النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ مُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧ مجتمع ع عناصر الموضوع مفهوم المجتمع ٨ ألفاظ ذات صلة ٩ سمات المجتمع المسلم ١١ ٤٦ التحديات التي تواجه المجتمع المسلم المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ حرف الميمر مفهوم المجتمع أولًا: المعنى اللغوي: لفظة المجتمع مشتقة من الفعل: جمع، قال ابن فارس: ((الجيم والميم والعين أصلٌ واحد يدل على تضام الشيء))(١). والجمع بمعنى: ضم الشيء بعضه لبعض بعد تفرقة، يقال: جمع الشيء يجمعه جمعًا، وجمعه وأجمعه فاجتمع وتجمع واستجمع، ومن ذلك: المجموع، وهو الذي جمع من هاهنا وهاهنا، وإن لم يجعل كالشيء الواحد، واستجمع السيل: اجتمع من كل موضع، وتجمع القوم: اجتمعوا من هاهنا وهاهنا، والجماع: أخلاطٌ من الناس، وقيل: هم الضروب المتفرقون من الناس (٢). وجماع الناس: أخلاطهم من قبائل شتى، ومن كل شيءٍ، و کل ما تجمع وانضم بعضه إلى بعضٍ يقال له: جماعٌ (٣). والمجتمع: ((موضع الاجتماع، والجماعة من الناس)) (٤). ثانيًا: المجتمع في الاصطلاح: وضع العلماء المختصون بعلم الاجتماع عدة تعريفات للمجتمع، وكلها تعريفات متشابهة ومتقاربة، من هذه التعريفات تعريف المجتمع بأنه: ((كل مجموعة أفراد تربطهم رابطةٌ ما، معروفةٌ لديهم، ولها أثرٌ دائمٌ أو مؤقتٌ في حياتهم، وفي علاقاتهم مع بعض)) (٥). ويعرف المجتمع المسلم بأنه: ((خلائق مسلمون في أرضهم مستقرون، تجمعهم رابطة الإسلام، وتدار أمورهم في ضوء تشريعاتٍ إسلامية وأحكام، ويرعى شؤونهم ولاة أمر منهم وحكام))(٦). (١) مقاييس اللغة ٤٢٦/١. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٧٨/١. (٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٩١٧، تاج العروس، الزبيدي ٤٥٤/٢٠. (٤) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ص ١٣٦. (٥) علم الاجتماع، علي عبد الواحد وافي ص١٦. (٦) الإسلام وبناء المجتمع، حسن أبو غدة وآخرون ص٣. ٨ جَوُوحَةُ النَّفنية القرآن الكريمِ ألفاظ ذات صلة القرية: ١ القرية لغة: هي البلد المسكون؛ مأخوذة، من القري، وهو التجمع، وسميت البلاد المسكونة قرية؛ لتجمع الناس بها(١). القرية اصطلاحًا: لا يختلف المعنى الاصطلاحي للقرية عن المعنى اللغوي؛ إذ القرية في الاصطلاح ((اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس))(٢)، وهي مكونة من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق القرية على المدن (٣). الفرق بين القرية والمجتمع: من خلال التأمل في تعريف القرية وتعريف المجتمع نلاحظ أن الكلمتين قريبتان في المعنى والمدلول؛ حيث إن كلتيهما تدل على مجموعة الناس المجتمعين في مكان واحد، وتجمعهم روابط مشتركة ولكن لفظ المجتمع يستعمل للدلالة على الناس المقيمين في مكان معين، أما لفظ القرية فيغلب استعماله للدلالة على المكان الذي يجتمع فيه الناس. القبيلة: ٢ القبيلة لغة: يطلق لفظ القبيلة على الجماعة من الناس الذين ينتسبون إلى أبٍ واحدٍ أو جدٍّ واحدٍ (٤). القبيلة اصطلاحًا: لا يختلف عن المعنى اللغوي؛ إذ هي «الجماعة المجتمعة من الناس التي يقبل بعضها على بعض)»(٥). الفرق بين القبيلة والمجتمع: من خلال التعريفات السابقة لكلٍ من القبيلة والمجتمع نلحظ أن اللفظين قريبان جدًا (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٨/٥. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٤٠٢. (٣) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٤ / ٥٦. (٤) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢/ ٧١٣. (٥) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٩٢. www. modoee.com ٩ حرف الميم في المعنى الذي يدل عليه كل منهما؛ فكلاهما يدل على مجموعة الناس الذين بينهم روابط مشتركة، إلا أن لفظ القبيلة يغلب استعماله على من كان بينهم رابطة النسب، وكانوا منسوبين لرجلٍ واحدٍ، أما لفظ المجتمع فإنه يدل على مجموعة الناس الذين بينهم روابط معينة؛ قد تكون روابط نسب، وقد تكون روابط الدين والملة، وقد تكون روابط أخرى، وبذلك فلفظ المجتمع أعم من لفظ القبيلة وأشمل منه. الشعب: ٣ الشعب لغة: يطلق لفظ الشعب على القبيلة العظيمة، أو الحي العظيم الذي يتشعب من القبيلة، وقيل: هو القبيلة نفسها. والجمع: شعوبٌ(١)، وذكر بعض اللغويين أن الشعب هو الجماعة الكبيرة التي ترجع لأبٍ واحدٍ، وتخضع لنظام اجتماعي واحد، وتتكلم لسانًا واحدًا، وهو أوسع من القبيلة (٢). الشعب اصطلاحًا: لا يختلف التعريف الاصطلاحي للشعب عن التعريف اللغوي له؛ إذ الشعب في الاصطلاح: ((القبيلة المتشعبة من حيٍ واحدٍ))(٣). الفرق بين الشعب والمجتمع: نلاحظ أن الفرق بين الشعب والمجتمع هو نفس الفرق بين القبيلة والمجتمع؛ وذلك لأن لفظ الشعب يدل على القبيلة الكبيرة، وهم جماعة الناس الذين يربطهم نسبهم لأبٍ واحدٍ، أو جدٍ واحدٍ؛ وعلى ذلك فلفظ المجتمع أعم من لفظ الشعب. فالمجتمع والقبيلة والشعب ألفاظٌ مترادفةٌ، إلا أن لفظ المجتمع أعم من اللفظين الآخرين، وأوسع دلالةً منهما؛ إذ الناس في القبيلة الواحدة أو في الشعب الواحد يغلب أن يكون الرابط بينهم رابط نسب وقرابة، أما الناس في المجتمع الواحد فقد يكون الرابط بينهم رابط نسب وقرابة، وقد يكون رابط دين وملة، أو يكون رابطًا سياسيًا أو قوميًا أو غير ذلك. أما القرية فیغلب استعماله للدلالة على المكان الذي يجتمع فيه الناس. (١) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣/ ١٣٤. (٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٤٨٣/١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٦١. ١٠ مَوْسُور لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ ـع سمات المجتمع المسلم ١. مجتمعٌ متمیزٌ. المجتمع المسلم مجتمعٌ متميزٌ؛ لأنه قام على شريعة ربانية نشأ وتدرج عليها، فكانت هي الحاكمة والراعية له منذ أن قام، بل مهدت لقيامه قبل أن يقوم، شریعةٌ أوجدت مجتمعًا، وليس مجتمعا شكل قوانين أو دساتير وفق الأحداث أو استجابة لطائفة أو تحت ضغوط من جهة أو تحقيقًا لمصالح طبقة معينة، أو لتلبية حاجات موقوتة، بل جاءت الشريعة بالخير للجميع والعدل للجمیع والمصلحة للجميع، في ظل هذه الشريعة قام المجتمع المسلم وتطور، وعلى ضوئها يتجدد وفق أصول ثابتة وفروع متنوعة واجتهادات متجددة، تحافظ على طابع هذا المجتمع وهويته الإسلامية. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمَّ مِّنْهُمُ اَلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]. فالخاصية الرئيسة التي تفرد بها المجتمع المسلم عن سائر المجتمعات أنه مجتمعٌ رباني برز إلى الوجود، والتعبير بقوله: ﴿أَخْرِجَتْ﴾ يدل دلالةٌ واضحةً على حقيقة نشأة هذه الأمة، وحقيقة النظام الذي يقوم عليه وجودها، ((فهي أمة مخرجة إخراجًا، وفق نموذج معين، يحققه نظام معين، وهي لم تخرج نفسها وفق نموذج من تصوراتها العقلية، أو ضرورتها، إنما وضع لها نظامها من لدن خالقها، وأخرجت للناس على وفقه إخراجًا ريائيًّا))(١). أَخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وتدبر قوله تعالى: تلحظ أن خير هذه الأمة ليس حكرًا عليها وحدها، بل يجب أن يعم هذا الخير؛ لينعم به سائر الناس. قال ابن عباس رضي الله عنه: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: ((خير الناس للناس))(٢). ٢. مجتمع بشريٌ. المجتمع المسلم لیس مجتمعًا ملائکیًا معصومًا من الخطأ، بل هو مجتمعٌ بشريٍّ واقعيٍّ، فواقع المجتمع الإسلامي الذي أوجده الإسلام مع تميزه في المعالم والحضارة والشخصية إلا أنه قد لا يخلو من وجود عصاة أو بغاة أو منافقين أو أصحاب بدع وأهواء أو سراق ولصوص وقطاع طرق، ولكن العبرة بسيادة الشريعة وغلبة أهل الحق وكثرة الصالحين وتمكن الدين (١) نحو مجتمع مسلم، سيد قطب ص ١٣٧. (٢) انظر: الدر المنثور، السيوطي ٧٢٦/٣، وعزاه لابن المنذر. www. modoee.com حرف الميم وهيمنته على النظم والأحكام والأعراف أن يحصنه وأن يزكيه. والتقاليد(١). والله سبحانه وتعالى الذي شرع للمجتمع المسلم ما يصونه ويرقى به هو تعالى أعلم بطبيعة النفس والمجتمع، أعلم بما يصلح البشر ويناسب بشريتهم. قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ اَلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاَللَّهُ عَلِيهُ حَكِيمٌ ﴾ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَِّينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن ◌ِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا أَ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَنُ ٢٧ ضَمِيفًا﴾ [النساء: ٢٦ -٢٨]. ولقد حذر الله البشرية من عدوها الذي يتربص بها ويكيد لها ويستدرجها بحبائله ومکائده إلى الرذيلة. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَن يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإنَّهُ. يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْتُهُ, مَا زَكَ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًّاً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّي مَنْ يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٢١]. والتزكية لا يدركها الإنسان بنفسه فحسب، ولا يحصلها بسعيه المجرد، وإنما هي توفيقٌ من الله وعصمة وفضل منه ورحمة، ومن ثم فالمؤمن یستعین بربه دائمًا (١) انظر: المجتمع المتكافل في الإسلام، عبد العزيز الخياط ص ٦. ٣. مجتمعٌ قائمٌ على أسس متينة. ومن تلك الأسس: ١. العقيدة الصحيحة. قال تعالى: ﴿لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًّا لَمَسْجِدُ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ ﴿ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَنٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَكِنَهُ, عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ، فِی نَارِ جَهَنَّمْ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ القَّْلِمِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨-١٠٩]. فالبناء إن لم يعتمد على أسس متينة وقواعد ثابتة لا یمکث طويلًا بل سرعان ما ينهار، وتقوى الله سبحانه وتعالى هي لب العقيدة الإسلامية وجوهرها، والسعي لرضوان الله هي غاية الغايات وأسمى الأمنيات، فالعقيدة هي الأساس المتين، والسراج المبين، والسياج الحصين للمجتمع المسلم، لقد نزل القرآن الكريم علی قلب رسول الله صلی الله عليه وسلم بمكة يعلم الناس العقيدة وأصول الشرائع ومكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وينشئ الجماعة المسلمة التي ستكون نواةً لتشييد أول مجتمع إسلامي في المدينة المنورة بعد الهجرة المباركة، ثلاث عشرة سنة في إرساء قواعد بناء المجتمع المسلم، تعليم الصحابة ١٢ جَوَسُوعَةُ التَّفْسِيْ لِلْقُرآن الكَرِيمِ ـع معنی لا إله إلا الله، لا رب غيره ولا معبود سواه، ولا حکم إلا له، ولا عون إلا منه، ولا حول ولا قوة إلا به، لا إله إلا الله: تحرير الإنسان من الخضوع والاستسلام لغير الله سبحانه وتعالى والاحتكام إلى غير شرعه، لا إله إلا الله: اجتماع القلب على محبة الله وتعظيمه وموالاته وطاعته، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة من يعلم المجتمع المدني الناشئ العقيدة ويقرئهم القرآن، ثم كانت الهجرة النبوية؛ لتشكيل هذا المجتمع الجديد وإخراجه وفق شرع الله. وتوحيد الله سبحانه وتعالى ومعرفته هو النور الذي يمحو كل ظلمة، والحق الذي يفند كل شبهة، والحقيقة التي تبدد الأوهام والأساطير والخرافات، التي تستبد بكثير من الناس وتستهويهم وتطاردهم، فتنكد عیشهم وتكدر صفوهم، وتضیق معايشهم، وتثقل كاهلهم، وتسقم نفوسهم، وتحير عقولهم، وتبلبل أفكارهم، وتفرقهم شيعًا، مع انقباض الصدور ووحشة القلوب، أما