النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
محمّدٌ صَلى الله عَلَيْهِ وسَلمَّ
عناصر الموضوع
١٠٠
التعريف بمحمد صلى الله عليه وسلم
ذكر محمد عليه السلام في القرآن الكريم
١٠٢
١٠٣
أوصاف نودي بها النبي في القرآن
١٠٨
صفته عليه السلام في الكتب السابقة
١٢٤
صفة محمد عليه السلام في القرآن
١٤١
خلقه عليه السلام من خلال القرآن
١٥٣
منزلته عند الله عز وجل
المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ

حرف الميمر
التعريف بمحمد صلى الله عليه وسلم
أولًا: اسمه ونسبه:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب -واسم عبد المطلب: شيبة - بن هاشم - واسم
هاشم: عمرو - بن عبد مناف - واسم عبد مناف: المغيرة - بن قصي - واسم قصي زيد - بن
كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن
مدركة - واسم مدركة: عامر - بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان (١).
واسم (محمد) ((منقول من صفة، وهي في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة
والتكرار. فالمحمد هو الذي حمد مرة بعد مرة. كما أن المكرم من الكرم مرة بعد مرة.
وكذلك الممدح ونحو ذلك. فاسم محمد مطابق لمعناه، والله سبحانه سماه قبل أن يسمي
به نفسه. فهذا علم من أعلام نبوته، إذ کان اسمه صادقًا علیه، فهو محمود في الدنيا لما هدی
إليه ونفع به من العلم والحكمة. وهو محمود في الآخرة بالشفاعة. فقد تكرر معنى الحمد
كما يقتضي اللفظ)» (٢).
((وأحمد اسم نبينا صلى الله عليه وسلم. وهو اسم علم منقول من صفة لا من فعل، فتلك
الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل. فمعنى أحمد أي: أحمد الحامدين لربه. والأنبياء صلوات
الله عليهم كلهم حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا))(٣).
وقيل: إنه (( مبالغة في المفعول، أي: الأنبياء كلهم محمودون لما فيهم من الخصال
الحميدة وهو أكثرهم مبالغة وأجمع للفضائل والمحاسن التي يحمد بها))(٤).
«ثم إنه لم یکن محمدًا حتی کان أحمد، حمد ربه فنباه وشرفه؛ فلذلك تقدم اسم أحمد
على الاسم الذي هو محمد فذكره عيسى عليه السلام فقال: اسمه أحمد. وذكره موسى عليه
السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد ذكره
قبل أن یذکره بمحمد؛ لأن حمده لربه کان قبل حمد الناس له. فلما وجد وبعث کان محمدًا
بالفعل))(٥).
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١/ ٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨ / ٨٣.
(٣) المصدر السابق.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٨ /١٠٩.
(٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨ / ٨٤.
١٠٠
جوبيبو
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لي خمسة أسماء: أنا
محمد، وأنا أحمد، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا الماحي الذي يمحو الله
بي الكفر وأنا العاقب والعاقب الذي ليس بعده نبي)(١).
وعن أبي موسى الأشعري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمي لنا نفسه
أسماء، فقال: (أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الملحمة)(٢).
ويعود نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.
وهو من قبيلة قريش، أفضل العرب وأشرفها.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله عز وجل اصطفى بني كنانة من بني
إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني
هاشم)(٣).
وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ولدته: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة
ابن كلاب.
وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أرضعته حتى شب: حليمة بنت الحارث بن
سجنة السعدية. من بني سعد بن بكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قیس
عيلان، بن مضر (٤).
ومات أبوه عبد الله بن عبد المطلب - ورسول الله صلى الله عليه وسلم حمل في بطن
أمه- بالمدينة (٥).
ثانيًا: زمانه ومكانه:
ولد صلى الله عليه وسلم في مكة، عام الفيل، يوم الاثنين، في شهر ربيع الأول، واختلف
في تحديد تاريخه (٦). وبعث صلى الله عليه وسلم وعمره أربعون سنة.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله صلى الله عليه وسلم،
١٨٥/٤، رقم ٣٥٣٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم،
رقم ٢٣٥٤.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم، رقم ٢٣٥٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب فضل نسب النبي صلى الله عليه وسلم، رقم.
(٤) انظر: دلائل النبوة، البيهقي ١/ ١٨٣.
(٥) انظر: إمتاع الأسماع، المقريزي ١/ ٩.
(٦) انظر: السيرة النبوية، ابن كثير ١٩٩/١.
www. modoee.com
١٠١

حرف المير
ذكر محمد عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم باسم (محمد) في القرآن الكريم (٤) مرات، في (٤)
سور، وهي:
السورة
الآيات
آل عمران
١٤٤
الأحزاب
٤٠
محمد
٢
الفتح
٢٩
وهناك موضع خامس: عدل فيه إلى اسم أحمد بسبب وقوعه في سياق الإخبار عن
بشرى عيسى عليه السلام ببعثته عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمْ يَبَقِّ إِسْرَّهِيلَ إِنِّي
رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُ أَخْخَذٌّ فَلَمَّا جَآءَ هُم ◌ِلَمْنَتِ قَالُواْ هَذَا
سِحْرٌّ مُبِينٌ ﴾ [الصف: ٦].
١٠٢
جوبي
◌َالنَّسَبـ
قَضوري
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
أوصاف نودي بها النبي في القرآن
كل نداء نودي محمد صلى الله عليه
وسلم في القرآن الكريم كان بأوصاف، لا
باسمه الشريف.
ومن تلك الأوصاف:
١. النبي والرسول.
إن أكثر ما يدعى به محمد صلى الله عليه
وسلم في القرآن الكريم النبي والرسول،
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ
اَلْنِسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِمِدَّتِنَ وَأَحْصُواْ أَلْعِدَّةَ﴾
[الطلاق: ١].
وقوله: ﴿وَأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحُرِّمُ مَآ أَحَلَّ اللّهُ لَكَ﴾
[التحريم: ١].
﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ
وقوله:
إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧].
وتعلن هاتان الصفتان عن منزلة التكريم
التي يمتدح الله بها نبيه صلی الله عليه وسلم
ويشهد له بها: ﴿لَكِنِ اَللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ
إِلَيْكْ أَنزَلَهُ بِعِلْمِةٍ، وَالْمَلَتِكَةُ يَشْهَدُونَ
وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: ١٦٦].
