النص المفهرس

صفحات 41-47

المسابقة
بعده.
وصفها بجنات عدن.
ورد هذا الوصف في سورة فاطر في قوله
تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَتِ بِإِذْنِ اللَّهِّ
ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( جَنَّتُ
عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢-٣٣].
وعدن أي: استقرار وثبات، وعدن
بمكان كذا: استقر، ومنه المعدن: لمستقر
الجواهر (١)، والمراد: وصف هذه الجنان
بأنها مكان استقرار وإقامة وثبات، لا هم
يتحولون عنها، ولا هي تتحول عنهم، بهدم
أو انتقال لغيرهم ونحو ذلك ممايعرض
لمنازل الدنيا.
تنوع الحلية واللباس فيها.
وهذه المنحة منحهم إياها الجلیل أيضًا
في الجنات، ودليلها قوله تعالى: ﴿مُحَلَّوْنَ
فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤَّا وَلِبَاسُهُمْ فِيَهَا
: [فاطر: ٣٣].
حَـ
والأساور جمع أسورة، والأسورة زينة
تلبس في اليد، وهي من زينة الملوك تسور
في اليد، وتتوج على الرأس، ويكون السوار
من الذهب والفضة، وكلاهما من لباس
أهل الجنة، أحلنا الله فيها برحمته (٢)، وهم
يحلون فيها بالأساور الذهبية المرصعة
باللؤلؤ زيادة في تقديرهم وإكرامهم.
(١) المفردات، الراغب ص٥٥٣.
(٢) انظر: التفسير البسيط الواحدي ٦١٣/١٣.
ويلحظ هنا أمرين:
أولهما: أن الله تعالى عبر في جانب
الحلية بالفعل ﴿يُحَلَّوْنَ﴾ للدلالة على
تجدد تزینهم بها، وأنها تتغير من حين إلى
حين، بينما عبر في جانب اللباس بالاسم
﴿وَلِبَاسُهُمْ﴾ للدلالة على الدوام والثبوت،
وأن أحوالهم لا تنفك عن شيء من اللباس
أبدًا، فهم مستورون في الدنيا والآخرة.
ثانيهما: الاقتصار هنا وفي أغلب آي
القرآن على التحلي بالأساور فقط دون غيرها
للإشارة إلى إظهار كون المتحلي غير مبتذل
أو مهان في الأشغال؛ فالتحلي لا يكون حالة
الطبخ والغسل، وفيه إشارة أيضًا إلى إظهار
استغنائهم عن الأشياء، لأن التحلي بالذهب
والفضة يدل على أن صاحبهما غير محتاج،
وإلا لصرف الذهب والفضة إلى دفع
حاجته (٣)، وكيف يحتاجون وهم في ضيافة
أكرم الأکرمین، رب العالمين سبحانه؟!
إلهامهم الحمد والشكر فيها.
وهذه نعمة عظيمة، ومنحة جليلة أيضًا،
بها يحمدون ربهم، وتلهج ألسنتهم بتسبيحه
وشكره على جليل نعمائه التي أفاء عليهم
بها، ولا أدل على ذلك من قول السابقين في
الجنة يقرون بحمد ربهم، والثناء عليه بما هو
أهله ﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَّنِّ
إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴾ [فاطر: ٣٤].
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٤١.
www. modoee.com
٤٩٥

حرف الميم
وورد أن النبي صلى الله عليه وسلم رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورُ ﴾﴾(٢).
تحدث عن أهل الجنة فقال: (إن أهل الجنة
يأكلون فيها ويشربون، ولا يتفلون ولا
يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون) قالوا:
فما بال الطعام؟ قال: (جشاء ورشح کرشح
المسك، يلهمون التسبيح والتحميد، كما
تلهمون النفس)(١)، فاللهم لا تحرمنا فضل
ما عندك بسوء ما عندنا يا أكرم الأکرمین.
ذهاب الحزن.
تعددت أقوال المفسرين في بیان الحزن
الذي حمد أهل الجنة ربهم على إذهابه
عنهم لما أدخلهم الجنة بقولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ
الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا أَلْحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وخلاصة أقوالهم تفید أن المراد بالحزن
هنا: حزن الخبز، أو حزن الذنوب والسيئات
وخوف رد الطاعات، أو حزن الموت.
وقيل: حزن الجنة والنار لا يدري إلى
أيهما يصير.
وقيل: حزن إبليس ووسوسته، أو
حزن القطيعة، وقيل: حزن أهوال الدنيا
وأوجاعها، وقيل: حزن زوال النعم، وتقلیب
القلب، وخوف العاقبة.
