلها وتدبرها وتخيلها، فيكون النهي
عن القصد وهو تقفي الأخبار والعورات،
ويكون التحذير عن إعمال أدواته وهي
السمع والبصر في التتبع، والفؤاد في
الإدراك، والله أعلم.
يدل السؤال عن الجوارح على النهي
عن القول بلا علم، وعن سماع اللغو وعن
النظر إلى الحرام، والحكم على الظن، وأنه
سبحانه يسأل العبد عن أعضائه يوم القيامة،
فیشهدن علیه(٢).
ونظيره قوله سبحانه في حادثة الإفك
عمن تساهلوا في النقل والتحدث بما لم
يتثبتوا منه: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ
بِأَفْوَحِكُ مَّا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ، عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيْنَا وَهُوَ
عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥].
فإن أولئك اتبع بعضهم أثر بعض، وحكى
بعضهم عن بعض تقليدًا (٣). کذلك نھی
ربنا سبحانه عن تتبع الأخبار والعورات،
(١) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ٤٤٦-٤٤٩.
(٢) تفسير السمر قندي، ٣١١/٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢٧٥/١١.
وإطلاق أدواتها، ومصداقه قول رسول الله
بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تغتابوا
المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من اتبع
عوراتهم یتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته
يفضحه في بيته) (٤).
فالجوارح والحواس والقلب والعقل
جمیعًا أمانة يسأل الله سبحانه وتعالى عنها
يوم القيامة(٥)، كما تسأل الجوارح عن عمل
الإنسان وتشهد عليه، فهي رعية ضمن ما
استرعاه الله سبحانه وتعالى، وحذر من هذه
المسؤولية وأكد عليها بإثبات السؤال عنها
يوم القيامة(٦).
وفي الحديث عن شکل بن حميد، قال:
أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت:
يا رسول الله، علمني تعوذًا أتعوذ به، قال:
فأخذ بكتفي، فقال: (قل اللهم إني أعوذ بك
من شر سمعي، ومن شر بصري، ومن شر
لساني، ومن شر قلبي، ومن شر منبي) يعني:
فرجه (٧) .
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب
في الغيبة، رقم ٤٢٣٨.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٢٣/٢، رقم ٧٩٨٤.
(٥) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٢٢٧/٤.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٩/١٠.
(٧) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوتر، باب
في الاستعاذة، رقم ١٣٣٠، والترمذي في
سننه، أبواب الدعوات، باب ما جاء في عقد
التسبيح بالید، رقم ٣٤٣٨.
www. modoee.com
٤٣٥

حرف الميم
وليس في آية سورة النور السابقة دليل
لمن يبطل الاجتهاد، لأن الاجتهاد يفضي
إلى نوع من العلم، كما قال ربنا سبحانه:
﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِمَنِنٌ فَإِنْ عَلِْتُمُوهُنَّ
مُؤْمِنَتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠].
فأقام سبحانه غالب الظن القائم على
البحث والتحري والتثبت -أي: الاجتهاد-
مقام العلم وأمر بالعمل به(١).
خامسًا: الأقوال والأعمال:
يمثل الإتيان بالأقوال والأعمال والكف
عنها القسم العملي من التكليف، والفعل
والكف جميعه مسؤول عنه، فيؤجر الإنسان
على ما وافق من ذلك الشرع، ويأثم ويعاقب
على ما خالفه.
١. المسؤولية عن الأقوال.
بین الله سبحانه أن الأقوال مسؤول عنها،
وساق هذا المعنى في غير آية، منها قوله
سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ
فِي ءَايَئِنَا فَأَعْرِضِ عَنْهُمْ حَى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهِ،
وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِينَ ﴿ وَمَا عَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ
حِسَابِهِم مِّن شَىْءٍ وَلَكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ
﴾ [الأنعام: ٦٨-٦٩].
يَنَّقُونَ
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢٧٧/١، رقم ١٢٩٢.
(١) مدارك التنزيل، النسفي، ٢٨٦/٢.
وفي هذا الموضع من القرآن الكريم
جاءت الإشارة الواضحة بأن الذين
يخوضون في آيات الله استهزاء أو سبًا
أو تكذيبًا أو تحريفًا أو غير ذلك من أنواع
الخوض بالقول مسؤولون محاسبون، وأمر
بالإعراض عنهم والصد عنهم والقيام وعدم
الجلوس معهم، حال خوضهم، وأشار إلى
أن الرضا بفعلهم هذا يدخل الإنسان في
التبعة التي رتبها الله سبحانه على فعلهم،
وأن من اتقى الله فخافه وأطاعه فيما أمره
به واجتنب ما نهاه عنه، فلا تترتب عليه
التبعة بعدم الإعراض فيما بينه وبين الله ما
دام تركه الإعراض لم يكن عن رضًا بما هم
فيه من الخوض وكان متقيًا، وأن الإعراض
فائدته تذكيرهم وتنبيههم ليتقوا هذا الفعل
ويتحاشوه(٢).
وقال البعض من أهل التفسير أن
المقصود هو أنه ما عليك أن يخوضوا في
آيات الله إذا فعلت ذلك، أي: إذا تجنبتهم
وأعرضت عنهم. ويعضد القول الأخير آية
النساء وهي لاحقة لآية الأنعام، حيث فيها
إحالة إلى هذه الآية ومعناها.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْنَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُ
إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِى
(٢) جامع البيان، الطبري، ٤٣٦/١١-٤٣٩.
٤٣٦
جَوُورُ
القرآن الكريم

