النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ المدج عناصر الموضوع مفهوم المدح ٢١٢ الألفاظ ذات الصلة ٢١٣ مدح الله تعالى ٢١٧ ٢٢٢ أسباب المدح ٢٤١ مدح النفس ٢٥٠ نماذج من المدح ٢٦٦ مقاصد المدح في القرآن الكريم المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المدح أولًا: المعنى اللغوي: لفظ المدح في اللغة العربية مأخوذ من مادة الفعل (م دح) و(«الميم والدال والحاء أصل صحيح يدل على وصف محاسن بكلام جميل، ومَدَحَهُ يَمْدَحُهُ مَدْحًا: أحسن عليه الثناء، والأمدوحة: المدح))(١)، قال الجوهري: ((المدح: الثناء الحسن. وقد مَدَحَهُ وامْتَدَحَهُ بمعنى، وتَمَدَّحَ الرجل: تكلف أن يمدح. ورجلٌ مُمَدحٌ، أي: ممدوح جدًّا)) (٢). ومن المعاني الحسية للمدح الاتساع، يقال: ((تمدحت خواصر الماشية، أي اتسعت شبعًا))(٣)، ومن هذا يبدو أن المعنى المعنوي للمدح متطور من المعنى الحسي؛ لأن الاتساع بذكر الخصال الحميدة في الممدوح والثناء عليه ملحوظ فيه، وعليه، فالمدح: هو حسن الثناء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: ((المدح هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا))(٤)، فلا يكون إلا على صفة في الممدوح كالتقوى والإيثار، ويخرج منه ما كان خارجًا عن إرادته كحسن المنظر، ((والمدح بمعنى عدَّ المآثر والمناقب يقابله الهجو بمعنى عدَّ المثالب، والمدح بالوصف الجميل يقابله الذم)»(٥). وعليه، فللمدح معنيان: أحدهما: عدُّ المآثر والمناقب، والآخر: الثناء بالوصف الجميل، فإذا كان بمعنى عدَّ المآثر والمناقب فهو يقابله الهجو بمعنى عد المثالب، وإذا كان بمعنى الثناء بالوصف الجميل فهو يقابله الذم. وبهذا يمكن أن نخرج بتعريف اصطلاحي للمدح بأنه: الإخبار عن محاسن الغير والثناء باللسان على الممدوح بما يبديه من المآثر والخصال الحميدة المؤثرة من قول أو فعل أو صفة. ولم يرد لفظ (المدح) في القرآن، ولم يرد جذره (مدح). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٠٨/٥. (٢) الصحاح ٤٠٣/١. (٣) المصدر السابق ١/ ٤٠٤. (٤) التعريفات، الجرجاني ص١١٦. (٥) الكليات، الكفوي ص٨٥٧. جَوَُّور القرآن الكريم ٢١٢ المدح الألفاظ ذات الصلة الثناء: ١ الثناء لغة: ذكر ما يشعر بالتعظيم (١)، وهو الذكر بالخير والكلام الجميل، ويستعمل في الوصف بمدح أو ذم، فيقال أثنى عليه خيرًا أو أثنى عليه شرًّا، لكن غلب استعماله في الخير، وقد طار ثناء فلان، أي: ذهب وانتشر بين الناس (٢). الثناء اصطلاحًا: ((هو الإتيان بما يشعر التعظيم مطلقًا، سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان؛ وسواء كان في مقابلة شيء أو لا)) (٣). الصلة بين الثناء والمدح: ((أن الثناء مدح مكرر، مأخوذ من الثني ورد الشيء بعضه على بعض، من قولك: ثنيت الخيط، إذا جعلته طاقين، وثنَّته بالتشديد إذا أضفت إليه خيطًا آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ءَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ﴾ [الحجر: ٨٧]؛ يعني: سورة الحمد؛ لأنها تكرر في كل ركعة))(٤) قال ابن منظور: ((وأثنيت عليه في حياته إذا مدحته دفعة بعد دفعة)) (٥). التمجيد: ٢ التمجيد لغة: نيل الشرف والمجد، من قولهم: رجل ماجد، وقد مجد الرجل بالضم، فهو مجيد وماجد. التمجيد اصطلاحًا: بلوغ النهاية في عظم الشأن الجامع بين شرف الذات وحسن الفعال(٦). الصلة بين التمجيد والمدح: أن التمجيد تعظيم وشرف، والمدح ثناء بهذا الشرف. (١) التعريفات، الجرجاني ص ٧٢. (٢) انظر: شمس العلوم، نشوان الحميري ٨٩٥/٢. (٣) الكليات، الكفوي ص٣٢٤. (٤) الفروق اللغوية، العسكري ص ١٥٠. (٥) لسان العرب، ابن منظور ١٤/ ١٠٨. (٦) المفردات، الراغب ص٥١٢. www. modoee.com ٢١٣ حرف الميم التعظيم: ٣ التعظيم لغة: التبجيل، يقال: عظم الأمر عظامة، وعَظَّمَهُ يُعَظَّمُهُ تعظيمًا، أي: كَبَّرَهُ، واستعظمت الشيء: أخذت أعظمه، واستعظمته: أنكرته، وعظم الشيء: أعظمه وأكبره، وعظم الرجل عظامة فهو عظيم في الرأي والمجد، وإن لفلان عظمة عند الناس، أي: حرمة يعظم لها (١). التعظيم اصطلاحًا: هو التوقير والإجلال والتفخيم والمكانة في النفوس والعظمة في الرأي (٢). الصلة بين التعظيم والمدح: أن التعظيم فيه معنى التبجيل والتوقير والاحترام والهيبة في النفوس، فهو أعلى من المدح. الحمد: ٤ الحمد لغة: هو نقيض الذم (٣). الحمد اصطلاحًا: الإخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه (٤). الصلة بين الحمد والمدح: الحمد أخص من المدح، فالمدح يقال فیما یکون من الإنسان باختياره، وما يكون فيه بالتسخير، فقد يُمْدَحُ الإنسان بطول قامته وصباحة وجهه، كما يُمْدَحُ ببذل ماله وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني دون الأول، وكل حمد مدح وليس كل مدح حمدًا(٥). يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: ((الحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه؛ ولهذا كان خبرًا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح فإنه خبر مجرد» (٦). (١) انظر: العين، الفراهيدي ٢/ ٩١، مختار الصحاح، الرازي ص ٢١٢. (٢) انظر: المفردات، الراغب ص٣٧٢، مختار الصحاح، الرازي ص ٢١٢. (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ١٠٠. (٤) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢/ ٩٣. (٥) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٣١. (٦) بدائع الفوائد ٩٣/٢. ٢١٤ القرآن الكريم المدح الشكر: ٥ الشكر لغة: هو عرفان الإحسان ونشره(١). وقال الرازي: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف(٢). الشكر اصطلاحًا: هو عرفان الإحسان، والاعتراف بالنعمة، وأداء ما يترتب عليه، والقيام بحق مسديها(٣). قال ابن قيم الجوزية: ((الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة)) (٤). الصلة بين الشكر والمدح: المدح أعم من الشكر باعتبار المتعلق، فإن متعلقه النعمة وغيرها، ومتعلق الشكر النعمة فقط؛ والشكر أعم من المدح باعتبار المورد، فإن مورد الشكر اللسان والجنان والأركان، ومورد المدح هو اللسان فقط، فكان بينهما عموم وخصوص من وجه. الذم: ٦ الذم لغة: الذم نقيض المدح، (يقال: ذَمَمْتُهُ أَذُمُّهُ ذَمَّا فهو مذموم وذميم))(٥)، ((ورجل مُذَمَّمٌ: أي: مذموم جدًّا، وشيء مذم: أي: معيب)) (٦). الذم اصطلاحًا: هو الإخبار بمساوئ المذموم مع بغضه. الصلة بين الذم والمدح: إن المدح إخبار بمحاسن المحمود، والذم إخبار بمساوئ المذموم، وجماع المساوئ (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٠/ ١٠. (٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٣٤٤. (٣) انظر: العين، الفراهيدي ٢٩٢/٥، جمهرة اللغة، ابن دريد ٧٣٢/٢، الصحاح، الجوهري ٧٠٢/٢، المخصص، ابن سيده ٤٢٤/٣. (٤) مدارج السالكين ٢/ ٢٤٤. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٠٠. (٦) انظر: الصحاح، الجوهري ١٩٢٥/٥. www. modoee.com ٢١٥ حرف الميم فعل الشر، كما أن جماع المحاسن فعل الخير (١). الهجاء: ٧ الهجاء لغة: الشتم بالشعر، يقال: هَجا يَهْجُو هِجاءً: وهو الوقيعة في الأشعار، وهو الشتم بالشعر، وهو خلاف المدح، والمرأة تهجو زوجها، أي: تذم صحبته (٢)، وأصل الهجاء في العربية: الهدم؛ تقول: هجوت البيت إذا هدمته (٣). الهجاء اصطلاحًا: هو ما يوصف به في الشعر من الأخلاق الذميمة (٤). الصلة بين الهجاء والمدح: الهجو نقيض المدح، وهو يدل على الفعل والصفة فيتناول الفاعل والموصوف دون الفعل والصفة، فتقول هجوته بالبخل وقبح الوجه، ولا تقول هجوت قبحه وبخله (٥). (١) انظر: شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري، الغنيمان ٢/ ٤٠١. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٤/ ٦٥، لسان العرب، ابن منظور ٣٥٣/١٥. (٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٤٣. (٤) انظر: الكليات، الكفوي ص ٩٦٠. (٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص٢٤٣. ٢١٦ جَوَسُولَة النَّقِين القرآن الكريمِ المدح مدح الله تعالى اشتمل القرآن الكريم على آيات عديدة تتضمن ثناءً على الله عز وجل، وإذا كان من الثناء ما يشعر بتعظيم من يثنى عليه، فإن حمد الله عز وجل وتسبيحه وتكبيره تدخل کلها في باب المدح والثناء. أولًا: مدح الله تعالى لنفسه: مدح الله تعالى نفسه بأساليب من المدح؛ منها: ١. المدح بصفة الحمد. المطالع لفواتح السور يجد أن الله تعالى استفتح خمس سور بـ ﴿العَمْدُ بِّهِ﴾ هي سور: الفاتحة، والأنعام، والكهف، وسباً، وفاطر، وكذلك اختتم بها ثلاث سور هي سور: الإسراء، والنمل، والزمر، وهو سبحانه ((يخبر أن المستحق للحمد هو الله تعالى، ومعناه: الأمر، أي: قولوا الحمد لله، وفيه تعليم الخلق كيف يحمدونه، والحمد والمدح أخوان»(١). يقول الإمام البقاعي: ((الحمد: المدح الكامل الذي يحيط بجميع الأفعال والأوصاف، على أن جميعها إنما هو من الله سبحانه تعالی، وأنه کله مدح لا يتطرق إلیه ذم، فإذا اضمحل ازدواج المدح بالذم، وعلم سريان المدح في الكل استحق عند (١) لباب التأويل، الخازن ١٩/١. ذلك ظهور اسم الحمد مكملا معرفا بكلمة ((ال)) وهي كلمة دالة فيما اتصلت به على انتهائه و کماله» (٢). ٢. المدح بالتوحيد. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌّ لَّهُهُمَا فِي السَّمَوَتِ وَمَا فِ اُلْأَرْضُِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيَدِيهِمْ وَمَا خَلَفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ ◌ِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَآَةً وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَّ وَلَا يَتُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ الْعَظِيمُ ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. فهذه الآية الكريمة أعظم آيات القرآن وأفضلها وأجلها، حيث اشتملت على اسمان لله تعالى يدلان على سائر الأسماء الحسنى هما: ﴿اَلْحَىُّ أَلْقَيُمُ ﴾ فالحي من له الحياة الكاملة المستلزمة لجميع صفات الذات، كالسمع والبصر والعلم والقدرة، ونحو ذلك، والقيوم: هو الذي قام بنفسه وقام بغيره، وذلك مستلزم لجميع الأفعال التي اتصف بها رب العالمين من فعله ما يشاء من الاستواء والنزول والكلام والقول والخلق والرزق والإماتة والإحياء، وسائر أنواع التدبير، كل ذلك داخل في قيومية الباري، وآية كهذه احتوت على أجل المعاني، يحق أن تكون أعظم آيات القرآن، ويحق لمن قرأها متدبرًا متفهمًا أن يمتلئ (٢) نظم الدرر ٢٨/١. www. modoee.com ٢١٧ حرف الميم ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ قال تعالى: إِلَّا هُوَّ عَلِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَدَّةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( هُوَ اللَّهُ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَنَّارُ الْمُتَكَبِّرُّ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِيُ الْمُصَوِّرِّ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَى يُسَيِّحُ لَهُ. مَا فِىِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الحشر: ٢٢-٢٤]. جاءت هذه الآيات الثلاث في خاتمة سورة الحشر، والتي تضمنت ذكر عدد من أسماء الله وصفاته الحسنى بصورة متتابعة لم تذكر