النص المفهرس

صفحات 61-65

محمد صلى الله عليه وسلم
ثانيًا: منزلته يوم القيامة:
نص القرآن الكريم على أنه سبحانه
وتعالى قد أعطى محمدا صلى الله عليه
وسلم الكوثر وأنه عسى أن يبعثه مقامًا
محمودًا.
فأما الكوثر فقد ورد في قوله تعالى:
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الْأَبْرَّ ﴾
[الكوثر: ١- ٣].
والكوثر مشتق من الكثرة، قال القرطبي:
((الكوثر: فوعل من الكثرة، مثل النوفل من
النفل، والجوهر من الجهر. والعرب تسمي
كل شي كثير في العدد والقدر والخطر
كوثرا. قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من
السفر: بم آب ابنك؟ قالت بکوثر، أي بمال
كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير
الخير))(١).
وقد ذكر في مدلوله معنيان أحدهما
أعم من الآخر، فأما المعنى الأخص فهو
أن الكوثر: حوض النبي صلى الله عليه
وسلم يوم القيامة؛ وهو حوض ماؤه أبيض
من اللبن وأحلى من العسل من شرب منه
شربة لم يظمأ حتى يدخل الجنة، حافتاه
من الذهب وقباب الدر المجوف، وطينته
المسك، ومجراه على اللؤلؤ والزبرجد،
وعليه آنية بعدد نجوم السماء، ويطعم وارده
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٦/٢٠.
من طير أعناقها کأعناق الإبل.
قال البخاري فى كتاب الرقاق: ((باب في
الحوض وقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ
الْکَوْثَرَ﴾، وقال عبد الله بن زيد: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (اصبروا حتى تلقوني
على الحوض))(٢). وترجمة الباب هذه تدل
على أن البخاري رحمه الله يعتبر الحوض
هو الكوثر أو من الكوثر.
ثم روى عن أنس بن مالك، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (بينما أنا أسير
في الجنة، إذا أنا بنهر، حافتاه قباب الدر
المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا
الكوثر، الذي أعطاك ربك، فإذا طينه - أو
طيبه - مسك أذفر)(٣).
ومن حديث عبد الله بن عمرو قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (حوضي مسيرة
شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب
من المسك، وكيزانه كنجوم السماء، من
شرب منها فلا يظمأ أبدا) (٤).
وأما مسلم فإنه أخرج من رواية أنس ما
يدل على اقتران تفسیر النبي صلى الله عليه
وسلم للحوض بالكوثر عند نزول السورة،
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
٨/ ١١٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب في الحوض، ٨/ ١٢٠، رقم ٦٥٨١.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب في الحوض، ١١٩/٨، رقم ٦٥٧٩.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الميم
قال: ((عن أنس، قال: (بینا رسول الله صلی
الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذا
أغفی إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما، فقلنا: ما
أضحكك يا رسول الله قال: (أنزلت علي
آنفا سورة) فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ
وَأَنْحَرْ ن إِنَّ شَائِشَكَ هُوَ الْأَبَ ))﴾،
ثم قال: (أتدرون ما الكوثر؟) فقلنا: الله
ورسوله أعلم، قال: (فإنه نهر وعدنيه ربي عز
وجل، علیه خیر کثیر، هو حوض ترد عليه
أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج
العبد منهم، فأقول: رب، إنه من أمتي فيقول:
ما تدري ما أحدثت بعدك)(١). وفي هذه
الرواية دلالة على سبب تسميته بالکوثر وهو
قوله صلى الله عليه وسلم:(علیه خیر کثیر).
وأما أكثر الروايات تفصيلا في وصف
الحوض فقد رواها الترمذي عن عبد الله
بن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من
ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته
أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل،
وأبيض من الثلج)(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
٣٠٠/١، رقم ٤٠٠.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة الكوثر، ٤٤٩/٥،
رقم ٣٣٦١.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
وعند أحمد زیادة وهي أن علیه طیورا
أعناقها كأعناق الإبل، وهو ما روى بسنده
عن أنس:(أن رجلا سأل رسول الله صلى
الله عليه وسلم: ما الكوثر؟ فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم:) هو نهر أعطانيه
الله في الجنة، أبيض من اللبن، وأحلى من
العسل، فیه طیور أعناقها كأعناق الجزر)،
فقال عمر بن الخطاب: إنها لناعمة يا رسول
الله، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (آكلوها أنعم منها)(٣).