المسؤولية
جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: ١٤٠].
فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيْنَا
وقال جماعة من أهل التفسير أن الأمر فَمَا كَانَ لِشُرَكَآيِهِمْ فَلَا يَصِلُ
إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ
إِلَى شُرَ كَا بِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ
٣)﴾ [الأنعام: ١٣٦].
کان في أوله على آية الأنعام حتى جاءت آية
النساء فنسختها (١).
وفي آية النساء إشارة إلى أن خطر
الأقوال يتعدى قائلها إلى مستمعها ما لم
ينكر بأن يكره أو يعرض. والجمع إشارة
إلى المسؤولية المترتبة التي تستلزم الجمع
للحساب. واستدل ابن العربي (٢) بآية الأنعام
على صحة القول بوجوب الخروج من
أرض البدعة مثل التي یسب فيها السلف،
وهو قول مالك(٣).
إن من أعظم ما يسأل عنه الإنسان من
الأقوال في القرآن الكريم الافتراء؛ وهو
الكذب المختلق.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا
مِّمَّا رَزَقْنَهُمَّ تَاللَّهِ لَتُكَأُنَّ عَمَّا كُتُمْ تَفْتَرُونَ﴾
[النحل: ٥٦].
وفي الآية يخبر الله سبحانه وتعالى عن
قبائح فعال المشركين وافترائهم عليه سبحانه
بأن شرعوا دینًا لم يأذن به، وجعلوا له سبحانه
أندادًا من الأصنام والأوثان، ثم إنهم بعدذلك
يجعلون نصيبًا مما رزقهم الله قرابين لهذه
الطواغيت التي انتفكوها، بل ﴿وَجَعَلُواْلِلَّهِ
مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعِمِ نَصِيبًا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٨/٣.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي، ٦١١/١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٣٥٠/٥.
كل ذلك من باب الافتراء والزعم
والادعاء المجانب للعلم المتابع للهوى
والشيطان، فأقسم الله سبحانه بنفسه
الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه
وانتفکوه تبکیتًا وتوبیخًا، ولیقابلنهم بشر ما
عملوا جزاء وفاقًا (٤)
.
وهذه الآية تدل على أن أشنع الأقوال ما
أسس للإشراك بالله، وأن الكلام في مسائل
الألوهية والربوبية والأسماء والصفات عن
جهل وهوی مرداة ومهلكة. ومن هذا الباب
وصف الکفار الملائكة بأنهم بنات الله.
قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَتِكَةَ الَّذِينَ هُمْ
عِبَدُ الرَّحْمَنِ إِنَشَا أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْنَبُ
شَهَدَتُهُمْ وَيُسْتَلُونَ
﴾ [الزخرف: ١٩].
فجعل كلامهم في هذا الباب من باب
الشهادات، وتوعدهم بالسؤال والحساب
عن شهادتهم التي أتوا بها عن غير وجه حق،
إذ لم يشهدوا خلق الملائكة ولم يحضروا
ذلك، فكيف يقررون صفتهم وهم يدفعون
کلام الله ولا يقبلونه، وهم لم يشهدوا خلق
الملائكة؟، فذلك الذي استحقوا به سؤال
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٧٧.
www. modoee.com
٤٣٧

حرف الميم
التبكيت والتوبيخ.
فالسنة قد أيدت معنى المسؤولية عن
ومن الافتراء زعم الكفار أنهم يحملون الأقوال، بل وأكدت أن أعظم ما يدخل
أوزار من صباً عن إيمانه، واتبع ما هم عليه
من تكذيب البعث بعد الممات والكفر
بالثواب والعقاب، وقرر کذبهم وافتراءهم،
وتوعدهم وهددهم بالسؤال عن أقوالهم
التي هي محض الكذب.
قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّبِعُوْ سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَيَكُمْ
وَمَا هُمْ بِحَمِلِينَ مِنْ خَطَهُم مِّنْ شَىْءٌ إِنَّهُمْ
لَكَذِبُونَ ﴿ وَلَيَحْيِلُنَّ أَنْقَالَهُمْ وَأَنْقَالًا
مَّعَ أَنْقَائِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ﴾ [العنكبوت: ١٢ - ١٣].
وهذا السؤال عن الأقوال هو في جانب
الوعد الباطل الذي لا يمكن ولا يستطاع؛
لأنه لا يملك صاحبه الحکم به.
وقد حذر النبي صلی الله عليه وسلم
من قول الزور أشد التحذير؛ فقال: (ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر) ثلاثًا ؟ قالوا: بلی یا
رسول الله، قال: (الإشراك بالله، وعقوق
الوالدين)، وجلس وكان متكثًا، فقال: (ألا
وقول الزور)، قال -الراوي وهو أبي بكرة
رضي الله عنه -: فما زال یکررها حتى قلنا
لیته سكت(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب ما قيل في قول الزور، رقم
٢٤٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان الكبائر وأكبرها، رقم ١٢٩. عن أبي
جَوَسُولَة البقية
القرآن الكريمِ
الناس النار هو الأقوال. فعن معاذ بن جبلٍ
قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم
في سفرٍ فأصبحت يومًا قريبًا منه ونحن
نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعملٍ
يدخلني الجنة ويباعدني من النار. قال:
(لقد سألتني عن عظيم، وإنه ليسيرٌ على
من يسره الله عليه: تعبد الله ولا تشرك به
شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتى الزكاة، وتصوم
رمضان، وتحج البيت). ثم قال: (ألا أدلك
على أبواب الخير؛ الصوم جنةٌ والصدقة
تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار،
وصلاة الرجل من جوف الليل). قال ثم تلا
﴿ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَصَاچع﴾ حتى بلغ
يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦-١٧].
ثم قال: (ألا أخبرك برأس الأمر كله
وعموده وذروة سنامه). قلت: بلى يا رسول
الله. قال: (رأس الأمر الإسلام، وعموده
الصلاة، وذروة سنامه الجهاد). ثم قال: (ألا
أخبرك بملاك ذلك کله). قلت: بلی یا نبي
الله، قال: فأخذ بلسانه، قال: (كف عليك
هذا؟). فقلت: يا نبي الله وإنا لمؤاخذون بما
نتكلم به فقال: (ثكلتك أمك يا معاذ، وهل
يكب الناس في النار على وجوههم- أو على
بكرة نفيع بن الحارث.
٤٣٨