في مثلها من آيات القرآن الكريم. وقد بين الطاهر بن عاشور السبب في ذلك بقوله: ((لما تكرر في هذه السورة ذكر اسم الله وضمائره وصفاته أربعين مرة، منها أربع وعشرون بذكر اسم الجلالة، وست عشرة مرة بذكر ضميره الظاهر أو صفاته العلية، وكان ما تضمنته السورة دلائل على عظيم قدرة الله وبدیع تصرفه وحكمته، وكان مما ففي هذه الآية (ذكر الله تعالى ما يدل على تمام قدرته على البعث بقوله: ﴿وَالسَّمَآءَ بَيْنَهَا﴾ أي: بما لنا من العظمة ﴿بِأَنْدِ﴾ أي: وَإِنَّا بقوة وشدة عظيمة لا يقدر قدرها (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١١٠. (٢) التحرير والتنوير ٢٨/ ١١٧. ٢١٨ موسُو حَرَ النَفسِيرِالوَصْوِيـ القرآن الكريمِ قلبه من اليقين والعرفان والإيمان، وأن حوته السورة الاعتبار بعظيم قدرة الله إذ أيد النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين يكون محفوظًا بذلك من شرور الشيطان (١). ٣. المدح بالأسماء الحسنى. ونصرهم على بني النضير ذلك النصر الخارق للعادة، وذكر ما حل بالمنافقين وهي جامعة لمعاني المدح والثناء كله في القران الكريم. أنصارهم، وقوبل ذلك بالثناء على المؤمنين بالله ورسوله الذين نصروا الدين، ثم الأمر بطاعة الله والاستعداد ليوم الجزاء والتحذير من الذین أعرضوا عن کتاب الله ومن سوء عاقبتهم، وختم ذلك بالتذكير بالقرآن الدال على الخير، والمعرف بعظمة الله المقتضية شدة خشيته عقب ذلك بذكر طائفة من عظيم صفات الله ذات الآثار العديدة في تصرفاته المناسبة لغرض السورة؛ زيادة في تعريف المؤمنين بعظمته المقتضية للمزيد من خشيته، وبالصفات الحسنى الموجبة لمحبته، وزيادة في إرهاب المعاندين المعرضين من صفات بطشه وجبروته)»(٢). ٤. المدح ببديع ما صنع الله تعالى وأوجد. قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَلَيْنَهَا بِأَبِيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَالْأَرْضَ فَرَشْنَهَا فَنِعْمَ الْمَدِهِدُونَ﴾ [الذاريات: ٤٧-٤٨]. المدح على عظمتنا بعد ذلك ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ أي: لفهم المعنى)) (١). أغنياء وقادرون ذوو سعة لا تتناهى، ولذلك أوسعنا بقدر جرمها وما فيها من الرزق عن أهلها، فالأرض كلها على اتساعها كالنقطة في وسط دائرة السماء بما اقتضته صفة الإلهية التي لا تصح معها الشرکة أصلا، فلسنا کمن تعرفون من الملوك؛ لأنهم إذا فعلوا شيئًا لم يقدروا علی أعظم منه وإن قدروا کان ذلك منهم بكلفة ومشقة، وسترون في اليوم الآخر ما يتلاشى ما ترون في جنبه ومن اتساعنا جعلها بلا عمد مع ما هي عليه من العظمة إلى غير ذلك من الأمور الخارقة للعوائد ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَهَا﴾ أي: بسطناها ومهدناها بما لنا من العظمة، فصارت ممهدة جديرة بأن تستقر عليها الأشياء، وهي آية على تمهيد أرض الجنة، وسقنا لأنهارها وغرسنا ﴾ أي: فتسبب عن ذلك لأشجارها أن يقال: في وصفنا نِعْمَ ﴿اَلْمَهِدُونَ﴾ أي: نحن لكمال قدرتنا، فما نزل من السماء شيء ولا نبع من الأرض شيء إلا بإرادتنا واختيارنا وتقديرنا من الأزل؛ لأنا إذا صنعنا شيئًا علمنا ما یکون منه من حین إنشائه إلى حین إفنائه، ولا یکون شيء منه إلا بتقدیرنا، وذلك تذكير بالجنة والنار، فما فيها من خير فهو آية على الجنة، وما فيها من شر فهو آية على النار، والمخصوص بالمدح محذوف والله تعالى يحب المدح من عباده، وهو سبحانه جدير بالمدح، فالكون كونه والملك ملكه، ولا إله غيره، وهو سبحانه أهل الثناء والمجد، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم: (لا أحد أغیر من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شيء أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه) (٢). فهذا الحديث يدل على حب الله للمدح والحمد والثناء من عباده. ولذلك أرشد الله تعالى عباده إلى مدحه، وحثهم علیه، وجعل مدحه بالثناء والتعظيم عبادة من أجل العبادات وأعظمها عنده. قال تعالى: ﴿قُلِ اَلْحَمْدُلِلَّهِ﴾ [النمل: ٥٩]. وجعله سبب الفلاح فقال تعالى: ﴿فَأَذْكُرُوْاْ ءَالَآءَ اَللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. وجعل مدحه بشکر نعمه غاية من الخلق، فقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَحَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ (١) انظر: السراج المنير، الخطيب الشربيني ٤ / ١٠٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير باب قوله تعالى: (ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، رقم ٤٦٣٤، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، رقم ٢٧٦٠. www. modoee.com ٢١٩ حرف الميم وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْئِدَةٌ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]. وفي مدح الله تعالى والثناء الحسن عليه بما هو أهله مصلحة للعباد في معاشهم ومعادهم، قال الإمام بدر الدين العيني: ((وحب الله المدح ليس من جنس ما يعقل من حب المدح، وإنما الرب أحب الطاعات ومن جملتها مدحه ليثيب على ذلك، فينتفع المکلف لا لینتفع هو بالمدح، ونحن نحب المدح لننتفع ويرتفع قدرنا في قومنا، فظهر من غلط العامة قولهم: إذا أحب الله المدح فکیف لا نحبه نحن؟)) (١). ثانيًا: مدح الخلق لله تعالى: مَدْخُ الله تعالى واجب على عباده، وهو حقٌّ من حقوقه تعالى عليهم، وحينما يثني العبد على ربه ويشكره على نعمه فهو بذلك يتعرض لمزید فضل الله تعالى. يقول سبحانه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لُقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّاللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢]. قال