وقيل: ما كان حزنهم إلا تدبير أحوالهم
وسياسة أنفسهم، فلما نجوا منها حمدوا
﴿وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِىّ أَذْهَبَ عَنَّا الْعَزَّنِّ إِنَّ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب في صفات أهل
الجنة وتسبيحهم، رقم ٢٨٣٥.
وأرى أنه لا مانع من الجمع بين هذه
الأقوال كلها، وبخاصة أنهم عاشوا في
الدنيا، وقاسوا آلامها، وعانوا كثيرًا من
عيشها وكدرها، ثم قاسوا الآم الموت
وسكراته، وعاينوا النار وعذاب أهلها فيها،
وهذه كلها أحزان تستأهل حمد الله تعالى
وشكره على النجاة منها، نسأل الله تعالى أن
نکون منهم أجمعین.
٤ إحلالهم دار المقامة.
يعد من أجل النعم التي تستأهل الحمد
على الدوام إحلال السابقين دار المقامة،
التي وردت الإشارة إليها على لسانهم في
قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحَلَنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن
فَضْلِهِ﴾ [فاطر:
ودار المقامة هي دار الإقامة، أي: الجنة،
والتعبير بقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ ﴾ دون غيره من
أسماء الجنة فيه إشارة إلى أن الدنيا منزلة
ينزلها المكلف ويرتحل عنها إلى منزلة
القبور، ومنها إلى منزلة العرصات التي فيها
الجمع، ومنها التفريق إلى الجنة أو النار،
كما أن قولهم: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ يشير إلى أن
دخولهم الجنة بحكم وعده لا بإيجاب من
عنده(٣)، وإنما هو محض فضل منه تعالى،
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من أهل فضله
(٢) الكشف والبيان، الثعلبي ١١٢/٨.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ٢٤٠.
٤٩٦
جوبيهـ
الْقُرآن الكَرِيمِ

المسابقة
و کرمه، اللهم آمين.
نفى النصب واللغوب عنها.
من تمام التمتع بنعيم دار المقامة أن لا
يجد أهلها شيئًا من النصب أو غيره، وهذا
ما صرح به أهل المقامة في قولهم: ﴿الَّذِىّ
أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ، لَا يَمَشُّنَافِيَهَا نَصَبٌّ
وَلَا يَمَشُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [فاطر: ٣٥].
والمس: الإصابة في ابتداء أمرها،
والنصب: التعب من نحو عمل أو شدة حر
أو شدة برد، واللغوب: الإعياء والأثر الناتج
عن التعب، والفرق بينهما أن النصب نفس
المشقة والكلفة، واللغوب ما یحدث منه من
الكلال والفتور، والتصريح بنفي اللغوب
مع استلزام نفي النصب له، وتكرار الفعل
المنفي ((لا يمسنا)) للمبالغة والتأكيد في بیان
انتفاء كل منهما (١).
فوزهم بالقرب من ربهم سبحانه.
منزلة القرب من العلي العظيم سبحانه
منزلة علية، ومقام سام لا يناله إلا أهل
القرب من السابقين ونحوهم، وهذا ما
صرح به القرآن الكريم في قوله تعالى:
أُوْلَكَ الْمُقَرَّبُونَ
﴿وَالسَّبِقُونَ السَِّقُونَ
[الواقعة: ١٠- ١١].
(١) انظر: المفردات، الراغب ص ٨٠٧، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٤١/٢٦، أنوار التنزيل،
البيضاوي ٤/ ٢٦٠، إرشاد العقل السليم،
أبو السعود ١٥٤/٧، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٣١٧/٢٢.
والمقربون هم: أولئك الذين يقربهم الله
منه يوم القيامة إذا أدخلهم الجنة (٢).
ويلحظ علو منزلة المقربين، وعظم
منزلتهم عند ربهم سبحانه من التعبير عنهم
باسم الإشارة للبعيد ﴿أُوْلَئِكَ﴾ مع تعريفهم
﴿الْمُقَرَّبُونَ﴾. وهذا الأسلوب عند البيانيين
يسمى بـ((أسلوب القصر)) وطريقه تعريف
الطرفين.
وفائدته: بيان أنهم وحدهم المقربون
دون أحد سواهم، فأعظم بهذا المقام من
منزلة كريمة!
وصف الجنات بالنعيم.