المسؤولية
مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم) (١).
٢. المسؤولية عن الأعمال.
صرح القرآن بالسؤال عن الأعمال في
غير ما آية؛ فقال سبحانه: ﴿وَلَوَّ شَآءَ اللَّهُ
لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَحِدَةً وَلَكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ
وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ وَلَتُكَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[النحل: ٩٣].
وفي هذه الآية الكريمة يخبر الله تعالى
أنه لو شاء سبحانه لصیر الناس كلهم جميعًا
جماعة واحدة، وأهل ملة واحدة لا يختلفون
ولا يفترقون، ولكنه خالف بينهم بحكمته
وعلمه، فجعلكم أهل ملل شتى، وَفَّقَ فريقًا
منهم للإيمان به والعمل بطاعته، فكانوا
مؤمنين، وخذل أقوامًا فحرمهم توفيقه،
فكانوا كافرين، وأنه سبحانه سيسأل الجميع
يوم القيامة عما عملوا في الدنيا فيما أمرهم
به ونهاهم عنه، فيجازيهم بما عملوا: المطيع
بطاعته، والعاصي بمعصيته (٢).
وقال سبحانه: ﴿لَا يُنْثَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ
يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
فهو سبحانه سائل جميع من في
السماوات والأرض من عباده ومحاسبهم؛
(١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الإيمان، باب
ما جاء في حرمة الصلاة، رقم ٢٥٥٨.
قال الترمذي: حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩١٣، رقم ٥١٣٦.
(٢) جامع البيان، الطبري، ١٧ /٢٨٧.
لأنه فوقهم بالملك والقدرة والقهر، ولا
يسأل سبحانه عن قضائه وقدره، وجميع
من في السماوات والأرض مسئولون عن
أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم وهم في
سلطانه لا يخرجون عنه(٣).
ومع هذا التقرير للسؤال عن الأقوال
والأعمال، فإنه لا بد من التنبيه على أن الله
سبحانه لا يؤاخذ الإنسان على ما صدر منه
على سبيل الخطأ أو الإكراه أو النسيان من
أقوال وأفعال، فقال رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم: (إن الله وضع عن أمتي
الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه) (٤).
كما استثنى اللغو في الأيمان. قال
سبحانه: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ
٢٢٥)
[البقرة: ٢٢٥].
وحديث النفس؛ قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (إن الله تجاوز لي عن أمتي
ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو
تكلم)(٥).
(٣) المصدر السابق ١٨ / ٤٢٥.
(٤) أخرجه ابن ماجه، كتاب الطلاق، باب طلاق
المكره والناسي، رقم ٢٠٣٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٩٥/٢، رقم ٧١١٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العتق،
باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق
ونحوه ولا عتاقة إلا لوجه الله، رقم ٢٣٥٥،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر
www. modoee.com
٤٣٩

حرف الميم
سادسًا: نعيم الدنيا:
قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ
النَّعِيمِ ﴾﴾ [التكاثر: ٨].
أي: ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم
الذي كنتم فيه في الدنيا: ماذا عملتم فيه،
من أين وصلتم إليه، وفيم أصبتموه، وماذا
عملتم به؟(١).
وقال: اختلف أهل التأويل في ذلك
النعيم ما هو؟
فقال بعضهم: هو الأمن والصحة.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ثم ليسألون
يومئذ عما أنعم الله به عليهم مما وهب لهم
من السمع والبصر وصحة البدن. وفيم
استعملوها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾
[الإسراء: ٣٦].
وقال آخرون هو العافية، وقال آخرون:
بل عنى بذلك ما يطعمه الإنسان أو يشربه (٢).
وقال ابن كثير: أي: ثم لتسألن يومئذ
عن شكر ما أنعم الله به عليكم، من الصحة
والأمن والرزق وغير ذلك(٣).
وقال مجاهد: عن كل لذة من الذات
الدنيا(٤).
بالقلب إذا لم تستمر، رقم ١٨٦ .
(١) جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٥٨١.
(٢) المصدر السابق ٢٤/ ٥٨١-٥٨٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٧٤/٨.
(٤) المصدر السابق ٨/ ٤٧٧.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس:
الصحة والفراغ) (٥).
ومن الغبن أن لا يقوم الإنسان بواجب
هاتين النعمتين وهو الشكر، والاستفادة
منهما في التزود ليوم المعاد.
والذي يظهر أن هذه الآية الواردة في
السؤال عن النعيم مرتبطة بما قبلها من
الآيات في السورة.
قال تعالى: ﴿اَلْهَنْكُمُ التَّكَاثُرُ )) حَتَّى
زُدْعُمُ الْمَقَاِرَ ن كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
٣
ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
اَلْيَفِينِ ٥ لَتَوَنَّ الْجَحِيمَ ) ثُمَّ
لَتَرَؤُنَّهَا عَيْنَ اَلْيَقِينِ ، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ
عَنِ النَّعِيمِ (٥﴾ [التكاثر: ١-٨].
فالله سبحانه يخبر أن التكاثر والمنافسة
والحرص على الاستزادة من الأموال
والأولاد والنعم التي يظن الإنسان في الدنيا
أنها النعيم، یلھي عن الاستعداد ليوم المعاد،
حيث النعيم الحقيقي المقيم، حتى إذا جاء
الموت والإنسان غير مستعد للآخرة وهو
في شغل وغفلة عنها، أتاه الخبر اليقين في
قبره عن مآله في الجحيم ورآه جزاء وفاقًا
لسوء صنیعه، ثم يوم القيامة يَصْلَی سعیرًا،
ويسأل حينئذ تبكيتًا وتوبيخًا عن النعيم الذي
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب لا عيش إلا عيش الآخرة، رقم ٥٩٦٠.
مُوسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
٤٤٠