ابن كثير: ((﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ اُلْحِكْمَةَ﴾ أي: الفهم والعلم والتعبير ﴿أن اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ أي: أمرناه أن يشكر الله عز وجل على ما أتاه الله ومنحه ووهبه من الفضل، الذي خصه به عمن سواه من أبناء جنسه وأهل زمانه، ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: إنما يعود نفع ذلك وثوابه على الشاكرين، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَلِحًا فَلَأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم: ٤٤]. وقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ أي: غني عن العباد، لا يتضرر بذلك، ولو كفر أهل الأرض كلهم جميعًا، فإنه الغني عمن سواه؛ فلا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه)»(٢). إن الأنبياء والمرسلين كانوا أكرم العباد في الثناء والمدح لله تعالى بما يليق به عز وجل، فإبراهيم عليه السلام يتوجه إلى الله تعالى بالثناء والمدح على ما أعطاه من نعم قائلاً: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِى لَسَمِيعُ الدُّعَِّ﴾ [إبراهيم: ٣٩]. وقال سليمان وداود عليهما السلام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل: ١٥]. وأهل الطاعة يحمدون الله تعالى على نعمة الهداية وتوفيقهم للطاعة فيقولون: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى هَدَنَنَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلًاً أَنَّ هَدَنَا اللّهُ ﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأهل الجنة يقولون: ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُلِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ (٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٢٣٥. (١) عمدة القاري، العيني ٢٢٨/١٨. مَوسُوبة النفسية القرآن الكريمِ ٢٢٠ المدح شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤]. وفي مدح الله تعالى والثناء عليه فوائد؛ منها: التعريف بحق قدره، وما يليق بعظمته وجلاله، وذلك من خلال التعرف على أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فإن معرفة ذلك هو أساس مدحه والثناء عليه، وهو أساس معرفة العبد بربه، لذا قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى لَمْيَتَّخِذْ وَدَاً وَلَمْ يَكُنْ لٌَّ شَرِيِكٌ فِ الْمُلْكِ وَلَوْ يَكُنْ لَّهُ, وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَيْرَهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١]. وقال صلى الله عليه وسلم في مدحه وثنائه على ربه: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)(١). نفي صفات الكبر والتعالي والفخر عن العبد، فإن الذي لا ينسب الفضل لله فيحمده عليه وینسبه لنفسه يطغى ويتعالى على الخلق، كما فعل قارون. لذا أهل الطاعة يحمدون الله تعالى على نعمة الهداية وتوفيقهم للطاعة قائلين: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَِّالَّذِى هَدَ نَا لِهَذَا وَمَا كُنَا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَا أَنْ هَدَنَنَا اللّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]. فإذا وفقوا لدخول الجنة يتوجهون إلى الله تعالى بالشكر والمدح والثناء قائلين: (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ٣٥٢/١، ٤٨٦. ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ﴾ [فاطر: ٣٤]. فتح الباب لقيام العبد بحق عبوديته، فالعبد لا يقدر على ذلك ولا يتعرف علی ربه إلا بعد معرفة موجبات حمده، بمعرفة أسمائه وصفاته المقتضية مدحه وحمده والثناء عليه. وحاجة النفوس إلى معرفة ربها أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب والنفس، ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بمعرفة الله ومحبته وعبادته، وأعرف الناس به أشدهم له تعظيمًا وإيمانًا، وعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبةٌ في كل وقت، وأعمال الجوارح لإصلاح القلب وتعظيم الله. قال ابن القيم: ((فكل من کان بالله وصفاته أعلم کان تو کله أصح وأقوى، وكان منه أخوف)) (٢). فتح الباب لمعرفة الإنسان بقدره من الضعف والقلة والذلة والمسكنة، فينزل منازل العبودية. قال ابن القيم رحمه الله: ((الفقر فقران: فقر اضطراري، وهو فقر عام لا خروج لبر ولا فاجر عنه، وهذا لا يقتضى مدحًا ولا ذمًّا ولا ثوابًا ولا عقابًا، بل هو بمنزلة کون المخلوق مخلوقًا ومصنوعًا، والفقر (٢) مدارج السالكين ١١٨/٢. www. modoee.com ٢٢١ حرف الميم الثاني فقر اختياري، هو نتيجة علمين شريفين: أحدهما: معرفة العبد بربه، والثاني: معرفته بنفسه، فمتی حصلت له هاتان المعرفتان أنتجتا له فقرًا هو عين غناه وعنوان فلاحه وسعادته)) (١). أسباب الملح للمدح أسباب؛ منها: أولًا: الأعمال الصالحة: إن الأعمال الصالحة تزكي النفس وتصلحها، وتطهر القلب من أرجاس المعاصي، وهي وسيلة التقرب إلى الله تعالى، وبها يمحى تأثير الأعمال السيئة؛ لذا يجب على المسلم أن يتحلى بها، ومن هذه الأعمال: ١. الإيمان. الإيمان شرط في صحة الأعمال الصالحة وقبولها، بل لا تسمى أعمالًا صالحة إلا بالإيمان، والإيمان مقتضٍ لها، فإنه التصديق الجازم المثمر لأعمال الجوارح من الواجبات والمستحبات، فمن جمع بين الإيمان والعمل الصالح عاش حياة طيبة، وذلك بطمأنينة قلبه وسكون نفسه، وعدم التفاته لما يشوش عليه قلبه، ويرزقه الله رزقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب. قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًامِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. ولأن الإيمان أساس لكل خير يوجد، ومركز لدائرته، ومسك خاتمته، مدح الله (١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص٩. جَوَسُولَةُ النَّقِينَ القرآن الكريم ٢٢٢ المدح تعالی به من هم من کبار الرسل إظهارًا لفضل الإيمان ومزيته، فمدح الله تعالى نوحًا عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَُّمِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١]. وإبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ, مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١١١]. وموسى وهارون عليهما السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمَا مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الصافات: ١٢٢]. وإلياس عليه السلام في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ, مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ١٣٢]. والمقصود مدح صفة الإيمان نفسها، لا مدح موصوفها (١). ولشرف الإيمان جعله الله عز وجل شرطًا لانتفاع العبد بعمله الصالح في الآخرة، فقال عز وجل: ﴿وَمَنْ أَرَادَالَخِرَةَ وَسَعَى لَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإسراء: ١٩]. ومدح الله عباده المؤمنين أن ليس للشيطان عليهم سلطان، فقال عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانُّ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَى رَبِهِمْ يَتَّوَكَّلُونَ ﴿ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَّوَلَّوْنَهُ وَأَلَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٩٩ - ١٠٠]. وقد عدد الله تعالی صفات أهل الإيمان، ورتب على الالتزام بها مغفرة السيئات (١) انظر: محاسن التأويل ٢١٤/٨. وبلوغ أعلى الدرجات، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اَللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَّكَلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَمِنَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ ( أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً لَُّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: ٢-٤]. فالموصوفون بهذه الصفات الخمس هم المؤمنون حقًّا وصدقًا لهم درجات عند ربهم ومنازل عالية متفاوتة العلو والارتفاع في الجنة، ولهم قبل ذلك مغفرة كاملة لذنوبهم ورزق كريم طيب واسع لا تنقيص فيه ولا تكدير، وذلك في الجنة دار المتقين. ٢. العبادة. عبادة الله تعالى من أهم الصفات التي مدح بها عباده المؤمنين، فهي توصلهم إلى مرضاته سبحانه، يقول تعالى على لسان عيسى عليه السلام: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبّ وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]. ومفهوم العبادة في الإسلام أعم وأشمل مما يعتقده كثير من الناس، من مجرد الصلاة والزكاة والصيام والحج فقط، فالعبادة التي خلقنا الله من أجلها هي تعظيم الله عز وجل والخضوع والتذلل له وإفراده بالطاعة المطلقة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِِّنِ حَنِيفًاً www. modoee.com ٢٢٣ حرف الميم فِطْرَتَ اَلَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا نَبْدِيَ إِنَّهُ أَوَّبٌ﴾ [ص: ٤٤]. لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَئِمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: ٣٠]. والعبادة مقام عظيم يشرف به العبد؛ لانتسابه إلی جناب الله تعالی، وقد سمی الله رسوله بعده في أشرف مقاماته فقال: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِنَبَ﴾ [الكهف: ١]. ﴿وَأَنَّهُ الَّ قَامَ عَبْدُ اللَّهِيَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]. ﴿سُبْحَنَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ،﴾ [الإسراء: ١]. فسماه عبدًا عند إنزاله عليه وقيامه في الدعوة وإسرائه به، وأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات یضیق صدره من تكذیب المخالفين له، حيث يقول: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ٣ فَسَبِّحْ بِحَيْدٍ رَيِّكَ وَكُن مِّنَ اَلسَّجِدِينَ ﴿ وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْنِيَكَ اَلْيَقِيرُ﴾ [الحجر: ٩٧-٩٩])) (١). و کما وصف الله تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بصفة العبودية، وصف بها بعض أنبيائه ورسله. قال تعالى عن زكريا عليه السلام: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيًّا﴾ [مريم: ٢]. وقال عن سليمان عليه السلام: عمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَابٌ﴾ [ص: ٣٠]. وقال عن أيوب عليه السلام: ﴿يَعْمَ الْعَبْدُ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١٣٦. وقال عن إبراهيم ولوطًا وإسحاق ويعقوب ﴿وَحَعَلْنَهُمْ أَيِنَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَتِ وَإِقَامَ الصَّلَوةِ وَإِيتَآءَ الزَّكَوَةٌ وَكَانُوْ لَنَا عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٣]. وهو ثناء عليهم بأجمل الصفات وأحسن الأحوال وفي تقديم الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوْ لَنَاعَبِدِينَ﴾ ما يفيد الاختصاص، أي: اختصاصه تعالى بالعبادة وحده لا شريك له، والجملة تدل على استمرار العبادة أولًا؛ لوجود (كان) الدالة على الاستمرار، وثانيًا: الوصف بـ ﴿عَيِدِينَ﴾ أي: مستمرين حتى تصير العبادة وصفًا لهم، فهم في عبادة مستمرة آناء الليل