النص المفهرس
صفحات 21-40
محمد صلى الله عليه وسلم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودَّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَيَّةِّ وَمَثَلُهُمْ فِ آلْإِنجِيلِ كَزَرَجُ أَخْرَجَ سَطْكَهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ اُلْكُفَّارُ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: ٢٩]. وقد تضمنت الآية إخبارًا منه ((تعالى عن رسوله صلی الله عليه وسلم وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنهم بأكمل الصفات، وأجل الأحوال، وأنهم ﴿أَشِدَآءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ أي: جادون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يروا منهم إلا الغلظة والشدة؛ فلذلك ذل أعداؤهم لهم، وانكسروا، وقهرهم المسلمون»(١). والشدة في هذا المقام صفة مدح؛ لأنها غلظة علی غليظ، وقمع لمتجبر ظالم عات، وانتصار للحق، وغيرة على الدين، قال في التحرير والتنوير: ((والشدة على الكفار: هي الشدة في قتالهم وإظهار العداوة لهم، وهذا وصف مدح؛ لأن المؤمنين الذين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا هم فئة الحق ونشر الإسلام، فلا يليق بهم إلا إظهار الغضب لله، والحب في الله، والبغض في الله من الإيمان، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أقوى المؤمنين إيمانًا من أجل إشراق أنوار النبوءة على قلوبهم، فلا جرم (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٥. أن یکونوا أشد علی الکفار، فإن بین نفوس الفريقين تمام المضادة، وما كانت كراهيتهم للصلح مع الكفار يوم الحديبية ورغبتهم في قتل أسراهم الذين ثقفوهم يوم الحديبية، وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا من آثار شدتهم على الكفار، ولم تكن لاحت لهم المصلحة الراجحة على القتال وعلى القتل التي آثرها النبي صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك كان أكثرهم محاورة في إباء الصلح يومئذ أشد أشدائهم على الكفار وهو عمر بن الخطاب، وكان أفهمهم للمصلحة التي توخاها النبي صلى الله عليه وسلم في إبرام الصلح أبا بكر)» (٢). قال: ((ثم تكون أحكام الشدة على الكفار من وجوب وندب وإباحة و أحکام صحبتهم ومعاملتهم جارية على مختلف الأحوال ولعلماء الإسلام فيها مقال))(٣). والصفة الثانية لأصحابه صلى الله عليه وسلم أنهم: ((﴿رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي: متحابون متراحمون متعاطفون، كالجسد الواحد، يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه)) (٤). ((وفي الجمع لهم بين هاتين الخلتين المتضادتين الشدة والرحمة؛ إيماء إلى أصالة آرائهم وحكمة عقولهم، وأنهم يتصرفون في أخلاقهم وأعمالهم تصرف (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٤/٢٦. (٣) المصدر السابق ٢٠٤/٢٦. (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٩٥. www. modoee.com ١١٩ حرف الميم الحكمة والرشد، فلا تغلب على نفوسهم محمدة دون أخرى؛ ولا يندفعون إلى العمل بالجبلة وعدم الرؤية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَوْفَ بَأَتِى اَللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ في سورة العقود [المائدة: ٥٤]. وفي تعليق رحماء مع ظرف (بين) المفيد للمكان الداخل وسط ما يضاف هو إليه تنبيه على انبثاث التراحم فيهم جميعًا))(١). ((هذه معاملتهم مع الخلق، وأما معاملتهم مع الخالق فإنك ﴿َرَّهُمْ رُكْعَا سُجَّدًا﴾ أي: وصفهم كثرة الصلاة، التي أجل أركانها الركوع والسجود. ﴿يَبْتَغُونَ﴾ بتلك العبادة ﴿فَضْلاً مِّنَ اللّهِ وَرِضْوَانًا﴾ أي: هذا مقصودهم بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه))(٢). وأما الصفة الأخرى التي ذكرت لأصحابه صلی الله عليه وسلم فهي علامة على وجوهم، ناتجة عن صفتهم السابقة التي هي كثرة السجود: ﴿سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثْرِ السُّجُودِ﴾، ((والسيما: العلامة وهذه سيما خاصة هي من أثر السجود. واختلف في المراد من السيما التي وصفت بأنها من أثر السجود على ثلاثة أنحاء: (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٤/٢٦. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٩٥. جوية القرآن الكريم الأول: أنها أثر محسوس للسجود. الثاني: أنها من الأثر النفسي للسجود. الثالث: أنها أثر يظهر في وجوههم يوم القيامة))(٣). تلك صفتهم في التوراة. ((فأما قوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ﴾ ففيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا المثل المذكور أنه في التوراة هو مثلهم في الإنجيل. قال مجاهد: مثلهم في التوراة والإنجيل واحد. والثاني: أن المتقدم مثلهم في التوراة. فأما مثلهم في الإنجيل فهو قوله: ﴿ وهذا قول الضحاك وابن زيد. والثالث: أن مثلهم في التوراة والإنجيل کزرع» (٤). وقد اختار ابن جرير أن هذا مثلهم في التوراة، وأن قوله: ﴿كَزَرِعْ أَخْرَجَ شَطَهُ﴾ مثلهم في الإنجيل، قال: ((وقوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطَْهُ﴾ يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرخ فهو يشطي إشطاء، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم ابتدءوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة، حتى كثر (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٥/٢٦. (٤) زاد المسير ١٣٩/٤. ١٢٠ محمد صلى الله عليه وسلم عددهم، كما يحدث في أصل الزرع الفرخ عرباض بن سارية، قال سمعت رسول الله منه، ثم الفرخ بعده حتی یکثر وینمي))(١). ثم روی بسنده عن ابن عباس قال: « قوله ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أصحابه مثلهم، يعني: نعتھم مكتوبًا في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق السموات والأرض)»(٢). وإذا تأملنا هذه الأوصاف التي ذكر القرآن الکریم أن النبي صلی الله علیه وسلم قد عرف بها في الكتب السابقة، وجدناها أو صافًا لأمة كبيرة من الناس: الأميون الذين بعث فيهم، وأصحابه الذين معه، وهي أوصاف يستحيل انتحالها بخلاف صفة الفرد الواحد، ولو كانت أوصاف شخص واحد لجاز لأحد ممن يقرؤها أن يزعم أنه یری تحققها في شخص یعرفه أو فيه هو. وقد ورد في سورة الصف ما یوهم ذکر اسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَمَ يَبَقِّ إِسْرَِّيلَ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَعْوَدٌ فَلَمَّا جَآءَهُم بِلْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ [الصف: ٦]. فنصت الآية على أن عيسى عليه السلام بشر بمحمد صلی الله عليه وسلم وأخبر باسمه «أحمد»، وروی ابن جریر بسنده عن (١) جامع البيان، الطبري ٢٦٥/٢٢. (٢) المصدر السابق. صلى الله عليه وسلم يقول: (إني عند الله مكتوبٌ لخاتم النبيين، وإن آدم لمنجدلٌ في طینته، وسأخبركم بأول ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي، والرؤيا التي رأت أمي، وكذلك أمهات النبيين، يرين أنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ أضاءت منه قصور الشام)(٣). غير أن الآية لم تنص صراحة على أن اسمه « أحمد» مكتوب في الإنجیل، بل غایة ما نصت عليه أنه خبر على لسان المسيح وليس فيه نص على أنه مكتوب في الإنجيل ولا أنه غير مكتوب. وقد أوهم ذلك أن اسم النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في الإنجيل، كما قال القرطبي: ((وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اسمي في التوراة أحيد لأني أحيد أمتي عن النار، واسمي في الزبور الماحي محا الله بي عبدة الأوثان، واسمي في الإنجيل أحمد، واسمي في القرآن محمد؛ لأني محمود في أهل السماء والأرض)(٤)) (٥). ومن ذلك ما أخرج ابن عساکر عن سهل مولى غنيمة أن نعت محمد عليه الصلاة والسلام في التوراة: ((أنه لا قصير ولا طويل (٣) جامع البيان، الطبري ٣٥٩/٢٣. (٤) أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق، ٣٢/٣. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨٤/١٨. www. modoee.com ١٢١ حرف الميم أبيض ذو صفرة، من بين كتفيه خاتم، يكثر استحالة كونه مع ذلك مكتوبًا، وغاية ما في الأمر أن القرآن الكريم لم ينص على ذلك صراحة. الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصًا مرقوعًا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد»(١). ویری السموأل المغربي أن اسمه صلى الله علیه وسلم مرموز إليه فیها، وقد عقد فصلا في ((الإشارة إلى اسمه في التوراة)» اعتمد فيه حساب الجمل -الذي هو من صناعة اليهود وعلومهم التي يبرعون فيها- في الدلالة على اسم النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((وإنما جعل ذلك في هذا الموضوع ملغزا؛ لأنه لو صرح به لبدلته اليهود، أو أسقطته من التوراة كما عملوا في غير ذلك))(٢). فکل هذه الأقوال وردت في سياق إثبات التصريح باسمه صلى الله عليه وسلم في الإنجيل خصوصًا وفي الكتب السابقة عمومًا، ومثل هذا إن لم تثبت رواية عن النبي صلی الله عليه وسلم به فإن لفظ الآية لا يدل عليه، وغاية ما دلت عليه آية سورة الصف أن المسیح علیه السلام بشر به مُصرِّحًا باسمه ((أحمد)»، بل إن لفظ ((قال)) مشعر بأنه من كلام المسيح وليس من الإنجيل، مع عدم (١) تاريخ دمشق ٣٨٩/٣. (٢) بذل المجهود في إفحام اليهود، السموأل المغربي ص١١٦. هذا وعدم النص على اسمه أو وصفه الخاص أبلغ، إذ لو علم لطلبه مدعو النبوة، ولبدله الذين يحرفون الكلم عن مواضعه. وقد بقي أن له علامات غير منحصرة يعرفه بها علماء أهل الكتاب، وعدم انحصارها عاصم لها من التحريف. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ هُمْ كِنَبُّ مِنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَغَرُوا فَلَمَّا جَآءَ هُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَفِرِينَ ٥)﴾ [البقرة: ٨٩]. فأما بشارة المسيح به صلى الله عليه وسلم فلا يطعن فيها زعم أهل الكتاب أنهم لا يجدونها في كتبهم، وما تقدم من كلام السموأل والرازي حجة عليهم. قال الألوسي: «هذا ويشارته عليه السلام بنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم مما نطق به القرآن المعجز، فإنكار النصارى ذلك ضرب من الهذيان، وقولهم: ولو وقعت لذكرت في الإنجيل، الملازمة فيه ممنوعة، وإذا سلمت قلنا بوقوعها في الإنجيل إلا أن جامعیه بعد رفع عيسى عليه السلام أهملوها؛ اكتفاء بما في التوراة ومزامير داود عليه السلام وكتب أشعياء و حبقوق وأرمیاء وغيرهم من الأنبياء ١٢٢ جَوَسُواحَرَ النَفسِيرِ الوضوح لِلْقُرْآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم يزعمونه ودفنه ورفعه من قبره إلى السماء، عليهم السلام. ويجوز أن يكونوا قد ذكروها إلا أن فما هي إلا كتواريخ وتراجم فيها شرح علماء النصارى بعد حبا لدينهم أو لأمر ما بعض أحوال عيسى عليه السلام ولادة ورفعًا ونحو ذلك، وبعض كلمات له عليه غير ذلك أسقطوها كذا قيل))(١). السلام على نحو بعض الكتب المؤلفة في أقول: وليست البشارة مقتصرة على الاسم فقط، ولا يلزم أنها من الوحي المكتوب، بل قد تكون قد وقعت على لسان المسيح عليه السلام كما تقدم. بعض الأكابر والصالحين فلا يضر إهمالها بعض الأحوال، والكلمات التي نطق القرآن العظيم بها ككلامه عليه السلام في المهد وبشارته بنبينا صلی الله تعالی علیه وسلم، على أن في إنجيل يوحنا ما هو بشارة بذلك عند من أنصف وسلك الصراط السوي وما تعسف»(٢). . قال الألوسي: (( الأناجيل التي عند النصارى أربعة: إنجيل متى من الاثني عشر الحواريين، جمعه باللغة السريانية بأرض فلسطين بعد رفع عيسى عليه السلام بثماني سنين، وعدة إصحاحاته ثمانية وستون إصحاحًا، وإنجيل مرقص وهو من السبعين، جمعه باللغة الفرنجية بمدينة رومية بعد الرفع باثنتي عشرة سنة، وعدة إصحاحاته ثمانية وأربعون إصحاحًا، وإنجيل لوقا وهو من السبعين أيضًا، جمعه بالإسكندرية باللغة اليونانية، وعدة إصحاحاته ثلاثة وثمانون إصحاحًا، وإنجيل يوحنا وهو حبيب المسيح، جمعه بمدينة إقسس من بلاد رومية بعد الرفع بثلاثين سنة، وعدة إصحاحاته في النسخ القبطية ثلاثة وثلاثون إصحاحا وهي مختلفة، وفيها ما يشهد الإنصاف بأنه ليس كلام الله عز وجل، ولا كلام عيسى عليه السلام كقصة صلبه الذي (١) روح المعاني ١٤ / ٢٨٠. ومثل هذه الكتب واختلافها وكثرة التناقض فيها يجعلنا نجزم بأن كل ما جاء فيها ليس من كلام المسيح عليه السلام، ولا أن كل ما قال المسيح منقول فيها حتى تجعل حکمًا في مثل هذا. (٢) روح المعاني ١٤ / ٢٨١. www. modoee.com ١٢٣ حرف الميم صفة محمد عليه السلام في القرآن وصف محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن الكريم بجملة من الصفات منها: أولًا: النبي: النبوة من النبأ، ((والنبأ: الخبر، تقول نَبَأ ونَبّاً، أي: أخبر، ومنه أخذ النبيء لأنه أنبأ عن الله تعالى، وهو فعيلٌ، بمعنى فاعل))(١). وإذا قيل للخبر: نبأ فهو ذو فائدة عظيمة ولا يتطرق إليه الكذب، وهو متضمن لمعنى العلم، قال الراغب: ((النبأ: خبر ذو فائدة عظيمة يحصل به علم أو غلبة ظن، ولا يقال للخبر في الأصل نبأً حتى يتضمن هذه الأشياء الثلاثة، وحق الخبر الذي يقال فيه نبأ أن يتعرى عن الكذب، كالتواتر، وخبر الله تعالى، وخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ولتضمن النبإ معنى الخبر يقال: أنبأته بكذا كقولك: أخبرته بكذا، ولتضمنه معنى العلم قيل: أنبأته كذا، كقولك: أعلمته كذا. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَاْ عَظِيمٌ ) أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ ﴾ [ص: ٦٧ -٦٨]))(٢). والنبي مشتق من فعل ((أنبأ)) أو من فعل (نبا» بمعنی: علا وارتفع، «فهو مهموز من النبأ، وغير مهموز من النبوة، وهو المرتفع من الأرض، فهو صلى الله عليه وسلم مخبر (١) الصحاح، الجوهري ٧٤/١. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٨٨. عن الله سبحانه وتعالى، رفيع القدر عنده، فاجتمع له الوصفان، وتم له الشرفان)» (٣). هذا عن مدلول النبوة في اللغة واشتقاقها، وأما مدلولها القرآني فهو الإخبار بما تلقاه النبي عن الله سبحانه وتعالى، قال الفيروزآبادي: ((والنبوة: سفارة بين الله وبين ذوي العقول؛ لإزاحة عللهم فى أمر معادهم ومعاشهم» (٤). وقد تقدم أن وصف ((النبي)) تكرر في القرآن الکریم بصفة جعلته علمًا علی محمد صلى الله عليه وسلم حتى صار اسمًا من أسمائه، غير أنه قد استعمل بمعنى الصفة في نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللهُ وَلِيُّ اُلْمُؤْمِنِينَ ! ﴾ [آل عمران: ٦٨]. ٦٨ فقوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِىُّ﴾ تضمن الإشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه بصفة النبوة تأکیدًا له عند المخاطبین، ودفعا لأي شك قد ییدر منهم وترغيما للمعاندين من اليهود وغيرهم. وكما استعمل لفظ ((النبي)) فقد استعمل لفظ ((الرسول)) في القرآن الكريم بمعنى الاسم، وبمعنى الصفة له صلى الله عليه وسلم أيضًا. (٣) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ١٥/٥. (٤) المصدر السابق. ١٢٤ جَوَنُور لِلْقُرآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم ثانيًا : رسول الله: الرسول مشتق من الرسل -بكسر الراء- و «أصل الرسل: الانبعاث على التؤدة ويقال: ناقة رسلةٌ: سهلة السير، وإبل مراسيل: منبعثة انبعاثًا سهلًا، ومنه: الرسول المنبعث، وتصور منه تارة الرفق، فقيل: على رسلك، إذا أمرته بالرفق، وتارة الانبعاث فاشتق منه الرسول)»(١). والتوظيف اللغوي للإرسال ليس مقصورًا على الإنسان فقط، فقد يقال أيضا في الأشياء، ومن معانیه: (( التسخير کإرسال الريح والمطر نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءُ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾ [الأنعام: ٦]. وقد يكون ببعث من له اختيار، نحو إرسال الرسل. قال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١]. ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِ اَلْمَدَآَيْنِ خَشِرِينَ [الشعراء: ٥٣]. وقد يكون ذلك بالتخلية، وترك المنع، نحو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَطِينَ عَلَى اُلْكَفِرِينَ تُؤُزُّهُمْ أَزَّا ﴾ [مريم: ٨٣]. والإرسال يقابل الإمساك. قال تعالى: ﴿مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٥٢. [فاطر: ٢].))(٢). هذا عن مدلول الإرسال واشتقاقه اللغوي، أما في الاستعمال القرآني فالرسول: « هو الذي تتابع خبره عن الله، وهو المرسَل بفتح السين، ولا يقتضي التتابع. وهو المرسل: بكسر السين؛ لأنه لا یعم بالتبليغ مشافهة، فلم يك بد من الرسل ينوبون عنه، ويتلقون منه، كما بلغ عن ربه قال النبي صلی الله عليه وسلم لأصحابه: (تسمعون، ويسمع منكم، ويسمع ممن یسمع منکم) )»(٣). وقد استعمل لفظ ((الرسول)» في القرآن الكريم بدلالات أخرى أيضًا، فـ ((رسل الله تارة يراد بها الملائكة، وتارة يراد بها الأنبياء، لَقُولَ رَسُولٍ إِنَّهـ فمن الملائكة قوله تعالى: كَرِيمٍ ﴾ [التكوير: ١٩]. وقوله: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكَ﴾ [هود: ٨١]. ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطَا سِّءَ وقوله: بِهِمْ ﴾ [هود: ٧٧]. ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَاْ إِبْرَهِمَ وقال: بِالْبُشْرَى﴾ [العنكبوت: ٣١]. وقال: ﴿وَالْمُرْسَلَتِ عُرْفًا ﴾ [المرسلات: ١]. ﴿َ وَرُسُلُنَا لَنِهِمْ يَكْنُبُونَ﴾ [الزخرف: (٢) المصدر السابق ص٣٥٣. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٥٨١/٣. www. modoee.com ١٢٥ حرف الميم ٨٠]. ومن الأنبياء قوله: ﴿وَمَا مُحَتَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. ﴿وَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]. وقوله: ﴿وَمَانُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. فمحمول على رسله من الملائكة والإنس. وقوله: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ اُلَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]. قيل: عني به الرسول وصفوة أصحابه، فسماهم رسلا لضمهم إليه، كتسميتهم المهلب وأولاده المهالية)) (١). و کثیرًا ما دعي النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الوصف في القرآن الكريم حتى صار علما عليه، لكنه قد استعمل أيضا بمعنى الصفة له عليه الصلاة والسلام في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَبْتُمْ عَلَى أَعْقَبِّكُمّْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. فـ «محمد» اسمه صلی الله علیه وسلم، و (( رسول )) صفته فى هذا السياق. الفرق بين النبي والرسول: جاء الوصفان النبي والرسول معطوف (١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٥٣. أحدهما على الآخر فأوحى ذلك بأن بينهما فرقا،كما في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّا إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِّ أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ مَايَتِهِهُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [الحج: ٥٢]. و («هذه الآية دالة عليه - أي: الاختلاف بين مفهومي النبي والرسول- لأنه عطف النبي على الرسول، وذلك يوجب المغايرة وهو من باب عطف العام على الخاص))(٢). قال