وقد وقع العدول في هذه الآيات ونحوها
عن مناداته صلی الله علیه وسلم باسمه إلى
مناداته بوصفي ((النبي)) و ((الرسول)) بغرض
التكريم وبيان رفعة المنزلة، وذلك أن
((الأصل في النداء أن يكون باسم المنادى
العلم إذا كان معروفا عند المتكلم، فلا يعدل
من الاسم العلم إلى غيره من وصف أو
إضافة إلا لغرض يقصده البلغاء من تعظيم
وتكريم نحو: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ﴾ [الأنفال: ٦٤].
أو تلطف وتقرب نحو: يا بني ويا
أبت، أو قصد تهكم نحو: ﴿وَقَالُواْ يَتَأَيُّهَا
أَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ
[الحجر: ٦]))(١).
فأما لفظ (النبي) فهو مشتق من (نبأ) أو
(أنبأ) بمعنى: أخبر(٢).
والنبوة: ((سفارة بين الله وبين ذوي
العقول؛ لإزاحة عللهم فى أمر معادهم
ومعاشهم»(٣).
((والنبي: من أوحى الله إليه بإصلاح
أمر قوم بحملهم على شريعة سابقة، أو
بإرشادهم إلى ما هو مستقر في الشرائع
كلها)) (٤).
وأما الرسول ف: «هو الرجل المبعوث
من الله إلى الناس بشريعة، فالنبي أعم من
الرسول»(٥)، وكلاهما صفة مدح وتشريف
في حق محمد صلى الله عليه وسلم.
ولإن كانت صفتا (النبي) و(الرسول)
أكثر صفتين يدعى بهما في القرآن الكريم،
فإنهما الصفتان اللتان يوصف بهما عليه
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٨/٢٩.
(٢) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١ / ١٤٤٩.
(٣) المصدر السابق.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧/ ٢١٥.
(٥) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الميم
الصلاة والسلام للناس في سياق الحث
على الإيمان به: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ
الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَامِنُواْ خَيْرًا لَّكُمْ﴾
[النساء: ١٧٠].
وعلى الإقرار بالحق الذي جاء به:
﴿يَتَأَهْلَ اَلْكِتَبِ قَدْ جَآءُكُمْ
رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنتُمْ
تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ وَيَعْفُواْ عَنْ
كَثِيرٍ قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ
وَكِتَبُ مُبِينٌ ﴾﴾ [المائدة: ١٥].
وعلى طاعته: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ
اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن نَزَعْهُمْ
فِي شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُمُتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ
وَأَلْيَّوْمِ الْآَخِرَّ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾
[النساء: ٥٩].
وعلى اتباعه وترك التقدم بين يديه:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، وَأنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾
[الحجرات: ١].
وعلى توقيره ومعرفة قدره:
يَأْيََّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِّ
وَلَا تَجْهَرُواْ لَهُ، بِلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ
أَن تَحْبَطَ أَعْمَلُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾
[الحجرات: ٢].
وعلى ترك ما يؤذيه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَآ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ
بَعْدِهِ= أَبَدَأَ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ الَّهِ عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥٣] ونحو ذلك بمعنى: قد وجب
ذلك له؛ لأنه نبي الله ورسوله.
كما نسبه الله عز وجل إلى ذاته العلية
رفعًا لشأنه وتعظيما لمقامه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ
وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأَحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَغُ اَلْمُبِينُ ﴾ [المائدة: ٩٢].
مَّا كَانَ مُحَمَّدُ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن
رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْشِنَّ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
[الأحزاب: ٤٠].
(٤٠
عَلِيمًا:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[التوبة: ٦١].
وهذه نسبة تشريف، ورفع لقدره، ودلالة
علی مقامه، حتى اختصه الله بخلته، وقرن
اسمه باسمه عليه الصلاة والسلام.
٢. المزمل والمدثر.
ومن الأسماء التي دعي بها محمد صلى
الله عليه وسلم في القرآن الكريم:
(المزمل) في قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الْمُزَّيِّلُ
ث ◌ُ اَلَيْلَ الََّقِيلًا ﴾ [المزمل: ١- ٢].
وتعني: (( الملتف في ثيابه، وأصله
المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، فثقلت.
وكل من التف بثوبه فقد تزمل))(١).
(المدثر) في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّيِّرُ
م قُتَذِرْ ن﴾ [المدثر: ١- ٢].
وأصله أيضًا: (( المتدثر، فأدغمت التاء،
كما في المتزمل، وهذا في قول الجمهور؛
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٦ / ٨٥.
١٠٤
مَشَف ◌َرُ النَّفْسِيْ
جومبو
القرآن الكريم

محمد صلى الله عليه وسلم
من التدثير بالثياب. وقيل: المعنى: يا أيها صلى الله عليه وسلم بالمزمل أوجهًا.
المدثر بالنبوة، وأثقالها، قال عكرمة: دثرت
هذا الأمر فقم به))(١).
ولهذين الاسمين ارتباط بما روى
البخاري في كتاب التفسير من حديث
جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال:(جاورت بحراء، فلما قضيت جواري
هبطت فنوديت، فنظرت عن يميني فلم
أر شيئًا، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئًا،
ونظرت أمامي فلم أر شيئًا، ونظرت خلفي
فلم أر شيئًا، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً،
فأتيت خديجة فقلت: دثروني وصبوا علي
ماءً باردًا. قال: فدثروني وصبوا علي ماءً
باردًا. قال: فنزلت ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّيِّرُالْ قُرْفَأَنذِرْ
وَرَبَّكَ فَكَِّرْ ﴾ [المدثر: ١-٣].)(٢).
ولأن الحديث نص على أن الواقعة
نزلت بسببها سورة المدثر، فقد ذكرها
الإمام البخاري سببا لنزولها وحدها دون
آيات سورة المزمل، وإن کان الحدیث قد
تضمن لفظ ((زملونى)) وكذلك فعل مشاهير
المفسرين(٣)، ثم ذكروا في سبب تسميته
(١) المصدر السابق ٦ / ٩٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (ودًا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق)،
٦/ ١٦١، رقم ٤٩٢٢.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٧٨/٢٣ -٦٧٩،
زاد المسير، ابن الجوزي ٦/ ٨٥، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢/١٩-٣٣،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٩/٨.