وأطراف النهار. وقال تعالى في وصف الخضر: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَآ ءَانَيْنَهُ رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥]. ٣. القيام بالرسالة. أرسل الله تعالى الرسل وأنزل عليهم الكتب وأمرهم بتبليغ الرسالة فقام كل منهم بتبليغ ما أرسل به، من نوح عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وقد مدحهم الله تعالى وأثنى عليهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُلِّغُونَ رِسَلَتِ اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهُ﴾ [الأحزاب: ٣٩]. ٢٢٤ جَوَسُور الْقُرآن الكَرِيمِ المدح ((أي: لا يخافون لائمة الناس وقولهم [الأعراف: ٦١]. فيما أحل لهم)) (١). قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره: سنة من عند ربكم المالك لأموركم الناظر الله في الذين خلوا من قبل محمد من الرسل، الذين يبلغون رسالات الله إلى من أرسلوا إليه، ويخافون الله في تركهم تبليغ أي: أنا أبلغكم ما أرسلني الله به إلیکم، وأقصد صلاحكم، وخيركم، وأعلم من الأمور الغيبية أشياء لا علم لکم بها)) (٤). ذلك إياهم، ولا يخافون أحدًا إلا الله، فإنهم إیاہ یرهبون إن هم قصروا عن تبلیغھم رسالة الله إلی من أرسلوا إليه. يقول لنبيه محمد: وهذا هود عليه السلام ﴿قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِ سَفَاهَةٌ وَلَكِنِى رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الأعراف: ٦٧]. فمن أولئك الرسل الذين هذه صفتهم فکن، ولا تخش أحدًا إلا الله، فإن الله يمنعك من جميع خلقه، ولا يمنعك أحد من خلقه منه، إن أراد بك سوءًا» (٢). قال تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُ إِنَِّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٦) قَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَنَكَ فِى ضَلَلٍ مُِّينٍ ﴾ [الأعراف: ٥٩، ٦٠]. ((ولم يجبه من قومه بقولهم: ﴿إِنَّا لَكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ﴾ - إلا أشرافهم وسادتهم وهم الذين يتعاصون على الرسل؛ لانغماس عقولهم بالدنيا وطلب الرئاسة والعلو فيهما)) (٣)، ((وهكذا حال الفجار إنما يرون الأبرار في ضلالة ﴿قَالَیَقَوْمِ لَيْسَ بِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ مِّن ◌َبِّ الْعَلَمِينَ﴾ (١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤٦٩/٣. (٢) جامع البيان ٢٠/ ٢٧٧. (٣) البحر المحيط، أبو حيان ٨٢/٥. أي: ما أنا بضال، ولكن أنا مرسل إليكم لكم بالمصلحة ﴿أُبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِّ وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٢]. ((أي: لست كما تزعمون، بل جئتكم بالحق من الله الذي خلق كل شيء، فهو رب كل شيء ومليكه ﴿أَبَلِغُكُمْ رِسَلَاتِ رَبِي وَأَنَا لَكُوْنَامِعُ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]. وهذه الصفات التي يتصف بها الرسل البلاغة والنصح والأمانة)) (٥)، وقال لهم أيضًا: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَلْعِلْمُ عِنْدَ اَللَّهِ وَأَبْلِّفُّكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّىَّ أَرَبِّكُمْ قَوْمًا ◌َجْهَلُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٣]. ومدح الله تعالى خاتم رسله محمدًا صلى الله عليه وسلم في أكثر من موضع في كتابه الكريم؛ منها قوله تعالى: ﴿يَأَيُهَا النَّبِىُّ إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَهِدًا وَمُبَشِيرًا وَنَذِيرًا (٤) صفوة التفاسير، الصابوني ١ / ٤١٩. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٤/٣. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الميم وَدَاعِيًّا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ، وَسِرَاجًا مُنِيرًا ﴾ ٤٥ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦]. «أي: شاهدًا للرسل بالتبليغ، ومبشرًا لمن آمن بالجنة، ونذیرًا لمن کذب بآياتنا بالنار. ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اَللَّهِ﴾ إلى توحيده وطاعته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ بأمره ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ سماه سراجًا؛ لأنه یهتدی به کالسراج يستضاء به في الظلمة)) (١)، وكذلك فعل جميع الأنبياء والمرسلون في القيام بتبليغ الرسالة. ٤. الأوبة. المعاصي وفعل الطاعات. قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ : أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]. وقيل للتوبة: أوبة (٢). قال تعالى على لسان شعیب علیه السلام: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ مَا أَسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِبُ ﴾ [هود: ٨٨]. وقال أيضًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ [الرعد: ٢٧]. فالإنابة رجوع دائمٌ إلی الله، وإقبال على الخير. والسلام؛ قال الله تعالى عن داود عليه السلام: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِّ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (١) معالم التنزيل، البغوي ٦/ ٣٦١. (٢) انظر: المفردات، الراغب ص٣٤. جوببيو لِلْقُرآن الكَرِيمِ [ص: ١٧]. وقال عن سليمان عليه السلام: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَنَّ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ [ص: ٣٠]. أي: نعم العبد سليمان، والجملة تعليل للمدح، علل كونه ممدوحًا بكونه أوَّابًا رجَّاعًا إليه بالتوبة، فـ ﴿إِنَّهُ: أَوَّابُ﴾ أي: رجَّاع