النص المفهرس

صفحات 21-40

ـع
﴿لَيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِنَا وَرَحْمَتُ
رَيِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ((أي: ليستعمل
بعضهم بعضًا في مصالحهم، ویستخدموهم
في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم، فإن
كل صناعة دنيوية يحسنها قومٌ دون آخرين،
فجعل البعض محتاجًا إلى البعض؛ لتحصل
المواساة بينهم في متاع الدنيا، ويحتاج
هذا إلى هذا وبالعكس، ويصنع هذا لهذا،
ويعطي هذا لهذا؛ حتى يتعايشوا، ويترافدوا،
ويصلوا إلى مرافقهم»(١).
((فالناس بحكم هذا الاختلاف القائم
بينهم وبحسب استعدادهم الفطري وحکم
ظروفهم وأحوالهم هم جميعا مسخرون،
أي: يخدم بعضهم بعضًا، لیس فيهم خادم
ومخدوم بل كلهم يخدم ويخدم، ويستوي
في هذا العالم والجاهل، والزارع والصانع،
والقوي والضعيف، والحاكم والمحكوم،
إنهم جميعًا أشبه بالآلة الميكانيكية، لا
تكون آلة عاملة ذات قوة محركة إلا إذا عمل
کل جزء من أجزائها أيًّا كان وضعه فيها، وآيًّا
كانت قيمته الذاتية بين أجزائها، بل إنهم أشبه
بالجسد الإنساني في تجاوب أعضائه جميعًا
في العمل على كل ما من شأنه أن يحفظ عليه
حياته ويوفر له أمنه وسعادته))(٢).
عن قتادة قال: قال الله تبارك وتعالى:
(١) الأنوار الساطعات لآيات جامعات ١/ ٤٩٧.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٧٥/٢.
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَّ ثَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم
مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوْقِ الدُّنياً﴾ ((فتلقاه ضعيف
الحيلة عبي اللسان وهو مبسوط له في
الرزق، وتلقاه شديد الحيلة سليط اللسان
وهو مقتور علیه، قال الله جل ثناؤه: ﴿نَحْنُ
قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِ الْحَيَوْقِ الدُّنَا﴾ كما
قسم بينهم صورهم وأخلاقهم، تبارك ربنا
وتعالى)»(٣).
لقد عرف الناس هذه الحقيقة منذ كان
لهم وجود اجتماعي، بل إن هذا الوجود
الاجتماعي نفسه إنما دعتهم إليه حاجة
بعضهم إلى بعض، وخدمة بعضهم لبعض،
وهذا ما يشير إليه قول الشاعر العربي (٤):
والناس بالناس من حضر وباديةٍ
بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدم
والتعاون بين البشر من فطرة الله التي فطر
الناس عليها، يقول ابن خلدون في مقدمته:
((الإنسان قد شاركته جميع الحيوانات
في حيوانيته من الحس والحركة والغذاء
والكن وغير ذلك، وإنما تميز عنها بالفكر
الذي يهتدي به لتحصيل معاشه والتعاون
عليه بأبناء جنسه والاجتماع المهيئ لذلك
التعاون، وقبول ما جاءت به الأنبياء عن الله
تعالى والعمل به، واتباع صلاح أخراه)»(٥).
وقال: ((قد عرف وثبت أن الواحد من
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١ / ٥٩٥.
(٤) ديوان أبي العلاء المعري ١/ ١٢٠٣.
(٥) مقدمة ابن خلدون ص٤٢٩.
www. modoee.com
٢٧

حرف الميم
البشر غير مستقل لتحصيل حاجاته في والتعاون والتنافس، لا على الصراع كما
معاشه، وأنهم متعاونون جمیعًا في عمرانهم
على ذلك، والحاجة التي تحصل بتعاون
طائفة منهم تشتد ضرورة الأكثر من عددهم
أضعافًا، فالقوت من الحنطة مثلًا لا يستقل
الواحد بتحصيل حصته منه، وإذا انتدب
لتحصيله الستة أو العشرة من حداد، ونجار
للآلات، وقائم على البقر، وإثارة الأرض،
وحصاد السنبل، وسائر مؤن الفلح،
وتوزعوا على تلك الأعمال أو اجتمعوا،
وحصل بعملهم ذلك مقدار من القوت، فإنه
حينئذ قوت لأضعافهم مرات، فالأعمال
بعد الاجتماع زائدة على حاجات العاملين
وضروراتهم)) (١).
يصور الماديون من الفلاسفة والحاقدون
من المتعصبين، بل الحياة مشاركة وتعاون
اجتماعي ودولي، فالتعاون من أجل الصالح
للإنسانية، بينما يريدها أعداء الإسلام صراعًا
بين البشر، وعراكًا بين الطوائف والأمم، من
أجل الاستئثار والانفراد وتحقيق المكاسب
المادية، وترويج السلع ونشر الثقافات على
حساب الآخرين، وإلحاق الخسائر المادية
والأدبية، وهذا لا يتفق مع مبدأ التعاون
الإنساني الذي يقوم على أساس مد يد
العون للآخرين وتبادل المنافع ومراعاة
المصالح، أما فكرة الصراع فهي فكرة خبيثة
أفرزتها المذاهب المادية النفعية والفلاسفة
الماديون أصحاب الأفكار الهدامة
والمتناقضة، کھیجل وماركس وغيرهم ممن
نفقت مذاهبهم في الغرب.
ولقد دعا القرآن في آخر توجيهاته إلى
التعاون بين الأفراد والمجتمعات والأمم.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَىّ
وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢].
((وهو أمر لجميع الخلق بالتعاون على
البر والتقوى، أي: ليعن بعضكم بعضًا،
وتحاثوا على ما أمر الله تعالى، واعملوا به،
وانتهوا عما نهى الله عنه وامتنعوا منه»(٢).
فالإسلام ينظر للتعامل والعلاقات
بين أناس على أنها قائمة على المشاركة
ويؤمن كثير من الكتاب الغربيين ومن لف
لفهم بصراع الحضارات، وهذا المصطلح
في النفس منه شيء؛ فلماذا تبنى العلاقات
بين الحضارات على أساس الصراعات أو
الصدام بين الحضارات؟ لماذا لا نسمي ما
بين الحضارات لقاء الحضارة، أو إن شئت
فلتقل تنافس حضاري، أما الصراع فيعني
الشقاق والنزاع من أجل البقاء على حساب
الطرف الآخر، والإسلام لا يمنع التعايش
السلمي بين الحضارات.
(١) مقدمة ابن خلدون ص٣٦٠.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٦/٦.
٢٨
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