عقيدة التوحيد: فإنها تجمع القلوب وتشرح الصدور، وتؤلف النفوس وتنير العقول وتشحذ الهمم، وتسمو بالأرواح وتنهض بالمجتمعات. قال تعالى: ﴿فَتَّقُواْ اللَّهَ يَأُوْلِ الْأَلْبُبِ الَّذِينَ ءَامَنْ قَدْ أَنْزَّلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرَا رَسُولًا يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ اللَّهِ مُبَيْنَةٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ مِنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]. من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، من ظلمات الجهل والأوهام إلى نور العلم، من ظلمات الشك والحیرة إلی نور الیقین. كل مجتمع له رسالة تجمعه ورؤية توحده، وعقيدة التوحيد هي رسالة المجتمع المسلم ورؤيته وشعاره وكلمته الجامعة، رسالة المجتمع المسلم السامية، توحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة التي هي غاية خلق الإنسان، والسعي إلى إرضائه جل جلاله، ورؤيته التي ينظر بها لهذا الكون وللحياة ویمشي بها في الناس، وشعاره الذي يتمثله ويستحضره ويهتف به ويحيا له ويتوحد عليه. قال تعالى: ﴿اَللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إلَى القُّلُمَتِّ أُوْلَكَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْبَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِ النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُ. فِي الظُّلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والإيمان يغرس بذور المراقبة، ويروي شجرة التقوى في الأفئدة، ويزرع المحبة www. modoee.com ١٣ حرف الميم والألفة في القلوب، ويوقد سراج المعرفة أَنَّهُم مُّلَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥- ٤٦]. في العقول، ويقدح زناد الهمة ومشاعل التنافس إلى الخيرات في المجتمعات، وهو أقوى الروابط بين القلوب وأوثق العرى بين النفوس. ﴿ وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُوأَ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٣]. والإيمان بأن هناك يومًا يفصل الله فيه بين المؤمن والكافر والبر والفاجر، يقتص للمظلوم من الظالم، ويحاسب الحاكم، ويسأل الراعي والمؤتمن، ويجازي المبتلى، ويكافئ الصابر والمحتسب، ويثيب المطيع ويعاقب العاصي، وينتقم من الطغاة والمجرمين، الإيمان بهذا اليوم العظيم واستذكاره مما ينير الطريق ويقوم السلوك، ويثبت الخائف ويسلي المبتلى، ويجلي الأحزان، ويهدي الحیران، ویهذب النفوس، ويداوي القلوب، ويطهر المجتمعات من الآفات، ويضبط المعاملات، ويقيم میزان العدل، ويرسخ القيم، ويوحد الغايات. قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةُ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلَّا عَلَى الْخَشِينَ * الَّذِينَ يَكُنُّونَ فالإيمان باليوم الآخر واليقين بلقاء الله مما يحفز على الجد في العبادة والمسارعة إليها والنهوض لأدائها. قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ ) الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو ◌َّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ) أَلَا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوتُونَ (١ لِيَوْمٍ عَظِيمِ ) يَوْمَ يَقُومُ اَلنَّاسُ لِرَبِّ اَلْعَلَمِينَ﴾ [المطففين: ١ - ٦]. فالإيمان بيوم البعث يدفع لمراقبة الله، ومحاسبة النفس، ورعاية الحقوق والوفاء بها مع أداء الواجبات. والإيمان بالكتب والرسل: فالكتب هي الميزان والمنهاج، والشرعة والسراج، لا تستقيم الحياة ولا تقوم للمجتمعات قائمة بدون منهج رباني يقيمها، ونجوم هدّى تقودها، وأسوة حسنة تتأسى بها، وسننٍ قویم تترسمه. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ. بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥]. والإيمان يقتلع جذور اليأس وأسباب القلق والهموم، ويبدد المخاوف، ويذهب الأحزان، ويغرس الأمل في القلوب مَوَسُوبَة النفسية الْقُرآن الكَرِيْمِ ١٤ والمحبة والوئام بين الناس، مما يطهر الإيمان وعمل الصالحات. المجتمع من الأحقاد والضغائن التي تفضي إلى الجرائم، ويطهر أفراده من الأمراض والعقد النفسية التي ابتليت بها المجتمعات المحرومة من الإيمان. قال تعالى مخبرًا عن قول يعقوب عليه السلام لبنيه: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُواْ فَتَحَتَّسُواْ مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأْئَسُواْ مِن زَّوْجِ اَللَّهِ إِنَّهُ لَا يَأَيْفَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. وهذا يعني أن المؤمن متفائلٌ طموحٌ مستبشرٌ مؤملٌ في روح الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدَّا﴾ [مريم: ٩٦]. أي: مودة في قلوب العباد. ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ وَأَقَامُواْ الْضَلَوَةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُنَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وعدهم الله سبحانه وتعالى بالأمن والسعادة. ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ لُلْمَنُّ مِن رَّبِهِمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَمْ﴾ [محمد: ٢]. أصلح أحوالهم وشؤونهم وأمورهم، والأمن والطمأنينة وصلاح البال من ثمرات والإيمان من أسباب الهداية والتوفيق والسداد في أمور الدنيا والدين. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِیمَنِهِمْ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ﴾ [يونس: ٩]. والمجتمع المؤمن هو خير المجتمعات على الإطلاق إذا كان متمسگًا بإيمانه متوجًا له بالأعمال الصالحات، فهو الأفضل على الإطلاق، وهذا الأمر ملحوظٌ وملموسٌ؛ فالمجتمعات المؤمنة يغلب عليها الطهر والعفاف، والتكافل والتراحم والصدق والأمانة، والتنافس في الخير. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَّرُ الْبِيَّةِ ٥ جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِهِمْ جَنَّتُ عَدْنٍ تَجْرِىٍ مِن تَمْنِهَا الْأَنْهُرُ خَالِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِىَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٧-٨]. بإيمانهم وصلاحهم بلغوا أسمى المراتب في الدارين. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((أتعجبون من منزلة الملائكة من الله؟ والذي نفسي بيده، لمنزلة العبد المؤمن عند الله يوم القيامة أعظم من منزلة ملكٍ، واقرؤوا إن شئتم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَيُ الْبَرِّيَّةِ﴾))(١). (١) تفسير ابن أبي حاتم ١٢ / ٤٣٧. www. modoee.com ١٥ حرف الميم وحياة الأنبياء والمرسلين حافلة بالمواعظ والدروس والعبر والفوائد التي يجب الوقوف عندها والاقتطاف منها في حياتنا ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبُّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَّى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١]. ٢. الشريعة. وهي السياج الذي يحمي المجتمع المسلم ويقيمه وينظم شؤونه، ويعالج مشكلاته، ويقدم الحلول الحاسمة لأزماته، ويقوي روابطه، ويدعم وحدته، ويقوي دعائمه ويوثق وشائجه، والشريعة تشمل العبادات والمعاملات، العبادات: وهي محور حياة المجتمع المسلم وأساس تکوینه، ونبراس سبيله، وهي الزاد الذي يتزود به، والوقود الذي يتحرك به وينطلق به نحو المعالي ويحلق به في أجواء الفضيلة، والمنهج الذي یرقی به وینهض، به تزكو النفوس، وتتوقد القرائح، وتنبعث الهمم، هي المنظم لسلوك الإنسان، والعلاج لما قد يصيبه من خلل أو يعتريه من علل، فالصلاة مدرسةٌ وجامعةٌ ومستشفى ومنتدى ورابطة؛ فيها شفاء الأرواح، ورياضة الأبدان، وجمع القلب، وتزكية النفس. قال تعالى: ﴿وَأَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةُ إِلََّ عَلَى الْخَشِمِينَ﴾ [البقرة: ٤٥]. أَتْلُ مَآ أُوجِىَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَبِ وَأَقِمِ اُلْضَلَوَةٌ إِنَ اُلْضَّلَوَةَ تَنْهَى عَنِ اُلْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥]. والصوم شفاء للأبدان وصفاءٌ للأرواح، وهو عبادةٌ جماعية، فيها توحيدٌ للمشاعر، وبها يعطف الغني على الفقير والكبير على الصغير، وختامها عيدٌ سعيدٌ يجدد الروابط ويقوي الصلات بين أفراد المجتمع. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ (٨) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍّ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّيِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍّ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّةٌ، وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٥ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيْنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنَكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمّةٌ وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَنَّامٍ أُخَرَّ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْمِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَنَكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣- ١٨٥]. والحج عبادةٌ جماعية فيها شفاء للأرواح والأبدان، واجتماعٌ على الذكر والعبادة، وتحقيق للمصالح وتحصيل للمنافع، ١٦ جوببيو القرآن الكريم ـع وتزکیةٌ للنفوس، وحفزٌ للهمم، وتواصلٌ بین الأمم والشعوب، وثقافة ومعرفة، وسياحةٌ وتنميةٌ لاقتصاد الفرد والمجتمع. قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَضَ فِيهِنَّ الَْجَّ فَلَ رَفَتَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِىِ الْحَجْ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَّوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ النَّقْوَىُّ وَأَتَّقُونِ يَتَأُوْلِ الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: ١٩٧]. ﴿وَأَذِّنْ فِ النَّاسِ بِالْحَجْ يَأْتُكَ رِحَالًا وَعَلَ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْنِينَ مِن كُلِّ فَجْ عَمِقٍ لِيَشْهَدُواْ مَنَفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٧-٢٨]. الأنانية والشح والأثرة والجشع، ولنفوس الفقراء من الحسد والحقد والطمع. قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنُ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]. وفيها بركةٌ ونماءٌ للمجتمع، وتنميةٌ للاقتصاد. قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَيْتُممِّن رِّبِّالِّرُبُواْ فِىّ أَمْوَلِ النَّاسِ فَلَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ وَمَآءَانْتُم مِّن ذَكَوْمٍ تُرِيدُونَ وَجْدَ اللَّهِ فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩]. والجهاد سیاج للمجتمع، وحمایةٌ له من المخاطر الخارجية، وتحقیقُ لأمنه، وحمایٌ لممتلكاته، وسببٌّ للحياة الكريمة الأبية للشعوب والمجتمعات. قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُزَّهُ لَّكُمْ وَعَسَىَ أَنْ تَكَّرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَنٌ أَنْ تُحِبُواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمُّ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ وقال تعالى: أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ اَلْمَرْءِ وَقَلْبِهِ. وَأَنَّهُ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]. إذا دعاكم للجهاد ففيه حياةٌ للنفوس. عن عروة بن الزبير: ((إذا دعاكم لما یحییکم)، أي: «الحرب التي أعزكم الله بها بها من عدوكم بعد القهر منهم لكم» (١). والزكاة طهرٌ للمال ولنفوس الأغنياء من بعد الذل، وقواكم بها