قال ابن الجوزي: ((قال المفسرون: وكان
النبي صلى الله عليه وسلم يتزمل في ثيابه
في أول ما جاء جبريل فرقًا منه حتى أنس
به. وقال السدي: كان قد تزمل للنوم. وقال
مقاتل: خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه
جبريل: یا أيها المزمل. وقيل: أريد به متزمل
النبوة. قال عكرمة: في معنى هذه الآية:
زملت هذا الأمر، فقم به)» (٤).
والمتأمل لهذه الأقوال يجد أن بعضها
حمل اللفظ على ظاهره، ويحتاج عند ذلك
إلى الاستناد على واقعة تنقل من طريق
الرواية، وهي أن يكون قد تزمل في ثيابه
في أول ما جاء جبريل خوفا منه حتى أنس
به، أو أن یکون قد تزمل للنوم، أو أن يكون
قد خرج من البيت وقد لبس ثيابه، فناداه
جبريل: يا أيها المزمل. وأما باقي الأقوال
فقد عدل عن الظاهر فقيل: أراد متزمل
النبوة، أو زملت هذا الأمر، فقم به.
قال ابن العربي: ((واختلف في تأويله،
فمنهم من حمله على حقيقته، قيل له: يا من
تلفف في ثيابه أو في قطيفته قم، قاله إبراهيم
وقتادة.
ومنهم من حمله على المجاز كأنه قيل
له: يا من تزمل بالنبوة. روي عن عكرمة أنه
قال: معناه يا من تزمل، أي: زملت هذا الأمر
(٤) زاد المسير، ابن الجوزي ٦ / ٨٥.
www. modoee.com
١٠٥

حرف الميم
فقم به))(١).
ثم قال: ((فأما العدول عن الحقيقة إلى
المجاز فلا يحتاج إليه لاسیما وفيه خلاف
الظاهر؛ وإذا تعاضدت الحقيقة والظاهر لم
یجز العدول عنه.
وأما قول عكرمة: إنك زملت هذا الأمر
فقم به؛ وإنما يسوغ هذا التفسير لو كانت
الميم مفتوحة مشددة بصيغة المفعول الذي
لم يسم فاعله، وأما وهو بلفظ الفاعل فهو
باطل.
وأما قول من قال: إنه زمل بالقرآن فهو
صحیح في المجاز، لكنه كما قدمنا لا يحتاج
إليه (٢).
وهذا النداء كما عدل فيه عن مناداته
صلی الله عليه وسلم باسمه، فقد عدل فيه
عن مناداته بـ ((النبي)) و((الرسول)).
فأما العدول فيه عن وصف النبي
والرسول، فقيل في سببه: ((إنما لم يخاطب
بالنبي والرسول هاهنا، لأنه لم یکن قد بلغ،
وإنما كان في بدء الوحي)»(٣).
وفيه ملاطفة للنبي صلى الله عليه وسلم،
كما فيه تنشيط لمن حاله النوم كي يقوم
للعبادة، قال القرطبي: ((وفي خطابه بهذا
الاسم فائدتان:
إحداهما: الملاطفة، فإن العرب إذا والتلطف، وكل ذلك لا يخرج عن سياق
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ٧ / ٤٤٩.
(٢) المصدر السابق.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٦ / ٨٥.
قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة
سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها،
كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين
غاضب فاطمة رضي الله عنهما، فأتاه وهو
نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: (قم
يا أبا تراب) إشعارًا له أنه غير عاتب علیه،
وملاطفة له. وكذلك قوله عليه السلام
لحذيفة: (قم يا نومان) وكان نائمًا ملاطفة
له، وإشعارًا لترك العتب والتأنيب. فقول الله
تعالی لمحمد صلی الله علیه وسلم: « یا أیھا
المزمل قم » فيه تأنيس وملاطفة؛ ليستشعر
أنه غير عاتب عليه.
والفائدة الثانية: التنبيه لكل متزمل راقد
لیله لیتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى فيه؛
لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع
المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف
بتلك الصفة»(٤).
ولعل في الوصفين تنبيها إلى الحال التي
صار إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
أول ما أوحى الله إليه، بسبب أنه لم يكن قد
توقع نزول الوحي علیه ولا رجاه أو طلبه،
والله أعلم.
کما أن فیھا تنبیھا علی رأفة الله به وحمله
على القيام برسالته على جهة التأنيس
الدلالة على رفعة الشأن والمقام.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٩ / ٣٣.
مَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريم
١٠٦

محمد صلى الله عليه وسلم
٣. عبد الله.
وهناك صفة أخرى دلت عليه فكانت
في عرف السامع کاسمه الدال عليه، وهي
إذا تعلقت بمحمد صلى الله عليه وسلم
اکتسبت بعد المدح له والثناء عليه، بل
اكتسبت أعلى درجات المدح والتشريف،
وهي صفة العبودية، كما في قوله تعالى:
﴿إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْنَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَ
كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرُ﴾ [الأنفال: ٤١].
وقوله: ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَىُّ بِعَبْدِهِ، لَيْلًا
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا
الَّذِى بَرَّكْنَا حَوْلَهُ لِتُرِيَهُ مِنْ ءَايَتِنَّأْ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: ١] ونحوها.
فالإضافة في (عبدنا) و(عبده) ((إضافة
تشريف لا إضافة تعريف؛ لأن وصف
العبودية لله متحقق لسائر المخلوقات فلا
تفيد إضافته تعريفا))(١).
قال في الجامع لأحكام القرآن: ((قال
العلماء: لو كان للنبي صلى الله عليه وسلم
اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة
العلية )»(٢) يعني: حين أسري به.
وقد (( ذكروا أنه لم يعبر الله تعالى عن
أحد بالعبد مضافًا إلى ضمير الغيبة المشار
به إلى الهوية إلا النبي صلى الله عليه وسلم،
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤ / ١١.
وفي ذلك من الإشارة ما فيه))(٣).
كما أن في التعبير بوصف «العبودية» في
هذا المقام سد لباب الغلو في نبي الله صلى
الله عليه وسلم، كما فعلت النصارى مع
عيسى عليه السلام(٤).