لا ينعم السابقون المقربون بالجنات
التي منحهم الكريم إياها إلا إذا كانت ذات
نعمة لا شقاء فيها ولا بؤس، وهي بالفعل
كذلك على حد وصف الله تعالى لها بقوله
﴿أُوْلَكَ الْمُقَرَُّونَ ١ فِ جَنَّتِ اَلنَّعِيمِ
[الواقعة: ١١- ١٢].
و فائدة هذا الوصف: بیان تنعيم جسمهم،
وكرامة نفسهم فهم مقربون عند الله، فهم في
غاية اللذة وفي جنات، فجسمهم في غاية
النعيم، بخلاف المقربين عند الملوك، فإنهم
يلتذون بالقرب، لكن لا يكون لجسمهم
راحة، بل يكونون في تعب من الوقوف
وقضاء الأشغال(٣)، والله أعلم.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٩٨.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٣٩١.
www. modoee.com
٤٩٧

حرف الميم
كونهم على سرر موضونة.
سواء أكان المراد بالموضونة المشار
إليها بقوله تعالى ﴿عَلَى سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ ﴾
[الواقعة: ١٥].
المصفوفة، أم الموصول بعضها ببعض،
أم المنسوجة بالذهب، أم المشبكة بالدر
والياقوت، أم محكمة النسج، ونحو ذلك
مما ذكره المفسرون(١).
فإن المراد بيان تمتع أهل السبق بهذا الأسنان، في غاية الحسن والبهاء، لا يهرمون
اللون من النعيم العظيم الذي ادخره الله
لهم، وأنه زيادة في تنعمهم وإكرام وفادتهم
على الله تعالى.
متکتین علیها متقابلين.
لم تكتف الآيات المباركات بإفادة
أن أهل السبق على سرر موضونة وفقط،
بل أفادت أنهم عليها متكئون ومتقابلون،
كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿مُتَّكِينَ عَلَيْهَا
مُتَقَِلِينَ ﴾ [الواقعة: ١٦].
وفائدة الوصف الأول ﴿مُتَّكِينَ﴾:
التأكيد على أن لا يظن أنهم كائنون على
سرر متکتون على غيرها، کما یکون حال من
يكون على كرسي صغير لا يسعه للاتكاء،
فیوضع تحته شيء آخر للاتكاء علیه، فلما
قال: ﴿عَلَى سُرُرٍ قَّوْضُونَةٍ ، مُتَّكِينَ عَلَيْهَا﴾
دل هذا على أن استقرارهم واتكاءهم جميعًا
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩٨/٢٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ١٧/ ٢٠١.
بتمكن واقتدار على سرر، وفائدة الوصف
الثاني ﴿مُتَقَِلِينَ﴾: بيان أن الواحد منهم
لا ینظر إلی قفا صاحبه، وأن وجه کل منھم
إلى وجه صاحبه، من صفاء قلوبهم، وحسن
أدبهم، وتقابل قلوبهم(٢)، والله أعلم.
* يطوف عليهم ولدان مخلدون.
من صنوف النعيم أيضًا: أنه يدور حولهم
للخدمة وقضاء حوائجهم ولدان صغار
ولا یتغیرون، ولا یزیدون علی أسنانهم، بل
شکلھم شکل الولدان دائمًا، ولا يموتون،
ولا يسقمون(٣).
وهذا ما وردت الإشارة إليه في قوله
تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخُلَّدُونَ
١٧
[الواقعة: ١٧].
بأکواب و أباریق و کأس من معین.
يدور الغلمان على أهل السبق بأكواب،
وهي الأقداح المستديرة الأفواه التي لا
آذان لها ولا عرى، والأباريق: هي الآنية
ذات العرا والخراطيم التي تحمل فيها
الخمر ليصب منها في الأكواب، واحدها
إبريق، وسمي بذلك لأنه يبرق لونه من شدة
صفائه (٤)، وهذا ما وردت الإشارة إليه في
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٢/٢٩.
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٧٩/٥، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٣٣.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٧٩/٥، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٢٧/ ٢٩٤.
٤٩٨
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

المسابقة
قوله تعالى: ﴿يَأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسِ مِّنِ مَّعِيرٍ يعني به: ما كان ظاهرًا تناله الدلاء (٦)، مع
إمكان اجتماع الصفات المذكورة بعد لهذا
١٨﴾ [الواقعة: ١٨].
أما ﴿مَعِينِ﴾ فقد اختلف العلماء في بيان الماء.
