النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٧ هـ المِسْؤُولية عناصر الموضوع مفهوم المسؤولية ٣٩٢ الألفاظ ذات الصلة ٣٩٤ ٣٩٥ السائل ٤١٢ المسؤول ٤٢٦ المسؤول عنه ٤٤٥ غير المسؤول عنه ٤٥١ أثر فقه المسؤولية على سلوك العبد المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ حرف الميم مفهوم المسؤولية أولًا: المعنى اللغوي: لم يرد لفظ مسؤولية في القرآن ولا السنة، ولا معاجم اللغة القديمة، بهذه الصيغة الصرفية أعني صيغة المصدر الصناعي، والكلمات التي وجدت على هذه الصيغة فهي قليلة لا تتعدى بضع عشرات؛ منها: جاهلية، عبقرية، فروسية، عبودية، وحدانية. كلمة مسؤولية إذًا كلمة معاصرة، مشتقة قياسًا على المصدر الصناعي من (مسؤول). والمسؤول في الأصل: المستدعى منه معرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، أو المستدعى منه مال أو ما يؤدي إلى المال، قال ابن فارس: السين والهمزة واللام كلمة واحدة، يقال: سأل يسأل سؤالًا ومسألة(١). ويدور معنى السؤال في اللغة على معنى استدعاء المعرفة أو ما يؤدي إلى المعرفة، أو استدعاء مال أو ما يؤدي إلى المال، والسؤال للمعرفة قد يكون للاستعلام وقد يكون للتبكيت؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨](٢). ومن المعاني التي تناولتها المعاجم وكتب التفسير للفظ (مسؤول)، الآتي: مطلوب (٣). ومحاسب(٤). وفي قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤] أي: مطلوبون للحساب (٥). قال الطاهر بن عاشور: المسؤول كناية عن المحاسب عليه (٦). : أن يكون الإنسان سببًا في شيء يستحق عليه اللوم. صاحب المنصب الرفيع. فمعنى المسؤول إذًا يدور حول: المطلوب-معرفة أو مالًا-، المحاسب، الكناية عن المحاسب عليه، وصاحب المنصب الرفيع. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: تناول القانونيون والإداريون والسياسيون وغيرهم لفظ المسؤولية كمصطلح، ومن هذه التعريفات الاصطلاحية الآتى: (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٢٤/٣. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٤٣٧. (٣) المصباح المنير، الفيومي ٢٩٧/١. (٤) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ٢/ ١٠٢٠. (٥) معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ١٠٢٠/٢. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٨٩/٢١. ٣٩٢ جَوَسُوعَةُ النفسية القرآن الكريمِ المسؤولية الالتزام بإصلاح الخطأ الواقع على الغير طبقًا لقانون(١). واجب الأداء بالطريقة المطلوبة، أو تحقيق أهداف معينة. واجب القيام بمهمة معينة. المحاسبة عن نتائج تم الالتزام بها (٢). ٠ ■ الالتزام بواجب يحاسب عليه الفرد، كمسؤولية الموظف عن عمله (٣). خلاصة القول في المعنى الاصطلاحي هي أن المسؤولية: حالة قائمة بالإنسان نشأت عن تكليف أو تعهد، قد يتعرض بسببها للسؤال المقصود به المحاسبة والمفضي للجزاء. (١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٨٥٣/١. (٢) الإدارة، سيد الهواري، ص٢١١. (٣) معجم مصطلحات العلوم الإدارية، أحمد زکي بدوي، ص ٣٤٤. www. modoee.com ٣٩٣ حرف الميم الألفاظ ذات الصلة ١ الأمانة: الأمانة لغة: ضد الخيانة، كما في مختار الصحاح(١). وهي مصدر مشتق من مادة (أمن) قال في اللسان: (((أمن) الأمان والأمانة بمعنى))(٢). يقال: أمن: أمنًا وأمانًا وأمانةً وإمنًا وأمنةً، بمعنى: اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن وأمين (٣). الأمانة اصطلاحًا: عرفها الكفوي بقوله: «كل ما افترض على العباد فهو أمانة، كصلاةٍ وزكاة وصيام وأداء دين، وأوكدها الودائع، وأوكد الودائع كتم الأسرار)» (٤). وقيل: صيانة الإنسان لكل ما ينبغي صيانته من حقوق، أو فروض، أو واجبات، أو حدود، أو أشياء مادية، أو معنوية، سواء كانت لله تعالى، أم لأبناء المجتمع. الصلة بين الأمانة والمسؤولية: المسؤولية ترادف الأمانة والولاية والتكليف والالتزام والتعهد، وبين المسؤولية والأمانة علاقة لزوم، فالأمانة والرعاية من أساليب أداء المسؤولية. الخيانة: ٢ الخيانة لغةً: الاحتيال والخداع. فالخيانة خلاف الأمانة (٥). الخيانة اصطلاحًا: ((مخالفة الحق بنقض العهد في السر)) (٦). الصلة بين الخيانة والمسؤولية: الخيانة من المعاني المضادة للمسؤولية. (١) مختار الصحاح، الرازي ص٢٦. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢١/١٣. (٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٢٨. (٤) الكليات، الكفوي ص ١٨٧. (٥) انظر: المغرب في ترتيب المعرب، الخوارزمي ص ١٥٦. (٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٠٥. ٣٩٤ جَوَسُوع القرآن الكريم المسؤولية السائل السائل: هو الذي يسأل ويحاسب؛ جاء في قاموس المعاني: سأل يسأل سؤالًا وتسآلا فهو سائل، وسأل فلانًا: حاسبه. والإشارة إلى الله سبحانه وتعالى بالسائل باعتبار إكمال أركان المسؤولية؛ وهي: السؤال، السائل، المسؤول، والمسؤول عنه. ويدور هذا المبحث حول معنى السائل الذي يسأل ليحاسب لا ليستعلم، وباعتبار أن الله سبحانه وتعالى محاسب خلقه عما عهد إليهم من المسؤوليات. ويتناول موضوع السائل من النواحي التالية: إثبات القرآن سؤال الله سبحانه وتعالى للمكلفين وعمومه، الإشارات القرآنية لاستحقاق الله سبحانه أن يكون سائلًا، موضوع سؤاله سبحانه، خصائص سؤاله سبحانه، ومراتب سؤاله سبحانه. أولًا: سؤال الله تعالى للمكلفين: الله سبحانه وتعالى سائل عامة المكلفين من الثقلين - الإنس والجن - عن مسؤولیاتهم التي عهد بها إليهم، یشمل ذلك الرسل والمرسل إليهم؛ المؤمن والمنافق والكافر، قال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢]. والآية بعمومها تدل على سؤال الجميع ومحاسبتهم کافرهم ومؤمنهم، إلا من دخل الجنة بغير حساب(١). ولا تنافي بين ثبوت سؤال الكفار هنا، ونفيه في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]. وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَيِذٍ لَّا يُعَلُ عَنْ ذَنْيِهِإِنسّ وَلَاَ جَانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩]. فنفي السؤال إنما كان عن الذنب، وذلك بعد استقرار الكفار والمجرمين في العذاب(٢). وتفصيل ذلك في مبحث (المسؤول)، مطلب (الكافرون). ومن الآيات القرآنية الدالة كذلك على عموم سؤال الثقلين، قوله سبحانه: فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. قال أبو جعفر الطبري: يقول تعالى ذكره: فلنخبرن الرسل ومن أرسلتهم إليه بيقين علم بما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه وما كنا غائبين عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسل إليهم عمومًا على وجه التقرير والتوبيخ(٣). فهذه الآية تدل على عموم سؤاله سبحانه وتعالى خلقه المرسلين والمرسل إليهم أجابوا أم كفروا وجحدوا. وأن السؤال عن (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٦٠/١٠. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢/ ٧. (٣) جامع البيان، الطبري، ٣٠٧/١٢-٣٠٨. www. modoee.com ٣٩٥ حرف الميم المسؤولية ليس نوعًا واحدًا، بل أنواع عدة، سائلًا عاهدًا بالمسؤوليات ومحاسبًا عليها. وأن سؤال المؤمنين تقرير، وسؤال الكفار ونلحظ أن القرآن يقرر هذه الدلالة قبل تقریع، والجمیع یقص الله علیهم بعلم، فلا استفسار ولا استفهام. وخلاصة القول الذي دلت عليه الآيات المحكمات أن الله سبحانه وتعالى سيسأل عباده جمیعًا ویحاسبهم عن مسؤولياتهم. ثانيًا: استحقاق الله أن یکون سائلًا: إن مكانة السائل لا تثبت بمجرد السؤال، بل لابد من جدارة وأحقية للسائل حتى يتسنم هذه المكانة، والقرآن الكريم أشار في كثير من المواطن إلى دلالات استحقاقه سبحانه وتعالى مكانة السائل الذي يعهد بالأمانات والتكاليف ويحاسب عليها ويجازي عنها. وهذا من تمام عدله وحكمته سبحانه فهو یعلمهم بمكانته وجدارته واستحقاقه مكانة المعاهد المحاسب المجازي ليهيئهم لقبول التكليف، ويمهد لهم السبيل لإتباع أمره هو لا أمر کل جبار عنيد. ومن أبرز الدلالات القرآنية على ذلك: ١. الربوبية. أثبت الله تعالى لنفسه الخلق والرزق والتدبير والملك، في كثير من الآيات التي أُشار فیھا إلی المسؤولیة، مما يدل علی کون الربوبية من أعظم الإشارات دلالة على كونه سبحانه وتعالى مستحقًا لهذه المكانة كونه إیجاب الأعمال والعهد بالتکالیف أحيانًا، ل سبحانه: ﴿سَبِّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَرِزُ لْحَكِيمُ ، لَهُ مُلْكُ اَلَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ بُّجِيءٌ وَيُمِيثٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ٢) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَلَِّهِرُ وَالْبَالِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ) هُوَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ ثُمَّ أَسْتَوَى عَلَ الْعَرْشِنِّ يَعْلُ مَا يَلِجُ فِى الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيَهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَاكُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿ لَهُ، مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَإِلَى اللَّهِ تُرَجَعُ الأُمُورُ يُولِعُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ اَلنََّارَ فيِ آَلِ وَهُوَ عَلِيمْ بِذَّاتِ الصُّدُورِ ل ءَامِنُواْبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. وَأَنْفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ تُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَأَنَفَقُواْلَمْ أَجْرُ كَبِيرٌ ﴾ [الحديد: ١- ٧]. فجاء الأمر بالإيمان والإنفاق بعد تقرير ربوبيته سبحانه. وأحيانًا أخرى بعدها، كما في قوله سبحانه: ﴿ إِنَّ أَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَأَعْبُدِ اَللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ ) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ اْخَالِصَُّ وَالَّذِينَ أَخَذُواْ مِن دُونِ: أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَىَ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَُ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ كَذِبُ كَفَّارٌ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّأَصْطَفَى مِمَا يَخْلُقُ مَا يَشَكَةَ سُبْحَنَةٌ هُوَ اَللَّهُ الْوَجِدُ الْقَّهَارُ)) خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ أَلَيْلَ ٣٩٦ جود لِلْقُرْآن الكَرِيمِ المسؤولية عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوّرُ النَّهَارَ عَلَى الَِّلِّ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرِّ كُلِّ يَجْرِىٍ لِأَجَلٍ مُسَتَّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّرُ ٥ خَفَكُ مِّن نَّفْسِ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنَزَلَ لَكُمْ مِّنَ الْأَنْعَمِ ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ خَلْقًا مِّنْ بَعْدٍ خَلْقٍ فِى ◌ُلُّمَتٍ ثَثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ فَأَنَّ تُصْرَفُونَ ﴾ [الزمر: ٢-٦]. فجاء الأمر بإخلاص العبادة والدين لله أولًا، ثم جاءت الآيات التالية تقرر صفة الربوبية لله سبحانه بعده. إن الربوبية هي لازمة استحقاق السؤال والمحاسبة، وقبلها العهد بالمسؤوليات وإيجابها على العباد كونها صفة تدل على الفضل، فإن الذي تفضل بالخلق والرزق والتدبير جدير بأن يطاع أمره وأن يحاسب على عهده وأن ينفذ وعده. ٢. العلو. إن مكانة السائل تستلزم العلو: علو القدر والمكانة والقهر. والربوبية نفسها لازمها العلو. ﴿َسَبِّجِ أَسْمَ رَبِكَ الْأَعْلَ ) قال سبحانه: الَّذِى خَلَقَ فَسَوَّى الْ وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى الْ وَالَّذِىّ أَخْرَجَ الْعَى فَجَعَلَهُشَآءُ أَحْوَى ﴾ [الأعلى: ١-٥]. فالله سبحانه أمر بتنزيهه سبحانه، وذكره باسمه الأعلى، ثم ذكر دلائل لاستحقاقه هذا التنزيه، فذكر خلقه وتقديره ورزقه، وهي الدلائل على ربوبيته سبحانه. فلا بد للسائل من العلو ليستحق إسناد المسؤوليات والمحاسبة عليها، وبدون العلو يكون السؤال سؤال طلب أو استجداء لا يلزم المسؤول جوابه، ولا يقدر السائل أن يؤاخذه به. والعلو الظاهر من الآيات السابقة من سورة الأعلى ناتج عن النعمة والفضل، وقد ضرب الله بها مثلًا: نعمة الخلق والتقدير والرزق، وهو ظاهر كذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرٍ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٤]. فمن