(٣) روح المعاني، الألوسي ٨ / ٦.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ / ٢٠٥. (٤) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٠٧

حرف الميم
صفته عليه السلام في الكتب السابقة
محمد صلى الله عليه وسلم هو استجابة
الله لدعوة الخليل عليه السلام أن يبعث الله
في ذريته رسولًا يتلو عليهم آياته ويعلمهم
الكتاب والحكمة ويزكيهم، كما قص
القرآن الكريم خبر دعائه حين قال: ﴿ رَبَّنَا
وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّيِنَآ أُمَّةٌ مُسْلِمَةً
لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُّبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوََّبُ
الرَّحِيمُ ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ
عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَيُزَكِّبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)
[البقرة: ١٢٨-١٢٩].
روى الحاكم عن خالد بن معدان، عن
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم،
أنهم قالوا: (يا رسول الله، أخبرنا عن
نفسك؟ فقال: (دعوة أبي إبراهيم، وبشرى
عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج
منها نور أضاءت له بصرى، وبصرى من
أرض الشام)(١).
قال الشنقيطي: ((قوله تعالى: ﴿رَبِّنَا
وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٢/ ٦٥٦، رقم
٤١٧٤.
قال الحاكم: ((خالد بن معدان من خيار
التابعين، صحب معاذ بن جبل فمن بعده
من الصحابة فإذا أسند حديثا إلى الصحابة
فإنه صحيح الإسناد ولم يخرجاه)). وصححه
الذهبي.
لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ
الرَّحِيمُ (١٨) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾
لم يبين هنا من هذه الأمة التي أجاب الله
بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبين
هنا أيضا هذا الرسول المسؤول بعثه فيهم
من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة أن
تلك الأمة العرب، والرسول هو سيد الرسل
محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك في
قوله: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ الْأُمِّعِنَ رَسُولَا مِنْهُمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ اَلْكِنَبَ
٢
وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَّلَلٍ مُبِينٍ
وَءَاخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُواْ بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٢-٣]
لأن الأميين العرب بالإجماع، والرسول
المذکور نبينا محمد صلی الله عليه وسلم
إجماعًا، ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم
وإسماعيل إلا نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم وحده. وثبت في الصحيح أنه هو
الرسول الذي دعا به إبراهيم، ولا ينافي
ذلك عموم رسالته صلی الله علیه وسلم إلى
الأسود والأحمر))(٢).
وقد نص القرآن الكريم على أن وصف
النبي صلى الله عليه وسلم مكتوب في
الكتب السابقة، في قوله تعالى مخاطبا نبيه
موسى عليه السلام: ﴿قَالَ عَذَابِى أُصِيبُ
بِهِ، مَنْ أَشَاءٌ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ
فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٤٤.
١٠٨
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
الَّذِينَ یَقَِّعُونَ
وَالَّذِينَ هُم بِئَايَئِنَا يُؤْمِنُونَ
الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُنِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا
عِنْدَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم
◌ِاَلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ
وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ
عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ
وَأَتَّبَعُواْ أَلِتُّوَرَ أَلَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: ١٥٦ -١٥٧].
وأن من أهل الكتاب قومًا عرفوا النبي
صلى الله عليه وسلم بوصفه كما يعرفون
أبناءهم: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا
يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وهم علماؤهم الذين يقرؤون الكتاب،
قال في البحر المحيط: (( فقال سبحانه:
الذين آتيناهم الكتاب واخترناهم لتحمل
العلم والوحي، يعرفون هذا الذي خاطبناه
في الآي السابقة وأمرناه ونھیناه، لا یشکون
في معرفته، ولا في صدق أخباره، بما كلفناه
من التكاليف التي منها نسخ بيت المقدس
بالكعبة، لما في کتابهم من ذكره ونعته،
والنص عليه يجدونه مكتوبًا عندهم في
التوراة والإنجيل)»(١).
والذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم
هو محمد صلى الله عليه وسلم ((قال
قتادة والسدي وابن جريج: الضمير عائد
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٣٣.
في ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ على محمد عليه السلام
ورسالته، وذلك على ما في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى
هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ ﴾ [الأنعام: ١٩].
فكأنه قال: وأهل الكتاب يعرفون ذلك
من إنذاري والوحي إلي))(٢).
قال ابن عطية: « وتأول ابن سلام رضي
الله عنه المعرفة بالابن تحقق صحة نسبه،
وغرض الآية إنما هو الوقوف على صورته
فلا يخطئ الأب فيها))(٣).
ولكن فريقًا منهم كتموا الحق الذي عرفوه
واستيقنوه: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ
وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦] (( أي: (فريقًا) من
الذين آتيناهم الكتاب، وهم المصرون على
الكفر والعناد من علماء اليهود والنصارى،
على أحسن التفاسير في الذين آتيناهم
الکتاب، وأبعد من ذهب إلى أنه أريد بهذا
الفريق جهال اليهود والنصارى، الذين قيل
فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ
[البقرة: ٧٨]. للإخبار عن هذا
لََّ أَمَانِىَّ
الفريق أنهم يكتمون الحق وهم عالمون
به، ولوصف الأمیین هناك بأنهم لا يعلمون
الكتاب إلا أماني.
والحق المكتوم هنا هو نعت رسول الله
صلی الله عليه وسلم، قاله قتادة ومجاهد،
والتوجه إلى الكعبة، أو أن الكعبة هي القبلة،
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢ / ٣٩١.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
١٠٩

حرف الميم
أو أعم من ذلك، فیندرج فیه کل حق))(١).
وقد كان هذا سببًا لخسرانهم عند الله:
﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ كُمَا يَعْرِفُونَ
أَبْنَّةَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوَاْ أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ
[الأنعام: ٢٠].
الذين كتموا الشهادة، فيكون ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا﴾
بدلًا من ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْتَهُمُ الْكِتَبَ﴾))(٢).
وأما مرد هذه المعرفة فإلى أن محمدًا
صلی الله عليه وسلم قد كتب وصفه في
الكتب السابقة كما تقدم، ولا يضر كتمان
فریق من علمائهم وصفه.
قال ابن تيمية: (( ثم العلم بأن الأنبياء قبله
بشروا به یعلم من وجوه:
أحدها: ما في الكتب الموجودة اليوم
بأيدي أهل الكتاب من ذكره.
الثاني: إخبار من وقف على تلك الكتب
وغيرها من كتب أهل الكتاب ممن أسلم
ومن لم يسلم بما وجدوه من ذكره فيها.
وهذا مثل ما تواتر عن الأنصار أن
جيرانهم من أهل الكتاب كانوا يخبرون
بمبعثه، وأنه رسول الله؛ وأنه موجود
عندهم، وكان هذا من أعظم ما دعا الأنصار
إلى الإيمان به لما دعاهم إلى الإسلام، حتى
آمن الأنصار به وبايعوه من غير رهبة ولا
(١) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٣٤.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور٦ / ٥٠.