فاللبنات المتناثرة هنا وهناك لا قيمة لها،
لكن حين يبنى بها جدار متين فترى البنيان
مرصوصًا تدرك أهمية التماسك ومتانة
الترابط وقوة التعاون، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ
اَللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفًّا
كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، وتلك
صورة من صور التعاون في حالة الحرب.
عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي
صلی الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن
كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك بين
أصابعه)(١).
بالتعاون والتضامن بنى ذو القرنين أعظم
سدٍّ في التاريخ.
قال تعالى: ﴿حَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً )
قَالُواْيَذَا الْقَرْبَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَّمْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمُ سَدًّا)
قَالَ مَا مَكَّنِى فِيهِ رَبِى خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
٠٠٠٠٧٠٠٠
وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدٍ حَقَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا أَسْطَمُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا أَسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًّا (٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن نَِّ
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِ جَعَلَهُ, ذَكَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب نصر المظلوم، رقم ٢٣١٤، ومسلم في
صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب
تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم
٢٥٨٥.
[الكهف: ٩٣ - ٩٧].
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى:
﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الَّ وَالنَّقْوَى﴾ فقال: ((هو
أن تعمل به، وتدعو إلیه، وتعین فیه، وتدل
علیه»(٢).
وقال ابن القيم رحمه الله في تلك الآية:
((اشتملت هذه الآية على جميع مصالح
العباد في معاشهم ومعادهم، فيما بينهم
بعضهم بعضًا، وفیما بینهم وبین ربهم، فإن
كل عبد لا ينفك عن هاتين الحالتين وهذين
الواجبين: واجب بينه وبين الله، وواجب
بينه وبين الخلق، فأما ما بينه وبين الخلق من
المعاشرة والمعاونة والصحبة، فالواجب
عليه فيها أن يكون اجتماعه بهم وصحبته
لهم تعاونًا على مرضاة الله وطاعته التي هي
غاية سعادة العبد وفلاحه، ولا سعادة له إلا
بها، وهي البر والتقوى اللذان هما جماع
الدين كله)»(٣).
ثم بين أهمية التعاون على البر والتقوى
وأنه من مقاصد اجتماع الناس فقال:
((والمقصود من اجتماع الناس وتعاشرهم
هو التعاون على البر والتقوى، فيعين كل
واحد صاحبه على ذلك علمًا وعملًا، فإن
العبد وحده لا يستقل بعلم ذلك ولا بالقدرة
عليه؛ فاقتضت حكمة الرب سبحانه أن
(٢) انظر: حلية الأولياء ٧ / ٢٨٤.
(٣) زاد المهاجر ص٦-٧.
www. modoee.com
٢٩

حرف الميم
جعل النوع الإنساني قائمًا بعضه ببعضه، الحضاري بين الأفراد وبين الأمم والشعوب.
معيناً بعضه لبعضه))(١).
على أن توزيع
وهذا الكلام يدل قطعًا
المهمات لإنجاز الأعمال من التعاون
المطلوب، وأن هذا التعاون بين الأفراد
ينتقل بعمل كل منهم؛ ليصبح وظيفة عامة
اجتماعية تكفل العيش لعدد كبير من
المجمتع، فالتعاون بين الأفراد وتقسيم
العمل ظاهرتان ملازمتان للإنسان، ولا غنى
له عنهما، وأن تعاون المجموعة لا ینتج ما
یکفیهم فقط، وإنما یزید ویفیض.
وهذا كلام عام في الأمور الدينية
والدنيوية، فأما بالنسبة للتعاون الشرعي فإن
الأسباب الدافعة لدى المسلم للتعاون على
البر والتقوى والمشاركة في الخير عديدة،
ولنا في رسول الله صلی الله عليه وسلم
أسوة حسنة، فلقد كان يشارك أصحابه
مشاركة فعالة في السلم والحرب، فعن
سهل ابن سعد الساعدي رضي الله عنه:
(کنا مع رسول الله صلی الله عليه وسلم في
الخندق وهو یحفر ونحن ننقل التراب، ويمر
بنا فقال: اللهم لا عيش إلا عيش الآخره
فاغفر للأنصار والمهاجره)(٢).
فالتعاون من أصول البناء والتواصل
(١) المصدر السابق ص ١٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما جاء في الصحة والفراغ وأن لا عيش
إلا عيش الآخرة، رقم ٦٠٥١.
ومن أبرز صور التعاون في المجتمع
المسلم الأول: ما في الصحيحين عن
أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت:
(تزوجني الزبير رضي الله عنه وما له في
الأرض من مالٍ ولا مملوكٍ ولا شيءٍ غير
ناضح وغیر فرسه، فكنت أعلف فرسه،
وأستقى الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم
أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جاراتٌ لي
من الأنصار وكن نسوة صدقٍ، وكنت أنقل
النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله
صلی الله علیه وسلم على رأسي، وهی منی
على ثلثي فرسخٍ، فجئت يومًا والنوى على
رأسي، فلقیت رسول الله صلى الله عليه
وسلم ومعه نفرٌ من الأنصار، فدعاني ثم
قال: (إِخ إِخ)؛ ليحملني خلفه، فاستحييت
أن أسیر مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته،
وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى
الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى،
فجئت الزبير، فقلت: لقیني رسول الله صلى
الله علیه وسلم وعلی رأسي النوى ومعه نفرٌ
من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه
وعرفت غیرتك. فقال: والله لحملك النوى
كان أشد علي من ركوبك معه قالت: حتى
أرسل إليَّ أبو بكرٍ بعد ذلك بخادم يكفيني
سياسة الفرس، فكأنما أعتقني)(٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
٣٠
القرآن الكريمِ

ـع
وفي هذا الحديث دليل على ما تحلى به سبل الراحة لها، وفي هذا الجو الإيماني
وجدت المرأة الأمن والأمان، والسعادة
والطمأنينة، والحب الصادق: بيت صالح،
وزوج کریم، وأب حنون، و جیران صدق،
ومجتمع متراحم متعاطف، يا لها من سعادةٍ
غامرةٍ وحياةٍ طيبة وإن كانت صعبةً!
هذا المجتمع النبوي من تراحم وتعاطف
وتعاون وتكافل، فالمرأة تقف بجوار زوجها
تساعده في حقله، والرجل يساعد المرأة في
شئون البيت، والجارة تكفي جارتها بعض
الأعمال، والمجتمع يقف مع المرأة، ويمد
لها يد العون، ويراعي ما جبلت عليه من
حياءٍ وخجلٍ، والمرأة تراعي مشاعر زوجها،
والرجل يشفق على زوجته، والأب يتفقد
أحوال ابنته المتزوجة، ويسعى إلى التخفيف
عنها ما أمكنه ذلك، نماذج رائعة تتجلى لنا
من خلال هذا الحديث: الزوجة الصالحة
التي تبذل ما في وسعها؛ لرعاية زوجها
وبيتها، وتتجشم الصعاب وتواجه الأعباء
بصبرٍ ورضا، فتكافح مع زوجها، وتعمل
في البيت والحقل أعمالًا ليست باليسيرة،
لكنها تصبر وتحتسب، والجيران الصادقون
المتعاونون، وللتعاون بين الجيران أثرٌ عظيم
في تخفيف الأعباء وتذليل الصعوبات،
والمجتمع الذي تسوده المروءة والشهامة،
فيساند البيت المسلم ويدعمه، ويرعاه
ويصونه، والزوج الغيور المشفق على أهل
بيته، والأب الذي لم تنته مهمته مع ابنته
بزواجها، بل يتفقد أحوالها ويسعى لتوفير
باب الغيرة، ٤٠٣/٣، رقم ٤٩٢٦، ومسلم
في صحيحه، كتاب السلام، باب جواز
إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق،
٤/ ١٧١٦، رقم ٢١٨٢.
٨. مجتمع متناصح.
بذل النصيحة وتبادلها من سمات
المجتمع المسلم، ومن مقومات الأمة
المسلمة، ومن أسباب بقائها وخيريتها.
قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ ءَامَنَ
أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ مِّنْهُمُ
اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل
عمران: ١١٠].
فمن أسمى أوصاف مجتمع الإيمان
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهو
سر بقائهم وارتقائهم واستحقاقهم لرحمة
الله تعالى التي تغمرهم في دنياهم وتغشاهم
في أخراهم.
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِِّ يَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
وَيُؤْثُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ:
أُوْلَكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ٧١].
www. modoee.com
٣١

