النص المفهرس
صفحات 21-40
المسابقة
كل ذلك يفيد تفخيم وتعظيم شأن
أولئك السابقين، وعظم مكانتهم عند
ربهم سبحانه وتعالى.
حذف حرف الجر ((من)) في قوله
تعالى ﴿تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ وسر
هذا الحذف يظهر من عدة أوجه من
أهمها:
أ. كونه أبلغ في بيان هذا النعيم الموعود
به هؤلاء السابقون، ففي سائر
القرآن ﴿تَجْرِى مِن ◌َّحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾
إلا هذا الموضع، قال البقاعي: ((ونبه
على عموم ربها وكثرة مائها بنزع الجار
على قراءة الجماعة، ولعل تخصيص
هذا الموضع بالخلاف؛ لأنه يخص
هذه الطائفة، فلعلها تخص بجنة هي
أعظم الجنان رِيًّ وحُسْنًا (١)).
ب. يذكر ابن عاشور أن ((من)) حذفت
لوجود ما يغني مما يفيد التوكيد،
فيقول: (وقد خالفت هذه الآية عند
معظم القراء أخواتها فلم تذكر فيها ((من))
مع ((تحتها)) في غالب المصاحف، وفي
رواية جمهور القراء، فتكون خالية من
التأكيد؛ إذ ليس لحرف ((من)) معنى مع
أسماء الظروف إلا التأكید، ویکون خلو
الجملة من التأكيد لحصول ما يغني عنه
من إفادة التقوي بتقدیم المسند إلیه علی
(١) نظم الدرر، البقاعي ٨/٩ بتصرف.
الخبر الفعلي، ومن فعل ((أعد» المؤذن
بكمال العناية فلا يكون المعد إلا
أکمل نوعه)(٢). والذي یفهم من كلامه
أن ((من)) حذفت لوجود ما يغني عنها
من تقديم المسند إليه ﴿وَالسَّبِقُونَ
اُلْأَوَّلُونَ﴾ على الخبر الفعلي ﴿رَضِىَ
اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ومعلوم أن تقديم ما حقه
التأخير لون بلاغي مشهور، فضلا عما
يفيده الفعل ((أعد» من كمال العناية
بهؤلاء السابقين، وعظم شأن المعد
لهم، والله أعلم.
يلحظ من الأية أيضًا عظم مكانة هذه
الأمة-وبخاصة أوائلها-عند الله
تعالى لكونها سابقة لغيرها من الأمم
إلى رضوان الله تعالى، فمن المعلوم
أن (السبق يكون بالصفات والزمان
والمكان، وأفضل هذه الوجوه سبق
الصفات، والدليل عليه قول النبي
صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون
السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا
الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي
فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا
الله، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا،
والنصارى بعد غد)(٣)، فأخبر النبي
(٢) التحرير والتنوير ١٩/١١ بتصرف.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له،
كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة، رقم
٨٧٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الجمعة،
www. modoee.com
٤٧٥
حرف الميم
صلى الله عليه وسلم أن من سبقنا من من السابقين إلى الكرامة، فإن الجزاء من
جنس العمل، وكما تدين تدان، ولهذا قال
تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُنَ ا فِ جَنَّتِ النَّعِيمِ
(٢)
الأمم بالزمان جئنا بعدهم فسبقناهم
بالإيمان، والامتثال لأمر الله، والانقياد
إليه، والاستسلام لأمره، والرضا
بتكليفه، والاحتمال لوظائفه، لا
نعترض علیه، ولا نختار معه، ولا نبدل
بالرأي شريعته، كما فعل أهل الكتاب،
وذلك بتوفيق الله لما قضاه، وبتيسيره
لما يرضاه، وما كنا لنهتدي لولا أن
هدانا الله)(١).
والموطن الثاني: قوله تعالى ﴿وَالسَّبِقُونَ
أُوْلَيْكَ الْمُقَرَُّنَ ا فِ جَنَّتِ
السَّيِقُونَ :
[الواقعة: ١٠ - ١٢].
(١٢)
التَّعِيمِ
والآيات في هذا الموضع تتحدث عن
صنف من الأصناف الثلاثة التي ذكرتهم
السورة الكريمة، وهم السابقون الذين
سبقوا إلى الإيمان بالله تعالى ورسوله،
وهم المبادرون إلى فعل الخيرات كما
أمروا، وقيل:هم الذين سبقوا إلى الإيمان
والطاعة عند ظهور الحق من غير تلعثم
وتوانٍ، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة
الفضائل والكمالات، وأيما كان فهولاء
حازوا قصب السبق من الطاعات والقربات
من رب الأرض والسماوات، فمن سابق إلى
هذه الدنيا، وسبق إلى الخير كان في الآخرة
باب هداية هذه الأمة لیوم الجمعة، رقم ٨٥٥.
(١) أحكام القرآن، ابن العربي ٥٧٣/٢ بتصرف.
هذا وإنه لِيُلْحَظُ على هذه الآيات الكريمة
أمورٌ:
أولها: تأخر ذكر هذا القسم الثالث من
الأزواج الثلاثة في سورة ((الواقعة))، ولعل
تأخير ذكرهم مع كونهم أسبق الأقسام
وأقدمهم في الفضل؛ ليقترن ذكرهم ببيان
محاسن أحوالهم وما أعده الله تعالى لهم
في الآخرة، على أن إيرادهم بعنوان السبق
مطلقًا معرب عن إحرازهم لقصب السبق
من جميع الوجوه(٣)، أو أخرهم لتشويق
السامعين إلى معرفة صنفهم (٤).