جَوَنُور
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
رغبة. ولهذا قيل: إن المدينة فتحت بالقرآن
لم تفتح بالسيف كما فتح غيرها)»(٣).
ويضاف إلى هذا النوع الثاني الذي نص
علیه ابن تيمية أمور:
أحدها: ما اشتهر عن خلق كثير من علماء
فقد ((قيل: أريد بهم أهل الكتاب، أي: أهل الكتاب ابتداء من عبد الله بن سلام
رضي الله عنه وإلی عصرنا هذا، بل وإلى
يوم القيامة، من وجدانهم أوصاف محمد
صلی الله علیه وسلم وأنهم كانوا يقرؤونها
في کتبهم.
والثاني: ما نقل العلماء والمفسرون من
أخبار كثيرة عن أكابر أهل الكتاب وعلمائهم
الذين شهدوا بالحق حتى وإن لم يتبعوه، من
نحو خبر قيصر مع أبي سفيان، ومعرفته النبي
صلى الله عليه وسلم، حتی هم أن يسلم ثم
نکص لما عارضته حاشیته(٤).
ومنها خبر الفتى اليهودي الذي حضر
النبي صلی الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر
وفاته وشهادته بالحق قبل أن يموت(٥).
ومنها أثر هشام بن العاص حين أرسل
(٣) الجواب الصحيح، ابن تيمية ٥ / ١٦٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (قل يا أهل الكتاب تعالوا
إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)، ٣٥/٦، رقم
٤٥٥٣.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٧٦/٣٨، رقم
٢٣٤٩٢.
قال ابن كثير في تفسيره ٣/ ٤٨٣: هذا حديث
جيد قوي، له شاهد في الصحيح عن أنس.
١١٠

محمد صلى الله عليه وسلم
إلى هرقل فأراه صور الأنبياء وصورة النبي سأل عبد الله بن عمرو: ثم لقيت كعبًا فسألته
عن ذلك، فما اختلفا حرفًا، إلا أن كعبًا قال
بلغته: قلوبًا غلوفيا، وآذانًا صموميا، وأعينًا
عمومیا)» (٤).
صلى الله عليه وسلم(١)، وأثر جبير بن
مطعم حين خرج تاجرًا إلى الشام فأراه رجل
صورته عليه الصلاة والسلام (٢)، وحديث
الأقرع مؤذن عمر في سؤال عمر رضي الله
عنه للأسقف عما في كتابهم وإخباره له
بصفته (٣).
والثالث: کثیر من الأخبار التي تتلى في
كتب أهل الكتاب وفيها صفته صلى الله
عليه وسلم، نحو ما نقل عطاء بن يسار عن
عبد الله بن عمرو -و کان یحدث من کتب
السابقين وأصاب في إحدى الغزوات
صحيفة فكان يحدث منها- من أن صفة
النبي صلى الله عليه وسلم (( في التوراة
كصفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك
شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت
عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس
بفظٍ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا
يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح،
ولن نقبضه حتى نقيم به الملة العوجاء، بأن
يقولوا: ((لا إله إلا الله))، فنفتح به قلوبًا غلفًا،
وآذانًا صمًا، وأعينًا عميًا(( قال عطاء -وكان
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣٨٦/١.
قال ابن کثیر في تفسیرہ ٤٨٤/٤ : إسناده لا
بأس به.
(٢) أخرجه الطبراني في
المعجم الكبير،
١٢٥/٢، رقم ١٥٣٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
في الخلفاء، ٢١٣/٤، رقم ٤٦٥٦.
ومن ذلك ما أخرج الحافظ ابن عساكر
الدمشقي عن سهل مولى غنيمة أنه كان
نصرانيًا من أهل مريس، وأنه كان يتيمًا
في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ التوراة
والإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمي
فقرأته حتى مرت بي ورقة أنکرت كتابتها
حين مرت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت
فإذا أصول الورقة ملصوقة بغراء، قال:
ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد عليه
الصلاة والسلام: ((أنه لا قصير ولا طويل،
أبیض ذو صفرة، من بین کتفیه خاتم، یکثر
الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار
والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصًا
مرفوعًا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر،
وهو يفعل ذلك وهو من ذرية إسماعيل
اسمه أحمد»(٥).
ومن ذلك، ما أخرجه البيهقي في الدلائل
عن وهب بن منبه قال: «إن الله تعالی أوحی
في الزبور يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي
اسمه أحمد ومحمد، لا أغضب عليه أبدًا،
ولا يعصيني أبدًا، وقد غفرت له قبل أن
(٤) جامع البيان، الطبري ١٣ / ١٦٤.
(٥) تاريخ دمشق، ابن عساكر ٣٨٩/٣.
www. modoee.com
١١١

حرف الميم
یعصیني ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وأمته مرحومة أعطيتهم من النوافل مثل ما
أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض
التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى
يأتوني يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء.
وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا
إلى كل صلاة كما افترضت على الأنبياء
قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما
أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالحج كما
أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما
أمرت الرسل قبلهم.
یا داود إني فضلت محمدًا وأمته على
الأمم كلهم، أعطيتهم ست خصال لم أعطها
غيرهم من الأمم:
١. لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان.
٢. وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا
استغفروني منه غفرته.
٣. وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة
به أنفسهم عجلته لهم أضعافا مضاعفة،
ولهم عندي أضعاف مضاعفة، وأفضل
من ذلك.
وقالوا: (إنا لله وإنا إليه راجعون)
الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات
النعيم.
سوءًا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة.
٦. يا داود من لقيني من أمة محمد
يشهد أن لا إله إلا الله، وحدي لا
شريك لي، صادقا بها، فهو معي في
جنتي وكرامتي، ومن لقيني وقد كذب
محمدًا، وكذب بما جاء به، واستهزأ
بكتابي، صببت عليه من قبره العذاب
صبًا، وضربت الملائكة وجهه ودبره
عند منشره في قبره، ثم أدخله في الدرك
الأسفل من النار))(١).