بعد الضعف، ومنعكم ٣. القيم والأخلاق والآداب. من ركائز المجتمع المسلم ومن سماته تلك القيم والأخلاق والآداب، التي تكتنفه وتحيط به إحاطة السوار بالمعصم والأسوار للبستان، والفناء بالبيت، فتصونه وتزينه، وترقی به، قیم ثابتة راسخة وأخلاق طيبة، وآداب ساميةٌ كريمة، وفي القرآن الكريم آياتٌ كثيرةٌ في مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، بل وحذر القرآن من مساوئ الأخلاق وسيئ العادات، وما من خلقٍ كريمٍ إلا وفي القرآن الكريم صورٌ عمليةٌ له، وما من خلقٍ ذمه القرآن إلا وذكر نماذج له، والأنبياء -عليهم السلام- هم الأسوة (١) تفسير ابن أبي حاتم ٧/ ٥٣. www. modoee.com ١٧ حرف الميم الحسنة والقدوة الطيبة لمكارم الأخلاق، وميزانه، وهي ضرورة لقيام المجتمع المسلم واستقراره، العدالة بين المسلم وفي مقدمتهم خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الذي بين القرآن جمیل خلقه على وجه الإجمال والتفصيل، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. والمسلم، وبين المسلم وغير المسلم، العدالة بين الغني والفقير، وبين الصغير والكبير، وبين القوي والضعيف، وبين الذكر والأنثى، وبين الحاكم والمحكوم. وقال جل جلاله: ﴿لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُوكُ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ حَرِيصُ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفُّ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨]. وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّا غَلِيظُ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلٌِ فَأَعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ الْأَقِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اَللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقال جل وعلا عن أنبيائه: ﴿أُوْلَيْكَ اَلَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيِهُدَ لهُمُ أَقْتَدِةُ قُل لََّ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّ ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٩٠]. ولقد سجل القرآن صفحات مشرقة بالعدل ديدنه وهجيراه، ولقد فرق القرآن بين تحكي أخلاق الأنبياء ودعوتهم لمكارم الأخلاق، وكذلك أخلاق بعض الصالحين ووصاياهم؛ لتبقى للمجتمع نماذج يستضيء بها وأسوة یحتذی حذوها. ٤. مجتمع عادل. من سمات المجتمع الذي يقيمه الإسلام أنه مجتمع عادل، يحقق العدالة بين جميع أفراده دون تفریق بین أحدٍ، فالعدالة سياجه قال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَِّى تَبْغِى حَّى تَفِىََّ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]. فالعدالة أمر من الله، يجب أن تحكم وتسود. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكُمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّاللّه ◌ِعِنًا يَعُكُمْ بِهِ إِنَّاللّهَ كَانَ سَمِيعً بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨]. والمؤمن إيجابيٌ يسعى للحق، نفاعٌ لنفسه ولغيره، ليس كلَّا على أحد، الأمر المسلم المطيع لربه الفعال النافع لمجتمعه وبين العاجز المتواني الذي يشكل عبئًا على عشيرته ومجتمعه. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]. ١٨ جوبي الْقُرْآن الكَرِيمِ وفي آية جامعة يأمر عز وجل بإقامة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين موازين العدل وبسط راحتي الإحسان، الأفراد ولا بالتباغض بين الأقوام؛ فيتمتع به فيقول تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ وَ إِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيَّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٩٠]. تلك العدالة التي لا ينبغي أن يصرف عنھا صارفٌ أو یحول دونها حائل، ولا يؤثر عليها تحيزٍّ أو ضغطٌ من قرابة أو بعد، أو محبة أو بغض، أو مصلحة أو هوی نفس، أو تعصب لطائفة أو جماعة. تَلْوُّأْ أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيًا﴾ [النساء: ١٣٥]. فعلى كل مؤمن أن يستشعر مسئوليته وواجبه نحو إقامة العدل ومراقبته والدعوة إليه والإذعان له والرضا به. وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِاَلْقِسْطِ وَلَاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنََّانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلنَّقْوَىٌّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]. «فهو العدل المطلق الذي لا يميل میزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة أفراد الأمة الإسلامية جمیعًا، لا یفرق بينهم حسب ولا نسب ولا مال ولا جاه، كما تتمتع به الأقوام الأخرى، ولو کان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمة في العدل لا يبلغها أي قانون دولي حتى هذه اللحظة))(١). ومن أبرز أنواع العدل الذي أكده صلى الله عليه وسلم العدل في توزيع الثروات، وإتاحة الفرصة المتكافئة لأبناء الأمة الواحدة، وإعطاء العاملين ثمرة أعمالهم وجهودهم دون بخسٍ أو مماطلةٍ، فإن ذلك مما يقرب الفوارق البعيدة بين الأغنياء والفقراء، ويرفع من مستوى الفقراء، وهذا قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ اَلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ تَعْدِلُواْ وَإِن مقصدٌ من مقاصد الإسلام، سعى لتحقيقه كما في قوله تعالى: ﴿مَّ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَ لَا يَكُنَ دُولَةٌ بَيْنَ اٌلْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧]. والـ﴿دُوْلَةٌ﴾: ما يتداوله الناس فيما بينهم من أموال، فيكون في يد هذا تارة، وفي يد ذاك تارة أخرى، ومعنى الآية: کي لا يكون الفيء دولة بين الرؤساء والأقوياء والأغنياء فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، فشرع الله ذلك؛ لينال الفقراء