حرف الميم
وقال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ )) إِنَّ الْإِنسَانَ
لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ١- ٣].
وسر التعبير بـ ﴿وَتَوَاصَوْاْ ﴾ بالماضي
الدلالة على ثباتهم ومضيهم في التواصي،
والحق هو الأمر الثابت الذي لا يسوغ
إنكاره، ولا زوال في الدارين لمحاسن
آثاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته
واتباع کتبه ورسله(١).
ومدار السورة الكريمة حول إصلاح
النفس ودعوة الغير، فإصلاح النفس
بالإيمان والعمل الصالح، ودعوة الغير
بالتواصي بالحق مع التواصي بالصبر.
والتواصي بالحق: التواصي بالسير على
هذا المنهج، والمضي فیه، والثبات علیه،
هذا المنهج القويم وذلك الطريق المستقيم
الذي نهجه الإسلام ودعا إليه.
فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
من مقومات خيرية هذه الأمة ومعالم
نهضتها وسبقها وتفوقها وتميزها، عن
النعمان بن بشيرٍ رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (مثل
القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل
قوم استهموا على سفينةٍ في البحر، فأصاب
بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها،
فكان الذين في أسفلها يصعدون فيستقون
الماء فيصبون على الذين في أعلاها، فقال
الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون
فتؤذوننا، فقال الذين في أسفلها: فإنا ننقبها
في أسفلها فنستقي، فإن أخذوا على أيديهم
فمنعوهم نجوا جميعًا، وإن تركوهم غرقوا
جميعًا)(٢).
وعلى هذه الأسس قام المجتمع المسلم
الأول، فعن جرير بن عبد الله رضي الله
عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح
لکل مسلم)(٣)، وفي رواية لأبى داود: قال:
(وكان إذاً باع الشيء أو اشتراه قال: أما إن
الذى أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناك
فاختر)(٤).
وعن تميم الداري رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين
النصيحة). قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه
ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)(٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة،
باب هل يقرع في القسمة، ٣٩٨/٨، رقم
٢٣٦١.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
رقم ٥٧، وأخرجه مسلم في الإيمان باب بيان
أن الدين النصيحة، رقم ٥٦.
(٤) أخرجه أبو داود ٤ / ٤٤٢ رقم ٤٩٤٧، وسنده
صحیح.
(١) انظر: إرشاد العقل السليم ٩٠١/٥، مدارك (٥) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب
التنزيل، النسفي ٤ / ٣٧٥.
الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة، رقم
٣٢
جوسى
القرآن الكريمِ

٩. مجتمع التكافل والتضامن.
يطالب الإسلام كل قادرٍ على العمل أن
يعمل، وأن يعان على عمله؛ ليكفي نفسه
وأسرته، والناس متفاوتون، فمنهم العاجز
الذي لا يقدر على العمل، ومنهم العاطل
الذي لا يجد عملاً ولم يبادر المجتمع
لتيسير عمل مناسبٍ له، وفيهم العاملون
الذين لا يكفيهم دخلهم لتحقيق معيشة
إنسانية لائقة؛ لقلة الدخل، أو لكثرة العيال،
أو لغلاء الأسعار، أو غير ذلك من الأسباب،
والإسلام لم يترك هؤلاء للفقر ينهبهم
والضياع يشتتهم، بل كفل لهم ما يعينهم
على تكاليف الحياة.
قال تعالى: ﴿فَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ.
وَأَلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِّ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ
يُرِيدُونَ وَحْدَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الروم: ٣٨].
وقال: ﴿وَالَّذِينَ فِ أَقْوَهِمْ حَقٌ مَّعْلُومٌ
لِلِسَّابِلِ وَالْمَعْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ -٢٥].
وجعل الإسلام موارد متعددة للفقراء
والمساكين.
قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ
فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ، وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْسَتَمَى
وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم
بَِللَّهِ وَمَآ أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ
اَلْنَقَى الْجَمْعَانُ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
[الأنفال: ٤١].
مَّ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلَّهِ
وَلِلَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَنَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ اْأَغْنِيَِّ مِنْكُمْ وَمَآ
ءَاتَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ
وَأَتَّقُواْ اللّهِ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
واهتم الإسلام بالطبقات الضعيفة في
المجتمع، فشرع لهم من الأحكام والوسائل
ما يكفل لهم العمل الملائم لكل عاطل،
والأجر العادل لكل عامل، والطعام الكافي
لكل جائع، والعلاج الكافي لكل مريض،
والكساء المناسب لكل عريان، والكفاية
التامة لكل محتاج، وتشمل هذه الكفاية:
المأكل والملبس والمسكن وكل ما لابد منه
على ما يليق بحاله من غير إسراف ولا تبذير
ولا تقتیر للشخص ومن یعوله(١).
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه
قال: (بينما نحن في سفرٍ مع النبي صلى
الله عليه وسلم إذا جاء رجلٌ على راحلةٍ
له، فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان
معه فضل ظهر فلیعد به على من لا ظهر له،
ومن كان له فضلٌ من زادٍ فلیعد به على من لا
زاد له) فذكر من أصناف المال ما ذکر حتی
رأينا أنه لا حق لأحدٍ منا في فضلٍ)(٢).
(١) انظر: ملامح المجتمع المسلم، القرضاوي
ص١٥٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللقطة،
٥٥.
www. modoee.com
٣٣

حرف الميم
بين المهاجرين والأنصار، حيث خرج
المسلمون من مكة تاركين تجاراتهم
وبيوتهم وهاجروا للمدينة فكان من الأنصار
المواساة والتكافل، عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قالت الأنصار للنبي صلى الله عليه
وسلم: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل،
قال: (لا)، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم
في الثمرة؟ فقالوا: سمعنا وأطعنا). وفي
رواية: قالت الأنصار: (اقسم بيننا وبينهم
النخل) وذکره، ولم یذکر فيه النبي صلى الله
علیه وسلم(١).
وبهذا وجد کثیر من المهاجرين فرصًا
للعمل في هذا المجتمع الجديد الذي
هاجروا إليه؛ مواساة من إخوانهم من
الأنصار.
وحين أسلم سلمان الفارسي -وكان
رقيقًا عند يهودي- أمره النبي صلى الله
عليه وسلم بأن یکاتب، أي: يسعى لإعتاق
نفسه من اليهودي بمال ونحوه، قال سلمان:
(فكاتبت صاحبي على ثلاثمائة نخلةٍ أحييها
له بالفقير وبأربعين أوقيةً، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أعينوا
باب استحباب المواساة بفضول المال،
١٣٥٤/٣، رقم ١٧٢٨.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٣٩/٥، رقم
٢٤١٢٣.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المزارعة، باب إذا قال: اكفني مؤنة النخل
وغيره، ٢٣٢٥،١٠٤/٣.
وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٢/ ٥٦٠.
٣٤
الْقُرآن الكَرِيمِ
ومن صور التكافل المثمر ما كان أخاكم). فأعانوني بالنخل، الرجل بثلاثين
ودية، والرجل بعشرين، والرجل بخمس
عشرة، والرجل بعشرٍ، يعنى الرجل بقدر
ما عنده، حتى اجتمعت لي ثلاثمائةٍ ودیةٍ،
فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(اذهب يا سلمان ففقر لها، فإذا فرغت
فائتني، أُکون أنا أضعها بيدي). ففقرت لها
وأعانني أصحابي، حتى إذا فرغت منها جثته
فأخبرته، فخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم معي إليها، فجعلنا نقرب له الودى،
ويضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم
بيده، فوالذي نفس سلمان بيده، ما ماتت منها
وديةٌ واحدةٌ، فأديت النخل وبقى علي المال،
فأتی رسول الله صلی الله عليه وسلم بمثل
بيضة الدجاجة من ذهب من بعض المغازي،
فقال: (ما فعل الفارسي المكاتب؟) قال:
فدعيت له، فقال: (خذ هذه، فادبها ما عليك
يا سلمان). فقلت: وأين تقع هذه يا رسول
الله مما علي؟ قال: (خذها فإن الله عز وجل
سیؤدی بها عنك). قال: فأخذتها، فوزنت
لهم منها، والذى نفس سلمان بيده أربعين
أوقيةً، فأوفيتهم حقهم، وعتقت. فشهدت
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق،
ثم لم يفتني معه مشهدٌ)(٢).