فهذه الروايات كلها تنص على أن
الحوض هو الكوثر، غير أن ابن عباس
رضي الله عنهما قد جعله من الکوثر، غير
قاصر لمعنى الكوثر على الحوض فقط.
روى البخاري من طريق أبي بشر، وعطاء بن
السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس
رضي الله عنه، قال: (( الكوثر: الخير الكثير
الذي أعطاه الله إياه)). قال أبو بشر: قلت
لسعيد: إن أناسا يزعمون أنه نهر في الجنة؟
فقال سعيد: ((النهر الذي في الجنة من الخير
الذي أعطاه الله إياه)»(٤). فعلى هذا فحوض
النبي صلى الله عليه وسلم من الكوثر،
وليس هو كل الكوثر.
٨٤٦/٢، رقم ٤٦١٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١٣٦/٢١، رقم
١٣٤٨٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتابر الرقاق،
باب في الحوض، ١١٩/٨، رقم ٦٥٧٨.
جَوَسُو ◌َرُ النَفسِير
القرآن الكريم
١٦٠

محمد صلى الله عليه وسلم
معنى الكوثر إلى ستة عشر قولًا(١):
وقد أوصل القرطبي مجموع الأقوال في صلى الله عليه وسلم نص في الكوثر.
وسمع أنس قوما يتذاكرون الحوض فقال:
ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى أمثالكم
أولها: أنه نهر في الجنة.
يتمارون في الحوض، لقد تركت عجائز
والثاني: الحوض.
خلفي، ما تصلي امرأة منهن إلا سألت الله
والثالث: أن الكوثر النبوة والكتاب.
أن يسقيها من حوض النبي صلى الله عليه
والرابع: القرآن.
والخامس: الإسلام.
وسلم»(٢).
والسادس: تيسير القرآن وتخفيف
الشرائع.
والسابع: كثرة الأصحاب والأمة
والأشياع.
والثامن: الإيثار.
والتاسع: رفعة الذكر.
والعاشر: أنه نور في قلبه صلی الله علیه
وسلم دله على ربه، وقطعه عما سواه.
وقد وقع المقام المحمود في الآية
الحادي عشر: الشفاعة.
الثاني عشر: معجزات الرب هدي بها مبهما، وجاء بيانه في السنة، فمن ذلك ما
روى البخاري عن جابر بن عبد الله رضي
أهل الإجابة لدعوتك.
الله.
الثالث عشر: لا إله إلا الله محمد رسول الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (من قال حين يسمع النداء: اللهم
رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة،
الرابع عشر: الفقه في الدين.
آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما
الخامس عشر: الصلوات الخمس.
محمودا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم
السادس عشر: هو العظيم من الأمر.
القيامة)(٣).
ثم قال القرطبي: (( قلت: أصح هذه
الأقوال الأول والثاني، لأنه ثابت عن النبي
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٦/٢٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١٨/٢٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقامًا
محمودًا)، ٨٦/٦، رقم ٤٧١٩.
www. modoee.com
١٦١
وأما المنزلة العالية الأخرى التي ذكرها
القرآن الكريم للنبي صلى الله عليه وسلم
يوم القيامة فهي المقام المحمود.
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ
وَمِنَ الَتْلِ فَتَهَجَّدْ پِهِ،
كانَ مَشْهُودًا )
نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَوَ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا
٧٩
﴾ [الإسراء: ٧٨-٧٩].

حرف الميم
إلی الأرض ولکن ائتوا نوحا، فیأتون نوحا،
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: (
إن الناس يصيرون يوم القيامة جثا، كل أمة
تتبع نبيها يقولون: يا فلان اشفع، يا فلان
اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي صلى
فيقول: إني دعوت على أهل الأرض دعوة
فأهلكوا، ولكن اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون
إبراهیم فیقول: إني کذبت ثلاث کذبات)،
الله علیه وسلم، فذلك یوم یبعثه الله المقام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما
منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله. ولكن
المحمود))(١).
ائتوا موسى، فيأتون موسى، فيقول: إني
فالحديثان يدلان على ارتباط هذا ((المقام
المحمود» بالشفاعة، وإن کانا لا ينصان نصا
صريحا على أنه هو الشفاعة، وقد وقع
النص على ذلك بصفة صريحة في ما روى
الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿عَسَى أَن
يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَحْمُودًا ﴾ وسئل عنها، قال:
(هي: الشفاعة)(٢).