المسؤولية
حازه: هل هو نعيم؟
فالسؤال إذا یکون بمعنی: هل رأیت
نعيمًا قط؟
أي: یکون عن ذوق النعيم نفسه، لا عن
شكر النعم التي في الدنیا، وفي الحديث عن
أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: (يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل
النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغةً، ثم
يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط، هل مر
بك نعیمٌ قط فیقول: لا والله يا رب. ویۉتی
بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة
فیصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم
هل رأيت بؤسًا قط، هل مر بك شدةٌ قط؟
فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤسُ قط،
ولا رأيت شدةً قط)(١).
والمعنى: إن الإنسان إذا رأى الجحيم
عيانًا، وتيقن مقعده في النار لم ير ما كان فيه
من نعیم الدنیا شيئًا -قليلًا کان أو کثیرًا-،
وبدا له من سيئات عمله ما یتلاشی معه أي
نعیم ذاقه، وأي نعم حازها في الدنيا.
سابعًا: الولاية العامة والخاصة:
إن القرآن الكريم لم يجعل مسئوليات
العباد منحصرة في ذواتهم، بل جعل
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة
والجنة والنار، باب صبغ أنعم أهل الدنيا
فى النار وصبغ أشدهم بؤسًا فى الجنة، رقم
٥٠٢٦.
بعضھم قائمًا على تولي أمور بعض، وجعل
هذه الولاية مسؤوليات معهود بها يقوم
بها البعض لصلاح حال آخرين. كما في
الحديث: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن
رعيته)(٢).
قال العلماء: الراعى هو الحافظ المؤتمن
الملتزم صلاح ما قام عليه وما هو تحت
نظره، ففيه أن كل من كان تحت نظره شيء
فهو مطالب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في
دينه ودنياه ومتعلقاته(٣).
وبهذا فإنه لا يكاد يخلو إنسان مكلف
من مسؤولية عن ولاية. والولاية إما أن
تكون مسؤولية أمر يتعلق بالجماعة المسلمة
عمومًا فهي ولاية عامة، وإما أن تكون
مسؤولية عن فرد، أو مجموعة مخصوصة
فهي ولاية خاصة.
أما الولاية العامة فهي التي تقوم على
مصالح العامة، وهي الإمامة والإمارة،
فتشمل الحكام وأولي العلم والأمراء
والوزراء وغيرهم.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه
وغيره في قوله سبحانه ﴿إِنَّاللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب الجمعة في القرى والمدن، رقم ٨٤٩، و
مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب فضيلة
الإمام العادل وعقوبة الجائر، رقم ٣٤١٤.
(٣) تعليق محمد فؤاد عبد الباقي على صحيح
مسلم ٣ /١٤٥٩.
www. modoee.com
٤٤١

حرف الميم
تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]: هذا وما ولوا)(٥).
خطاب لولاة المسلمين خاصة، يتناول
النبي صلى الله عليه وسلم وأمراءه ومن
بعدهم(١).
وفي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ
أَنْ تَّحْكُمُواْ يَاَلْعَدْلِ﴾ [النساء: ٥٨].
قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة إلا حرم الله عليه الجنة)(٧).
والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى
جميع الخلق(٢).
وتشمل المسؤولية عن الولاية العامة
قسمة الأموال، ورد الظلامات، والعدل في
الحكومات(٣).
وقد ذهب جمع من المفسرين على أن
الآية عامة في جميع الناس، فھي کما تتناول
الولاة، تتناول من دونهم من الناس في حفظ
الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك،
كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة
والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى (٤).
ومن أهم أركان المسؤولية عن الولاية
العامة: العدل والإحاطة بالنصح وعدم
غش الرعية؛ قال صلى الله عليه وسلم:
(إن المقسطين عند الله على منابر من نور
عن يمين الرحمن عز وجل -وكلتا يديه
يمين- الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٥٥/٥.
(٢) المصدر السابق ٢٥٨/٥.
(٣) المصدر السابق ٢٥٦/٥.
(٤) المصدر السابق ٢٥٥/٥- ٢٥٦.
وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من والٍ
يلي رعيةً من المسلمين فيموت وهو غاشّ
لهم إلا حرم الله عليه الجنة)(٦).
وفي رواية مسلم: (ما من عبد يسترعيه
الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته
في آية النساء السابقة دليل عظيم وبينة
واضحة على المسؤولية عن الولاية العامة،
فالأمر - كما تقرر سلفًا- هو منشأ ومبدأ
المسؤولية، والله سبحانه صرح بالأمر في
هذه الآية بقوله سبحانه: ﴿إِنَّاللهَ يَأْمُرُكُمْ﴾،
وكما أن المسؤولية مترتبة على أهل
الولايات عن رعاية مصالح الرعية، فكذلك
المسؤولية مترتبة على الرعية عن طاعتهم
كما في الآية الثانية.
وقد قرر سبحانه لتأكيد المسؤولية أنه
سبحانه سميع بصير، لا يخفى عليه شيء
من أمر ما أوجب من أداء الأمانات والحكم
بالعدل.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضيلة الإمام العادل وعقوبة الجائر،
٣٤١٢.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الأحكام، باب من استرعي رعية فلم ينصح،
رقم ٦٦٤٥، عن معقل بن يسار.
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار، رقم
٢٠٧.
٤٤٢
جَوْسُور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