منه حظوظهم، فلا يكون دولة بين طائفة الأغنياء وحدهم، (١) نحو مجتمع مسلم، سيد قطب ص ١٢٨. www. modoee.com ١٩ حرف الميم فيحدث الخلل في المجتمع كما هو ومفاتح البركات. الحال في الأنظمة الرأسمالية التي يزداد الغني فيها غنّى فاحشًا، بينما يزداد الفقير فيها فقرًا وعوزًا، مما ينذر بأخطارٍ تحدق بالمجتمعات، وبما يزيد من معدلات الجريمة بسبب الأنانية والجشع والحسد والطمع. ٥. مجتمع متراحم. المجتمع المسلم مجتمع الرحمة وأهلها، يتراحم أفراده فيما بينهم، فيرحم القوي الضعيف، ويعطف الغني على الفقير، ويشفق الراعي على رعيته، وتنتشر الرحمة حتى بالحيوان، هذه الرحمات التي تملأ أجواء المجتمع المسلم عبقًا وندى، مستمدة من رحمة الله سبحانه وتعالى التي وسعت کل شيء، فهو تعالی الرحمن الرحيم، يرحم عباده الرحماء. قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِ وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٌّ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِتَايَتِنَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. ونشر الرحمة وغرس أصولها وتحصيلها عنوان رسالة الإسلام ومقصودها. قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. فقد بعث نبينا صلى الله عليه وسلم بأسباب الإصلاح والإسعاد، ومنارات الهدى وسبل الرشاد، ونسائم الرحمات، والتراحم بين المؤمنين من أخص خصائصهم. قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: ٢٩]. وهذه صفة المؤمنين أن يكون أحدهم شديدًا على الكفار رحيمًا برًا بالأخيار، صلبًا في وجه الكافر ضحوكًا بشوشًا في وجه أخيه المؤمن. والصفة التي تغلب على هذا المجتمع ويعرف بها في الناس أنه مجتمع شديد الغلظة على الكفار الذين يحادون الله ورسوله، فلا يكون بينه وبين الكافرين ولاء أو مودة يجار فيها على دين الله أو ينتقص بها حقٌّ من حقوق المسلمين، هذا حالهم مع أعداء الله، أما هم فيما بينهم فهم رحماء، تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة ومودة، تجمعهم أخوة بارة في الله، وفی دین الله(١). ((وفي الآية صورة رائعة لما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ورع وتقوى وعبادة وأخلاق كريمة سمحاء فيما بينهم، مع الشدة والقوة و البسالة بالنسبة لأعدائهم، ومثل هذه الصورة تكررت في سور عديدة مكية ومدنیة، مما فيه دلالة على ما كان من أثر دعوة الله وقرآنه ونبيه في هذه الفئة التي صارت بذلك مثالًا (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢٠/١. ٢٠ صَوْسُون القرآن الكريمِ نموذجًا خالدًا))(١). وقال تعالى: ﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِ، فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ, أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ ﴾ [المائدة: ٥٤]. فمن صفات هذا الجيل المنشود الذي تحقق على يديه الانتصارات والفتوحات محبة الله سبحانه وتعالى، واللين والتسامح مع المؤمنين، والشدة والصلابة مع الكفار، تلك المعادلة الصعبة التي تحتاج لتربية راشدة، وضبط نفسٍ وفهم مستنير. قال ابن عاشور (٢): «وهو الذي يكون في كل حالٍ بما يلائم ذلك الحال، قال(٣): حليمٌ إذا ما الحلم زين أهله مع الحلم في عين العدو مهيب)) تضمن معنى العطف والحنو)»(٤) (ووقع الوصف في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدال على المبالغة؛ دلالة على ثبوت ذلك واستقراره، وأنه عزيزٌ فيهم، والاسم يدل على الثبوت والاستقرار))(٥). (١) التفسير الحديث، محمد عزت ٦١٧/٨ باختصار. (٢) التحرير والتنوير ٢٣٨/٦. (٣) البيت لكعب بن سعد الغنوي كما في نهاية الأرب في فنون الأدب ١٣١/٧. (٤) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣١٩/١. (٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٩٣/٧. وقال تعالى عن المجتمع المؤمن: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَصَوْاْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ٢) أُوْلَئِكَ أَعْضَبُ اَلْيَّمَنَّةِ﴾ [البلد: ١٧ -١٨]. والتواصي بالمرحمة منقبةٌ عظيمة وفضيلةٌ جليلةٌ، ولا يوصي بالمرحمة إلا من عرفها وألفها وقام بها، ومجتمعٌ هذا شأنه لن تجد فيه شقیًا ولا محرومًا. قال الإمام الشنقيطي رحمه الله: ((وبهذه الوصايا الثلاث: بالتواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالمرحمة، تكتمل مقومات المجتمع المتكامل، قوامه الفضائل المثلى والقيم الفضلى؛ لأن بالتواصي بالحق إقامة الحق والاستقامة على الطريق المستقيم، وبالتواصي بالصبر يستطيعون مواصلة سيرهم على هذا الصراط ويتخطون ((وإنما تعدى (أذلة) بـ(على)؛ لأنه كل عقباتٍ تواجههم، وبالتواصي بالمرحمة يكونون مرتبطين كالجسد الواحد، وتلك أعطياتٌ لم يعطها إلا القرآن))(٦). ((والتواصي بالصبر والمرحمة هو إلحاح المرء على نفسه بالدعوة إليهما والتمسك بهما، فإذا جزع في مواجهة مالٍ يخرج من يده حمل نفسه على الصبر على ما تكره، واستدعى من مشاعره دواعي الحنان والرحمة، فذلك مما يعينه على مغالبة أهوائه وقهر شحه وبخله، ثم لا يقف المرء عند هذا، بل ينبغي أن يكون هو داعية إلى الصبر (٦) أضواء البيان ٩/ ٩٧. www. modoee.com ٢١ حرف الميم وإلى الرحمة، يبشر بهما في الناس، ويدعو ذلك الطائر الذي أخذ يرفرف بجناحيه، فأشفق عليه النبي صلى الله عليه وسلم إليهما في کل مجتمع، فذلك من شأنه آن یترك آثاره فیه، إلى جانب ما يتركه من إشاعة هذا المعروف بين الناس» (١). وقال: (من فجع هذا الطائر في فراخه؟ قالوا: فلان. قال: ردوا عليه فرخيه)(٤). عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما ﴿وَقَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ﴾ ((يعني بذلك: رحمة الناس كلهم)) (٢). والمجتمع المسلم بإيمانه وتناصره قال: (غفر لامرأةٍ مومسةٍ، مرت بكلبٍ على وتناصحه أهلٌ للرحمات. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ سَيَرْجَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١]. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه يبلغ به النبي: (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء)(٣). وحينما كان الصحابة في سفر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء أحدهم وأخذ فرخي طائر، وبدت علامات الحزن على (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥٨/٣. (٢) تفسير ابن أبي حاتم ١٢ / ٤١٢. (٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الرحمة، ٤/ ٤٤٠، رقم ٤٩٤٣، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب رحمة المسلمين، ٣٨٨/٣، رقم ١٩٢٤. قال الترمذي: هذا حديث حسنٌ صحيحٌ. وغفر الله لامرأة كانت تمارس البغاء؛ لأنها سقت كلبًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس ر کیٍّ یلهث، کاد یقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك)(٥). ((فلئن كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا، فإن الرحمة بالبشر تصنع العجائب»(٦). وشريعة الإسلام رحمةٌ بالفرد والمجتمع. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرَّحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢]. ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارَكٌ فَأَتَّبِعُوهُ (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب، باب في الديك والبهائم، رقم ٥١٠١. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ١/ ٦٤، رقم ٢٥. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، ٣٥٨/٢، رقم ٣٣٢١، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، ٤ /١٧٦١، رقم ٢٢٤٥. (٦) خلق المسلم، محمد الغزالي ص ١٩٦. ٢٢ الْقُرآن الكَرِيْمِ ـع وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُوْ الزَّكَوَةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾[النور: ٥٦]. وروى النسائي في السنن بسنده عن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها أنها قالت: (أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نسوةٍ من الأنصار نبایعه فقلنا: يا رسول الله، نبايعك على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتانٍ نفتریه بین أيدينا وأرجلنا ولا نعصيك في معروفٍ. قال: (فيما استطعتن وأطقتن)، قالت: قلنا: الله ورسوله أرحم بنا، ھلم نبایعك یا رسول الله) الحديث(١). يدل على إيمان المرأة وتسليمها بأن ما قضی الله ورسوله في أمرهن فيه الخير والبركة والرحمة، فالمسلمة واثقة بشرع الله مطمئنة لحكم الله. ومن أروع صور التراحم في حضارتنا الرائدة ما رآه ابن بطوطة في رحلته إلى الشام، قال: مررت يومًا ببعض أزقة دمشق فرأيت به مملوكًا صغيرًا قد سقطت من يده صحفة من الفخار الصيني، وهم يسمونها الصحن، فتكسرت واجتمع عليه الناس، (١) أخرجه النسائي في سننه، كتاب البيعة، باب بيعة النساء، ٧ /١٠٥، رقم ٤١٨١. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٦٣/٢. فقال له بعضهم: اجمع شقفها وأحملها معك لصاحب أوقاف الأواني. فجمعها وذهب الرجل معه إليه، فأراه إياها فدفع له ما اشتری به مثل ذلك الصحن. وهذا من أحسن الأعمال، فإن سيد الغلام لابد له أن يضربه على كسر الصحن، أو ینهره وهو أيضًا ینکسر قلبه، ویتغیر لأجل ذلك، فكان هذا الوقف؛ جبرًا للقلوب، جزى الله خيرًا من تسامت همته في الخير إلى مثل هذا، و کل من انقطع بجهة من جهات دمشق لابد أن يتأتى له وجه من المعاش، من إمامة مسجد، أو قراءة بمدرسة أو مسجد، أو قراءة القرآن يجيء إليه فيه رزقه، تجري له النفقة وفي قولهن: (الله ورسوله أرحم بنا) ما والكسوة، فمن كان بها غريبًا على خير لم يزل مصونًا عن بذل وجهه، محفوظًا عما يزري بالمروءة، ومن كان من أهل المهنة والخدمة فله أسباب آخر، من حراسة بستان أو أمانة طاحونة أو كفالة صبيان، يغدو معهم إلى التعلیم ویروح، ومن أراد طلب العلم أو التفرغ للعبادة وجد الإعانة التامة على ذلك. ومن فضائل أهل دمشق أنه لا يفطر أحد منهم في ليالي رمضان وحده ألبتة، فمن كان من الأمراء والقضاة والكبراء فإنه يدعو أصحابه والفقراء يفطرون عنده، ومن كان من التجار وكبار السوقة صنع مثل ذلك، ومن كان من الضعفاء والبادية فإنهم يجتمعون كل ليلة في دار أحدهم أو في مسجد ويأتي كل أحد بما www. modoee.com ٢٣ حرف الميم عنده فیفطرون جمیعًا (١). ٦. مجتمع المؤاخاة. والمجتمع المسلم يتميز بعاطفة قوية ورابطة فتية تربط بين أفراده وتوثق الصلات، إنها الأخوة الإيمانية التي تجعل المسلمين على اختلاف ألسنتهم وألوانهم وبلدانهم إخوة متحابين، مهما تناءت أوطانهم، والأخوة من أعز نعم الله عليهم. قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَغَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءُ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. فلا مكان في المجتمع المسلم لعصبية ولا حمية ولا لكبرٍ أو نفورٍ، بل الأخوة الإيمانية بما تحمله من محبة وإيثار وتضحية وبذل ونصح وفضلٍ، إنه الإسلام الذي جمع في أول عهده بين بلال الحبشي وصهيب الرومي وسلمان الفارسي، جمع بين قارات العالم القديم، آسيا وأفريقية وأوروبا، وأرسى قواعد المجتمع المسلم المدني على قاعدة الإخاء وما يقتضيه من محبة وإيثار وبذل وعطاء وتناصرٍ وتلاحم وتواصلٍ بين الأجيال. قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ (١) رحلة ابن بطوطة ١ / ٤٧. مَهْ شَوالَرُ النَّفْسِيَةْ جوسين لِلْقُرآن الكَرِيْمِ أُخرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾ وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )) وَالَّذِينَ جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَ لِإِخْوَيِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلَّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ٨ -١٠]. عن عبد الرحمن بن عوفٍ رضي الله عنه: (لما قدمنا المدينة آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالًا فأقسم لك نصف مالي! وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجتها! قال: فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوقٍ فيه تجارةٌ؟)