ثانيها: تكرار لفظ ((السابقون)) في قوله
﴿وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ﴾ وهذا التكرار للدلالة
على أن حالهم بلغت منتهى الفضل والرفعة،
بحیث لا يجد المتكلم خبرًا يخبر به عنهم
أدل على مرتبتهم من اسم ((السابقون» فهذا
الخبر أبلغ في الدلالة على شرف قدرهم من
الإخبار بما سواه، مع ما في اشتقاق لقبهم
من ((السبق)) من الدلالة على بلوغهم أقصى
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٧/٧،
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١٨٩/٨.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٨٩/٨.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٨/٢٧.
٤٧٦
جوبي
القرآن الكريمِ
المسابقة
ما يطلبه الطالبون(١).
ثالثها: التعبير باسم الإشارة للبعيد
((أولئك)) إيذانًا ببعد مكانتهم، وعلو منزلتهم
عند ربهم سبحانه، ولا أدل على ذلك من
مرتبة القرب منه تعالى التي منحهم إياها،
نسأله تعالى أن نكون منهم أجمعين، فضلًا
عما يفيده هذا التعبير ﴿أُوْلَيْكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾
من الحصر والقصر، والذي (يقتضي أن لا
یکون غيرهم مقربًا)(٢).
رابعها: وصف السابقين هنا بأنهم
المقربون من ربهم، حيث قال: ﴿أُوْلَيْكَ
اُلْمُقَرَُّونَ﴾، وهذه أعظم نعمة يسعى إليها
العاملون المؤمنون، الذين يقول في حقهم
سبحانه في آخر هذه السورة: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ
مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿ فَرَوْعُ وَرَتْجَانٌ وَحَنَّتُ نَّعِيمٍ
• [الواقعة: ٨٨-٨٩](٣).
٨٩
خامسها: الإفادة بأن لهم جنات النعيم:
﴿فِي جَنَّتِ اَلنَّعِيمِ﴾، والملاحظ أنه كلما ذكر
أجر السابقين، وذكر أن ثوابهم الجنة يأتي
ذكر الجنة بصيغة الجمع ﴿جَنَّتِ ﴾ أو ببيان
ما يدل على عظمها.
ولعل في ذكر الجنات بصيغة الجمع
لفت نظر إلى أن الجنة منازل ومراتب،
وفي كل منزلة من النعيم العظيم ما فيها،
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٨٧/٢٩.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٣٩٠.
(٣) المسارعة والمسابقة إلى الخيرات في ضوء
القرآن الکریم ص٥٥.
وهؤلاء السابقون قد فازوا بما اختصت به
كل منزلة من نعيم وعطاء، فجمعوا كل خير
وثواب وعطاء، أو (لكون الجنان سبعًا: جنة
الفردوس، وعدن، والنعيم، ودار الخلد،
وجنة المأوى، ودار السلام، وعليين، أو
الجمع إشارة إلى سعتها، وكثرة أشجارها
وتنوعها)(٤)، والله أعلم.
سادسها: وصف الجنات بأنها (جَنَّتِ
التَّعِيمِ﴾ وهذا يفيد كثرة النعيم وتنوعه؛
لأن النعيم - كما يقول الراغب -: هو النعمة
الكثيرة، وتنعم: تناول ما فيه النعمة وطيب
العيش(٥).
أو للإشارة إلى أن الجنة في الدنيا قد
تكون للنعيم، وقد تكون للاشتغال والتعيش
بأثمان ثمارها، بخلاف الجنة في الآخرة
فإنها للنعيم لا غير، وفي هذا مزید عناية بما
أعد الله للمؤمنين السابقين(٦).
وهذا وإن دل فإنما يدل على مدى عظيم
فضل الله تعالى وإكرامه لأهل السبق في
طاعته، وأنواع القربات والزلفى إليه سبحانه،
نسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم،
ويلحقنا برکبهم، اللهم آمين.
(٤) انظر: المفردات، الراغب ص٢٠٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٩١/٢٩، المسارعة
والمسابقة إلى الخيرات في ضوء القرآن
الکریم ص٥٦.
(٥) المفردات، الراغب ص٨١٤)) بتصرف.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩١/٢٩.
www. modoee.com
٤٧٧
حرف الميم
٦. سبق القضاء والقدر.
وأمثالهما) (١)، ومثل هذا يقال في موضع
من المعلوم بداهة أن كل الأمور سورة ((المؤمنون))، ومن المواضع أيضًا
والمقادير قدرها الله تعالى على خلقه في
الأزل، تصديقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٩].
پیدیه لخلقه في حينه، في أمور ییدیھا ولا
يبتدیها، ولولا سبق القضاء بالمقادير کلها
لأنزل الله تعالى بعباده ما يستأهلونه في
حینه.
وورد الحديث عن هذا النوع الخامس
في عشرة مواطن من كتاب الله تعالى،
وجميعها تفيد هذا المعنى ((سبق القضاء
والقدر له سبحانه وتعالى))، وعبارات
المفسرين وإن اختلفت في التعبير عن ذلك
إلا أنها تؤول إليه، وسبق للبحث أن تعرض
للإشارة إلى هذا النوع في مبحث«الدلالات
القرآنية)) لمادة ((سبق))، ومَثَّلَ له هناك بآيتين،
وسيعرض للبقية هنا.