المسؤولية
وأما الولاية الخاصة فهي التي تتعلق عائشة)(٣).
بواجب رعاية مخصوصة، مثل رعاية
الأولاد والأهل.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَكَتَكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وفي هذه الآية الأمر بوقاية الإنسان نفسه
وأهله النار، فأمر سبحانه المؤمنين وأوجب
عليهم وقاية أنفسهم، وما يدخل في حكم
النفس من الأولاد، ووقاية أهليهم بوصيتهم
وتعليمهم الحلال والحرام وتجنيبهم
المعاصي والآثام، وكذلك يخبر أهله بوقت
الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الفطر إذا
وجب. قال مقاتل: ذلك حق عليه في نفسه
وولده وأهله وعبيده وإمائه (١).
وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام:
(مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين،
واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين،
وفرقوا بينهم في المضاجع) (٢).
وقد روى مسلم أن النبي صلي الله عليه
وسلم كان إذا أوتر يقول: (قومي فأوتري یا
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٩٥/١٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب
متى يؤمر الغلام بالصلاة، رقم ٤١٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٧٤٤/٢، رقم ٤٠٢٦.
وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
صلی الله عليه وسلم: (رحم الله رجلاً
قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته، فإن أبت
نضح في وجهها الماء، رحم الله امرأةً قامت
من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أبى
نضحت في وجهه الماء) (٤).
ومنه قوله صلي الله عليه وسلم: (أيقظوا
صواحب الحجر)(٥) (٦).
ومثل الآية السابقة آية سورة طه؛ قال
تعالى: ﴿وَأَمْرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوْةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا
نَشْشَلُكَ رِزْقًا فَّعْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَى
١٣٢
[طه: ١٣٢].
ومن الولاية الخاصة ترشيد الولي لنفقة
السفيه من ماله، وقيامه على رعاية اليتيم
وماله وأدائه له عند رشده.
قال سبحانه: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُ
أَِّ جَعَلَ اللّهُ لَكُرْقِيَهَا وَأَرْزُقُّوهُمْ فِهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُواْ
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب صلاة الليل وعدد
ركعات النبي صلى الله عليه وسلم في الليل
وأن الوتر ركعة وأن الركعة صلاة صحيحة،
رقم ١٢٣٤. عن عائشة رضي الله عنها.
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب التطوع، أبواب قيام
الليل، باب قيام الليل، رقم ١١١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٥٧/١، رقم ٣٤٩٤.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب العلم والعظة بالليل، رقم ١١٣. عن أم
سلمة رضي الله عنها.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٩٥/١٨.
www. modoee.com
٤٤٣

حرف الميم
لَّ قَوْلاً مَّقُروفًا﴾ [النساء: ٥].
وقال سبحانه: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَمِّ
قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌّ وَإِن تُّخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمَّ
وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ
لَأَعْنَتَكُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [البقرة:
٢٢٠].
ـسط
،وَءَاتَواْ الْيَشْمَ أَمْوَلَهُمْ
وقال عز من قائل:
وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَيْثَ بِالَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى
أَمْوَلِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: ٢].
والعمدة في المسؤولية عن الولايات
الخاصة والعامة حديث عبد الله بن عمر:
سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم
یقول: (کلکم راع و کلکم مسؤول عن رعيته،
الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راع
في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأةً
راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها،
والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن
رعيته). قال: وحسبت أن قد قال: (والرجل
راعٍ في مال أبيه ومسؤول عن رعيته، وكلكم
راعٍ ومسؤول عن رعيته)(١).
وعن أنس عن النبي صلى الله عليه و
سلم قال: (إن الله سائل كل راع عما استرعاه
أحفظ ذلك أم ضیع حتى يسأل الرجل على
أهل بيته)(٢).
(١) سبق تخريجه قريبًا.
(٢) أخرجه النسائي، كتاب عشرة النساء، أبواب
الملاعبة، باب مسألة كل راع عما استرعي،
رقم ٨٨٣٣.
ولأن الولاية العامة والخاصة تتعلق
بمصالح المجتمع والأمة المسلمة
والضعفاء، فإن الله سبحانه جعل مسؤوليتها
في غاية العظمة، وجعل لمن يرعاها حق
رعايتها الجزاء الأوفى.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(سبعة يظلهم الله في ظله: الإمام العادل،
وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق
في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا
عليه، وتفرقا عليه ورجل طلبته امرأة ذات
منصب وجمال فقال: إني أخاف الله،
ورجل تصدق أخفی حتى لا تعلم شماله ما
تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت
عيناه)(٣).
وحذر أشد التحذير من عدم رعايتها
وأداء ما على الإنسان فيها.
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى
قال سبحانه:
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا
وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا
جَهُولاً ﴾ [الأحزاب: ٧٢].
فحذر سبحانه من سبیلین يؤديان لتضييع
الأمانة ورعاية الولاية وهما: الظلم الذي
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٣٦٥،
رقم ١٧٧٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة
والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر
الصلاة وفضل المساجد، رقم ٦٢٣، ومسلم
في صحيحه، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء
الصدقة، رقم ١٧١٨ . عن أبي هريرة.
٤٤٤
جوببيو
القُرآن الكَرِيْمِ