المراد بها، وسبب التسمية إلى أقوال أهمها
ما يلي:
أنه الشراب الظاهر للعيون، وصف بما أن يجمع هذين الوصفين وأكثر في شراب
يوصف به الماء؛ لأنه يجري في الجنة
في أنهار کما يجري الماء (١).
أنه الجاري شدید الجري، ومنه قولهم:
أمعن في السير إذا اشتد فيه (٢).
أنه ما مدته العيون فاتصل ولم ينقطع؛
لأنه ليس من عمل البشر (٣).
أنه الکثیر، مأخوذ من (( المعین »، وهو
الشيء الكثير (٤).
أنه المنتفع به، مأخوذ من الماعون (٥).
وأرجح من هاتيك الآراء أولها وثانيها
لأمرين:
الأول: أن جمهور المفسرين عليهما،
حتى استنبط أحدهم قاعدة كلية في ذلك
فقال: کل ﴿ټېز﴾ في القرآن فهو جارٍ، غیر
الذي في ﴿تَبَرَّكَ الَّذِى بِيَدِهِ اَلْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤/ ٤٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٦/ ٣٣٢.
(٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٤٦/٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٣٢/٢٦،
النكت والعيون، الماوردي ٤٦/٥.
(٤) النكت والعيون، الماوردي ٤٦/٥.
(٥) معاني القرآن، الفراء ٢٣٢/٢.
الثاني: أن المتفضل بهذا الشراب هو الله
تعالى، ولا حرج علي فضل الله الكريم في
واحد، والله أعلم.
ويلحظ هنا: أن وصف ﴿قَمِينِ﴾ ورد
وصفًا للكأس المملوءة بخمر الجنة،
ووصف الخمر بذلك إما لظهوره للعين أو
لشدة جريه (٧)، فسبحان من أجرى لأهل
الجنة أنهارًا متنوعة من لبن وخمر وعسل،
ظاهرة للعيون غير خافية، فاللهم اجعلنا
منهم أجمعين.
* لا يصدعون عنها ولا ینزفون.
ورد هذا الوصف للخمر في قوله
تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ
١٩
[الواقعة: ١٩].
فمن صفة هذه الخمر أنها لذة كلها، لا
ألم معها ولا خمار، فهم لا يصدعون عنها،
أي: لا یصدر عنها صداعهم لأجل الخمار،
کخمور الدنیا.
والصداع: وجع الرأس، وهم لا ينزفون
بكسر الزاي وفتحها، أي: لا تذهب عقولهم
(٦) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٤/ ٢١٧.
(٧) إيجاز البيان عن معاني القرآن، أبو القاسم
النيسابوري ص٦٩٨.
www. modoee.com
٤٩٩

حرف الميم
بسكرها أبدًا(١).
وفاكهة مما یتخیرون.
من صور نعيمهم أيضًا ما ورد في
قوله تعالى: ﴿وَفَكِهَذٍ مِمَّا يَتَخَّونَ )))
[الواقعة: ٢٠].
والفاكهة: الثمار والبقول كاللوز
والفستق، والمراد: ويطوف عليهم الولدان
بفاكهة، وذلك أدخل في الدعة، وألذ من
التناول بأيديهم، على أنهم إن اشتهوا
اقتطافها بالأيدي دنت لهم الأغصان؛ فإن
المرء قد يشتهي تناول الثمرة من أغصانها.
وقوله: ﴿مِّمَّا يَتَخَُّونَ﴾ الجنس الذي
يختارونه ويشتهونه، وأصله أخذ الخيار
والخير، أي: يطوفون عليهم بفاكهة من
الأنواع التي يختارونها، ففعل ﴿يَتَنَّونَ﴾
يفيد قوة الاختيار (٢).
قال ابن کثیر (٣): وهذه الآية دلیل علی
جواز أکل الفاکھة علی صفة التخير لها، ثم
استشهد له.
# ولحم طير مما يشتهون.
مما لا شك فيه أن اللحم من أطيب ألوان
الطعام، ومن متع الله تعالى به أهل السبق
في قوله تعالى: ﴿وَمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (
[الواقعة: ٢١].
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ١٢١.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٢١/٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٥/٢٧.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٧/ ٥٢٠.
وليس هذا اللحم لحمًا عاديًّا، بل هو
أرفع اللحوم وأشهاها وأعزها.
والاشتهاء: افتعال من الشهوة التي هي
محبة نيل شيء مرغوب فيه من محسوسات
ومعنويات، والافتعال فيه للمبالغة (٤).