كان خالصًا لوجه الله تعالى، ويشمل سائر
وجوه الخير التي أمر الله بها، وهو أساس
التضامن العائلي والاجتماعي البناء، ومن
ثماره الطيبة تطوير الإمكانات العلمية
والاقتصادية والدفاعية للأمة، فإذا بخل
الأفراد في الإنفاق أصاب الأمة الهلاك
وطمع بها الأعداء، فليس الإنفاق مقتصرًا
على بذل المال، بل يشمل بذل كل ما ينفع
المجتمع ويعود علیه بالخير، فهناك من هو
بحاجة إلى المال، وهناك من هو بحاجة
إلى الهداية والتوجيه الرشيد، وهناك من
يفتقر إلى العلم والمعرفة والخبرة، وهناك
من يفتقر إلى المساعدة بالجهد العضلي،
وغير ذلك من مصالح الضعفاء والفقراء
والعاجزين.
١٠ . مجتمع متشاور.
للشوری مکانتها في المجتمع المسلم،
فهي ركنٌ هامٌّ من أركانه، ومقصد کریمٌ
من مقاصده، ولها مجالاتها المتعددة في
الأمور التي لم يرد فیھا نص من کتابٍ أو
سنة، أما ما ورد فيه نص فلا مجال للتشاور
والاجتهاد فيه؛ لأنه لا اجتهاد مع النص،
حيث يقوم أهل الحل والعقد أو أولو الأمر
وأهل المسئولية بالاجتماع؛ للنظر في أمر
من الأمور التي تهم المسلمين أو طائفة
منهم، وتطرح الأفكار على مائدة الحوار،
والإنفاق المثمر في سبيل الله هو ما وتتم المناقشة في جو يسوده الود والوئام،
والحرص على الحق والصواب، بالوسيلة
التي يراها المجتمع والتي لا تخالف شرع
الله، ولا تجافي الفطرة، ولا تبدد الأوقات،
ولا تعطل الطاقات، ولا تفوت المصالح
العامة، ولا تخالف أصلًا شرعيًّا.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ
بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَأَنَّقُواْاللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾
[الحجرات: ١].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ، أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اَللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ اَلْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُهُوَاْ إِلَى اَللَّهِ
وَرَسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُ أَنْ يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَعْنَاً
وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].
فلا ينبغي تقديم قول أو رأي أو أمر
على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه
وسلم.
والمؤمن الصادق هو الذي يمتثل أوامر
الله ورسوله، ويجتنب ما نهى عنه الله
ورسوله، يفعل ذلك عن إیمان وتسلیم ورضا
وقبول. والمجتمع المسلم مجتمع الأمن
والأمان، والمودة والرحمة، والبر والتقوى،
والتعاون والتضامن والتكافل، والتشاور
والتناصح. والحاكم المسلم يستشير أهل
العلم والخبرة والنصح والرشد، يقول صلى
www. modoee.com
٣٥

حرف الميم
الله عليه وسلم: (المستشار مؤتمن) (١).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد نزل
فينبغي أن يتخير الحاكم المسلم من عن رأيه وأخذ برأي الأغلبية من الصحابة،
الأمة الإسلامية أفضلهم علمًا، وأحسنهم
خلقًا، وأخلصهم نصحًا، حتى يحقق بفضل
مشورتهم المخلصة ما فيه الخير والصلاح
للعباد والبلاد. وصدق القائل (٢):
إذا كنت في حاجةٍ مرسلًا
فأرسل حکیمًا ولا توصہ
وإن خطب أمر عليك التوى
فشاور طبيبًا ولا تعصه
والشورى ضرورة من الضرورات التي
لابد منها، وفي القرآن الكريم والسنة النبوية
ما يبين لنا أهمية الشورى وضرورتها في
إطار المجتمع الإسلامي.
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ
لَهُمّ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ
فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِّيِّ
فَإِذَا عَزَيْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَّكِينَ
[آل عمران: ١٥٩].
وقد نزلت هذه الآية إثر غزوة أحد،
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب في المشورة، رقم ٥١٢٨، ٣٣٣/٤،
والترمذي في سننه، كتاب الأدب، باب
المستشار مؤتمن، رقم ١١٥/٥،٢٨٢٢.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٣٦/٢، رقم ٦٧٠٠.
(٢) البيتان لصالح بن عبد القدوس.
انظر: بهجة المجالس وأنس المجالس، ابن
عبد البر ٢/ ٤٥٦.
ولم يتحقق النصر المأمول، فقد يكون هذا
الحدث ذريعة لاستبداد القائد أو الحاكم
برأيه دون أن يلتفت لآراء الجند أو البطانة،
فنزلت الآية تؤكد للأمة أن الشورى أساس
الحكم وأن الأمة إن خسرت معركة فذلك
خير من أن تخسر الأمة شخصيتها ويتحكم
فرد بعد رسول الله صلی الله علیه وسلم في
مصيرها وإرادتها (٣).
فكان نبينا صلى الله عليه وسلم يتشاور
مع أهل الرأي السديد من الصحابة، وكان
الصاحبان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما
من أهل مشورته، وكان يقول لهما: (لو
اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما) (٤).
وفي قصة الإفك استشار النبي صلى الله
علیه وسلم اثنين من أقرب الناس إليه، هما
علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي
الله عنهم، تقول أم المؤمنين عائشة رضي
الله عنها: (دعا رسول الله صلى الله عليه
وسلم علي بن أبي طالبٍ وأسامة بن زيدٍ
حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق
(٣) انظر: النظام السياسي في الإسلام، محمد أبو
فارس ص ٨٥.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٢٧/٤.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ٥٣: رجاله
ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي صلى
الله عليه وسلم.
٣٦
القرآن الكريمِ

أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم
في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا
رسول الله، ولا نعلم -والله- إلا خيرًا. وأما
علي بن أبي طالبٍ فقال: يا رسول الله، لم
یضیق الله عليك، والنساء سواها كثيرٌ، وسل
الجارية تصدقك. فدعا رسول الله صلى الله
علیه وسلم بريرة فقال: (یا بريرة، هل رأيت
فيها شيئًا يريبك)، فقالت بريرة: لا والذي
بعثك بالحق، إن رأيت منها أمرًا أغمصه
عليها قط أكثر من أنها جاريةٌ حديثة السن
تنام عن العجين فتأتي الداجن فتأكله ولقد
كان لهذه المشورة ثمرتها، حيث قام رسول
الله صلی الله عليه وسلم من يومه فاستعذر
من عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (من يعذرني من
رجلٍ بلغني أذاه في أهلي، فوالله، ما علمت
على أهلي إلا خيرًا)(١).
﴿وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِرَبِهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُفِقُونَ﴾ [الشورى: ٣٨].
فالشورى نابعةٌ من الاستجابة لأوامر
الله، من هذه الركيزة تنطلق، وعطف التشاور
على إقامة الصلاة؛ لبيان كون التشاور فريضة
شرعية يجب إقامتها كما أن الصلاة شعيرةٌ،
وبالتشاور صلاح أمور الدنيا، كما أن الصلاة
عماد الدين، والشورى ليست أمرًا شكليًا،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب حديث الإفك، رقم ٣٩١٠.
أو طقوسًا سياسية، كذا الصلاة ليست عبادة
ظاهرية فحسب، بل عبادة قلبية لها ثمراتها
التي لا تتحقق إلا بإتقانها، وكذلك الشورى
لن تؤتي ثمرتها ما لم تمارس بطريقة
صحیحة.
يقول صاحب الظلال: ((وهو كما قلنا
نص مكي، كان قبل قيام الدولة الإسلامية،
فهذا الطابع إذن أعم وأشمل من الدولة
في حياة المسلمين، إنه طابع الجماعة
الإسلامية في كل حالاتها، ولو كانت الدولة
بمعناها الخاص لم تقم فیها بعد.
والواقع أن الدولة في الإسلام ليست
سوى إفراز طبيعي للجماعة وخصائصها
الذاتية، والجماعة تتضمن الدولة وتنهض
وإياها بتحقيق المنهج الإسلامي وهيمنته
على الحياة الفردية والجماعية.
ومن ثم كان طابع الشورى في الجماعة
مبكرًا، وكان مدلوله أوسع وأعمق من
محيط الدولة وشئون الحكم فيها، إنه
طابع ذاتي للحياة الإسلامية، وسمة مميزة
للجماعة المختارة لقيادة البشرية، وهي من
ألزم صفات القيادة)»(٢).
وفي السيرة النبوية الكثير من مواقف
الشورى، ففي غزوة بدر طلب رسول الله
صلى الله عليه وسلم المشورة من الصحابة
الكرام حيث قال: (أشيروا علي أيها الناس)،
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٣٣.
www. modoee.com
٣٧

حرف الميم
وهو يقصد بذلك الأنصار رضى الله عنهم،
وقد ثبتوا على الحق وصدقوا ما عاهدوا الله
علیه ونصروا دعوة الله.
وقال الحباب بن المنذر: (يا رسول الله،
أمنزلٌ أنزلكه الله أم هي الحرب والرأي
والمكيدة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (بل هي الحرب والرأي والمكيدة)،
فقال الحباب: یا رسول الله، فإن هذا ليس
بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى
ماءٍ من القوم فننزله، ثم نغور ما وراءه من
القلب، ثم نبني عليه حوضًا فتملؤه ماءً، ثم
نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال صلى
الله عليه وسلم: (لقد أشرت بالرأي)(١).
ولقد استشار رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعض الصحابة الكرام في شأن أسرى
بدر (٢)، فأشار عمر بقتلهم، وأشار أبو بكر
بقبول الفداء منهم، وكان هذا قبل نزول
قوله سبحانه: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ
أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِىِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ
الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[الأنفال: ٦٧].
وفي غزوة الخندق أخذ رسول الله صلی
الله عليه وسلم برأي سلمان الفارسي بحفر
الخندق (٣).
(١) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ١/ ٦٥٢.
(٢) المصدر السابق ٧١٨/١.
(٣) المصدر السابق ١٠٢٥/٢.
الله علیه وسلم الصلح دون أن يدخل مكة،
فشق ذلك على الصحابة الذين كانت قلوبهم
تهفو وتتشوق إلی زيارة بيت الله الحرام،
وکان للصلح حکمه البالغة التي ظهرت فيما
بعد، ومن ذلك أنه كان فرصة عظيمة لنشر
الدعوة الإسلامية في ربوع الجزيرة العربية،
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
الصحابة الكرام أن یقوموا فینحروا ويتحللوا
من الإحرام، فلم يبادر منهم أحد، فأعادها
ثلاث مرات، فلم یبادر منهم أحد !! فذكر
ذلك لأم سلمة، وكانت معه، فأشارت عليه
برأي سدید، قالت: يا نبي الله، اخرج إليهم
ولا تكلم أحدًا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك
وتدعو حالقك فيحلقك. فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلم يكلم منهم أحدًا
حتی فعل ذلك، نحر بدنه وحلق، فلما رأی
الصحابة الكرام ذلك قاموا فنحروا وجعل
بعضهم يحلق بعضًا (٤).
وهناك أمثلة كثيرة في السيرة النبوية
وفي التاريخ الإسلامي تبين لنا كيف طبق
المسلمون مبدأ الشورى تطبيقًا عمليًا،
فاجتمعت كلمتهم، وطابت نفوسهم،
وتحقق العدل بينهم، وفاضت بينهم روح
المودة والمحبة والإخلاص والتضحية
وفي صلح الحديبية عقد رسول الله صلى والولاء والانتماء، وكان الترابط التام
والانسجام بين المحكومين والحكام.
(٤) انظر: الروض الأنف، السهيلي ٤/ ٣٧.
٣٨
البيـ
جَوَسُور
القرآن الكريم

ـجمع
١١ . مجتمع متحرر.
المجتمع المسلم مجتمع متحرر من كل
قيد أو رقٍ يحول دون انطلاقه نحو المعالي،
أو يكبل إرادته ويثبط عزيمته ويثقل كاهله،
فالحرية في الإسلام تحررٌ من الأهواء
وتحررٌ من الأباطيل والخرافات، وتحررٌ من
التقليد والتبعية إلا للحق وأهله، والحرية في
الإسلام تعني طهارة القلب وإخلاصه لله
تعالی.
وقد وردت في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ
أَمْرَأَتُ عِمْرَنَ رَبٍ إِّ نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْفِى مُحَرَّرًا
فَتَقَبَّلْ مِيّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [آل عمران:
٣٥].
أي: خالصًا لوجهك، مخلصًا لطاعتك
وعبادتك، عن مجاهد قال: ((إن المحرر
هو الخالص لله عز وجل لا يشوبه شيء من
أمر الدنيا، ولا يشغله شاغل عن عبادة الله
تعالی))(١).
وفي هذا منقبٌ لمریم حیث نذرتها أمها
خالصة للعبادة، فكأنما حررت من أسر
الدنيا وقيودها (٢).
وفي هذا بيان للمفهوم الصحيح للتحرر
أنه التجرد لله تعالى من كل الأهواء، والتحرر
من کل قيدٍ يحول بين العبد وبين ربه.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَا رَّجُلًا فِيهِ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ٦٦/٤.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٢/٣.
شُرَّكَآهُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمَا لِرَجُلٍ هَلْ
يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[الزمر: ٢٩].
عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلاَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ﴾ قال: ((هو
المشرك تتنازعه الشياطين، لا يقربه بعضهم
لبعض))، ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ﴾ قال: «هذا
المؤمن أخلص لله الدعوة والعبادة))(٣).
لا يمكن للعبد أن يوفي حق سیدین
في وقتٍ واحد، هذا يأمره بأمر وذاك يأمره
بأمرٍ آخر، فيجد نفسه ممزقةً بین سیدین،
يستحيل أن يلبي لهما في حين واحدٍ، فيعجز
ويتوانى، أما الذي له سيدٌ واحدٌ يلبي مطالبه
ويستجيب لأوامره، فذلك مثل المؤمن
الموحد، تحرر قلبه لمعبودٍ واحد فلا ينازعه
أحدٌ، وتعلق قلبه ورجاؤه بإله واحد، فیحیا
صافي الذهن صالح البال، بخلاف من فيه
شركاء متشاكسون، هذا يأمر وذاك ينهى،
فإنه يعيش مشتتا بينهما، رضا أحدها يثير
سخط الآخر، فلا يجتمع قلبه لمعبودین.
((إن أعظم ما دمر حرية الإنسان وأتى
على بنيانها من القواعد اتخاذ بعض الناس
بعضًا أربابًا من دون الله، ولكي يسترد
الناس حريتهم وكرامتهم يجب تحطيم
هؤلاء الأرباب الأدعياء والآلهة المزيفين،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٥/٢١، الدر
المنثور، السيوطي ١٢ / ٦٥٤.
www. modoee.com
٣٩