فمن هذه المواضع قوله تعالى: ﴿قُلْنَا
أَحْمِلْ فِيَهَا مِن كُلٍ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا
مَن سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ﴾ [هود: ٤٠].
وهذا أمر من الله تعالى لسيدنا نوح
السلام أن يحمل في سفينته من كل شيء
زوجين، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوْلُ﴾ أي:
(من قضي عليه بالعذاب فهو مستثنى من
أهله، والمراد بذلك ابنه الكافر وامرأته،
قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ
لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ﴾ [هود: ١١٠].
فـ(الكلمة) هاهنا عبارة عن الحكم
وجعل ذلك في اللوح المحفوظ، ثم والقضاء(٢)، والمعنى: ولولا قضاء الله
وحكمه بتأخير العذاب عن هؤلاء إلى
الآخرة لفصل بين المؤمن والكافر في الدنیا.
ولولا كلمة سبقتْ مِن
ومثله قوله تعالى:
زَيِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى (٣)﴾ [طه: ١٢٩].
والكلمة هنا تعني: القضاء السابق،
والمعنى: لولا قضاء الله بتأخير العذاب
عنهم لكان العذاب لزامًا: أي واقعًا بهم (٣).
وكذلك المعنى في بقية المواطن
المشابهة.
أما السبق في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْفَ أَوْلَئِكَ عَنْهَا
﴾ [الأنبياء: ١٠١].
مُتْعَدُونَ
﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
١٧١
[الصافات: ١٧١].
فيحتمل معنى التقدم(٤)، ومعنى القضاء
والحكم، وأرجح الأخير؛ لكونه قول عامة
(١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٧٠/١.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ٢١٠.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٩/١٨،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١٦/٢،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٠/٥.
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٥٣٥،
الباب التأويل، الخازن ٤ /٣٠.
٤٧٨
جَوسُ
القرآن الكريمِ
المسابقة
المفسرين(١)، ومعنى الآية الأولى عليه:
إن الذين قضيت لهم السعادة في الأزل
من خلقه تعالى فهو عن النار مبعد، فإن
السعادة سبقت لأهلها من الله، وسبق
الشقاء لأهله من الله (٢)، ولا شك أن هذا
السبق سبق قضاء وقدر ليس إلا، والله أعلم.
ومعنى الآية الثانية عليه: أنه تعالى قد
حکم في كتابه بنصر أنبيائه، فلیس ینقضه
أحد (٣).
هذا وإني ألحظ على الآيات في هذا
الصدد أمورًا:
أولها: الدلالة على عظم مكانة السابقين
الذين سبقت لهم من الله الحسنى والسعادة،
حيث عبر عنهم بالاشتهاء لعظم ما هم فيه
في قوله: ﴿وَهُمْ فِ مَا أَشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ
خَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
وفي ذلك يقول البقاعي:(لما كانت
الشهوة-وهي طلب اللذة-لا تكون إلا
بليغة، عبر بالافتعال دلالة على عظيم ما
هم فيه من اللذة فقال: ﴿فِي مَا آَشْتَهَتْ
أَنْفُسُهُمْ﴾ في الجنة ﴿خَلِدُونَ﴾ أي دائمًا
أبدًا) (٤).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦٥٧/١٩،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٤٨٩.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٣٨/١٨،
التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٠/٢.
(٣) التفسير البسيط، الواحدي ١٠٥/٨.
(٤) نظم الدرر، البقاعي ١٢/ ٤٨٦.
ثانيها: ورد التعبير في أكثر من آية بقوله
﴿وَلَوْلَا كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ﴾ وهي ليست كلمة
واحدة بل كلمات، (إنما سماها كلمة وهي
كلمات عدة؛ لأنها لما انتظمت في معنى
واحد كانت في حكم كلمة مفردة)(٥).
ثالثها: ورد فى بعض الايات تعدية الفعل
(سبق)) بحرف الجر ((على)) مثل قوله
مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ اَلْقَوَّلُ﴾ [هود: ٤٠].
وفي بعضها تعدى باللام، مثل قوله
﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْفَ﴾ [الأنبياء: ١٠١].
وقوله ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ
:[الصافات: ١٧١].
وبعضها بـ(من) مثل قوله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ﴾ [طه: ١٢٩].
وما شاكلها، وأرى أن السِّرَّ في ذلك: أن
مضمون الآية إذا كان يتعلق بالمخلوقين،
و کان شيئًا نافعًا جاءت التعدية باللام، وإذا
كان شيئًا ضارًّا جيء بعلى (٦)، وإذا كان الأمر
يتعلق بالخالق سبحانه، مع الدلالة على
الابتداء جاء التعبير بـ(من)) الابتدائية المفيدة
لذلك، والله أعلم.
ثانيًا: السبق المذموم:
إذا كان القرآن قد رصد أنواعًا عديدة
من أنواع السبق الممدوح، وقفنا عليها فيما
سبق، فإنه قد رصد أيضًا بعضًا من أنواع
(٥) الكشاف، الزمخشري ٤ / ٦٧.
(٦) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٨٦.
www. modoee.com
٤٧٩
حرف الميم
السبق المذموم، سيجليها البحث فيما يلي:
١. سبق قوم لوط عليه السلام إلى الفاحشة.