المسؤولية
يؤدي إليه المیل والعدوان، والجهل بما فيها
وما في ضدها. ومن تحذير السنة حديث
أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول
الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب بيده على
منکبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها
أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من
أخذها بحقها وأدی الذي علیه فيها)(١).
و قوله صلى الله عليه وسلم: (كفى
بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته)(٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (ويلٌ للأمراء،
وويلٌ للعرفاء، وويلٌ للأمناء، ليتمنين أقوامٌ
يوم القيامة أن ذوائبهم كانت معلقةً بالثريا،
يدلدلون بين السماء والأرض، وأنهم لم يلوا
عملا)(٣).
وبهذا يتضح عظم شأن الولایة بوجه عام،
وأنها من المسؤوليات الجسيمة العظيمة، إذ
يترتب على التفريط والتعدي فيها أشد الندم
وأعظم الخسران.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأمارة،
باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، رقم ٣٤١٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
فضل النفقة على العيال والمملوك وإثم من
ضيعهم أو حبس نفقتهم، رقم ١٦٦٨. عن
عبد الله بن عمرو.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٧٥/١٤، رقم
٨٦٢٧، والحاكم في المستدرك، كتاب
الأحكام، رقم ٧٠٦٦ .وصححه.
غير المسؤول عنه
أولًا: لا يسأل الرسل عن مصير
الكافرين:
أرشد القرآن إلى أن الرسل لا يسألون
عن مصير الكافرين.
قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا
وَنَذِيرًاً وَلَا تُشْتَلُ عَنْ أَصْحَبِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة:
١١٩].
والتوجيه في الآية للنبي صلى الله عليه
وسلم، فبعد أن قص الله سبحانه وتعالى
عليه قصص أقوام من اليهود والنصارى،
وذکر ضلالتهم، وكفرهم بالله، وجراءتهم
على أنبيائه، قال له: ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَكَ﴾
يا محمد ﴿بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ لمن آمن بك
واتبعك ممن قصصت عليك أنباءه ومن لم
أقصص عليك أنباءه، ﴿وَنَذِیرًا ﴾ لمن كفر
بك وخالفك، فبلغ رسالتي، فإنما عليك
البلاغ والإنذار، ولست مؤاخذًا بكفر من
كفر بعد التبشير والإنذار، وليس عليك من
أعماله - بعد إبلاغك إياه رسالتي - تبعة،
ولا أنت مسئول عما فعل بعد ذلك، وكان
من أهل الجحيم (٤).
ومثل ذلك قوله تعالى مرشدًا نبيه محمدًا
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٥٨/٢-
٥٥٩٩، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢/ ٩٢.
www. modoee.com
٤٤٥

حرف الميم
صلى الله عليه وسلم: ﴿أَّ مَنِ اسْتَغْفَ الَّتَ مِن قَبْلِهِمَّ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ﴾
◌َُّ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّيَّكْ )﴾ [عبس: ٥ - [النحل: ٣٥].
٧].
أي: لست مسؤولاً عن هدايته ولا مآله.
وكما صرح القرآن بأن الرسل لا يسألون
عن مصير الكافرين، فقد بين هذا المعنى من
طريق اللزوم، حيث قصر مسؤولية الرسل
على البلاغ المبين في آيات كثيرة، وهو
مَّا
التبليغ الواضح؛ منها قوله سبحانه:
عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا
تَكْتُمُونَ ﴾ [المائدة: ٩٩].
وقوله سبحانه: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ
الْبَلَغُ الْمُبِينُ (
﴾ [النحل: ٨٢].
٨٢
﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَآ
وقوله سبحانه:
أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَغُ
[الشورى: ٤٨].
وقوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ
الرَّسُولَّ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَغُ
الْمُّبِينُ﴾ [التغابن: ١٢].
و قد سبق بيان معناها.
وهذا لیس حصرًا على رسول الله محمد
بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بل ذلك
مطرد في جميع الرسل عليهم السلام،
والقرآن ذاخر بالأدلة على ذلك؛ منها قوله
سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ
مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْءٍ شَّحْنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا
وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ
وهذا سؤال استنكاري يفيد تقرير أن
الرسل ليس عليهم إلا التبليغ البين الظاهر
الذي يصل إلى القلوب، ولا يبقى لأحد
على الله حجة - كما سبق بيانه -. فإذا
بلغتهم الرسل أمر ربهم ونهيه، واحتجوا
عليهم بالقدر، فليس للرسل من الأمر شيء،
وحسابهم على الله عز وجل، وأما الهداية
فهي إلى الله سبحانه وتعالى(١).
والمصير تبع للهداية، وبما أنها ليست
إليهم، فيلزم أنهم لا يسألون عنها، كما
وضحت الآية التالية.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوت
فَمِنْهُمٍ مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
ومنه قوله عز من قائل: ﴿وَإِنِ تُكَذِّبُواْفَقَدْ
كَذَّبَ أُمَّدٌّ مِن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا
الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت: ١٨].
وهذه الآية كما تحتمل أن تكون من
كلام إبراهيم عليه السلام لتقرير أن واجب
الرسول - أي رسول- هو إبلاغ ما أرسل به
بينًا واضحًا. كذلك فإنها تحتمل أن يكون
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٣/١٠،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٠.
٤٤٦
موسوعة النفسية
القرآن الكريمِ