القاضي عياض: ((واختلف العلماء هل النبي والرسول بمعنى أو بمعنیین فقيل: هما سواء وأصله من الإنباء وهو الإعلام، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَانَجٍِ﴾ فقد أثبت لهما معًا الإرسال قال: ولا يكون النبي إلا رسولًا ولا الرسول إلا نبيًا. وقيل: هما مفترقان من وجه إذ قد اجتمعا في النبوة التي هي الاطلاع على الغيب، والإعلام بخواص النبوة أو الرفعة لمعرفة ذلك وحوز درجتها، وافترقا في زيادة الرسالة للرسول وهو الأمر بالإنذار والإعلام كما قلنا، وحجتهم من الآية نفسها التفريق بين الاسمين، ولو كانا شيئًا واحدًا لما حسن تكرارهما في الكلام البليغ)»(٣). ثم قال: ((والصحيح والذي عليه الجماء (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٦/٢٣. (٣) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض ٤٨٨/١. ١٢٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم الغفير: أن كل رسول نبي، وليس كل نبي فهو النبي الذي لا يكون رسولًا))(٢). وهذا رسولًا، وأول الرسل آدم وآخرهم محمد المعنى الثالث رجحه الرازي وقال: ((وهو الأولى)»(٣). صلی الله عليه وسلم))(١). فبين وصفي النبي والرسول عموم وخصوص، ويستلزم ذلك أنهما ليسا متطابقين تطابقًا كاملًا رغم أنهما يجتمعان في جزء من الدلالة، ولكن بينهما فرقًا في زيادة يحويها مفهوم «الرسول». وقد ((ذكروا في الفرق بين الرسول والنبي ينبئ بما أنبأ الله به، فإن أرسل مع ذلك إلى أمورًا: أحدها: أن الرسول من الأنبياء من جمع إلى المعجزة الكتاب المنزل عليه، والنبي غير الرسول من لم ينزل عليه كتاب، وإنما أمر أن يدعو إلى كتاب من قبله. والثاني: أن من كان صاحب المعجزة وصاحب الكتاب ونسخ شرع من قبله فهو الرسول، ومن لم يكن مستجمعًا لهذه الخصال فهو النبي غير الرسول، وهؤلاء يلزمهم أن لا يجعلوا إسحاق ويعقوب وأيوب ويونس وهارون وداود وسليمان رسلًا؛ لأنهم ما جاءوا بكتاب ناسخ. والثالث: أن من جاءه الملك ظاهرًا وأمره بدعوة الخلق فهو الرسول، ومن لم یکن کذلك، بل رأی في النوم کونه رسولًا، أو أخبره أحد من الرسل بأنه رسول الله، (١) المصدر السابق ٤٨٩/١. ولابن تيمية في المسألة رأي يبدو أقرب إلى الصواب، وهو أن الرسول يزيد عن النبي بكونه مرسلًا إلى من خالف أمر الله يبلغه رسالة الله، قال: ((والمقصود هنا: الكلام على النبوة فالنبي هو الذي ينبئه الله، وهو من خالف أمر الله ليبلغه رسالة من الله إليه فهو رسول، وأما إذا كان إنما يعمل بالشريعة قبله ولم يُرسَل هو إلى أحد يبلغه عن الله رسالة فهو نبي، وليس برسول قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبٍِ إِلَّ إِذَا تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِيَ أُمَّنِّيَّتِهِ﴾ وقوله: ﴿مِن رَّسُولٍ وَلَانَبٍِ﴾؛ فذكر إرسالًا یعم النوعين، وقد خص أحدهما بأنه رسول، فإن هذا هو الرسول المطلق الذي أمره بتبلیغ رسالته إلى من خالف الله كنوح)» (٤). وبناء على ذلك فکل رسول نبي، وليس كل نبي رسولًا، ومحمد صلى الله عليه وسلم نبي ورسول، بل هو خاتم الأنبياء والمرسلين، كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِّن رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمٌ النَّبِيْنَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمًا (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٦/٢٣. (٣) المصدر السابق. (٤) النبوات، ابن تيمية ٢/ ٧١٤. www. modoee.com ١٢٧ حرف الميم [الأحزاب: ٤٠]. ««وخاتم)) بفتح التاء بمعنی أنهم به ختموا فهو كالخاتم والطابع لهم، وقرأ الباقون والجمهور ((خاتم)) بكسر التاء بمعنى أنه ختمهم، أي: جاء آخرهم، وروت عائشة أنه عليه السلام قال: (أنا خاتم الأنبياء) - بفتح التاء- وروي عنه عليه السلام أنه قال: (أنا خاتم ألف نبي) وهذه الألفاظ عند جماعة علماء الأمة خلفًا وسلفًا متلقاة على العموم التام مقتضية نصًّا أنه لا نبي بعده صلی الله عليه وسلم))(١). ومع کونه صلی الله عليه وسلم النبي الرسول وخاتم الأنبياء، فقد كان أول من أمر بالتزام الإسلام والعمل بأحكامه وأن یکون أول المسلمين. ثالثًا: أول المسلمين: نص القرآن الكريم على أن محمدًا صلى الله علیه وسلم أمر أن یکون أول من أسلم، كما قال تعالى: ﴿قُلُّ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمٌ وَلَا تَكُوَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الأنعام: ١٤]. كما أمر أن يخبر عن نفسه بذلك: ﴿قُلّ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشُكِى وَيَحْيَاىَ وَمَعَانِى لِلَّهِ رَبِّ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْعَلَمِينَ (١٠) [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣]. اْسُّالِمِينَ (١٦٣) (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٨/٤. و ((المعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة» (٢). وقد دلت الآية على صدق النبي صلى الله عليه وسلم، فهو المبادر إلى فعل ما يأمر به من أحكام هذا الدین، وهو أول مخاطب به، وهو سابق المسلمین، و «خیرهم وأولهم، كما قال: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ الْنُّلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]. و تقدم في ذلك بشرف انقياده بکل وجه، وبكل حال إلى الله وبسلامة عن الجهل والمعاصي)»(٣). وفي قوله تعالى: ((﴿قُلْ إِنَّ صَلَاقِ﴾ الآية، أمر من الله عز وجل أن يعلن بأن مقصده في صلاته، وطاعته من ذبيحة وغيرها، وتصرفه مدة حياته، وحاله من الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله عز وجل، وإرادة وجهه وطلب رضاه، وفي إعلان النبي صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم المؤمنين التأسي به؛ حتى يلتزموا في جمیع أعمالهم قصد وجه الله عز وجل»(٤). والآية تدل على أنه صلى الله عليه وسلم أول من أسلم من هذه الأمة، ولكن هل تدل على أنه أول المسلمين من جميع الأمم؟ قال ابن عطية: ((والمعنى أول من أسلم من هذه الأمة وبهذه الشريعة، ولا يتضمن (٢) المصدر السابق ٢/ ٢٧٣. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٣/ ٥٨٢. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٦٩/٢. ١٢٨ جَوُْواحَرَ النَّفْسِيْ لِلْقُرْآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم الكلام إلا ذلك»(١). فجزم بأن المراد: أول من أسلم من هذه الأمة لا غيره. ولكن بعض المفسرين لم يستبعد هذه الدلالة وإن لم يجزم بها، قال ابن عاشور: ( ومعنی أول من أسلم أنه أول من يتصف بالإسلام الذي بعثه الله به، فهو الإسلام الخاص الذي جاء به القرآن، وهو زائد علی ما آمن به الرسل من قبل، بما فيه من وضوح البیان والسماحة، فلا ینافي آن بعض الرسل وصفوا بأنهم مسلمون، كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم ويعقوب: ﴿يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. ويجوز أن يكون المراد أول من أسلم ممن دعوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون الأول كناية عن الأقوى والأمكن في الإسلام؛ لأن الأول في كل عمل هو الأحرص عليه والأعلق به، فالأولية تستلزم الحرص والقوة في العمل، كما حكى الله تعالى عن موسى قوله: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣]. فإن كونه أولهم معلوم وإنما أراد: أني الآن بعد الصعقة أقوى الناس إيمانًا. وفي الحديث: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة)))(٢). (١) المصدر السابق ٢٧٣/٢. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٩/٧. أما صاحب ((ملاك التأويل)) فنظر إلى الآية في سياق ما نصت عليه آيات أخرى من كون الأنبياء جميعًا كانوا مسلمين، فأثبت لهم جميعًا أولية في السبق إلى الإيمان والإسلام، قال في بيان الفرق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلُِّْينَ﴾ وقول موسى عليه السلام: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ((والجواب والله أعلم: أن هذه الآية لما تقدمها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ هَدَنِ رَفِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا فِيَمًا مِلَّةَ إِنْزَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ١٦١]. وقد قال فى سورة آل عمران: ﴿ مَاكَانَ إِنَّهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾[آل عمران: ٦٧]. وفي وصيته عليه السلام لبنيه: ﴿يَبَِّيَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وبهذا أوصى يعقوب عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِنَّهِمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وهي جواب بني يعقوب حين قال لهم: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى﴾ فأجابوا بقولهم: ﴿تَعْبُدُ إِلَهَكَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا وَتَحْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣]. وقال سبحانه لنبينا صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَ لَهُمْ أَقْتَدِهِ ﴾ [الأنعام: ٩٠]. www. modoee.com ١٢٩ حرف الميم وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَِّ هَدَنِ رَفِإلَى صِرَطٍ في قوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلََّ رَحْمَةٌ لِلْعَلَمِينَ (١٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ◌ُسْتَقِيمِ دِينًاقِيَّمَا مِلَّهَ إِبْرَهِمَ حَنِيفًا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ اَلْسَلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]. فإنما قال عليه السلام وعمل واقتدى ظاهرًا وباطنًا بما أمر به وما درج عليه هؤلاء الصفوة المذكورون ومن سلك مسلكهم. وعبارة الإسلام تعم الاستسلام بالظاهر والباطن، والإيمان الذي هو التصديق داخل تحت ذلك، وفي جملة ما يطلق عليه اسم الإسلام، فقد تحصلت عبارته عليه السلام منبئة عن الكمال في مسمى الإيمان والإسلام على الحال التى درج عليها المصطفون الأخيار، وحالهم فى ذلك لا یدر کها غیرهم من حیث الكمال التام صلى الله عليهم أجمعين ولا قطعنا عن التمسك بهديهم)) (١). رابعًا: رحمة للعالمين: کان النبي صلی الله عليه وسلم رحمة، وكان رحيمًا بالمؤمنين، بل بمن ينافقه ویعادیه، ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أنه كان حريصًا على هداية الناس جميعًا. ولقد نص القرآن الکریم -نصًا صريحًا- على أنه صلى الله عليه وسلم رحمة لا للمؤمنين وحدهم بل للعالمین جميعا، كما (١) ملاك التأويل، ابن الزبير الغرناطي ١/ ١٧٤. جَوَسُورُ الْمَقِيَّة القرآن الكريمِ وهذه الآية لم تنص على أنه رحيم، ولكن على أنه هو صلی الله عليه وسلم على أنه ـةَ﴾ الرحمة، فـ ((انتصاب حال من ضمير المخاطب يجعله وصفا من أوصافه، فإذا انضم إلى ذلك انحصار الموصوف في هذه الصفة صار من قصر الموصوف على الصفة. ففيه إيماء لطيف إلی أن الرسول اتحد بالرحمة وانحصر فیھا، ومن المعلوم أن عنوان الرسولية ملازم له في سائر أحواله، فصار وجوده رحمة وسائر أکوانه رحمة. ووقوع الوصف مصدرًا يفيد المبالغة في هذا الاتحاد، بحيث تكون الرحمة صفة متمكنة من إرساله، ويدل لهذا المعنى ما أشار إلى شرحه النبيء صلی الله عليه وسلم بقوله: (إنما أنا رحمة مهداة)»(٢). وهذه الآية على وجازة ألفاظها تضمنت مدحًا بلیغًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد (( صيغت بأبلغ نظم إذ اشتملت على مدح الرسول عليه الصلاة والسلام ومدح مرسله تعالی، ومدح رسالته بأن کانت مظهر رحمة الله تعالى للناس كافة، وبأنها رحمة الله تعالى بخلقه. فهي تشتمل على أربعة وعشرين حرفًا (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/ ١٦٦. ١٣٠ محمد صلى الله عليه وسلم بدون حرف العطف الذي عطفت به، ذكر وإن أعظم الرحمة استنقاذهم به من الضلال والشرك والجهل، وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء، تقرؤه نائمًا ويقظان)(٣). فيه الرسول، ومرسله، والمرسل إليهم، والرسالة، وأوصاف هؤلاء الأربعة، مع إفادة عموم الأحوال، واستغراق المرسل إليهم، وخصوصية الحصر، وتنكير رحمة للتعظيم، إذ لا مقتضى الإيثار التنكير في هذا المقام غير إرادة التعظيم وإلا لقيل: إلا لنرحم العالمين، أو إلا أنك الرحمة للعالمين. وليس التنكير للإفراد قطعًا لظهور أن المراد جنس الرحمة و تنکیر الجنس هو الذي يعرض له قصد إرادة التعظيم. فهذه اثنا عشر معنی خصوصًا، فقد فاقت أجمع كلمة البلغاء العرب»(١) وأما معنى كونه ((رحمة للعالمين)) من مؤمنین وکافرین فقد ذكر في معناه أن الله سبحانه وتعالى: ((رحمهم به في الدنيا من العذاب، وفي الآخرة بتعجيل الحساب، وتضعيف الثواب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٣])(٢). والنص علی کون وجوده صلی الله عليه وسلم بين الكافرين مانعًا من نزول العذاب بهم؛ رحمة لهم لا يعني اقتصارها على ذلك؛ لأن