ابتلي قوم لوط عليه السلام بإتيان
الذكران بعضهم بعضًا، وترك ما أحل الله
لهم من أزواجهم، فضلاً عن مجاهرتهم
بفعلهم هذا وعدم استحيائهم من الله تعالى،
أو من بعضهم البعض، مما يجرئ غيرهم
على المعصية، سابقين في ذلك العالمين
أجمعين، فقام سيدنا لوط عليه السلام
بواجب الدعوة نحوهم، ناعيًا عليهم هذا
السبق المذموم، وجاء الحديث عن ذلك في
موضعين من كتابه تعالى.
أولهما: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ
لِقَوْمِهِ= أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ
مِنَ الْعَلَمِينَ ﴾ الآيات [الأعراف: ٨٠].
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ
قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا
سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ
أَيْتَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ
السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرَ﴾
[العنكبوت: ٢٨-٢٩].
وهناك مواضع أخرى تحدث فيها القرآن
عن فعل قوم لوط عليه السلام، إلا أنها لم
يرد فيها التعبير بالسبق، لذا لا يتعرض لها
البحث هنا.
وحقيقة السبق: وصول الماشي إلى
مكان مطلوب له ولغيره قبل وصول غيره،
ويستعمل مجازًا في التقدم في الزمان، أي:
الأولية والابتداء، وهو المرادهنا، والمقصود
أنهم سبقوا الناس بهذه الفاحشة(١).
والفاحشة في الأصل: ما عظم قبحه من
الأفعال والأقوال.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآءِ﴾
[الأعراف: ٢٨].
وفحش فلان: صار فاحشًا، والمتفحش:
الذي يأتي بالفحش (٢).
والمراد بالفاحشة هنا: إتيان الذكران
بعضهم بعضًا في الأدبار، في قول جميع
المفسرين (٣).
وفي هذا السبق لقوم لوط يقول الزجاج
معلقًا على آية الأعراف: (هذا دليل على
أن فاحشة اللواط لم يفعلها أحد قبل قوم
لوط) (٤).
وقال المفسرون: (ما نزا ذكر على ذكر
حتى كان قوم لوط)(٥).
وألحظ على الآيات الكريمة أمورًا:
أولها: تعظيم جرم فعل قوم لوط، حيث
إنه تعالى (خص بالذِّكْرِ من مرتكباتهم
أقبحها مما استوجبوا به العذاب، وخاطبهم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٨.
(٢) المفردات، الراغب ص٦٢٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢/ ٥٤٧،
الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٨/٤، التفسير
البسيط، الواحدي ٢١٨/٩.
(٤) معاني القرآن، الزجاج ٣٥٢/٢.
(٥) التفسير البسيط، الواحدي ٢١٨/٩.
٤٨٠
مَوَسُوع
القرآن الكريمِ
المسابقة
لوط عليه السلام: إن هؤلاء المكذبين من النكرة ﴿أَحَدٍ﴾ في سياق النفي ﴿مَا
سَبَقَكُمْ﴾، وفائدتها: تأكيد أنه لم يسبقهم
إلى هذه الجريمة النكراء أحد من العالمين
على الإطلاق.
قبلكم على سوء مرتكباتهم لم يسبقوكم
إلى ما أنتم عليه وقد سمعتم بهم وخلت من
قبلكم المثلات)(١).
ثانيها: وصفهم الله بالمفسدين كما
ورد في دعاء نبيهم عليهم ﴿قَالَ رَبٍ
أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ
[العنكبوت: ٣٠].
لأنهم يفسدون أنفسهم بشناعات
أعمالهم ويفسدون الناس بحملهم على
سبق الكافرين إلى الكفر وسائر المعاصي
الفواحش وتعويدهم عليها، وفي هذا إنما أوقعهم فيه الشيطان، ونفوسهم العصية،
الوصف تمهيد للإجابة بالنصر عليهم؛ لأن والقرآن الكريم أشار إلى هذا السبق إشارة
سريعة في آية واحدة، وهي قوله تعالى:
الله لا يحب المفسدين(٢).
﴿ وَلَا يَحْسَبَنَّالَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ
[الأنفال: ٥٩].
ثالثها: التعبير بالشهوة في قوله
تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ أَلْرِجَالَ شَهْوَةً﴾
[الأعراف: ٨١].
للمبالغة عليهم في الإنكار والتوبيخ،
ووصفهم بالبهيمية الصرفة، وفيه تنبيه على
أن العاقل ينبغي أن يكون الداعي له إلى
المباشرة طلب الولد وبقاء النوع، لا قضاء
الوطر (٣).
رابعها: التعبير بـ(من) في قوله تعالى:
﴿مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَلَمِينَ ﴾
وذلك لتأكيد العموم المستفاد من وقوع
(١) ملاك التأويل، ابن الزبير الغرناطي ٢٠٧/١
بتصرف.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤١/٢٠.
(٣) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٢/٣.
هذا وإن الآيات الكريمة تشتمل على
معانٍ وأسرار عظيمة لكل متأمل، ولعل ما
ذكر فيه الغنية ليجول البحث بنا الآن في نوع
آخر من أنواع السبق المذموم فيما يلي:
٢. السبق إلى الكفر.
والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا سبقونا
ففاتونا بأنفسهم، فهم لا يعجزون ربهم، إذا
طلبهم وأراد تعذيبهم وإهلاكهم (٤).
أو المراد: بيان أن أولئك الذين انهزموا
يوم بدر، أشفقوا من هلكة تنزل بهم، فلما لم
تنزل طغوا وبغوا.
فقال الله: لا تحسبن أنهم سبقوا
بسلامتهم الآن، فإنهم لا يعجزوننا فيما
يستقبل من الأوقات(٥).