وهذه الأخبار ونحوها وإن كانت
قد رويت من طريق من أسلموا، أو من
طريق مسلمين اطلعوا على كتب اليهود
والنصارى، فليس ذلك قدحًا ولا طعنًا فيها؛
لأن أقل ما يقال لمن يعترض عليها: إن كان
في كون رواتها مسلمين مطعن عليها، ففي
كون المنكرين لها غير مسلمين مطعن في
إنکارهم، وليس لهم أن يقولوا: إننا لا نجد
في كتبنا ما نص عليه القرآن من تبشير الأنبياء
به. قال ابن تيمية: ((فإذا قال المعارض: عدم
إخبار من قبله به يقدح في نبوته، وأنه إذا قدر
٤. وأعطيتهم على المصائب إذا صبروا أنه لم يخبر به من قبله - والإخبار شرط في
النبوة- کان ذلك قدحا. قيل: الجواب هنا
من طريقين:
أحدهما: أن يقال: إذا علمت نبوته بما
٥. فإن دعوني استجبت لهم؛ فإما قام عليها من أعلام النبوة فإما أن يكون
أن يروه عاجلًا، وإما أن أصرف عنهم
(١) دلائل النبوة ١/ ٣٨٠.
١١٢
جوب
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
تبشير من قبله لازمًا لنبوته واجبًا أو واقعًا، يتأولونها على غير ما يقول المسلمون فيها،
وقد أورد الرازي فى تفسيره (( بعض ما جاء
به عیسی علیه السلام بمقدم سيدنا محمد
عليه السلام في الإنجيل
وإما أن لا یکون لازمًا؛ فإن لم یکن لازمًا
لم یجب وقوعه، وإن كان لازمًا عُلِمَ أنه قد
وقع وإن كان ذلك لم ينقل إلينا؛ إذ لیس کل
ما قالته الأنبياء المتقدمون علمناه ووصل
إلينا، وليس كل ما أخبر به المسيح ومن
قبله من الأنبياء وصل إلينا، وهذا مما یعلم
بالاضطرار.
ولو قدر أن هذا ليس في الكتب الموجودة
لم یلزم أن المسیح ومن قبله لم یذکروہ، بل
یمکن أنهم ذکروه وما نقل، ویمکن أنه کان
في کتب غير هذه، ویمکن أنه كان في نسخ
غير هذه النسخ فأزيل من بعضها ونسخت
هذه مما أزيل منه، وتكون تلك النسخ التي
هو موجود فيها غير هذه، فكل هذا ممکن
في العادة لا يمكن الجزم بنفيه. فلو قدر
أنه ليس في هذه الكتب الموجودة اليوم
بأيدي أهل الكتاب لم يقطع بأن الأنبياء لم
يبشروا به، فإذا لم يمكن لليهود أن يقطعوا
بأن المسيح لم یبشر به الأنبياء، ولا يمكن
أهل الكتاب أن يقطعوا بأن محمدًا لم يبشر
به الأنبياء، لم یکن معهم علم بعدم ذلك، بل
غاية ما یکون عند أحدهم ظن لكونه طلب
ذلك فلم يجده))(١).
الرابع: آن کثیرا من هذه الأخبار ما زالت
تتلى في کتب النصاری إلی الیوم، وإن کانوا
(١) الجواب الصحيح ٥ / ١٥٥.
أولها: في الإصحاح الرابع عشر من
إنجيل يوحنا هكذا: ((و أنا أطلب لكم إلى
أبي حتى يمنحكم، ويعطيكم الفارقليط
حتى يكون معكم إلى الأبد، والفارقليط
هو روح الحق اليقين)) هذا لفظ الإنجيل
المنقول إلى العربي، وذكر في الإصحاح
الخامس عشر هذا اللفظ: ((و أما الفارقليط
روح القدس یرسله أبي باسمي، ويعلمكم
ویمنحکم جمیع الأشياء، وهو یذکر کم ما
قلت لكم» ثم ذكر بعد ذلك بقليل: ((وإني قد
خبر تکم بهذا قبل أن یکون حتیإذا کان ذلك
تؤمنون».
وثانیھا: ذکر في الإصحاح السادس عشر
هكذا: ((ولكن أقول لكم الآن حقًا يقينا:
انطلاقي عنكم خير لكم، فإن لم أنطلق
عنكم إلى أبي لم يأتكم الفارقليط، وإن
انطلقت أرسلته إلیکم، فإذا جاء هو یفید أهل
العالم، ويدينهم ويمنحهم ويوقفهم على
الخطيئة والبر والدين)).
وثالثها: ذكر بعد ذلك بقليل هكذا: ((فإن
لي کلامًا کثیرًا أريد أن أقوله لکم، ولکن لا
تقدرون على قبوله والاحتفاظ به، ولكن
إذا جاء روح الحق إلیکم یلهمكم ويؤيدکم
www. modoee.com
١١٣

حرف الميم
بجميع الحق؛ لأنه ليس يتكلم بدعة من في التوراة: يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدًا
ومبشرًا ونذیرًا وحرزًا للأميين، أنت عبدي
تلقاء نفسه)) هذا ما في الإنجيل، فإن قيل:
المراد بفارقليط إذا جاء يرشدهم إلى الحق
ويعلمهم الشريعة وهو عيسى يجيء بعد
الصلب؟
ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا
غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا يدفع
السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح (أو
ويغفر) ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة
العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح
(أو فيفتح) به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا
غلفًا» اه.
نقول: ذكر الحواريون في آخر الإنجيل
أن عيسى لما جاء بعد الصلب ما ذكر شيئًا
من الشريعة، وما علمهم شيئًا من الأحكام،
وما لبث عندهم إلا لحظة، وما تكلم إلا
قليلًا، مثل أنه قال: ((أنا المسيح فلا تظنوني
میتا، بل أنا ناج عند الله ناظر إلیکم، وإني ما
أوحي بعد ذلك إلیکم)»(١).
وقد نقل من تفسيرات علمائهم الذين
أسلموا علمهم بدلالتها على النبي صلى
الله عليه وسلم كما كتب السموأل المغربي
الذي کان من أکابر أحبارهم في كتابه «بذل
المجهود في إفحام اليهود))(٢) مثلاً.
وقد قام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
بمقارنة بعض هذه الأخبار بما يقرأ النصارى
اليوم في أناجيلهم، قال: (( روى البخاري
في كتاب ((التفسير)» من صحيحه في الكلام
على سورة الفتح عن عطاء بن يسار أن عبد
الله بن عمرو ابن العاص قال: ((إن هذه الآية
التي في القرآن: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ
شَهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. قال
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩ / ٥٢٨.