حرف الميم
حقًا وهم مخلوقون مثلهم، لا يملكون
لأنفسهم ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة
ولا نشورًا، ولقد وعى مشركو العرب هذه
الحقیقة منذ دعا النبي صلی الله عليه وسلم
من أول يوم إلى التوحيد، وعلموا أن وراء
هذه الكلمة -لا إله إلا الله- انقلابًا في
الحياة الاجتماعية والسياسية، وأنها تؤذن
بميلاد جديد للبشرية، ولاسيما الفقراء
والمساكين والمسحوقين، فلا غرو أن وقفوا
في وجهها وجندوا کل قواهم لحرب کل من
آمن بها واستجاب لندائها))(١).
كما تعني الحرية في مفهومها الأصيل
العزة والإباء والكرامة والعفاف، عندما بايع
النبي صلى الله عليه وسلم النساء في مكة
وكان من بينهن هند بنت عتبة رضي الله
عنها وتلا عليهن أركان البيعة فلما وصل
إلى قوله: ﴿وَلَا يَشْرِقْنَ وَلَا يَزْبِينَ﴾ [الممتحنة:
١٢] قالت هند قولتها الشهيرة: وهل تزني
الحرة؟!(٢).
وفي مقالة هند: وهل تزني الحرة؟!
مغزى ومعنّى عظيم، ودرس لدعاة التحرير
في عصرنا، فالحرية بمفهوم الجاهلية
أنقى وأطهر من الحرية بالمفهوم الغربي
المعاصر، الحرية قديمًا تعني الشرف
(١) ملامح المجتمع المسلم، القرضاوي ص
١٣٥.
(٢) الطبقات الكبرى، ابن سعد ٨/ ٩.
خصوصًا في أنفس الذين توهموهم أربابًا والأصالة والنبل والطهارة والعفة والكرامة،
أما الحرية بمفهومها الغربى والذي يجدون
في تصديره إلينا فتعني التحرر من القيم
الأصيلة والأخلاق النبيلة والتمرغ في
مستنقعات الخنا وأوحال الرذيلة باسم
التحرر، فكلمة أنا حرة عندهم تعني أنه لا
سلطان لأحد عليها ولا ولاية ولا قوامة،
فھي ولية نفسها تصنع ما يحلو لها، وتصبو
وراء نزواتها ورغباتها الجامحة.
لكن هندًا رضي الله عنها وهي التي
عاشت عفيفةً شريفةً في جاهليتها وإسلامها
تجلي لنا المفهوم الحقيقي للحرية، الحرية
التي تسمو بنا وتحلق إلى أجواء الطهر وآفاق
الفضيلة، لا الحرية التي تهوي بمدعیها إلى
الحضيض.
في مقابل ذلك يكفل الإسلام لغير
المسلم حرية العقيدة والعبادة، فلا يكرهون
على الدخول في دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَدْ تَّبَيَّنَ
الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ بِلَّغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لَا أُنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَأَمَنَ مَنْ فِىِ الْأَرْضِ
كُلُّهُمْ جَمِيعًاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ
مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩].
فمن حق غير المسلم أن يمارس شعائر
دينه دون تضييق عليه أو تقييد لحريته،
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٤٠

ومن ثم فإن حماية دور العبادة من مسئولية نظام عالمي حر، يستطيع الجميع أن يعيشوا
في ظله آمنين، متمتعين بحرياتهم الدينية
على قدم المساواة مع المسلمين ويحماية
المسلمين)) (١).
المجتمع المسلم، وشرع الجهاد في الإسلام
لأهداف، أهمها حمایة ذلك المجتمع بکل
مكوناته وطوائفه.
قال تعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ
بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾
الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَئِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّ أَن
يَقُولُواْ رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِّعْضِ لَّدِمَتْ صَوَمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزٌ )
الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَهُمْ فِ اْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ
الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩-
٤١].
فالقتال مشروع لحماية الحريات،
وتمكين المسلم وغير المسلم من أداء
شعائر دينه، وحماية المساجد والكنائس
والبيع والصوامع؛ ليعيش الجميع داخل
المجتمع المسلم في أمان، وينعم الجميع
بالحرية.
((فالإسلام لا يريد حرية العبادة لأتباعه
وحدهم، إنما يقرر هذا الحق لأصحاب
الديانات المخالفة، ويكلف المسلمين أن
يدافعوا عن هذا الحق للجميع، ويأذن لهم
في القتال تحت هذه الراية راية ضمان حرية
العبادة لجميع المتدينين، وبذلك يحقق أنه
والإسلام لا يرضى لأتباعه حياة الذل
والخنوع، بل يدعوهم إلى التنعم بالعيش
الكريم، والترفل برداء العز والإباء، وينهاهم
عن الاستكانة والهوان.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ
ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اُللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ
فِيهَاً فَأُوْلَكَ مَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمٌ وَسَاءَتْ مَصِيًّا
٩٧
إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا
يَسْتَطِيعُونَ حِيَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا () فَأُوْلَكَ
عَسَى اَللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّا غَفُورًا ))
﴿ وَمَن ◌ُهَاجِرْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِ الْأَرْضِ مُرَغَمًا
كَثِيرً وَسَعَةٌ وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللّهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى اللَّهُ وَكَانَ
اُللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ٩٧ - ١٠٠].
عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسًا
من المسلمین کانوا مع المشرکین، یکثرون
سواد المشركين على رسول الله صلى الله
علیه وسلم، یآتي السهم فیرمی به، فیصیب
أحدهم فيقتله، أو یضرب عنقه فيقتل، فأنزل
الله عز وجل: ﴿إِنَّالَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلِكَةُ ظَالِىّ
(١) نحو مجتمع إسلامي، سيد قطب ص ١٠٦.
www. modoee.com
٤١