(٢). وقال تعالى في سورة الحجرات- تلك السورة الكريمة التي اشتملت على أحكام وآداب تصون المجتمع المسلم وتوثق روابطه وتنظم شؤونه -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ ترحمون ﴾ [الحجرات: ١٠]. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، رقم ١٩٤٣. ٢٤ ـع وتأتي السنة النبوية لتقرر هذه المعاني وترسخها في النفوس؛ تأصيلًا لهذه الأخوة وتحصيلًا لثمراتها المرجوة. عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. وشبك أصابعه) (١). وعن أنسٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله علیه وسلم قال: (لا یؤمن أحدکم حتی يحب لأخيه ما يحب لنفسه)(٢). وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتکی منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)(٣). أما التفرق والتنافر فلا مكان له في المجتمع المسلم. ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ قال تعالى: جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، رقم ٤٦٧، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ٢٥٨٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم من الإيمان، رقم ١٣. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ٢۵٨٦. كُنُمْ أَعْدَاءَ فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ» إِخْوَانًا وَكُنُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَوْ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَّكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ نَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وقال: وَأَخْتَلَفُواْ مِنْ بَعْدِ مَا جَآَهُمُ الْبَيِّنَتُّ وَأُوْلَكَ لَمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانًا)(٤). وحينما اتجهت بعض المجتمعات المسلمة نحو العصبية للقوميات أو للأجناس واستجابت للدعوات المناوئة للأخوة الإسلامية لم تجن من ورائها إلا الأشواك والحنظل؛ فقد طغت تلك الدعوات على رابط الأخوة الإيمانية وانشغلت كل بلد بمصالحها الشخصية، بل ووقع الصدام بين بعض أقطار المسلمين بسبب تغييب روح الأخوة، والاحتكام للعصبيات، وتغليب المصالح القومية على مصالح الأمة. وقد سرت هذه الروح بين كثير ممن جھلوا أصول الإيمان وشرائعه، وقد غذی أعداء الإسلام هذه المشاعر وروجوا لها تحت ستار (العلمانية والليبرالية والقومية، (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة والآداب، باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر، رقم ٢٥٥٩. www. modoee.com ٢٥ حرف الميم بل والنعرات القديمة كالفرعونية والفينيقية والآشورية والبابلية وغيرها من الشعارات). وحتى امتلأ هذا الفراغ بمحبة أعداء الدين وموالاتهم تحت ستار الصداقة وتبادل المصالح، أو مداراتهم واتقاء شرهم، مما عاد بالضرر البالغ على المسلمين. قال تعالى: ﴿يَأَيُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ اَلُْهُودَ وَالنَّصَرَى أَوْلِيَّةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍّ وَمَنْ يَتَوَلَّم يِّنَكُمْ فَإِنَُّ مِنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الَِّمِينَ ٥١ فَتَرَ الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَوَ أَنْ تُصِيبَنَا دَابِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِاَلْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ، فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَآ أَسَرُّواْ فِىّ أَنفُسِهِمْ نَدٍمِينَ﴾ [المائدة: ٥١ -٥٢]. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُواْ السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بَِللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِلِّ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٤ - ٤٥ ]. فکما دعا الله المؤمنين للتآخي والتحاب حذرهم كذلك من عدوهم، وكشف عن مثالبه ودسائسه ومكائده، فالله سبحانه وتعالى أعلم بهم، وهو تعالی یتولی أولياءه، وينصرهم على أعدائهم، وفي هذا ما يبدد المخاوف من أعداء الله، ويقطع الآمال والرجاء فيهم. ٧. مجتمع متعاون. من القيم الإنسانية الرائعة والأسس الحضارية الرصينة للمجتمع المسلم التعاون الإنساني، فالتعاون ضرورة من ضرورات الحياة، ولولاه لما استقامت، فالإنسان لا پنهض وحده بکل متطلبات الحياة، بل جعل الله الناس متفاوتين متفاضلين؛ ليكمل بعضهم بعضًا، ويخدم بعضهم بعضًا، هذا على مستوى الأفراد والشعوب، كذلك على مستوى الأمم. قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَوَةِ الدُّنياً وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِّنَا وَرَحْمَتُ رَيِّكَ خَيْرٌ مِمَا يَجْمَعُونَ [الزخرف: ٣٢]. ((﴿فَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾ أي: أسباب معيشتهم في الحياة الدنيا قسمة تقتضيها مشيئتنا المبنية على الحكم والمصالح، ولم نفوض أمرها إليهم، علمًا منا بعجزهم عن تدبیرها بالکلیة، ورفعنا بعضهم فوق بعض في الرزق وسائر مبادئ المعاش درجات متفاوتة بحسب القرب والبعد، حسبما تقتضيه الحكمة، فمن ضعيفٍ وقويٍ، وفقير وغنى، وخادم ومخدوم، وحاكم ومحكوم؛ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريًا؛ ليصرف بعضهم بعضًا في مصالحهم، ويستخدموهم في مهنهم، ويسخروهم في أشغالهم؛ حتى يتعايشوا ويترافدوا ويصلوا إلى مرافقهم)»(١). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٦/٨. ٢٦ جوب القرآن الكريم