(٢) بذل المجهود في إفحام اليهود ص١١٣ -
١١٨.
وقول عبد الله بن عمرو ((في التوراة))
-يعني بالتوراة: أسفار التوراة وما معها من
أسفار الأنبياء إذ لا يوجد مثل ذلك فيما
رأيت من الأسفار الخمسة الأصلية من
التوراة- وهذا الذي حدث به عبد الله بن
عمرو ورأيت مقاربه في سفر النبيء أشعياء
من الكتب المعبر عنها بالتوراة تغليبا، وهي
الكتب المسماة بالعهد القديم، وذلك في
الإصحاح الثاني والأربعين منه بتغيير قليل
(أحسب أنه من اختلاف الترجمة أو من
تفسيرات بعض الأحبار وتأويلاتهم).
ففي الإصحاح الثاني والأربعين منه «هو
ذا عبدي الذي أعضده مختاري الذي سرت
به نفسي، وضعت روحي علیه فيخرج الحق
للأمم، لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في
الشارع صوته، قصبة مرضوضة لا تقصف،
وفتيلة خامدة لا تطفأ، إلى الأمان يخرج
الحق، لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق
١١٤
جوسى
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته أنا الرب
قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك، وأحفظك
وأجعلك عهدًا للشعب ونورًا للأمم؛ لتفتح
عيون العمي؛ لتخرج من الحبس المأسورين
من بيت السجن، الجالسين في الظلمة، أنا
الرب هذا اسمي ومجدي لا أعطیه لآخر».
وإليك نظائر صفته التي في التوراة من
صفاته في القرآن:
(يا أيها النبيء إنا أرسلناك شاهدًا
ومبشرًا ونذيرًا) نظيرها: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ
إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا
[الأحزاب: ٤٥].
(هذه الآية وحرزا للأميين) نظيرها:
﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ آلْأُمِنِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾
[الجمعة: ٢].
(أنت عبدي ورسولي) نظيرها:
﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ اَلْكِنَبَ﴾
[الكهف: ١].
(سميتك المتوكل) نظيرها: ﴿ وَتَوَڪَّلْ
عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣].
(ليس بفظ ولا غليظ) نظيرها: ﴿وَلَوْ
كُنْتَ فَقًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾
[آل عمران: ١٥٩].
(ولا صخاب في الأسواق) نظيرها:
﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩].
(ولا يدفع السيئة بالسيئة) نظيرها:
﴿أَدْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤].
(ولكن يعفو ويصفح) نظيرها: ﴿فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَأَصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣].
(ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة
العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله)
نظيرها: ﴿أَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ
وَأَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ
اَلْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
(ويفتح به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا
غلفًا) نظيرها: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمٌ وَعَلَى أَبْصَرِهِمْ غِشَوَةٌ ﴾ [البقرة: ٧].
في سورة البقرة في ذكر الذين كفروا
مقابلًا لذكر المؤمنين في قوله قبله: ﴿مدى
لِلْمُنَّقِينَ ﴾ [البقرة: ٢].
ولنذكر هنا ما في سفر أشعياء ونقحم فيه
بيان مقابلة كلماته بالكلمات التي جاءت في
حديث عبد الله بن عمرو.
جاء في ((الإصحاح)) الثاني والأربعين
من سفر أشعياء: هو ذا عبدي (أنت عبدي)
(الذي أعضده مختاري (ورسولي) الذي
سرت به نفسي، وضعت روحي عليه فيخرج
الحق للأمم لا یصیح (ليس بفظ) ولا يرفع
(ولا غليظ) ولا يسمع في الشارع صوته
(ولا صخاب في الأسواق) قصبة مرضوضة
لا يقصف (ولا يدفع السيئة بالسيئة) وفتيلة
خامدة لا تُطْفأ (يعفو ويصفح) إلى الأمان
يخرج الحق (وحرزًا) لا يكل ولا ينكسر
حتى يضع الحق في الأرض (ولن يقبضه الله
www. modoee.com
١١٥

حرف الميم
حتى يقيم به الملة العوجاء) وتنتظر الجزائر
شریعته (للأمیین) أنا الرب قد دعوتك بالبر
فأمسك بيدك (سميتك المتوكل) وأحفظك
(ولن يقبضه الله) وأجعلك عهدًا للشعب
(أرسلناك شاهدًا) ونورا للأمم (مبشرًا)
لنفتح عيون العمي (ونفتح به أعينًا عميًا)
لتخرج من الحبس المأسورين من بيت
السجن (وآذانًا صمًا) الجالسين في الظلمة
(وقلوبًا غلفًا). أنا الرب هذا اسمي ومجدي
لا أعطيه لآخر» (بأن يقولوا: لا إله إلا
الله)))(١).
هذا عما روي من أوصاف النبي صلى
الله عليه وسلم في الكتب السابقة، أما
القرآن الكريم فإنه مع إخباره بأن أهل
الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم إلا أنه
لم ينص على وصف خاص من أوصافه
سوى أنه من الأميين ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِّ الْأُنِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ، مَكْنُوبًا عِندَهُمْ
فِ التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
وإنما نص على أمور:
أحدها: الشريعة التي يجيء بها:
﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَمُهُمْ عَنْ
الْمُنكَرِ وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبِِّثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
والثاني: صفة تأديبه للناس: ﴿رَبَّنَا
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٥/٢٢.
وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكْبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (
[البقرة: ١٢٩].
﴿ مَحَمّدَ رَّسُولَ
والثالث: صفة أصحابه:
اللّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ، أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
تَرَّهُمْ رُكَّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانًا
سِيمَاهُمْ فِى وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ
فِي التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ شَطَهُ.
فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ
الزُّعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
(٥)﴾ [الفتح: ٢٩].
وصفة من بعث فيهم ﴿هُوَ الَّذِىبَعَثَ فِی
الْأُمَّيِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَِّمْ
وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِى
ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [الجمعة: ٢].
فأما (الأمي) فقيل: هو الذي لا يقرأ ولا
يكتب ولا يحسب ((قال ابن عباس: هو منكم
کان أمیًا لا یکتب ولا يقرأ ولا يحسب قال
الله تعالى: ﴿ وَمَا كُنْتَ نَْلُواْ مِن قَبْلِهِ، مِنْ كِنَبٍ
وَلَا تَخُطُّهُ بِمِينِكَ ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وقال صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية
لا نکتب ولا نحسب).