حرف الميم
أَنْفُسِهِمْ﴾(١).
(إن المجتمع الإسلامي مجتمع حر
من خلال إقراره بالعبودية لله وحده دون
شريك، حر وهو يشارك بالرأي في تسيير
أموره، حر وهو یتعفف عن قول الزور أو
القول على الله بغير علم، حر وهو يدافع
عن حرية الآخرين، حر وهو يبدي رأيه
بأدب حتى مع مخالفيه في الرأي أو العقيدة،
حر وهو يستمتع بخيرات الله دون مساس
بحقوق الآخرين، حر وهو يحرر النفس من
الهوى، والإنسان في الإسلام حر بكل ما
تعنيه الكلمة، لا يسيطر عليه طاغوت، ولا
تستعبده شهوة، ولا تتحكم فيه لذة أو متاع
أو عرض زائل))(٢).
١٢. مجتمع مسالم.
الأصل في الإسلام هو السلم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
ادْخُلُواْ فِى الْسِلْمِ كَافَةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ، لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
[البقرة: ٢٠٨].
فالسلم هنا يشمل السلم داخل المجتمع
المسلم وخارجه، السلم بين المسلمين ومع
غيرهم، فلا يقاتل غير المسلم إلا إذا نكث
العهد أو اعتدى أو صادر الحريات أو حال
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب تفسير سورة النساء، رقم ٤٣٢٠.
(٢) علم الاجتماع الإسلامي التصوير القرآني
للمجتمع، صلاح فوال ١ / ١١٩.
دون وصول رسالة الإسلام وبلوغ دعوته أو
نبذ أو خان وغدر.
قال تعالى: ﴿الشَّهُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْخَرَاءِ
وَأْمَتُ قِصَاصَُّ فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُ واْعَلَيْهِ
بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٩٤].
((إذن فالجماعة المسلمة مسالمة مع
نفسها، لا تعرف الصراع الذي يؤدي إلى
التنازع، ولا تعرف التنافس الذي يقود إلى
الأنانية والظلم، وإنما يعيش أعضاؤها في
سلام وحب وتعاون على الخير والمعروف،
ولعل التنافس الوحيد بين أعضائها وبين
غيرها من الجماعات هو ذلك التنافس في
طاعة الله وفي العمل الصالح، ومسالمة
مع غيرها من الجماعات التي لا تدين
بالإسلام، ولكنها ترد العدوان الواقع عليها
بغیر ظلم))(٣).
ولقد نهى الإسلام عن كل ما يعكر
صفو المجتمع ويهدد سلامه من التنازع
والمشاحنة والقطيعة.
قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَاْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاً فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَنَّهُمَا عَلَى
الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ
(٣) المصدر السابق ١/ ٧٣.
جَوَسُورَةُ النفسية
الْقُرآن الكَرِيمِ
٤٢

فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَفْسِطُواْ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الحجرات: ٩، ١٠].
ولقد أحاط الإسلام هذا المجتمع بسياج
من التشريعات والحدود والآداب، تكفل
أمن المجتمع، وينعم أفراده بالأمن والسلام.
١٣ . مجتمع التنافس.
يصور البعض الحياة على أنها صراعٌ دائمٌ
وعراٌ مستمر، صراع بين الإنسان والبيئة،
دور الإنسان في البيئة أن يقهر الطبيعة،
ويسيطر عليها، وينهكها ويستفرغ خيراتها،
ولو أدى الأمر إلى تلويثها وفقدانها توازنها،
وصراع آخر بين الإنسان والإنسان بين الأمم
والشعوب على السيادة والهيمنة والقهر
والغلبة والتفوق، مع ما يجره هذا الصراع
-غالبًا- من مواجهات دامية ومعارك حامية
بين الدول المتصارعة، وما يصيب الشعوب
جراء طموحات بعض الحكام والقادة من
كدٍ وعناءٍ، وجراحِ وآلامٍ، ولهثٍ وراء أطماع
القادة والحكام وأحقادهم، على حساب
الأفراد والأسر التي تشقى بالحروب التي
تذكيها الأنانية والأثرة وحب التسلط وشهوة
التملك، جاهلين حكمة الله تعالى ومشيئته
في خلقه وأقداره وشرعته.
حتى العلاقة بين الرجل والمرأة
صارت عندهم صراعًا دائمًا على الكراسي
والمناصب والحقائب، حتى غدت الحياة
صراعات لا يخمد أوارها، ولكن الإسلام
دین المحبة والوئام، دین التعاون والتضامن،
يغلق أبواب الصراع ويفتح أبواب التنافس
إلى الخيرات، والتسابق إلى المغفرة
والجنات، والتعاون على البر والتقوى،
مضمار فسيح وميدان رحيب يتسع للجميع.
ونحن لا ننفي وجود الصراع في هذا
الكون، لكنه ليس القاعدة التي نبني عليها
علاقاتنا وتعاملاتنا في هذا الكون، بل
التنافس المحمود هو الذي يذكي شعلة
الجد والعمل، ويثير العقول، ويحفز الهمم
نحو المعالي.
قال تعالى - في سياق بيان نعيم الجنة -:
﴿عَلَى الْأَرَّبِكِ يَنْظُرُونَ (٢) تَعْرِفُ فِ رُجُوهِهِمْ
نَضْرَةَ النَّعِيمِ ) يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ تَخْتُوٍ )
خِتَلُهُ، مِسْكٌ وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُنَنَفِسُونَ﴾
[المطففين: ٢٦].
وقال تعالى عن آل زكريا عليهم السلام:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ, وَوَهَبْنَا لَهُ, يَحْبَى
وَأَصْلَحْنَا لَهُ, زَوْجَهُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
يُسَرِعُونَ فِىِ الْخَيْرَتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا
وَرَهَبَّ وَكَانُواْ لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:
٩٠].
((﴿أُوْلَكَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْخَرَتِ﴾ [المؤمنون:
٦١ ].
أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير،
www. modoee.com
٤٣

حرف الميم
همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة للخيرات.
فیما ینجي من عذابه، فکل خير سمعوا به أو
سنحت لهم الفرصة إليه انتهزوه وبادروه،
قد نظروا إلى أولياء الله وأصفيائه، أمامهم،
ويمنة، ويسرة، يسارعون في كل خير،
وينافسون في الزلفى عند ربهم، فنافسوهم.
ولما كان السابق لغيره المسارع قد يسبق
لجده وتشمیره وقد لا یسبق لتقصيره أخبر
تعالى أن هؤلاء من القسم السابقين فقال:
﴿وَهُمْ لَهَا﴾ [المؤمنون: ٦١]، أي: للخيرات
﴿َسَبِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] قد بلغوا ذروتها،
وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا قد
سبقت لهم من الله سابقة السعادة أنهم
سابقون))(١).
وذكر تعالى من مآثر مؤمني أهل
الكتاب ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُسَرِعُونَ فِى الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤].
وأمرنا تعالى باستباق الخيرات فقال:
﴿وَلِكُلِّ وِجْهَةُ هُوَ مُوَلِّهَاٌ فَأَسْتَبِقُواْ الْخَيْرَتِّ أَيْنَ
مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعَاْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [البقرة: ١٤٨].
وبين تعالى أن ميدان التنافس ومضمار
التسابق مفتوحٌ للجميع، وأن الجائزة
الكبرى جنات واسعة تتسع لكل المسارعين
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٥٤.
قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن
رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
١٠
وَاَلسَّبِقُونَ السَّبِقُونَ
وقال الله تعالى:
أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ﴾ [ الواقعة: ١٠-١١].
فالسابقون هم الذين يتسابقون في الدنيا
إلى الخيرات حتى يسبقوا في الآخرة إلى
الجنات.
وهذا المتسابق هو صاحب الهمة العالية
الذي يسعى؛ ليكون أول المتسابقين للرقي
لمعالي الأمور في الدنيا والآخرة، ولا يعني
التنافس التحاسد والشقاق والعراك على دنيا
زائلة، ففي الحديث عن عبد الله بن عمرو
قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
أي الناس أفضل؟ قال: (كل مخموم القلب
صدوق اللسان). قالوا: صدوق اللسان
نعرفه، فما مخموم القلب؟! قال: (هو
التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا
حسد)(٢).
وفي الحديث: (أبشروا وأملوا ما يسركم،
فوالله ما الفقر أخشى عليكم! ولكني أخشى
أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على
من کان قبلکم، فتنافسوها كما تنافسوها،
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب
الورع والتقوى، ١٤٠٩/٢، رقم ٤٢١٦.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦٣٢/٢، رقم ٩٤٨.
جَوَسُولَة التَّقِينَ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٤٤