المسؤولية
الكلام متوجهًا إلى كفار قريش على سبيل صراحة ولزومًا.
الالتفات فيكون المقصود بالرسول: محمد
صلى الله عليه وسلم، ويكون المقصود:
أن مقام الرسالة لا يقتضي إلا التبليغ
الواضح(١).
ومنه قوله تعالى على لسان الثلاثة
المرسلون في معرض ضرب المثل
قَالُواْ
لمشركي قريش بأصحاب القرية: ﴿
رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّإِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ ﴿ وَمَا عَلَيْنَآ إِلَّا
الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾ [يس: ١٦ -١٧].
فهذا بیان واضح بأن الرسل لا يسألون عن
مصير الكافرين، إذ أن مهمتهم تقتصر على
البلاغ المبين، وأن الهداية من الله سبحانه،
وأن حساب الأمم علیه سبحانه. وهو إرشاد
عظيم للداعية إلى الله أن لا ينشغل بالنتائج،
بل يبذل وسعه في التبليغ الواضح، وتوجيه
له بألا يتأثر بباطل أهل الزيغ والضلال من
الكفار والفسقة والطغاة، ولا يلين لأهوائهم
طمعًا في استدراجهم إلى الحق، بل يصدع
بما يؤمر ويعرض عن المشركين.
ثانيًا: لا يسأل الإنسان عن عمل غيره:
رسَّخَ القرآن الكريم في آيات عديدة
قاعدة هامة؛ وهي: أن الإنسان غير مسؤول
عن عمل غيره، ولا هو مؤاخذ به، ما لم يكن
من نتاج عمله هو. وقد دلل على هذا المعنى
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢٧/٢٠.
ومن ذلك: التصريح بعدم سؤال الفرق
بعضها عن أعمال بعض.
قال تعالى: ﴿قُل لَّا تُسْشَلُونَ عَمَّا أَجْرَقْنَا
وَلَا نَُّثَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٢٥].
وفي سياق هذه الآية يرشد ربنا سبحانه
نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بأن يقول
للمشركين الذين يخاطبهم: أحد فريقينا على
هدى والآخر على ضلال، فلسنا مهتدين
جميعًا ولسنا على ضلال كلنا، وأنتم غير
مؤاخذین بما نعمل، ولا تسألون عما أجرمنا
نحن من جرم إن كان عملنا جرمًا، ولا نسأل
نحن عما تعملون أنتم من عمل (٢).
وفي الآية إرشاد للنبي محمد صلى
الله عليه وسلم لأحكم أساليب الدعوة،
بأن يتجنب الكلام الذي يمكن أن يصد
ويحجز عن الهدى بما يورث من المعاندة
والاستكبار، وأن يعمل في دعوته بما يفتح
المجال للتفكر لا ردود الأفعال.
وفيه معنى التبرؤ منهم ومن عملهم،
أي: لستم منا ولا نحن منکم، بل ندعوكم
إلى الله وإلى توحيده وإفراد العبادة له،
فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم، وإن
كذبتم فنحن بریئون منکم وأنتم بریئون منا،
وإرشاده سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم إلى هذا القول دليل على تقريره.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٤٠٥/٢٠.
www. modoee.com
٤٤٧

حرف الميم
كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل ◌ِي كُلِّ شَىْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا نَزِرُ
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَّ ثُمَّإِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِفَكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا
كُمْ فِيهِ تَخْزَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
عَمَلِ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِيّقُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ
بَرِىٌّمِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [ يونس: ٤١](١).
ومما يدل على بعد نسخ آية سبأ المذكورة
بآية السيف كما زعم بعض المفسرين (٢) أن
البناء للمجهول في الفعل المضارع يدل
على أن السائل طرف خارج الفريقين،
ودلالة المضارعة في السياق على الحال
والاستقبال، کما أن الآية التالية لها تتحدث
عن الجمع والحكم؛ حیث یتبین المهتدي
من الضال وهو فيما يستقبل من أمر الآخرة.
قال سبحانه: ﴿قُلّ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُوَّ
يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِمُ ﴾
[سبأ: ٢٦].
ومن الآيات التي في التصريح بعدم
سؤال الإنسان عن عمل غيره قوله سبحانه:
﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا
كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة:
١٣٤].
وفيها تصريح بأن كل نفس قدمت على
الله يوم القيامة، فإنما تسأل عما كسبت
وأسلفت، دون ما أسلف غيرها (٣).
التصريح بأنه لا يؤاخذ أحد بذنب غيره:
وهذا في القرآن كثير.
قال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيِّرَ اللَّهِأَنْغِى رَبَّا وَهُوَ رَبُّ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥١٧/٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٩٩/١٤.
(٣) جامع البيان، الطبري، ١٢٩/٣.
وقال عز من قائل: ﴿مَّنِ أُهْتَدَىْ فَإِنَّمَا
يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاً وَلَا
نَزِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِنَ حَتَّى نَبْعَثَ
رَسُولًا ( ٥)﴾ [الإسراء: ١٥].
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىَّ وَإِنِ تَدْعُ
وقال:
مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا
قُرْبِقُ إِنَّمَا نُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَُّّم ◌ِالْغَيْبِ
وَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزََّى لِنَفْسِهِ،
وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾ [فاطر: ١٨].
وقال عز وجل: ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ
عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرٌ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ
لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ فِقْذَّ أُخْرَىُ ثُمَّ إِلَى رَيِّكُ
تَّرْجِعُكُمْ فَيُنَتِئُكُمْ بِمَا كُنُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ
◌ِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الزمر: ٧].
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنْتَأْبِمَا فِ صُحُفٍ
وَإِبْرَهِيمَ اَلَّذِى وَقَ الَ أَلََّّنَزِرُ
مُوسَى
وَازِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى ﴾ [النجم: ٣٦-٣٨].
ومعنى ﴿أَلَّانَِّرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُغْرَى﴾ أنه لا
يؤاخذ أحد بذنب غيره (٤).
فكل نفس ظلمت نفسها بكفر أو شيء
من الذنوب فإنما عليها وزرها، لا يحمله
عنها أحد(٥).
(٤) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٥٤٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٦٥/٧.
٤٤٨
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