وتقديم ذكر الفاكهة على ذكر اللحم
لوجوه:
أولها: العادة في الدنيا غالبًا تقديم الفواكه
في الأكل، والجنة وضعت بما علم في الدنيا
من الأوصاف والأحوال.
ثانيها: الحكمة في الدنيا تقتضي أكل
الفاكهة أولًا؛ لأنها ألطف، وأسرع انحدارًا،
وأقل حاجة إلى المكث الطويل في المعدة
للهضم، ولأن الفاكهة تحرك الشهوة للأكل
واللحم يدفعها.
ثالثها: لما بين تعالى أن الفاكهة دائمة
الحضور والوجود، واللحم یشتھی ویحضر
عند الاشتهاء دلَّ هذا على عدم الجوع؛ لأن
الجائع حاجته إلى اللحم أكثر من اختياره
اللحم فقال: ﴿وَقَكِهَةٍ﴾ لأن الحال في
الجنة يشبه حال الشبعان في الدنيا، فيميل
إلى الفاكهة أكثر فقدمها (٥)، والله أعلم،
وأعز وأكرم.
﴿ وحور عین کأمثال اللؤلؤ المكنون.
مما متع الله تعالى به أهل السبق أيضًا:
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٥/٢٧.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٣٩٦.
٥٠٠
مَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم

المسابقة
إكرامهم بالحور العين المشار إليهن بقوله
كَأَمْثَلِ اللَّلُوِالْمَكْتُنِ
تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ )
﴾ [الواقعة: ٢٢ - ٢٣].
٢٣
أي: ويطوف عليهم أيضًا نساء عيونهن
شديدة البياض والسواد في سعة وجمال،
وفي عيونهن کحل وملاحة، وحسن وبهاء،
وحسن العين في الأنثى من أعظم الأدلة
على حسنها وجمالها.
وقوله: ﴿كَأَمْثَلِ اللُُّلُِّ الْمَكْتُنِ
أي: وهؤلاء الحور العين كأنهن اللؤلؤ
الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن
الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه
من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه
من الوجوه، فکذلك الحور العين، لا عيب
فیهن، بل هن کاملات الأوصاف، جميلات
النعوت، فکل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما
يسر الخاطر، ويروق الناظر (١).
لا يسمعون فيها لغوًا ولا تأثیمًا.
مع كل هذه المتع السابقة من المناسب
أن يمتعوا كذلك بطهارة الجنة من التلوث
السمعي، وعدم سماع ما يكره سماعه،
وهذا من تأكد خلو الجنة وتنزهها عنه بقوله
تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوَ وَلَا تَأْتِمًا ) إِلَّا
قِيلًا سَلَمَا سَلَمًا ﴾ [الواقعة: ٢٥-٢٦].
والمراد: لا يسمعون في جنات النعيم
كلام لغو لا فائدة فيه، ولا كلامًا يؤثم
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٨٣٣، التفسير الوسيط، طنطاوي
١٤/ ٠١٦٥
صاحبه، وهذه نعمة روحية؛ فإن سلامة
النفس من سماع ما يكره سماعه من الأذى
نعمة عظيمة.
واللغو: الكلام الذي لا يعتد به کالهذيان،
والكلام الذي لا محصل له، ولا فائدة فيه.
والتأثيم: اللوم والإنكار، وهو مصدر
اثم، إذا نسب غیرہ إلی الإثم.
وأتبع ذكر هذه النعمة بذكر نعمة أخرى
من الإنعام بالمسموع الذي يفيد الكرامة؛
لأن الإكرام لذة روحية يكسب النفس
عزة وإكرامًا بقوله: ﴿إِلَّا قِيلًا سَلَمًا سَلَمَا
(٥) أي: إلا كلامًا طيبًا، وذلك لأنها
دار الطيبين، ولا يكون فيها إلا كل طيب،
وهذا دليل على حسن أدب أهل الجنة في
خطابهم فيما بينهم، وأنه أطيب كلام، وأسره
للنفوس وأسلمه من كل لغو وإثم، والتكرار
لإفادة التعاقب، أي سلامًا إثر سلام،
كقولهم: قرأت النحو بابًا بابًا، أو أشير به
إلى كثرة المسلمين، فهو مؤذن مع الكرامة
بأنهم معظمون مبجلون(٢).
إلى غير ذلك من صور النعيم والتكريم
التي جعلها الله لعباده السابقين، نسأل الله
تعالی من فضله وكرمه.
موضوعات ذات صلة:
الجزاء، الجنة، المسارعة، النار
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٩/٢٧.
www. modoee.com
٥٠١