هذا الوجود محدود بالزمان والمكان. (١) المصدر السابق ١٧ / ١٦٥. (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٥٨٣/٣. فنص الحدیث على أنه قد بعث صلى الله عليه وسلم حين عم الضلال الأرض، ونظر الله إلى أهل الأرض فمقتهم جميعًا؛ بسبب شركهم وضلالهم، فكان هو المبدل لوجه هذه الأرض بإذن ربه، وكان رحمة الله للناس جميعًا. وكما كانت بعثته رحمة، كان خلقه الرحمة، وكانت رسالته التي بعث بها الرحمة، بل كان موقعها من رسالات الأنبياء وديمومتها واستمرارها، وما اختصت به من عفو وتيسير الرحمة التي رحم الله بها خلقه إنسهم وجنهم وحتى الحيوان. وقد نظر ابن عاشور إلى دلالة موقع الآية في سياقها من سورة الأنبياء فقال: ((أقيمت هذه السورة على عماد إثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديق دعوته. فافتتحت بإنذار المعاندين باقتراب حسابهم، ووشك حلول وعد الله فیھم، وإثبات رسالة (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، ٢١٩٧/٤. www. modoee.com ١٣١ حرف الميم محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لم يكن الأمة لِتَتَكوَّنَ مُنَاسَبةٌ بین روحه الزكية وبین بدعًا من الرسل، وذكروا إجمالًا، ثم ذكرت ما يلقى إليه من الوحي بشريعته التي هي رحمة؛ حتى يكون تلقيه الشريعة عن انشراح نفس أن يجد ما يوحى به إليه ملائمًا رغبته وخلقه. قالت عائشة: ((كان خلقه القرآن)». ولهذا خص الله محمدًا صلى الله عليه وسلم في هذه السورة بوصف الرحمة ولم يصف به غيره من الأنبياء، وكذلك في القرآن كله. طائفة منهم على التفصيل، وتخلل ذلك بمواعظ ودلائل. وعطفت هذه الجملة على جمیع ما تقدم من ذكر الأنبياء الذين أوتوا حكمًا وعلمًا وذكر ما أوتوه من الكرامات، فجاءت هذه الآية مشتملة على وصف جامع لبعثة محمد صلى الله عليه وسلم، ومزيتها على سائر الشرائع مزية تناسب عمومها ودوامها، وذلك كونها رحمة للعالمين)) (١). وبقدر ما كانت هذه الرحمة خلقًا تخلقت به نفسه الزكية عليه الصلاة والسلام، فقد الشريعة التي جاء بها. قال ابن عاشور: «و تفصيل ذلك يظهر في مظهرین: الأول: تخلق نفسه الزكية بخلق الرحمة، والثاني: إحاطة الرحمة بتصاريف شريعته. فأما المظهر الأول فقد قال فيه أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي: ((زين الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة، فكان كونه رحمة، وجميع شمائله رحمة، وصفاته رحمة على الخلق)) قلت: يعني أن محمدًا صلى الله عليه وسلم فطر على خُلُقِ الرحمة في جميع أحوال معاملته (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٤/١٧. وأما المظهر الثاني من مظاهر كونه رحمة للعالمين فهو مظهر تصاريف شريعته، أي: ما فيها من مقومات الرحمة العامة للخلق كانت أيضا الصبغة العامة التي اصطبغت بها كلهم؛ لأن قوله تعالى: ((للعالمين )) متعلق بقوله: ((رحمة))))(٢). خامسًا: الشاهد: أوصاف ((الشاهد، والمبشر، والنذير، والداعي، والسراج المنير)» جاءت كلها مجموعة في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًّا إِلَى اَللَّهِ بِإِذْنِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ٤٦ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. (( والشهادة: قولُ صادر عن علم حصل بمشاهدة بصر أو بصيرة))(٣). ((وشهدت يقال على ضربين: أحدهما: جارٍ مجرى العلم، وبلفظه تقام الشهادة، يقال: أشهد (٢) المصدر السابق. (٣) بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٣/ ٣٥٠. ١٣٢ الْقُرْآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم بكذا، ولا يُرْضَى من الشاهد أن يقول: أعلم، إِتَزَهِيمَّ هُوَ سَمِّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]. بل يحتاج أن يقول: أشهد. والثاني: يجري مجری القسم، فیقول: أشهد بالله إن زيدًا منطلق. ومنهم من يقول: إن قال: أشهد. ولم يقل: بالله. یکون قسمًا. ویجری علمت مجراه فى القسم فيجاب بجواب القسم کقوله: ولقد علمت لتأتین منیتی ويقال: شاهد، وشهید، وشهداء. ويقال: شهدت كذا، أي: حضرته، وشهدت على كذا. قال الله تعالى: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبَصَرُهُمْ﴾ [فصلت: ٢٠]))(١) . ((والشاهد: المخبر عن حجة المدعي المحق ودفع دعوى المبطل))(٢). وشهادة النبي صلى الله عليه وسلم تتضمن شهادته لله بالوحدانية، وشهادته للرسل بالتبلیغ، كما تتضمن شهادته على من بلغ إليهم رسالة الله من مؤمنین و کافرین. فأما شهادته للرسل بالبلاغ فقد وقع النص عليها في قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةُ وَسَطَّا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى أُلنَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. وفي قوله تعالى: ﴿هُوَ أَحْتَبَئِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ قِلَّةَ أَبِيَّكُمْ (١) المصدر السابق ٣٥١/٣. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٥٢. روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعدیك یا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فیقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾)(٣). و ((الوسط)) في الآية: ((الخيار والأجود، کما یقال: قريشٌ أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا))(٤). وقال ابن جرير: ((وأنا أرى أن ((الوسط)) في هذا الموضع، هو ((الوسط)) الذي بمعنى: الجزء الذي هو بين الطرفين، مثل ((وسط الدار)) محرك الوسط مثقله، غير جائز في ((سينه)) التخفيف. وأرى أن (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول علیکم شهيدا)، ٦/ ٢١، رقم ٤٤٨٧. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/١. www. modoee.com ١٣٣ حرف الميم الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم ((وسط)) من عندي)) (٣). لتوسطهم في الدین، فلا هم أهل غلوٍ فیه، غلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقیلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فیه، تقصير اليهود الذين بدلوا کتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، و كذبوا على ربهم، و کفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه. فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها))(١). وهناك تلازم بين الخيرية ووسطية المنهج - بمعنى الوسط بين طرفين- وكمال الشريعة، ولأجل ذلك كانت هذه الأمة ونبيها صلی الله عليه وسلم شاهدين للرسل على من كذبهم من قومهم. قال ابن كثير: (( ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب، كما قال تعالى:﴿هُوَ أَجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الذِينِ مِنْ حَرَجَ مِلَّةَ أَبِكُمْ إِتَزِهِيٌّ هُوَ سَمِّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِ هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾))(٢)، أي: ((شهداء لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ویکون رسولي محمدٌ صلی الله عليه وسلم شهيدًا عليكم، بإيمانكم به وبما جاءكم به (١) جامع البيان، الطبري ١٤٢/٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٤/١. وعليه فالرسول صلى الله عليه وسلم (( شاهد بصحة ما هو صحيح من الشرائع وبقاء ما هو صالح للبقاء منها ويشهد ببطلان ما ألصق بها وبنسخ ما لا ينبغي بقاؤه من أحكامها بما أخبر عنهم في القرآن والسنة. قال تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ اُلْكِتَبِ وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وفي حديث الحشر: (پسأل کل رسول هل بلغ؟ فيقول: نعم. فيقول الله: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته) الحديث»(٤). وأما شهادته صلى الله عليه وسلم على من بلغته دعوته فقد نص عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُوْ رَسُولًا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَا أَرْسَلْنَاً إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً ﴾ [المزمل: ١٥]. ومعنى الآية: «﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. على من بعثت إليهم تراقب أحوالهم، وتشاهد أعمالهم، وتتحمل منهم الشهادة بما صدر عنهم من التصديق والتكذيب، وسائر ما هم عليه من الهدى والضلال، وتؤديها يوم القيامة أداءً مقبولًا))(٥). وكما أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد على من كذب، فهو شاهد أيضا على من يزعم الإيمان، وذلك أنه (( صلى الله عليه (٣) جامع البيان، الطبري ١٤٦/٣. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٢/٢٢. (٥) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧ /١٠٧. ١٣٤ مَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريمِ محمد صلى الله عليه وسلم وسلم شاهد أيضا على أمته بمراقبة جریھم على الشريعة في حياته وشاهد عليهم في عرصات القيامة. قال تعالى: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [ يونس: ٦٤]))(٣). شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. فهو شاهد على المستجيبين لدعوته وعلى المعرضين عنها، وعلى من استجاب للدعوة ثم بدل. وفي حديث الحوض: (ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا رأيتهم وعرفتهم اختلجوا دوني فأقول: يا رب أصيحابي أصيحابي. فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: تبا وسحقا لمن أحدث بعدي) يعني: أحدثوا الكفر وهم أهل الردة كما في بعض روايات الحديث: (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم). فلا جرم کان وصف الشاهد أشمل هذه الأوصاف للرسول صلى الله عليه وسلم بوصف كونه رسولا لهذه الأمة، ویوصف کونه خاتما للشرائع ومتمما لمراد الله من بعثة الرسل)) (١). سادسًا: المبشر: المبشر: المخبر بالخبر الذي يسر، يقال: (( أبشرت الرجل وبشرته وبشرته: أخبرته بسار بسط بشرة وجهه، وذلك أن النفس إذا سرت انتشر الدم فيها انتشار الماء في (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٥٢. الشجر))(٢) . (( ويقال للخبر السار: البشارة والبشرى. قال تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىِ فِ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا وقد بعث عليه الصلاة والسلام يبشر من استجاب له بالخير والسعادة والنجاة من أسباب الخزي والهلاك في الدنيا والآخرة فهو (( صلى الله عليه وسلم مبشر لأهل الإيمان والمطيعين بمراتب فوزهم. وقد تضمن هذا الوصف ما اشتملت عليه الشريعة من الدعاء إلى الخير من الأوامر وهو قسم الامتثال من قسمي التقوى، فإن التقوى امتثال المأمورات واجتناب المنهيات، والمأمورات متضمنة المصالح فهي مقتضية بشارة فاعليها بحسن الحال في العاجل والآجل)» (٤). وقد وقع تفصيل هذه البشارة في الآية الموالية وهي قوله عز وجل: ﴿ وَيَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ اَللَّهِ فَضْلاً كَبِيرًا [الأحزاب: ٤٧]. أي: «وبشر أهل الإيمان بالله يا محمد ﴿ بَأَنَّلَهُمْ مِّنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا ﴾: يقول: بأن لهم من ثواب الله على طاعتهم إياه تضعيفا كثيرا، وذلك هو الفضل الكبير من الله لهم)»(٥). (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٢٥. (٣) المصدر السابق. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٥٣. (٥) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٢٨٢. www. modoee.com ١٣٥ حرف الميم قال ابن عطية: «قال لنا أبي رضي الله عنه: هذه من أرجى آية عندي في کتاب الله تعالی لأن الله تعالى أمر نبيه أن يبشر المؤمنين بأن لهم عنده فضلا کبیرًا، وقد بین تعالى الفضل الكبير ما هو في قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ فِ رَوْضَاتِ الْجَنَاتِ لَهُم مَّا يَشَآءُ ونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ اَلْفَضْلُ اَلْكَبِيرُ﴾ [الشورى: ٢٢]. فالآية التي في هذه السورة خبر والتي في ((حم عسق)) تفسير لها))(١). وعلى هذا فالفضل الكبير هو الجنة لهم فيها ما يشاؤون عند ربهم. ويقترن وصف البشير غالبا بوصف النذير -كما في الآية السابقة-، ((وقدمت البشارة على النذارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم غلب عليه التبشير لأنه رحمة للعالمين، ولكثرة عدد المؤمنين في أمته)»(٢). والبشارة سابقة للإنذار وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنها القاعدة الأولى والصبغة الأساس التي يجب أن تصطبغ بها الدعوة إلى دين الله، ففي المعجم الكبير للطبراني عن ابن عباس، قال: لما أنزلت ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ دعا النبي صلى الله عليه وسلم عليا ومعاذا، وقد كان أمرهما أن (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٨٩/٤. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٣/٢٢. يخرجا إلى اليمن، فقال: (انطلقا وبشرا، ولا تنفرا، ويسرا ولا تعسرا، فإنه قد أنزلت علي يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا﴾: على أمتك، ﴿وَمُبَشِيرًا﴾: بالجنة، ﴿وَنَذِيرًا﴾: من النار ﴿وَدَاعِيًا﴾ إلى شهادة أن لا إله إلا الله ﴿وَسِرَاجَا مُنِيرً﴾ بالقرآن)(٣). سابعًا: النذير: وأما النذير فهو المنذر؛ مأخوذ من الإنذار: وهو الإعلام على سبيل التحذير والتخويف، يقال: ((نذر بالشيء وبالعدو -بكسر الذال-، نذرا: علمه فحذره. وأنذره بالأمر إنذارا ونذرا أعلمه، والصحيح أن النذر الاسم والإنذار المصدر. وأنذره أيضا: خوفه وحذره)»(٤). وإذا كان البشير هو المخبر بالخبر السار فإن النذير هو المخبر بضده، وكذا فإن البشرى لما كانت لأهل الإيمان فإن الإنذار لمن هم بخلاف حالهم، وهو عليه الصلاة والسلام منذرهم والنذير لهم: ((مشتق من الإنذار وهو الإخبار بحلول حادث مسيء أو قرب حلوله، والنبيء عليه الصلاة والسلام منذر للذین یخالفون عن دینه من کافرین به ومن أهل العصيان بمتفاوت مؤاخذتهم على (٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٣١٢/١١، رقم ١١٨٤١. (٤) لسان العرب، ابن منظور ٢٠١/٥. ١٣٦ جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِير الْقُرْآن الكَرِيمِ محمد صلى الله عليه وسلم عملهم))(١). وقد اشتق وصف النذير من الإنذار على صيغة فعيل في الآية ليكون كالاسم للموصوف به أي: النبي صلى الله عليه وسلم، قال في التحرير: ((جيء في جانب النذارة بصيغة فعيل دون اسم الفاعل لإرادة الاسم فإن النذير في كلامهم اسم للمخبر بحلول العدو بديار القوم. ومن الأمثال: أنا النذير العربان، أي: الآتي بخبر حلول العدو بديار قوم. والمراد بالعريان أنه ينزع عنه قميصه ليشير به من مكان مرتفع فيراه من لا یسمع نداءه، فالوصف بنذیر تمثیل بحال نذير القوم كما قال: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيْرٌلَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٤٦]. للإيماء إلى تحقيق ما أنذرهم به حتى کأنه قد حل بهم و کأن المخبر عنه مخبر عن أمر قد وقع، وهذا لا يؤديه إلا اسم النذير، ولذلك كثر في القرآن الوصف بالنذير وقل الوصف بمنذر»(٢). وقد ضرب عليه الصلاة والسلام مثلا لهذا الإنذار بمن يخوف الناس عدوا يوشك أن يبطش بهم فمن صدق قوله وعمل بنصحه نجا ومن لم يفعل هلك، ففي صحيح البخاري عن أبي موسى، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثلي (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٥٣. (٢) المصدر السابق. ومثل ما بعثني الله، كمثل رجل أتى قوما فقال: رأيت الجيش بعيني، وإني أنا النذير العريان، فالنجاء النجاء، فأطاعته طائفة فأدلجوا على مهلهم فنجوا، وكذبته طائفة فصبحهم الجیش فاجتاحهم)(٣). ((وشمل اسم النذير جوامع ما في الشريعة من النواهي والعقوبات وهو قسم الاجتناب من قسمي التقوى فإن المنهيات متضمنة مفاسد فهي مقتضية تخويف المقدمين على فعلها من سوء الحال في العاجل والآجل)» (٤). ثامنًا: الداعي إلى الله: «والداعي إلى الله هو الذي يدعو الناس إلی ترك عبادة غير الله، ويدعوهم إلى اتباع ما یأمرهم به الله. والدعاء: الحث على قصد الشيء، ومنه قول يوسف عليه السلام: ﴿السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَنِىِ إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣]. وقول مؤمن آل فرعون: ﴿﴿ وَيَقَوْمِ مَا لِيّ أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَوَةِ وَتَدْعُونَفِىَ إِلَى النَّارِ ٤١ ﴾ [غافر: ٤١](٥). ((وأصل دعاه إلى فلان: أنه دعاه إلى (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، ١٠١/٨، رقم ٦٤٨٢. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٥٣. (٥) انظر المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣١٥. www. modoee.com ١٣٧ حرف الميم الحضور عنده، يقال: ادع فلانا إلي. ولما سراج المؤمنين))(٣). علم أن الله تعالى منزه عن جهة يحضرها الناس عنده تعین أن معنی الدعاء إلیه الدعاء إلى ترك الاعتراف بغيره (کما يقولون: أبو مسلم الخراساني يدعو إلى الرضی من آل البيت) فشمل هذا الوصف أصول الاعتقاد في شريعة الإسلام مما يتعلق بصفات الله لأن دعوة الله دعوة إلى معرفته وما يتعلق بصفات الدعاة إليه من الأنبياء والرسل والكتب المنزلة عليهم. وزيادة بإذنه ليفيد أن الله أرسله داعيًا إليه ويسر له الدعاء إليه مع ثقل أمر هذا الدعاء وعظم خطره وهو ما كان استشعره النبيء صلى الله عليه وسلم في مبدأ الوحي من الخشية إلى أن أنزل عليه: ﴿بَأَيُّهَا الْمُنَّ قُرْفَنَذِرْ ﴾ [المدثر: ١ - ٢].)(١). تاسعًا: السراج المنير: وصف ((السراج المنير)) ورد أيضًا في آية الأحزاب السابقة: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا 9 وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ٤٦ [الأحزاب: ٤٥- ٤٦]. والسراج: ((المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل))(٢)، ((والشمس سراج النهار، والهدى (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٣/٢٢. (٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٩٧/٢. ومعنی کون النبي صلی الله عليه وسلم سراجا منيرا أنه «مثل السراج الذي يستضاء به، أو مثل الشمس في النور والظهور)»(٤). أو « هادیا کأنه سراج يهتدى به في الظلم»(٥). وقد التفت الطبري إلى أن السراج له مادة يستضيء بها فيضيء هو في نفسه، ثم مَنِيرا ـرَاجًا يستضيء به الناس، قال: (( يقول: وضياء لخلقه يستضيء بالنور الذي أتيتهم به من عند الله، ﴿مُنِيرًا ﴾ يقول: ضياء ينير لمن استضاء بضوئه، وعمل بما أمره، وإنما يعني بذلك: أنه يهدي به من اتبعه من أمته»(٦). فهو عليه الصلاة والسلام يستضيء بالنور الذي جاءه من عند الله: وهو الوحي، فيضيء ويهدي بنوره لأن أمره «ظاهرٌ فيما جاء به من الحق، كالشمس في إشراقها وإضاءتها، لا يجحدها إلا معاندٌ)) (٧) وأما ابن عاشور فقد نظر إلى الجانب العقلي من الهداية وهو إقامة الحجة وإزالة الشبهات فقال: ((وقوله: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرً﴾: تشبيه بليغ بطريق الحالية وهو طريق جميل، أي: أرسلناك كالسراج المنير في الهداية (٣) العين، الفراهيدي ٦/ ٥٣. (٤) لسان العرب ٢٩٧/٢. (٥) المصدر السابق ٢/ ٩٨. (٦) جامع البيان، الطبري ٢٨٢/٢٠. (٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٩/٦. ١٣٨ البَفيـ جوبي القرآن الكريم