وأیما كان المراد، کفار بدر أو غيرهم فإن
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨/١٤.
(٥) التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ٤٦٨.
www. modoee.com
٤٨١
حرف الميم
العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ الآخرة، ولهم عذاب عظيم(١).
حیث إن لفظ الآية عام یتناول کفار کل عصر
ومصر، وإن كانت كلمة المفسرين تكاد
تجتمع على معنى السبق هاهنا، وأنه («الفوت
وعدم الإفلات)» - كما مر - فإن الآية تشير
من طرف خفي إلى سبق الكافرين إلى
الكفر، وهو يشمل كل ما دونه من المعاصي
والذنوب.
هذا وإن القرآن قد صرح بمسارعة
الكفار في الكفر، ولكن بلفظ المسارعة
دون المسابقة.
وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ
يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِّإِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئًاُ بُرِيدُ
اللّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَقًّا فِ اَلْآَخِرَةِّ وَلَمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: ١٧٦].
﴿ ﴿ يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا
وقوله تعالى:
يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ﴾
[المائدة: ٤١].
وكلتا الآيتين ورد التعبير فيهما بلفظ
المسارعة في الكفر، وفي الأولى يطلب الله
من نبيه صلی الله عليه وسلم أن لا يحزنه
الذين يسارعون في الكفر، وذلك من شدة
حرصه على الناس، وكان يحزنه مبادرة
الكفار إلى المخالفة والعناد والشقاق،
فطلب منه تعالى أن لا يحزنه ذلك، فإنهم
لن يضروا الله شيئًا، ومن حكمته فيهم أنه
يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبًا في
وفي الثانية أيضًا يطلب تعالى منه
صلى الله عليه وسلم أن لا يحزنه مسارعة
المنافقين وغيرهم في الكفر، وتعاونهم
ضد الإسلام ورسوله صلى الله عليه
وسلم، والمراد بالذين يسارعون في
الكفر: المنافقين، وقريظة والنضير -في
قول ابن عباس- ومعنى مسارعتهم في
الكفر: مظاهرتهم الكفار على محمد صلى
الله عليه وسلم، وإنما نھی النبي صلى الله
عليه وسلم؛ لأنه كان يفرط ويسرف في
الحزن علی کفر قومه، حتی کان یؤدي ذلك
إلى أن يضر به، فنهي عن الإسراف فيه؛ ألا
ترى إلى قوله تعالى ﴿فَلَاَ نَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
حَسَرَّةٍ إِنَّاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨](٢).
ومن خلال التأمل في الآيات هنا يتبين
لنا أن الحق سبحانه عبر عن مسابقة الكفار
في الكفر بفعل المسارعة؛ للدلالة على أنهم
یتوغلون فیه، ویعجلون إلى إظهاره وتأییده،
والعمل به عند سنوح الفرص، ويحرصون
علی إلقائه في نفوس الناس.
ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره
عند أدنى مناسبة، وفي كل فرصة(٣)، وإيثار
حرف الظرفية ((في)) بدلًا من ((إلى)) يدل على
أمرین:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ١٧٣.
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ٦/ ١٩٣.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٢/٤.
٤٨٢
جوبي
القرآن الكريمِ
المسابقة
الإشعار باستقرارهم في الكفر ودوام
ملابستهم له في مبدأ المسارعة
ومنتهاها، والدلالة على شدة مسارعة
الكفار إلى الكفر، وتمكنهم منه،
وتغلغله في أعماقهم(١).
إفادتها معنى التوكيد (٢).
[انظر: المسارعة: المسارعة إلى الكفر]
(١) انظر: الجنى الداني في حروف المعاني،
المرادي ص ٢٥٠، إرشاد العقل السليم، أبو
السعود ١١٥/٢.
(٢) المسارعة والمسابقة إلى الخيرات ص ٤١.
صفات السابقين إلى الخيرات
من الأهمية بمكان أن يقف البحث
بالقارئ الكريم على أهم الصفات التي
يتحلى بها السابقون إلى الخيرات، لعل في
ذلك الهدى والرشاد لمن أراد أن يترسم
خطاهم، ويقتفي آثارهم.
أولًا: الإيمان بالله تعالى:
الإيمان بالله تعالى أصل العقيدة
الصحيحة، ومهوى الفطر المستقيمة، وأول
ما ينبغي أن يتصف به السابقون إلى الخيرات
خصوصًا والمؤمنون عمومًا، وهذه الصفة
أصل لما سواها؛ إذ بدونها لا يعتد بغيرها.
واتصاف السابقين بهذه الصفة ورد في
قوله تعالى: ﴿سَابِقُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ زَّيَّكُمْ
وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَدِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِلَّهِ وَرُسُلِّ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ
يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )﴾
[الحديد: ٢١].
وهنا يأمر الله تعالى عباده المؤمنين
بالمسابقة إلى المغفرة والجنة التي هي
عظيمة الاتساع، والتي أعدت لمن اتصف
بهذه الصفة العظيمة، رأس وأول صفات
الخير كلها، ألا وهي ((الإيمان بالله تعالى
ورسله».
والإيمان في أبسط تعاريفه يعني: نطق
واعتراف باللسان، وإقرار وتصديق بالقلب
www. modoee.com
٤٨٣
حرف الميم
والجنان، وعمل بالحوارح والأركان.
وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
اَلْمُؤْمِنُونَ أَلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ
وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمَنَا وَ عَلَى رَبِّهِمْ
يَتَوَّكَّلُونَ ا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ
وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ ( أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ
حَقّاً لَُّمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ
كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٢-٤].