وقيل: هو منسوب إلى أمته كأن أصله
أمتي فسقطت التاء من النسبة كما سقطت
من المكي والمدني.
وقيل: منسوب إلى أم القرى وهي مكة
١١٦
فَضْو
جَوُورُ
القرآن الكريمِ

محمد صلى الله عليه وسلم
أم القرى. ﴿اَلَّذِى يَجِدُونَهُ﴾ أي: صفته عليهم باب الطهارة والنجاسة كما ضيق
على اليهود، ولم يرفع عنهم طهارة الحدث
ونبوته ونعته وأمره مكتوبًا عندهم في التوراة
والإنجيل))(١).
والخبث کما رفعته النصارى؛ فلا يوجبون
الطهارة من الجنابة، ولا الوضوء للصلاة،
ولا اجتناب النجاسة في الصلاة، بل يعد
كثير من عبادهم مباشرة النجاسات من أنواع
القرب والطاعات حتى يقال في فضائل
الراهب: له أربعون سنة ما مس الماء؛ ولهذا
تركوا الختان مع أنه شرع إبراهيم الخليل
علیه السلام وأتباعه.
وأما معنى: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ
الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ اُلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
فـ((المراد بالمعروف: الإيمان، وقيل: ما
عرف في الشريعة. والمراد بالمنكر ضد
ذلك،
﴿وَيُحِلُ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَبَّكَ﴾ فسر الأول بالأشياء التي
يستطيبها الطبع كالشحوم، والثاني بالأشياء
التي يستخبئها كالدم، فتكون الآية دالة
على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس
ويستلذه الطبع الحل، وفي كل ما تستخبئه
النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل
منفصل، وفسر بعضهم الطيب بما طاب في
حکم الشرع والخبيث بما خبث فیه کالربا
والرشوة))(٢).
وقد جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى
الناس رسولا « فأمرهم بالمعروف ونهاهم
عن المنكر وأحل لهم الطيبات وحرم عليهم
الخبائث، لم يحرم عليهم شيئًا من الطيبات
کما حرم علی الیھود، ولم يحل لهم شیئا من
الخبائث كما استحلتها النصارى، ولم يضيق
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٤ / ٢٩٢.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٥ / ٧٧.
واليهود إذا حاضت عندهم المرأة لا
يؤاكلونها ولا يشاربونها ولا يقعدون معها
في بيت واحد، والنصارى لا يحرمون
وطء الحائض، وكان اليهود لا يرون إزالة
النجاسة بل إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه
بالمقراض، والنصارى ليس عندهم أي
نجس يحرم أكله أو تحرم الصلاة معه))(٣).
وأما الإصر الذي يضعه النبي صلى الله
عليه وسلم فهو التكاليف الثقيلة، سواء أنزل
بها شرع من عند الله أم استحدثها الناس من
تلقاء أنفسهم، وأصل الإصر: (( الثقل الذي
يأصر صاحبه عن الحراك)) (٤).
ومعنى: ((﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ
وَاْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: يخفف
عنهم ما كلفوه من التكاليف الشاقة كقطع
(٣) الجواب الصحيح ١ / ٦٩ - ٧٠.
(٤) روح المعاني، الألوسي ٥ / ٧٧.
www. modoee.com
١١٧

حرف الميم
موضع النجاسة من الثوب أو منه ومن أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْئِكَ
اُلْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
البدن، وإحراق الغنائم، وتحريم السبت،
وقطع الأعضاء الخاطئة، وتعين القصاص
في العمد والخطأ من غير شرع الدية فإنه
وإن لم يكن مأمورًا به في الألواح إلا أنه
شرع بعد تشديدًا عليهم على ما قيل.
«والمعنی: أن الله أقام رسوله للناس بین
العرب يدعوهم، وينشر رسالته إلى جميع
وعن عطاء كانت بنو إسرائيل إذا قامت
تصلي لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى
أعناقهم، وربما ثقب الرجل ترقوته وجعل
فيها طرف السلسلة، وأوثقها على السارية
فالأغلال یمکن أن یراد حقيقته)»(١).
الناس من بلاد العرب، فإن دلائل عموم
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم معلومة
من مواضع أخرى من القرآن كما في سورة
يحبس نفسه على العبادة، وعلى هذا الأعراف: ﴿قُلْ يَكَأَيُّهَا النَّاسُ إِّى رَسُولُ اللَّهِ
إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وأما وصف من بعث فيهم فهم الأميون:
﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِ اْأُمِنِّئِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ
يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَيْهِ، وَيُزَكْبِهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ
وَاَلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُؤْ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾
[الجمعة: ٢].
والأميون هم: (( العرب، والأمي: هو
الذي لا يقرأ ولا یکتب، وکذلك کان کثیر
من العرب. وسمي أميًّا نسبة إلى أمه يوم
ولدته، لم يعرف القراءة ولا الكتابة وبقي
على ذلك.
ومما يدل على أن المراد بالأميين هم
العرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم منهم
لقوله تعالى: ﴿رَسُولَا مِنْهُمْ﴾ كما يدل عليه
قوله تعالى عن نبي الله إبراهيم: ﴿رَبَّناً إِنَّ ◌ِ
(١) المصدر السابق ٧٧/٥.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَاَلْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِهِمْ ﴾ [البقرة: ١٢٩].))(٢).
وفي سورة سبأ: ﴿ وَمَّا أَرْسَلْنَكَ
إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾
[سبأ: ٢٨].))(٣).
وأما وصف أصحابه، فقد ابتدأت فيه
الآية بإثبات الرسالة له أولًا ((محمدٌ رسول
الله)». فـ((محمدٌ)) مبتدأ و(( رسول)» خبره (٤).
أو هو ((خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو
محمد يعود هذا الضمير المحذوف على
قوله: رسوله في الآية قبلها)»(٥).
ثم عطفتهم عليه ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَاءُ عَلَى
الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمٌْ تَرَنَّهُمْ رَكَّعًا سُبَّدًا يَبْتَغُونَ
فَضْلًا مِنَ اَللَّهِ وَرِضْوَنًا سِيمَاهُمْ فِى وُجُومِهِم
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٨ / ١١٥.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨ /١٨٦.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦ / ٢٩٢.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٢/٢٦.
١١٨
القرآن الكريم