وتهلككم كما أهلكتهم)(١).
١٤ . مجتمع عامل.
المجتمع المسلم مجتمع عامل، لا
يعرف الكسل أو الخمول، ولا يعرف البطالة
والاتكال، بل مجتمع عامل، العمل الصالح
فیه قرینٌ للإيمان لا ینفك عنه ولا يفارقه،
وتوفير فرص العمل وإعداد الأيدي العاملة
الماهرة مسئولية المجتمع والدولة.
قال تعالى: ﴿وَقُّلِ أَعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَهُو
وَرَسُولُهُ, وَاَلْمُؤْمِنُونَّ وَسَتُّرَدُّونَ إِلَى عَلِ الْغَيْبِ
وَالشَّهَدَةِ فَيُنَبْشُكُ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [التوبة:
١٠٥].
فدعا الإسلام لكل عملٍ نافعٍ جادٍّ، ودعا
لمراقبة الله تعالى فيه بإتقانه وإحسانه،
وسماء المجتمع الإسلامي معطرة بعبق
الإيمان الفواح، وعبيره الشذي، ونفحات
الأعمال الصالحات، ونسائم الكلم
الطيب الذي يملأ الأرجاء مسكًا وعنبرًا،
ويشهد الأكوان على صلاح واستقامة أهل
الإيمان، وأحقيتهم في قيادة موكب الإنسانية
والإبحار بسفينتها إلى بر الأمان وضفاف
السعادة: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَِّبُ وَالْعَمَلُ
الصَّْلِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [فاطر: ١٠].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها،
رقم ٦٠٦١، ومسلم في صحيحه، كتاب
الزهد والرقائق، رقم ٢٩٦١.
ولقد عالج الإسلام مشكلة البطالة، ودعا
للعمل الذي يجلب الرزق الحلال الطيب،
ورفع من شأن كل مهنةٍ نافعة، فقد سخر الله
الناس بعضهم لبعض، والمهن يكمل بعضها
بعضًا، ولا يمكن الاستغناء عن أي حرفة أو
صنعةٍ مفيدةٍ.
قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا
بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم
بَعْضًا سُخْرِنَّاً وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ
[الزخرف: ٣٢].
وهذا نبي الله موسى عليه السلام وقد
تربى في قصر فرعون، وفر من حاضرة
مصر ميممًا وجهه نحو البادية؛ ليعمل أجيرًا
للشيخ الكبير، يرعى الغنم، ويأكل من كسب
یده، وما من نبي من الأنبياء إلا وعمل وأكل
من کسب یده، فالأنبياء هم قادة المجتمعات
وروادها وقدوة الناس.
قَالَتْ إِحْدَ هُمَايَتَأَبَتِ أَسْتَفْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ
مَّنِ اُسْتَشْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ ) قَالَ إِّ أُرِيدُ
أَنْ أَنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ هَتَّيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ
ثَمَطِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ
وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ
أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَىّ وَاللَّهُ عَلَى
مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٦-٢٨].
وحين رأي النبي صلى الله عليه وسلم
www. modoee.com
٤٥

حرف الميم
رجلًا يسأل الناس فيعيش على صدقاتهم
دون أن يقدم للمجتمع عملًا صالحًا أعطاه
درسًا مهمًّا حوله من عالة على المجتمع إلى
صاحب مهنة يقتات منها وينفع به مجتمعه،
فعن أنس بن مالكٍ (أن رجلًا من الأنصار
أتى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله فقال:
(أما في بيتك شيءٌ)؟ قال: بلی، حلسُ نلبس
بعضه ونبسط بعضه، وقعبٌ نشرب فيه من
الماء. قال: (ائتني بهما). فأتاه بهما، فأخذهما
رسول الله صلی الله علیه وسلم بيده وقال:
(من يشترى هذين)؟ قال رجلٌ: أنا آخذهما
بدرهم. قال: (من يزيد على درهم)؟ مرتين
أو ثلاثًا. قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين.
فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين وأعطاهما
الأنصاري، وقال: (اشتر بأحدهما طعامًا
فانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا فأتني
به). فأتاه به، فشد فیه رسول الله صلی الله
عليه وسلم عودًا بيده ثم قال له: (اذهب
فاحتطب وبع، ولا أرينك خمسة عشر
يومًا)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء
وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها
ثوبًا وببعضها طعامًا، فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (هذا خيرٌ لك من أن تجيء
المسألة نكتةً في وجهك يوم القيامة، إن
المسألة لا تصلح إلا لثلاثةٍ: لذي فقر مدقع،
أو لذي غرمٍ مفظعٍ، أو لذي دمٍ موجعٍ)(١).
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب
جوية
القرآن الكريمِ
التحديات التي تواجه المجتمع المسلم
يواجه المجتمع المسلم مجموعة
تحدیات، منها:
أولًا: الفقر:
تعيش الغالبية الكاثرة من المجتمعات
المسلمة تحت خط الفقر، بما يؤثر سلبًا
على حياتهم، ويحرم الكثير من حد الكفاف،
ويجعل الأسر عاجزة عن تلبية ضرورات
الحياة ومطالب الأبناء، فيقف الفقر حجر
عثرة أمام التعليم والنهوض والارتقاء، من
هنا تتجلى نعمة الاستغناء، ولقد امتن الله
على رسوله صلی الله عليه وسلم بأن أغناه.
قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآيَلًا فَأَغْنَ﴾
[الضحى: ٨].
كما كان نبينا صلى الله عليه وسلم
يستعيذ كثيرًا من الفقر، فعن مسلم بن أبي
بکرة، عن أبيه رضي الله عنه أن النبي صلى
الله عليه وسلم كان يقول: (اللهم إني أعوذ
بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر)(٢).
ما تجوز فيه المسألة، رقم ١٦٤٣، وابن ماجه
في سننه، کتاب التجارات، باب بيع المزايدة،
٢/ ٧٤٠، رقم ٢١٩٨.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص
٢٥٦، رقم ١٧٨٠.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ١٧/٣٤، رقم
٢٠٣٨١، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب ما يقول إذا أصبح، ٤٨٤/٤، رقم
٥٠٩٢.
٤٦