وغيره الكثير والكثير.
وقوله صلى الله عليه وسلم في تعريف
الإيمان: (الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته،
و کتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر
خيره وشره)(١).
إذن فمسمى الإيمان يشمل العقيدة
الحقة في الإقرار بواحدانية الله تعالى
وألوهيته، وإخلاص العبادة له، مع الإقرار
بملائكته، و کتبه، ورسله، واليوم الآخر،
والقدر، وإذعان القلب بذلك، والتصديق
العملي لهذا الإقرار من فعل الواجبات
وترك المحرمات (٢).
ولا شك أن السابقين إلى الخيرات
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له،
كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى
الله عليه وسلم عن الإيمان، رقم ٥٠، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الإيمان ما
هو وبیان خصاله، رقم ٨.
(٢) انظر: الإيمان ومعالمه، وسننه، واستكماله،
ودرجاته، القاسم بن سلام ص ٢٥، الإيمان،
ابن تيمية ص ١٥.
حازوا أعلى الدرجات في ذلك، وإلا ما
امتدحهم القرآن الکریم.
ثانيًا: الخشية من الله تعالی:
وصف الله تعالى عباده السابقين بهذه
الصفة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَِّينَ هُم مِّنْ
خَشْيَةِ رَبِّهِم مُشْفِقُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٧].
والخشية: خوف يشوبه تعظيم وتوقير،
وأكثر ما يكون ذلك عن علم بما يخشى
منه، ولذلك خص العلماء بها في قوله
تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَوُاْ﴾
[فاطر: ٢٨](٣).
وهي أيضًا صفة المبلغين عن الله
تعالى رسالاته ﴿الَّذِينَ يُلِّغُونَ رِسَلَتِ
اَللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ وَكَفَى بِاَللَّهِ
حَسِيبًا (٢٠)
﴾ [الأحزاب:٣٩].
والخشية أعلى درجة، وأسمى مقامًا
وأخص من الخوف؛ إذ (الخوف تألم
النفس من العقاب المتوقع بسبب ارتكاب
المنهيات، والتقصير في الطاعات، وهو
يحصل لأكثر الخلق وإن كانت مراتبه
متفاوتة جدًّا، والمرتبة العليا منه لا تحصل
إلا للقليل.
والخشية: حالة تحصل عند الشعور
بعظمة الخالق وهيبته وخوف الحجب عنه،
وهذه حالة لا تحصل إلا لمن اطلع على
(٣) المفردات، الراغب ص ٢٨٣.
٤٨٤
القرآن الكريم
المسابقة
حال الكبرياء، وذاق لذة القرب، ولذا قال
تعالى ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ اَلْعُلَمَوْا﴾
[فاطر: ٢٨])(١).
ويفرق الألوسي بين الخشية والخوف
فيقول: (الخشية تكون من عظم المخشي
وإن كان الخاشي قويًّا، والخوف يكون
من ضعف الخائف وإن كان المخوف أمرًا
يسيرًا)(٢).
إذن فالخشية مهابة وتعظيم المخشي
مصحوبة بعلم ومعرفة، وهذا مقامٌ سامٍ
لا يتحصل عليه إلا من أهله من العلماء،
والسابقين ونحوهم ممن خصهم الله تعالى
بذلك.
وبناءً على ذلك فمعنى الآية: إن الذين
هم من خشية ربهم وتعظيمه مشفقون،
فهم من خشیتهم من ذلك دائبون في طاعته
جادون في طلب مرضاته (٣).
ثالثًا: الإشفاق:
الشفقة: ضرب من الرقة، وضعف
القلب، ينال الإنسان، ومن ثم يقال للأم: إنها
تشفق على ولدها، أي: ترق له، ومن هذا
الأصل قولهم: ثوب شفقٌ، إذا كان رقيقًا،
وقولك: أشفقت من كذا، معناه: ضعف
(١) الفروق اللغوية، العسكري ص٢١٨.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٧/ ١٣٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤٤.
قلبي عن احتماله (٤)
أو هي: عناية مختلطة بخوف، لأن
المشفق يحب المشفق عليه، ويخاف ما
يلحقه، فإذا عدي بـ (من)) فمعنى الخوف فيه
أظهر، وإذا عدي بـ ((في)) فمعنى العناية فيه
أظهر (٥).
وليست هي من الخشية والخوف
في شيء، والشاهد آيتنا قوله تعالى ﴿إِنَّ
الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم تُشْفِقُونَ
[المؤمنون: ٥٧].
ولو كانت الخشية هي الشفقة لما حسن
أن يقول ذلك، كما لا يحسن أن يقول:
يخشون من خشية ربهم.
والمراد هنا وصف السابقين بهذه الصفة
المباركة، والتي تقتضي الخوف من الله
تعالى، مع العلم به سبحانه، وشدة الرقة في
القلب وكثرة الخوف من عقابه.
فالمؤمنون مع إحسانهم وإيمانهم
وعملهم الصالح مشفقون من الله، خائفون
منه، وجلون من مکره بهم.
كما قال الحسن البصري: ((إن المؤمن
جمع إحسانًا وشفقة، وإن الكافر جمع إساءة
وأمنًا)) (٦).
(٤) الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٠٠.
(٥) المفردات، الراغب ص٢٨٣.