المسؤولية
كما هو ظاهر في قوله سبحانه: ﴿وَإِن
تَدْعُ مُثْقَلَةُ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَىْءٌ وَلَوْ كَانَ
ذَا قُرْبٌ﴾ [فاطر: ١٨].
وعدم تحمل أحد ذنب غيره يدل على
عدم مسؤوليته عن عمله.
بعمله هو:
أنَّ آیات عديدة من القرآن الكريم تشير
إلى أن عمل الإنسان حسنه وسيئه مقصور
علیه هو لا یتعدی لغيره إلا ما كان فضلاً من
الله سبحانه.
منها قوله سبحانه: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِنَفْسِهِ، وَمَنْ أَسَآَّةَ فَعَلَيْهَأُ وَمَا رَبُّكَ بِظَلٍَّ
لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
ومعناها: أن من عمل بطاعة الله في هذه
الدنیا، فأتمر لأمره، وانتهى عما نهاه عنه
فلنفسه عمل ذلك الصالح من العمل الذي
مآله الجنة، ومن عمل بمعاصي الله فيها،
فعلى نفسه جنى، لأنه أكسبها بذلك سخط
الله، والعقاب الأليم. وما الله سبحانه
بحامل عقوبة ذنب مذنب على غير مكتسبه،
بل لا يعاقب أحدًا إلا على جرمه الذي
اكتسبه في الدنیا، أو علی سبب استحقه به
منه (١).
ونظيره قوله سبحانه: ﴿مَنِ آَهْتَدَى فَإِنَّمَا
يَتَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧/ ٤٦٥.
[الإسراء: ١٥].
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا
مَا سَعَى﴾﴾ [النجم: ٣٩].
أي: كما لا يحمل عليه وزر غيره،
كذلك لا يحصل من الأجر إلا ما کسب هو
الإشارة إلى أن كسب الإنسان متعلق لنفسه(٢).
قال الحسين بن الفضل بأن هذا من
طريق العدل، أما من باب الفضل فجائز أن
يزيده الله ما شاء(٣).
وقد دل على هذا المعنى القرآن والسنة.
قال تعالى في القرآن الكريم: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِيَُّهُمْ يِيَمَنٍ أَحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيَِّهُمْ
وَمَا أَلَنْتَهُمْ مِنْ عَلِهِم مِّنْ شََّ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
وثبت عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم جواز الحج عن الغير، وأفادت
النصوص والإجماع وصول الدعاء
والصدقة للغير. على أنه ينبغي التنبيه إلى أن
باب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا
يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء (٤).
ومن عمل الغير ما يلحق بالإنسان إن كان
سببًا فیه، أو داعیًا إلیه، أو راضيًا وراغبًا فيه،
فیلحق به أجره إن کان صالحًا، ووزره إن
كان سيئًا، لأنه في حكم عمله هو. والأدلة
(٢) جامع البيان، الطبري، ٤٨٧/٢١.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٦٥/٧.
(٤) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الملا
علي القاري، ١٢٢٨/٣.
www. modoee.com
٤٤٩

حرف الميم
على ذلك كثيرة؛ منها: عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا
مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ:
إلا من صدقةٍ جارية، أو علم ينتفع به، أو ولدٍ
صالح يدعو له)(١)."
فهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه
وكده وعمله، كما جاء في الحديث: (إن
أطيب ما أكل الرجل من کسبه، وولده من
كسبه)(٢).
والصدقة الجارية كالوقف ونحوه هي
من آثار عمله ووقفه. والعلم الذي نشره في
الناس فاقتدى به الناس بعده هو أيضا من
سعیه وعمله.
ومنها ما ثبت في الصحيح: (من دعا إلى
هدی کان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا
ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى
ضلالةٍ كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه،
لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً)(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصية،
باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد موته،
رقم، ٣٠٩٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإجارة،
باب الرجل يأكل من مال ولده، رقم ٣٠٦٤،
وابن ماجه في سننه، كتاب التجارات، باب
الحث على المكاسب، رقم ٢١٢٨، عن
و صححه
عائشة رضي الله عنها
الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٤٤٠، رقم
٢٢٠٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب
من سن سنة حسنة أو سيئة ومن دعا إلى هدى
أو ضلالة، رقم ٤٨٣٧. عن أبي هريرة رضي
مَّن يَشِفْعَ شَفَعَةً
ومثله قوله سبحانه:
حَسَنَّةٌ يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَعَةٌ
سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ, كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
◌ُّقِينًا﴾ [النساء: ٨٥].
ومنها قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ
كَامِلَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ
يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلََّ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾
[النحل: ٢٥].
ومنها قوله سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسِ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا
بِالْبَيِّنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِى
اُلْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢].
ومنها الحديث: قال صلى الله عليه
وسلم: (لا تقتل نفسٌ ظلمًا إلا کان علی ابن
آدم الأول کفلٌ من دمها؛ لأنه أول من سن
القتل)(٤).
ومنها قوله صلوات ربي وسلامه
عليه: (إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون
وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد
الله عنه.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله علیه، رقم
٣١٠٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة
والمحاربين والقصاص والديات، باب بيان
أثم من سن القتل، رقم ٣١٨٤.
مَوَسُو ◌َرَا
القرآن الكريم
٤٥٠