قد قتلت نفسا، ولکن ائتوا عیسی، فیأتون
عيسى، فيقول: إني عبدت من دون الله،
ولكن ائتوا محمدا)، قال: (فيأتونني فأنطلق
معهم) - قال ابن جدعان: قال أنس: فكأني
أنظر إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم
- قال: (فآخذ بحلقة باب الجنة فأقعقعها
فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد فيفتحون
لي، وپرحبون بي، فيقولون: مرحبا، فأخر
ساجدا، فيلهمني الله من الثناء والحمد،
فيقال لي: ارفع رأسك وسل تعط، واشفع
تشفع، وقل يسمع لقولك، وهو المقام
المحمود الذي قال الله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْحَثَكَ
رَبُّكَ مَقَامًا شَّحْمُودًا﴾﴾(٣).
وعن أبي سعيد، قال: (قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أنا سيد ولد آدم يوم
القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا
فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواء إلا
تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض
ولا فخر)، قال: (ففزع الناس ثلاث فزعات،
فيأتون آدم، فيقولون: أنت أبونا آدم فاشفع لنا
إلى ربك، فيقول: إني أذنبت ذنبا أهبطت منه
قال ابن جرير: (( قال أكثر أهل العلم:
ذلك هو المقام الذي هو يقومه صلى الله
عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة للناس
لیریحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله: (عسى أن يبعثك ربك مقامًا
محمودًا)، ٦/ ٨٦، رقم ٤٧١٨.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة بني إسرائيل، ٣٠٣/٥، رقم
٣١٣٧.
قال الترمذي: حديث حسن.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة بني إسرائيل، ٣٠٨/٥، رقم
٣١٤٨.
قال الترمذي: حديث حسن.
١٦٢
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
ذلك اليوم»(١).
وقد ذكر القرطبي قولا آخر وهو: أن إلا بشفاعته وهو أول داخل إليها وأمته قبل
المقام المحمود: إعطاؤه لواء الحمد يوم
القيامة، وشاهده حديث الترمذي السابق، ثم
قال: « وهذا القول لا تنافر بینه وبین الأول،
فإنه يكون بيده لواء الحمد ويشفع»(٢).
وللنبي صلى الله عليه وسلم تشريفات
أخری وقد تکون داخلة ضمن عموم الكوثر
والمقام المحمود، قال ابن كثير: (( لرسول
الله صلى الله عليه وسلم تسليما تشريفات
يوم القيامة لا يشركه فيها أحد، وتشريفات
لا يساویه فيها أحد؛ فهو أول من تنشق عنه
الأرض، ويبعث راكبا إلى المحشر، وله
اللواء الذي آدم فمن دونه تحت لوائه، وله
الحوض الذي لیس في الموقف أكثر واردا
منه، وله الشفاعة العظمى عند الله ليأتي
لفصل القضاء بين الخلائق، وذلك بعدما
يسأل الناس آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى
ٹمعیسی، فکل یقول: «لست لها)) حتى يأتوا
إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: ((أنا
لها، أنا لها» ومن ذلك أنه يشفع في أقوام قد
أمر بهم إلى النار، فيردون عنها. وهو أول
الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على
الصراط بأمته. وهو أول شفيع في الجنة،
كما ثبت في صحيح مسلم. وفي حديث
الصور: إن المؤمنین کلهم لا يدخلون الجنة
الأمم كلهم. ويشفع في رفع درجات أقوام
لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة
التي هي أعلى منزلة في الجنة، لا تليق إلا
له. وإذا أذن الله تعالى في الشفاعة للعصاة
شفع الملائكة والنبيون والمؤمنون، فيشفع
هو في خلائق لا یعلم عدتهم إلا الله، ولا
يشفع أحد مثله ولا يساويه في ذلك))(٣).
فصلى الله وسلم على نبيه ورسوله
محمد الأمين وعلى آله وصحبه ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وجعلنا من
المشمولين بشفاعته يوم لا ينفع مال ولا
بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
موضوعات ذات صلة:
آدم عليه السلام، إبراهيم عليه السلام،
الإسلام، الصحابة، القرآن، النبوة
(١) جامع البيان، الطبري ٥٢٦/١٧.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١١/١٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٤/٥.
www. modoee.com
١٦٣