كان كذلك استحق كمال الاستسلام والطاعة؛ قال الرازي: واعلم أن المذكور في صدر الآية هو المنع من اتخاذ غير الله تعالی ولیا. واحتج عليه بأنه فاطر السماوات والأرض وبأنه یطعم ولا یطعم. ومتی کان الأمر كذلك امتنع اتخاذ غيره وليًا (١). والآيات في هذا الباب كثيرة جدًا. وليس العلو الذي يستحق به السائل مكانته ناتج من الفضل فقط بل هو كذلك ناتج من القهر، كما قال ربنا سبحانه: ﴿وَهُوَ أَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَآَةَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَقَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرُِّطُونَ (١) مفاتح الغيب، الرازي، ١٤٠/٦. www. modoee.com ٣٩٧ حرف الميم (٢ ◌ُمَّ ◌ُدُّوَ إِلَى اللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحَكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦١ -٦٢]. وقال جل من قائل: ﴿وَهُوَ اَلْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٨]. فالسائل إذًا لا بد له من علو القدر والفضل والقهر التي تشير إلى لزوم طاعته والاستسلام لأمره والخضوع له في أمره ونهيه عن استحقاق وجدارة. ٣. العلم. إن السؤال والمحاسبة تحتاج إلى العلم بعمل المسؤول في مسؤوليته وأمانته، والقرآن الكريم يخبرنا عن سؤال الله سبحانه عباده عن علم کامل وحفظ تام. قال سبحانه: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ، فَلَنَقُضَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلٍَّ وَمَاكُنَّا غَيِينَ ﴾ [الأعراف: ٦-٧]. ودلل القرآن على كمال علمه سبحانه بأنه تعالى يعلم السر وأخفى ويعلم الغيب بل ویعلم ما لم یکن لو کان کیف یکون؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]. وقال سبحانه: ﴿وَأَسِرُ واْ قَوْلَكُمْ أَوِ أَجْهَرُ واْبٌِّ إِنَّهُ, عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣]. وقال سبحانه: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْلَنَا نُرَةٌ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَيِّنَا وَتَكُونَ مِنَ اٌلْمُؤْمِنِينَ ( بَلْ بَدَا لَهُ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ مِن قَبْلٌ وَلَوْ رُدُّواْلَعَادُواْ لِمَا ◌ُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧-٢٨]. ولذلك فإن حسابه لخلقه لا يقتصر على أعمالهم الظاهرة فقط بل يشمل الأعمال الباطنة، فالمنافقين ليسوا بمنجاة بإضمارهم الكفر وإظهارهم الإسلام، بل هم متوعدون بالحساب عن حقيقة إيمانهم. قال سبحانه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِى اُلْأَرْضِّ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِىّ أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُّوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشََةُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤]. قال ابن كثير: يخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فیھن، لا تخفی علیھا الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده(١). فأما المؤمنون فإن الله يغفر لهم ما حدثتهم به أنفسهم من الإثم ابتداء ما لم يعملوه؛ كما جاء في الحديث الصحيح: (إن الله تجاوز لأمتي عما وسوست، أو حدثت به أنفسها، ما لم تعمل به، أو تكلم)(٢). فإن عملوه فهم تحت المشيئة، وأما (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧٢٨/١. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان والنذور، باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان، رقم ٦١٩٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر، رقم ١٨٥. ٣٩٨ مَوْشَوَالَرُ النَفسِيِ الوَصْوِي جوبيه القرآن الكريمِ المسؤولية الكافرون والمنافقون فإنهم متوعدون لا يخرمان منه شيئًا، فما يتكلم ابن آدم بكلمة بالعذاب به. وتمام العلم يحقق التوفية في الحساب والجزاء، وذلك غايته تمام العدل. قال سبحانه: ﴿وَ إِنَّ كُلَّا لَّمَّا لَيُوَفِيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَلَهُمَّ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١]. ورغم علمه سبحانه بما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، إلا أنه سبحانه أعمل في خلقه الرقابة والرصد، و کتب لهم أعمالهم کلها، وأشهد علیھم. قال سبحانه على لسان عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّ دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَيْتَنِى كُنْتَ أَنتَ اُلَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ ﴾ [المائدة: ١١٧]. عَلَ كُلِّ شَىْ ءٍ شَهِيدُ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وقال سبحانه: وَنَعْلَهُ مَا تُوَسّوِسُ بِهِ نَفْسُهُ، وَغَْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلٍ الْوَرِيدِ ) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّ لَدَيّهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ( ١٨ وَجَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ نَِّدُ ٢) وَتُفِخَ فِي الصُّورِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ ، وَحَدَتّ كُلُّ نَفْسِ مَّمَهَا سَأَبِقٌّ وَشَبِيدٌ ﴾ [ق: ١٦-٢١]. قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعلمه محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر، وأن ملائكته تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل وريده بإقدار الله لهم على ذلك، فیکتب الملكان المترصدان عن يمين الإنسان وشماله عمله إلا ولها من يراقبها معتدًا ويكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢] (١). وعن ابن عباس قال: جعل الله على ابن آدم حافظين في اللیل، و حافظین في النهار، یحفظان علیه عمله، ویکتبان أثره(٢). ٤. القدرة. دلت الآيات على قدرة الله سبحانه وتعالى المطلقة، وربطت بينها وبين المسؤولية في كثير من المواضع، حيث بینت: # قدرته سبحانه على المراقبة والإحصاء: قال سبحانه: ﴿قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِ صُدُورِكُمْ أَوْ تُبُّدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِّ وَاَللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]. قدرتهعلى جمع المسؤولين وإرجاعهم لِكُل وِجْهه للحساب: قال سبحانه: هُوَ مُوَلِّهَا فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ [البقرة: ١٤٨]. وقال سبحانه: قَدِيرٌ﴾ ﴿ إِلَى اللَّهِ مَرْ جِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [هود: ٤]. وقال سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٩٧/٧. (٢) جامع البيان، الطبري، ٣٤٠/٢٢ -٣٤٤. www. modoee.com ٣٩٩ حرف الميم خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن في الكون تصرف المالك ذي السلطان، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فیکون؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ تَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾ [النحل: ٤٠]. دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ فَلْنَظُر [الشورى: ٢٩]. وقال تعالى: الْإِنسَانُ مِنَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِن ◌َّلَوِ دَافِقٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََِّّ ، إِنَّهُ عَلَ رَجْعِهِ، لَقَائِرٌ﴾ [الطارق: ٥-٨]. قدرته على الإتيان بالأشهاد: قال ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى سبحانه: النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ١، حَتَّى إِذَا مَاجَآءُ وهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمّعُهُمْ وَأَبْصَرُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ) وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُتُمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ ء وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِّرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعَكُمْ وَلَا أَبْصَرَّكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ فَظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [فصلت: ١٩-٢٢]. قدرته على الإثابة والعقاب: قال سبحانه: ﴿أَلَمَّ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ, مُلْكُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ٤٠]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًامِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍُ أَنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ اُلَيْتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥]. فالله سبحانه له القدرة التامة، متصرف وقال عز من قائل: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ، إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [يس: ٨٢]. وهو في إيجاب المسؤوليات على الخلق قادر على جمعهم للحساب. قال سبحانه: ﴿وَمِنْ عَايَتِهِ خَلْقُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ ﴾ [الشورى: ٢٩]. إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ وهو سبحانه قادر على محاسبتهم جميعًا، سريع في ذلك. قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا تَأْتِ الْأَرْضَ تَنْقُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]. وقال سبحانه: ﴿لِيَجْزِىَ اللهُ كُلَّ نَفْسِ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٥١]. ﴿الْيَوْمَ تُجْزَ كُلُّ نَفْسٍ وقال سبحانه: بِمَا كَسَبَتَّ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ اْحِسَابِ﴾ [غافر: ١٧]. والله سبحانه قادر على إقامة الشهادة على خلقه من أنفسهم: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوايَكْسِبُونَ ﴾ [يس: ٦٥]. ٤٠٠ جوبي القرآن الكريم المسؤولية ﴿ وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ وقال سبحانه: إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ) حََّ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَبَصَرُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ عَلَيْنَاً قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ ◌َنْطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [فصلت: ١٩- ٢١]. ٥. الحكم الفصل. حكم الله سبحانه فصل غير متعقب. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ قال سبحانه: هَادُواْ وَالصَّنِينَ وَالنَّصَرَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [الحج: ١٧]. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ وقال سبحانه: قال سبحانه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ؟ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ إِلَّا بِإِذْنِهِ،ٌ﴾ [البقرة: ٥ [السجدة: ٢٥]. قال القرطبي: أي يقضي ویحکم بين المؤمنين والكفار، فيجازي كلا بما يستحق(١). وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ اُلْحَقِّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]. فمرجع الحكم كله إليه سبحانه، لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وقضاؤه في حکمه الحق، وهو خير الفاصلين، قال البغوي: والفصل يكون في القضاء(٢). إن السائل إذا كان حكمه وحسابه متعقبًا (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٩/١٤. (٢) معالم التنزيل، البغوي، ١٤٩/٣. لم یکن أصيلا في استحقاق كونه سائلًا، بل إنه یکون فرعًا، مسندًا إلیه السؤال، لكنه غير مستقل ولا بات فيه. والقرآن يخبرنا أن الله سبحانه أصيل في المحاسبة والسؤال، فلا راد لحكمة ولا معترض على قضائه. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ ◌َأْتِى الْأَرْضَ قال سبحانه: تَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ. وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد: ٤١]. وهو سبحانه یحکم ما یرید؛ قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]. بل ولا يشفع أحد في حکمه، ولا يجرؤ إلا بإذنه. ولا يشفع الشفعاء إلا لمن ارتضى مع کونهم مشفقون خشية منه. قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ أَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ، مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٨]. ٦. الوعد الحق. فهو سبحانه الذي لا يخلف وعده، فالمكلفون لا محالة مسئولين، والله سبحانه مجازیهم عن أعمالهم کما عهد إليه ووعدهم. وقد أقسم ربنا سبحانه بذلك فقال ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ سبحانه: [الحجر: ٩٢]. www. modoee.com ٤٠١ حرف الميم وقال سبحانه: ﴿فَلَنَسْتَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ ثالثًا: موضوع سؤاله سبحانه: إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. وفي الآية تأكيد الخبر بلام القسم ونون التوكيد لإزالة الشك في ذلك(١). وقال تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّاً إِنَّهُ يَبْدَوَّأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْرِىَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾﴾ [يونس: ٤]. فوعده سبحانه حق لا يخلف، فمن أحسن جوزي بالحسنى ومن أساء جوزي بعمله. قال سبحانه: ﴿وَللَّهِ مَافِى السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِئَ الَّذِينَ أَسَنُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالْحُسْنَى ﴾ [النجم: ٣١]. والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا. والمقصود أن المسؤول إذا لم يكن الحساب في حقه مجزومًا به فإنه قد لا يلتزم بمسؤولياته وقد يتردد. فكان الجزم بالسؤال والمحاسبة والمجازاة قاطعًا للشك في التبعة، ومفضيًا إلى التخلص من الريب والظن والشك. والسائل الذي لا يجزم بالمسؤولية يكون بذلك قد أمل المكلف في التخلص من التبعة، فإذا حاسبه وألزمه التبعة لم يكن أنصفه. والله سبحانه مع سرعة حسابه هو الحكم العدل. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦/٨. جَوْسُورٌ القرآن الكريمِ يسأل الإنسان إجمالًا عن لا إله إلا الله: هل صدق بها وعمل بمقتضاها؟، ويسأل تفصيلا عن الأعمال. قال سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ( عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ()﴾ [الحجر: ٩٢-٩٣]. قال ابن عمر: عن لا إله إلا الله (٢)، وكذا عن أنس ابن مالك مرفوعًا وموقوفًا (٣). والسؤال عن لا إله إلا الله يكون عن الوفاء بها والصدق لمقالها (٤). وعن أبي العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتین یوم القيامة: عما كانوا يعبدون، وعماذا أجابوا المرسلين، وقال ابن عيينة: عن عملك وعن مالك. وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه، وعن فتات الطينة بأصبعه فلا ألفينك يوم القيامة وأحد غيرك . أسعد بما آتاك الله منك)(٥) وقال عبد الله بن مسعود: والذي لا إله (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٥٥٠. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٧/ ١٥٠. (٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ / ٦٠. (٥) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٢٧٣/٧. ٤٠٢ المسؤولية غيره، ما منكم من أحدٍ إلا سيخلو الله به إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. يوم القيامة، كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر، فيقول: ابن آدم ماذا غرك مني بي؟ ابن آدم، ماذا عملت فيما علمت ؟ ابن آدم، ماذا أجبت المرسلين(١). وفي الحديث عن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه وعن علمه فيم فعل وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه وعن جسمه فيم أبلاه)(٢). وهذا مصداقه قوله سبحانه: لَتُسْتَلُنَّ يَؤْمَيِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]. فموضوع السؤال إذًا مجمل؛ وهو: لا إله إلا الله، هل عمل بها وصدق؟، ومفصل: ويتناول جميع العمل. رابعًا: خصائص سؤاله سبحانه: قرر القرآن الكريم أن الله سبحانه وتعالى يسأل الرسل والمرسل إليهم عما عهد إليهم من مسؤوليات. ﴿فَلَنَسْتَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ قال سبحانه: (١) جامع البيان، الطبري، ١٧ / ١٥٠. (٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، باب ما جاء في القيامة وشأن الحساب والقصاص، رقم ٢٣٥٤. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١٢٢١/٢، رقم ٧٣٠٠. وأن هذا السؤال كائن مع علم الله سبحانه المحيط بأفعالهم وأقوالهم وإسرارهم وإعلانهم إذ يقول سبحانه بعد: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَيِينَ﴾ [الأعراف: ٧]. وتفسير ذلك: أنه سبحانه وتعالى يخبر الرسل ومن أرسلهم إليهم بعلم يقين بما عملوه في الدنيا فیما أمرهم به ونهاهم عنه، وأنه سبحانه ما غاب عنه شيء عنهم وعن أفعالهم التي کانوا یفعلونها. وقد یشکل على البعض كيف أنه سبحانه يسأل الرسل، والمرسل إليهم، وهو يخبر أنه يقص عليهم بعلم بأعمالهم وأفعالهم فيما أمرهم به ونهاهم عنه؟ والجواب: أن سؤال الله لهم ليس بمسألة استرشاد أو تعرف ما هو غیر عالم به، وإنما هو مسألة توبيخ وتقرير معناها الخبر، بأن يقول لهم: ألم يأتكم رسلي بالبينات؟ ألم أبعث إلیکم النذر فتنذرکم عذابي وعقابي؟ وقد أخبر جل ثناؤه أنه قائل لهم يومئذ: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنْبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿ وَأَنِ أَعْبُدُونِنَّ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يس: ٦٠ - ٦١]. ونحو ذلك من القول الذي ظاهره ظاهر مسألة، ومعناه الخبر والقصص، وهو بعد www. modoee.com ٤٠٣ حرف الميم توبيخ وتقرير (١). قال ابن عباس: (لا یسألهم هل عملتم کذا؟ لأنه أعلم بذلك منھم، ولکن یقول لم عملتم كذا وكذا؟)(٢). أما مسألة الرسل الذي هو قصص وخبر، فإن الأمم المشركة لما سئلت في القيامة قيل لها: الم یآتکم رسل منکم یتلون علیکم آیات ربکم؟ أنکر ذلك کثیر منھم وقالوا:ما جاءنا من بشير ولا نذير. فقيل للرسل: هل بلغتم ما أرسلتم به ؟ أو قيل لهم: ألم تبلغوا إلى هؤلاء ما أرسلتم به ؟ كما قال جل ثناؤه لأمة نبينامحمدصلى الله عليه وسلم: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. فكل ذلك من الله مسألة للرسل على وجه الاستشهاد لهم على من أرسلوا إليه من الأمم، وللمرسل إليهم على وجه التقرير والتوبيخ، وكل ذلك بمعنى القصص والخبر(٣). فسؤال المجرمين تقرير وتوبيخ وإفضاح، وسؤال الرسل سؤال استشهاد بهم وإفصاح (٤). فأما الذي هو عن الله منفي من مسألته (١) جامع البيان، الطبري، ١٢/ ٣٠٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٥١. (٣) جامع البيان، الطبري، ٣٠٧/١٢- ٣٠٩. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٧/ ١٦٤. جوية الْقُرْآن الْكَرِيْمِ خلقه، فالمسألة التي هي مسألة استرشاد واستثبات فيما لا يعلمه السائل عنها ويعلمه المسؤول، ليعلم السائل علم ذلك من قبله، فذلك غير جائز أن يوصف به الله سبحانه وتعالى، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها وفي حال كونها وبعد كونها، وهي المسألة التي نفاها جل ثناؤه عن نفسه بقوله: ﴿فَيْمَيِذٍلًا يُكَلُّ عَنْ ذَنْيِهِ=َ إِنسُِّ وَلَاَ جَآَنَّ ﴾ [الرحمن: ٣٩]. وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُسْشَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨]؛ يعني: لا يسأل عن ذلك أحد منهم مستثبت، ليعلم علم ذلك من قبل من سأل منه، لأنه العالم بذلك كله وبكل شيء غيره(٥). من جميع ما سبق تظهر الخصائص التالية لسؤاله سبحانه خلقه: * أنه سؤال یعم جميع المكلفين. أنه سؤال بعلم، فلا يقصد به الاسترشاد أو المعرفة. أن غاية السؤال: التوبيخ والتبکیت، أو التقرير، أو الاستشهاد والإفصاح. أنه سؤال يفيد الخبر. خامسًا: كيف يرتب السائل المسؤولية: إن الله سبحانه وتعالى لا يسأل الناس ويحاسبهم دون موجب، بل إنه سبحانه (٥) جامع البيان، الطبري، ٣٠٧/١٢- ٣٠٩. ٤٠٤ المسؤولية قدم بين يدي السؤال ما تكون به الحجة للمجیب أو علیه، فإنه سبحانه أسند وعهد إلی عباده بمسؤولیات، ثم هداهم - توجیھًا - وأرشدهم إلى كيفية أدائها وما يترتب على الأداء والإخلال، وأخذ سبحانه على نفسه إحصاء أعمالهم و کتابتها والإشهاد عليهم، ثم إنه سبحانه وتعالی یجمعهم بقدرته لا یتخلف منهم أحد، ثم إنه سبحانه بعد ذلك يسألهم محاسبًا، ویوفيهم حسابهم. ومن هذا الترتيب تظهر مراتب المسؤولية التي رتب الله سبحانه؛ وهي: العهد والإسناد، الهداية والإرشاد، الرقابة والإحصاء والإشهاد، الإرجاع والجمع، والسؤال حسابًا والجزاء. العهد والإيجاب والإسناد: العهد يطلق على الأمر والوصية؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَآَ﴾ [آل عمران: ١٨٣]. أي: أمرنا وأوصانا(١). وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَنْبَنِيّ ءَادَمَ أَن لَّا تَعْبُدُواْ الشَّيْطَنِّ إِنَّهُ لَكُنْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يس: ٦٠]. والعهد اليمين والعهد الالتزام بشيء، يقال: عهد إليه وتعهد إليه؛ لأنها أمور لا يزال صاحبها يتذكرها ويراعيها في مواقع الاحتراز عن خفرها(٢). (١) معالم التنزيل، البغوي، ١٤٤/٢. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٧٠/١. والعهد في الآية الذي أخذه الله على بني آدم أن لا يعبدوا غيره، فنقضه يشمل الشرك وقد وصف الله المشركين بنقض العهد في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِشَقِهِ﴾ [الرعد: ٢٥]. وفسر بالعهد الذي أخذه الله على الأمم على ألسنة رسلهم أنهم إذا بعث بعدهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ مِيشَقَ النَّبْنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءُكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّبِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١]. و(عهد الله) هو ما عهد به أي: ما أوصى برعیه وحفاظه(٣). وهذا السؤال في آية يس معناه الخبر والقصص، والمقصود به التوبيخ والتقرير (٤)، فإنه تعالى يقول للمجرمين وقد فرق بينهم وبين المؤمنين: ألم أوصكم وآمركم في الدنيا أن لا تعبدوا الشيطان فتطيعوه في معصية الله وأقول لكم: إن الشيطان لكم عدو مبين(٥). وجعلت ذلك مسؤولية مسندة إليكم. والعهد يقتضي في معناه الميثاق والاتفاق، فإن الله قد أخذ الميثاق على عباده أنه من أطاعه أدخله الجنة، ومن عصاه (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٣٦٩/١. (٤) المصدر السابق ٢٠/ ٥٤٢. (٥) جامع البيان، الطبري، ٣٠٧/١٢. www. modoee.com ٤٠٥ حرف الميم حاسبه بما هو أهله فإما عفا عنه وإما عذبه فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِ اَلْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا ﴿ وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ ثم عفا عنه، وإما خلده في العذاب، والآيات القرآنية متواترة فى ذلك. الْبَنِمِ إِلَّا بِلَِّى هِىَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ، وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِّ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولً ا وَأَوْفُواْ اَلْكَّلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ وَلَا نَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِم عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَاَلْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٦) وَلَا تَمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحَّاً إِنَّكَ لَنْ تُخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الِبَالَ طُولًا كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَيْكَ مَكَّرُوهَا ﴾﴾ [الإسراء: ٢٣ -٣٨]. قال سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْيِّلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ ظَلُوْمًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وبمعنى الأمر والإيجاب قال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوْاْ إِلَّ إِيَّاهُ وَبِأَلْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَاً أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَُّمَآ أَنٍ وَلَا تَنْهُرْهُمَا وَقُل ◌َّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢) وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ أَرْحَمْهُمَا كَا رَبَِّانِى صَغِيرً ا زَيُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَلِينَ فَإِنَّهُ، كَانَ لِلْأَوَّبِينَ غَفُورًا ) وَءَاتٍ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ وَاَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَدِّرْ تَبْذِيرًا ( إِنَّ الْمُبَذِّرِنَ كَانُواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ، كَفُورًا وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُ أَنْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِّن رَّيِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ لَهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا ) إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا ٦ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ، خَبِيرُ بَصِيرًا ، وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلَدَّكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَقِّ ◌َّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَنْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا * وَلَا تَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ وَلَا نَقْتُلُواْ النّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا قال الشنقيطي: وقضى ربك معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه(١). قال ابن عباس والحسن وقتادة: ليس هذا قضاء حكم بل هو قضاء أمر (٢). فالذي يسند المسؤوليات حقيق بالسؤال عنها، ولذلك أوضح الله عز وجل في السياق السابق أن المسؤوليات التي أسندها إلى عباده سيسألهم عنها، وأن السؤال لا يتعلق بعمل الجوارح فقط في أداء المسؤوليات، بل يتعلق كذلك بالتلقي والقبول. والخلاصة أن الله كلف العباد وألزمهم وأوجب عليهم مسؤوليات على الجملة والتفصيل، وهو سائلهم عنها بموجب كونه (١) أضواء البيان، الشنقيطي ٨٦/٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٣٧/١٠. ٤٠٦ جَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِيْ لِلْقُرآن الكَرِيمِ المسؤولية المسند لها والعاهد بها. الهداية والإرشاد: تبین آيات القرآن الکریم أن الله هدى عباده وأرشدهم إلى كيفية أداء هذه الله سبحانه وتعالى أرشد كل أمة إلى سبيل المسؤوليات التي عهد بها إليهم، وأنه سبحانه أعلمهم بعواقب اختيارهم. ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ إِمَّا قال سبحانه: شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ سَلَسِلَاً وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا ) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأَسِ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان: ٣-٥]. يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَهُ السَّبِيلَ﴾ إنا بينا له طريق الجنة، وعرفناه سبيله(١). وقال ابن كثير: أي: بيناه له ووضحناه به، كقوله: ﴿وَأَمَّا تَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]. [البلد: وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ النَّجْدَيْنِ ١٠]. أي: بينا له طريق الخير وطريق الشر. وهذا قول عكرمة، وعطية، وابن زيد، ومجاهد - في المشهور عنه- والجمهور(٢). ثم إنه سبحانه وضح عواقب اختيارهم، فالسلاسل والأغلال والسعير معدة للكافرين، أما الأبرار فإن مآلهم الشراب (١) جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ٩٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٨٦/٨. الهنيء والفضل الكبير. وتظهر آيات القرآن الكريم - كما في الآية الآنفة الذكر من سورة فصلت- أن الرشد والخير، وبين لهم عواقب الغي والفساد، وأنه سبحانه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، والقرآن الكريم ذاخر بقصص الرسل مع أقوامهم؛ كيف دعوهم إلى الحق وبینوا لهم سبيل الرشاد. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَهُمَّ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ اَلْحَكِيمُ ﴾ [إبراهيم: ٤]. وهذا من لطفه تعالى بخلقه: أنه يرسل إلیھم رسلا منهم بلغاتهم لیفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم (٣). فالهداية والإرشاد تأتي في المرتبة بعد العهد والإيجاب، وهي الدلالة على السبيل المؤدي إلى أداء المسؤوليات المعهود بها على وجهها الأتم، والتعريف بالسبل التي تصد عن ذلك. ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَطِى قال تعالى: مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَغَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلٍِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]. المراقبة والإحصاء والإشهاد: إن الله سبحانه بعد أن عهد بالمسؤوليات، (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤ / ٤٧٧. www. modoee.com ٤٠٧ حرف الميم وأرشد إلى سبيل أدائها، أخبر أنه سبحانه كل شيء من أمر خلقه شاهد يعلمه ويحيط به، فلا يعزب عنه شيء (٣). يراقب أعمال العباد ویحصیھا علیھم ویشهد عليها، مع أنه سبحانه العليم الذي أحاط بكل شيء علمًا وأحصى كل شيء عددا، لا يخفى عليه شيء، يعلم الغيب والسر وأخفى. قال سبحانه في المراقبة: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. أي: حفيظًا، محصیا علیکم أعمالکم(١). وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وقال عز من قائل: رَّقِبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢]. أي: راقبًا أو مراقبًا بمعنى حافظًا ومطلعًا على كل شيء فاحذروا تجاوز حدوده سبحانه وتخطي حلاله إلى حرامه (٢). وقال سبحانه في الإحصاء: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُّهُمُ اللّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِثُهُم بِمَا عَمِلُواْ أَحْصَنَهُ اللَّهُ وَنَسُوءٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المجادلة: ٦]. أي: أنه سبحانه يبعث الرجال والنساء جميعًا من قبورهم في حالة واحدة فيخبرهم بما عملوا في الدنيا، وأنه سبحانه قد أحصى ذلك عليهم، أي: ضبطه وأثبته وحفظه عليهم في صحائف أعمالهم، ونسوه هم حتی ذکرهم به في صحائفهم، والله على (١) جامع البيان، الطبري، ٧/ ٥٢١. (٢) روح المعاني، الألوسي، ٢٢/ ٦٧. وقال سبحانه: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ كِتَبًا﴾ [النبأ: ٢١-٢٩]. أي: وكل شيء أحصیناه فکتبناه كتابا، کتبنا عدده ومبلغه و قدره، فلا يعزب عنا علم شيء منه(٤). وكل شيءٍ من قلیل و کثیر، وخير وشر والمعنى: أن الله لم يزل عليكم رقيبا، مكتوب في اللوح المحفوظ، فلا يخشى المجرمون أن یعذبوا بذنوب لم یعملوها، ولا يحسبوا أنه يضيع من أعمالهم شيء، أو ینسی منها مثقال ذرة. كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّافِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِّلَنَنَا مَالِ هَذَا أَلْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩](٥). وفي الإشهاد: قال ابن زيد: الأشهاد أربعة: أولها: الملائكة الموكلون بإثبات أعمال العباد. قال تعالى: ﴿وَحَّمَتْ كُلّ نَفْسِ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ق: ٢١]. وقال سبحانه: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ (٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٣٦/٢٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٨٩/١٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤١/٨. (٤) جامع البيان، الطبري، ٢٤/ ١٦٦. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٩٠٦. ٤٠٨ مَقَ الَرُ النَّسِية جوية القرآن الكريمِ المسؤولية رَقِيبٌ عَنِيدٌ ﴾ [ق: ١٨]. وقال عز من قائل: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ أكِرَامًا كَذِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ)﴾ [الانفطار: ١٠- ١٢]. وثانيها: شهادة الأنبياء وهو المراد بقوله سبحانه حكاية عن عيسى عليه السلام: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]. وقال في حق محمد صلى الله عليه وسلم وأمته في هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءٍ شَهِيدًا [النساء: ٤١]. وثالثها: شهادة أمة محمد خاصة. قال تعالى: ﴿وَجِىَّ بِالنَّبِيْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩]. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ ﴾ [غافر: ٥١]. ورابعها: شهادة الجوارح وهي بمنزلة الإقرار بل أعجب منه. قال تعالى: ﴿يَوَّمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلَّسِنَتُهُمْ وَأَيْدِهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [النور: ٢٤]. وقال: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٢٥﴾ [يس: ٦٥](١). والإشهاد دلالة على تمام عدله سبحانه، حتى إنه سبحانه يفسح المجال للمجادلة وإيراد الحجج يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتستشهد، كما في آية يس السابقة: ﴿الْيَّوْمَ تَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيِهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ٦٥ [يس: ٦٥]. قال ابن كثير: فهذا حال الكفار والمنافقین یوم القيامة، فإنهم إذ ینکرون ما اجترموه ويحلفون أنهم ما فعلوه، يختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم(٢). وفي الصحيح عن أنس بن مالكٍ، قال: (کنا عند رسول الله صلی الله عليه وسلم فضحك، فقال: (هل تدرون مم أضحك؟)، قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (من مخاطبة العبد ربه، يقول يا رب: ألم تجرني من الظلم؟، قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الكاتبين شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: ثم يخلى بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدًا لکن وسحقًا، فعنکن کنت (١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٢/ ٩٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٨٥/٦- ٥٨٦. www. modoee.com ٤٠٩ حرف الميم أناضل)(١). وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ قال صالح بن عبد القدوس -وهو أحد ◌ِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيةٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْبِعَادَ ﴾ [آل عمران: ٩]. شعراء العصر العباسي -: واذكر مناقشة الحساب فإنه لا بد یحصی ما جنیت ویکتب لم ينسه الملكان حين نسيته بل أثبتاه و أنت لاه تلعب الجمع والسؤال والحساب: إن الله سبحانه بعد أن عهد إلى عباده أمره، وهداهم وأرشدهم وإلى طريق الفلاح دلهم، وأخبرهم بأنه رقيب عليهم، وأنه يحصي عليهم أعمالهم و یشهد عليهم، بعد هذا كله توعدهم بأنه سبحانه جامعهم جميعًا لا محالة، وسائلهم عما عهد إليهم، ومحاسبهم على أعمالهم. قال سبحانه في الجمع: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحِيكُمْ ثُمَّ يُمِتُكُمْ تُمَّ يَجْمَعَكُمْ لَى يَوْمِ الْقِيَّمَةِ لَا رَبْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَّا يَعْلَمُونَ (٦)﴾ [الجاثية: ٢٦]. يعني: أنه يجمعكم جميعا أولكم وآخركم، وصغيركم وكبيركم أحياء ليوم القيامة فلا تشکوا في ذلك، فإن الأمر كما وصفت لكم (٢). وقال سبحانه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَّوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ ﴾ [آل عمران: ٢٥]. ٢٥ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١) أخرجه مسلم ٥٢٧٥، كتاب الزهد والرقائق. (٢) جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ٨٠. وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وقال سبحانه: قُرْءَانَا عَرَبِيًّا لِتْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَبِّبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِی السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُتْ لِيَوْمِ الجَّعَ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ [التغابن: ٩]. وقال عز من قائل: ﴿ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اَللَّهِ مَوْلَئُهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ اَْسِيِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. فالقرآن الكريم أثبت الجمع، وأنه واقع لا محالة، وأنه الجميع مجموع، وذلك في آیات كثيرة. وقال سبحانه في السؤال: ﴿فَلَنَسْتَكَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْتَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦]. فإن الله بعد أن يجمع الخلائق ليوم القيامة يسأل المرسل إليهم عما أجابوا رسله، ويسأل الرسل عن تبليغ الدعوة لأقوامهم حتی یکون أبلغ في التبكيت على من خالفهم، وقد مضى بيان ذلك. والآيات والواردة في السؤال والمحاسبة كثيرة وقد مضی ذکرها. وقال سبحانه في المحاسبة: ﴿إِنَّ إِلَيْنَاً ٢﴾ [الغاشية: إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُم ٤١٠ القرآن الكريم