(٦) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٤٨٠،
التفسير الوسيط طنطاوي ١٠/ ٤٣.
www. modoee.com
٤٨٥
حرف الميم
رابعًا: الإيمان بآيات الله تعالى:
ورد مدح المؤمنين السابقين بهذه الصفة
في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمِثَايَتِ رَبِهِمْ
يُؤْمِنُونَ ﴾ [المؤمنون: ٥٨].
وآيات الله: تعم القرآن، وتعم العبر
والمصنوعات التي لله وغير ذلك مما فيه
نظر واعتبار، وفي كل شيء له آية تدل على
أنه الخالق، فالمخلوقات دالة على وجوده
تعالى، والإيمان بها هو التصديق بكونها
آیات ودلائل على وجود الصانع، وذلك مما
لا يتوصل إليه إلا بالنظر والفكر، وصاحبه لا
بد وأن يصير عارفًا بوجود الصانع وصفاته،
وإذا حصلت المعرفة بالقلب حصل الإقرار
باللسان ظاهرًا، وذلك هو الإيمان (١).
ومن هنا كانت جهة مدحهم، وزید
في مدحهم بالتعبير بالمضارع في قوله:
﴿يُؤْمِنُونَ﴾ للدلالة على أنه (لا يزال إيمانهم
بها يتجدد شكرًا له تعالى لإحسانه إليهم)(٢).
خامسًا: عدم الإشراك بالله تعالى:
وردت الإشارة إلى وصف المؤمنين
السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ
هُمْبِرَبِهِمْ لَا يُشْرِكُونَ )﴾ [المؤمنون: ٥٩].
والمؤمن قد يعرض له في إيمانه شرك
جَلَيٍّ أو خَفيٌّ، فأثبت لهم هنا الإيمان
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ١٤٧.
(٢) نظم الدرر، البقاعي ١٣/ ١٥٩.
الخالص، فقال: والذين هم بربهم الذي لا
محسن إلیهم غیره وحده، لا یشرکون شيئًا
من أي أنواع الشرك في وقت من الأوقات،
كما لم يشركه في إحسانه إليهم أحد على
الإطلاق (٣).
وليس المراد منه الإيمان بالتوحيد ونفي
الشريك لله تعالى؛ لأن ذلك داخل في قوله
فيما سبق ﴿وَالَّذِينَ هُمِئَايَتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
بل المراد منه نفي الشرك الخفي،
وهو أن يكون مخلصًا في العبادة، لا يقدم
عليها إلا لوجه الله تعالى، وطلب رضوانه،
والله أعلم (٤).
سادسًا: القيام بالعمل الصالح:
وردت الإشارة إلى اتصاف القوم بهذه
الصفة في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ﴾
[المؤمنون: ٦٠].
فالآية تدل على قيامهم بالعمل على
وفق مراد الله تعالى؛ فقد ظهر أثر الإيمان
فيهم جليًّا، وأفادت قيامهم بالعمل الصالح
مطلقًا، ومنها الصدقات والزكوات، وفي
قوله ﴿مَآءَاتَواْ﴾ لفت نظر إلى أنهم لم يجعلوا
لأعمالهم الصالحة أو لصدقاتهم حدًّا تنتهي
إليه، وهذا مستفاد من التعبير بـ((ما)) في قوله
﴿مَآ ءَاتَواْ﴾ الدالة على العموم، والتعبير
للدلالة على
بالمضارع في (
(٣) المصدر السابق بتصرف.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٣/٢٣.
٤٨٦
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريم
المسابقة
الاستمرار في العطاء، وبالماضى في: ﴿مَآ كالودائع والعدل بين الناس وغيرها(٢).
ءَاتَواْ﴾ للدلالة على تحققه(١).
سابعًا: الوجل:
الوجل: استشعار الخوف، يقال: وجل
يُوجَلُ وَجَلًا، فهو وَجِلٌ.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا
ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢].
ولقد وصف الله تعالى المؤمنين
السابقين بهذه الصفة في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةُ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ
رَجِعُونَ
﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وفيها يصف الله تعالى السابقين إلى
الخيرات بأنهم يؤدون الواجبات، ويعملون
صالح الأعمال، باذلين قصارى جهدهم
في ذلك، ولكن مع الخوف من الله تعالى،
فهم يفعلون ما فعلوا، مع وجود الخوف
ألا يتقبل الله منھم أعمالهم، إنهم يصلون،
ويصومون، ويتصدقون، ولكنهم من الله عز
وجل يخافون، خائفون ألا يقبل منهم، أو لا
يقع العمل على غير الوجه اللائق، لتقصير
في الوفاء بحق الإعطاء أو غير ذلك.
وقوله: ﴿مَآءَاتَواْ﴾ لا يقتصر على العطاء
المادي من زكاة أو صدقة، وإنما يشمل كل
حق يلزم إيتاؤه، سواء أكان من حقوق الله
تعالى كالعبادات، أم من حقوق بني آدم
(١) انظر: روح المعاني الألوسي ٩/ ٢٤٤.
ورد عن عائشة رضى الله تعالى عنها
قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَّاً
وسلم عن هذه الآية:
ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَهُمْ إِلَى رَبِهِمْ رَجِعُونَ
[المؤمنون: ٦٠].
قالت عائشة: أهم الذين يشربون الخمر
ويسرقون؟ قال: (لا يا بنت الصديق، ولكنهم
الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم
يخافون أن لا تقبل منهم) (٣).