إلى الله بالتوبة، ((راجع عما يكره الله إلى ما يحب)) (٣)، فهو ((رجاع إلى الازدياد من الاجتهاد في المبالغة في الشكر والصبر الأوبة هي الرجوع إلى الله تعالى بترك على الضر)) (٤). وقال عن أيوب عليه السلام: ﴿إِنَّا وَجَدْنَهُ صَابِرَا فِعْمَ الْعَبْدُّ إِنَّهُ: أَوَّابٌ﴾ [ص:٤٤] أي: كثير التوبة، رجَّائعٌ بکلیته إلى الله سبحانه على خلاف ما يدعو إليه طبع البشر، فهو ((المسلم المفوض بلا جزع وتزعزع فكيف يجزع؟! إنه رجاع إلينا متشمر نحونا في عموم أوقاته وحالاته)) (٥). ففي القصص الثلاث اتصفوا بما يوجب المدح، وأكد المدح بإن، وجيء بصيغة المبالغة: فعَّال، إشارة إلى أنها عادتهم. وهي أيضًا من صفات المؤمنين؛ قال وهي من صفات الأنبياء عليهم الصلاة الله تعالى: ﴿التَِّّبُونَ الْعَبِدُونَ اْحَمِدُونَ السََّبِحُونَ الزَّكِعُونَ اُلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ السَجِدُونَ (٣) التفسير الوسيط، الواحدي ٥٥١/٣. (٤) نظم الدرر، البقاعي ٣٧٧/١٦. (٥) الفواتح الإلهية، الجمل ٢٨٥/٢. ٢٢٦ المدح وَاَلْنَاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. فالعابدون هم القائمون بعبادة ربهم محافظين عليها، وهي الأقوال والأفعال فمن أخص الأقوال: الحمد؛ فلهذا قال: ﴿اَلْحَمِدُونَ﴾. ومن أفضل الأعمال: الصيام، وهو ترك الملاذ من الطعام والشراب والجماع، وهو المراد بالسياحة هاهنا؛ ولهذا قال: ﴿اَلْسََّبِحُونَ﴾(١). ٥. الأمر بالمعروف والنهي عن المنکر. أمر الله تعالى عباده بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فقال: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وبين سبحانه أنها صفة من صفات المؤمنين، فقال تعالى: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِ يَأْمُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوَّنَ عَنِ الْمُنكِّرِّ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٧١]. ولا تتم خیریة الأمة إلا بها. قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٩/٤. لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. ففي هذه الآية («مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سببًا لهلاكهم)) (٢). فالخيرية ليست مرتبطة بجنس أو لون أو موقع أو أي اعتبار آخر، إلا اعتبار الإيمان بالله تعالى والاهتمام بمسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد مدح الله تعالى عباده الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، فقال في معرض بيانه لصفات المؤمنين الذين اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة: ﴿التََُّّونَ الْعَبِدُونَ الْحَمِدُونَ السَّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ اَلَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشِيرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. فالمؤمنون ینفعون خلق الله، ویرشدونهم إلى طاعة الله بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، مع العلم بما ينبغي فعله ويجب تركه، وهو حفظ حدود الله في تحليله وتحريمه، علمًا وعملًا فقاموا بعبادة الحق ونصح الخلق؛ ولهذا قال: ﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الإیمان یشمل هذا كله، (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ١٧٣. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الميم والسعادة كل السعادة لمن اتصف به (١). ٦. الجهاد في سبيل الله. («الجهاد هو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه، أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عُيَّاد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم))(٢). الجهاد في سبيل الله تعالى هو ذروة سنام الإسلام، لأنه بيع النفس لله تعالى، يقول سبحانه: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُ واْمِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢]. وقد بین الله تعالی فضل الجهاد في كتابه، ومدح الصابرين عليه بقوله تعالى: ﴿ وَکَیِن مِّن نَّبِيٍّ قَتَلَ مَعَهُ رِبِّبُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُقُواْ وَمَا أَسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَِّرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦]. فالمجاهدون لهم الدرجات العلى والنعيم المقيم قال تعالى: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ الَهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْفَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ أَجْرًا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٩/٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٩٨. عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَّرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْنُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَةِ وَاْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِّ فَأَسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِ. وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١]. فهذه الآية العظيمة فيها بيع وشراء، وفيها صفقةٌ عظيمة، يقول ابن القيم: «قدر السلعة يعرف بقدر مشتريها والثمن المبذول فيه والمنادي عليها، فإذا كان المشتري عظيمًا والثمن خطيرًا والمنادي جليلًا كانت السلعة نفيسة)) (٣). وقد مدح الله تعالى من جمع بين الإيمان والجهاد فقال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَأَلَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُم مَغْفِرَةٌ [الأنفال: ٧٤]. رِزْقَ : فقد ساق الله تعالى هذه الآية للثناء على المهاجرين والأنصار، والشهادة لهم بأنهم هم المؤمنون حق الإيمان وأكمله، من ثلاثة أوجه: ((أولها: قوله: ﴿أَوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّاً﴾ فإن هذه الجملة تفيد المبالغة في مدحهم، حيث وصفهم بكونهم محقين في ٢٢٨ جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير الْقُرآن الكَرِيمِ (٣) الفوائد ص٧٥. المدح طريق الدين، وقد كانوا كذلك؛ لأن من لم مطلقًا لا حد له ولا حصر. يكن محقًّا في دينه لم يتحمل ترك الأدیان السالفة، ولم يفارق الأهل والوطن، ولم يبذل النفس والمال. وثانيها: قوله: ﴿لَّمْ مَغْفِرَةٌ﴾ والتنكير يدل على الكمال، أي: مغفرة تامة كاملة. وثالثها: قوله: ﴿وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ والمراد منه الثواب الرفيع. والحاصل: أنه سبحانه وتعالى شرح أحوالهم في الدنيا والآخرة. أما في الدنيا فقد وصفهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ وأما في الآخرة فالمقصود إما دفع العقاب، وإما جلب الثواب. أما دفع العقاب فهو المراد بقوله: ﴿لَُّ مَّغْفِرَةٌ﴾ وأما جلب الثواب فهو المراد بقوله: ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾))(١). ثانيًا: الصفات الخُلُقية: يحافظ الإسلام على تزكية النفس وإصلاحها، وتطهير القلب من أرجاس المعاصي، وجعل من الوسائل ما يعين على ذلك، فحثَّ على الاتصاف بالصفات الحميدة، وبين جزاء المتصفين بها، ومن هذه الصفات: ١. الشكر. الشكر من أكثر الطاعات ثوابًا، وأعلاها منزلة، لذا جعل الله تعالى جزاء الشاكرين (١) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٦/ ١٦٩. ﴿وَسَيَجْزِى اللَّهُ قال الله تعالى: الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ﴿وَسَنَجْزِى الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٥]. وقد أثنى الله تعالى على الشاكرين لآلائه، «وفي مقدمتهم أنبيائه ورسله، فأثنی الله تعالى على نبيه نوح عليه السلام فقال: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوجَّ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]، فلحميد فعاله وكثير ثنائه على ربه وصف بذلك، کما روي عن سلمان رضي الله عنه قال: (كان نوح إذا طعم طعامًا أو لبس ثوبًا حمد الله، فسمي عبدًا شكورًا)(٢). ووصف الله إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمةً شاكرًا لأنعمه، فقال جل شأنه: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ حَنِيفًا وَلَوْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( شَاكِرًا لِأَنْعُمِةِ اجْتَبَهُ [النحل: ١٢٠، وَهَدَنُهُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمِ﴾ ١٢١]. فالله جل وعلا يشكر من شكره، ويرفع من ذكره. قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، ((فالشكر من الله تعالى هو الرضا بالقليل من عباده وإضعاف الثواب (٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٣٣٧١، ٢/ ٣٩٢. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ولم يتعقبه الذهبي. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الميم عليه، والشكر من العبد: الطاعة، ومن الله: [البقرة: ١٧٧]. الثواب)» (١). إن منفعة الشكر لا تعود على الخالق سبحانه وتعالى فهو الغني؛ ولكنها تعود على الشاكر من عباده، يقول تعالى: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان: ١٢]، فالله تعالى لا يعذب من شكره. قال تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٧]، ولكن الناس مع عظیم نعم الله عليهم قليلٌ شكرهم، وقد بَيَّنَ الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَإِنَّ رَّكَ لَدُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [النمل: ٧٣]. وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣]. لذا على العبد القيام بأوامر الله وامتثال طاعته، فإذا فعل ذلك أعانه، وأثنی علیه، ومدحه، وجازاه الخير الكثير والثواب الجزيل. ٢. الوفاء. الله تعالى هذا الخلق العظيم في آيات كثيرة، منها: قوله تعالى في بيان خصال البر: ﴿وَاَلْمُوقُّونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَهَدُواْ﴾. (١) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٧١٥. أي: «والموفون بعهدهم فيما بينهم وبين الله عز وجل، وفيما بينهم وبين الناس، إذا عاهدوا، يعني: إذا وعدوا أنجزوا، وإذا حلفوا ونذروا أوفوا، وإذا عاهدوا أوفوا، وإذا قالوا صدقوا، وإذا ائتمنوا أدوا)) (٢) فدخل في ذلك حقوق الله كلها؛ لكون الله تعالى ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد کالأيمان والنذور، ونحو ذلك. ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنّا يَذَّكَّرُ أُوْلُواْ الْأَلْبِ الَّذِينَ يُونُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الِيشَقَ﴾ [الرعد: ١٩ - ٢٠]. فالله تعالى ((وصفهم بهذه الأوصاف المادحة، فقال: الذين يوفون بعهد الله أي: بما عقدوه من العهود فيما بينهم وبين ربهم، أو فيما بينهم وبين العباد ولا ينقضون الميثاق الذي وثقوه على أنفسهم، وأكدوه بالأیمان ونحوها» (٣). ٣. الصبر. الصبر «خلق فاضل من أخلاق النفس الوفاء بالعهد خلق نبيل، وقد مدح يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها)» (٤). (٢) المصدر السابق ٢٠٦/١. (٣) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٩٤. (٤) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، ابن القيم ٢٣٠ القرآن الكريمِ