وأختم هذه الصفات المباركة لأهل
الإيمان والسبق - أسأل الله تعالى أن نكون
جميعًا منهم - بهذه التذييل الرائع للإمام
الرازي حيث يقول (٤) معلقًا على ترتيب
الصفات الأربع حسبما وردت في الآيات:
((اعلم أن ترتيب هذه الصفات في نهاية
الحسن.
فالصفة الأولى دلت على حصول
الخوف الشديد الموجب للاحتراز عما لا
ينبغي.
(٢) انظر: المفردات، الراغب ص ٨٥٥، روح
المعاني، الألوسي ٩/ ٢٤٤.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير
القرآن، باب ومن سورة المؤمنون، رقم
٣١٧٥، ٣٢٧/٥، وابن ماجه في سننه، كتاب
الزهد، باب التوقي على العمل، رقم ٤١٩٨،
١٤٠٤/٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٣٠٤/١، رقم ١٦٢.
(٤) مفاتيح الغيب ٢٨٣/٢٣.
www. modoee.com
٤٨٧
حرف الميم
والثانية: دلت على التصديق بوحدانية
الله.
والثالثة: دلت على ترك الرياء في
الطاعات.
والرابعة: دلت على أن المستجمع لتلك
الصفات يأتي بالطاعات مع الوجل والخوف
من التقصير، وذلك هو نهاية مقامات
الصديقين))، اللهم اجعلنا منهم أجمعين،
بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمین، يارب
العالمين.
ثواب السابقين في الخيرات
جبل بنو البشر وغيرهم على كثير من
الأمور النفسية كالدوافع والانفعالات، وما
تتحرك الخلائق لفعل شيء ما إلا إذا كانت
هناك دوافع تدفعهم نحوه، وترغبهم فيه،
وتيسر عليهم بعض ما يجدونه في طريقهم
نحو أهدافهم على اختلافها وتنوعها، ومما
لا شك فيه أن السابقين بالخيرات وقفوا
على الجوائز والمنح التي رصدها الله تعالى
لهم في الدنيا والآخرة، فدفعهم ذلك إلى
السبق والتنافس.
وسيتم الحديث عن بعض ما أكرم الله
تعالی به السابقین إلی مغفرته ورضوانه من
جزاء وثواب في الدنيا ثم الآخرة، في النقاط
الآتية:
أولًا: ثواب السابقين في الخيرات في
الدنيا:
عدد الله تعالى الجوائز والمنح لأوليائه
من المؤمنين السباقين إلى الخيرات في
الدنیا، وذکر ذلك في كتابه، إما تصریحًا أو
تلميحًا، والمتأمل يجد الشيء الكثير من
ذلك، وسيعدد البحث هذه المنح الدنيوية
فيما يلي:
١. الفوز برضوان الله تعالى.
قد يظن الظان لأول وهلة أن هذا
الثواب یکون للسابقین في الآخرة لا الدنیا،
٤٨٨
قَضوري
البَشَبـ
جوبيـ
القرآن الكريم
المسابقة
لكن ما الدليل على هذا التخصيص، وقد ذلك يقول السعدي: (وهذا يدل على
فضل صدر هذه الأمة في الجملة على
متأخريها، لكون المقربين من الأولين أكثر
من المتأخرين، والمقربون هم خواص
الخلق)(١).
جاءت الآيات مطلقة؟ مثل قوله تعالى
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ
وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللهُ
عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّ لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى
تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
بل أرى أن الآية قد تفيد أن هذا الرضى
إنما هو دنيوي في المقام الأول، وذلك
لقوله تعالى ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ ثم مجيء
قوله تعالى بعده: ﴿وَعَذَّهُمْ جَنَّتٍ ﴾ مما
يقتضي سبق الرضا على الإعداد، لكن لا
مانع أن یکون هذا الرضا لهم من الله تعالى
منحة دنيوية وأخروية كذلك، ولا حرج على
فضل الله تعالى وكرمه.
٢. مدح الله لهم، وتعظيمه لشأنهم.
حيث إنه سبحانه وصفهم بما يدل على
ذلك في قوله تعالى ﴿وَالسَِّقُونَ السَّيِقُونَ
١٠
أُوْلَكَ الْمُقَرَّبُونَ ١ فِي جَنَّتِ النَّعِيمِ )
وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ {
ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (
١٤
١٣
[الواقعة: ١٠- ١٤].
فعبر بما يشير إلى تميزهم بأمرين:
أولهما: التعبير باسم الإشارة للبعيد
﴿أُوْلَيْكَ﴾، وذلك لبعد مكانتهم، وعلو
منزلتهم، وعظم شأنهم عند ربهم جل وعز.
ثانيهما: التعبير بالقلة في جانبهم حيث
قال: ﴿وَقَلِلٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾ وهذا يدل على
تميزهم، وفضلهم على من سواهم، وفي
٣. الهداية لعمل الصالحات.
فالسابقون طائفة خاصة من أهل الإيمان،
وأهل الإيمان وعدهم الله تعالى بعدة أمور،
منها: هدايته تعالی إياهم لعمل الصالحات،
ودليله قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِمَنِهِمْ﴾
[يونس: ٩].
والمراد: (يهديهم ربهم في الدنيا، حتى
يثبتهم على الإيمان ويدخلهم في الآخرة
الجنة بإيمانهم)(٢)، ولو لم تكن لهم منحة
من الله تعالى إلا هذه لكفتهم، اللهم اجعلنا
منهم أجمعين.
٤. إلقاء المحبة والمودة لهم في
القلوب.
يكفي السابقين أنهم مشمولون بكل وعد
حسن وعد الله تعالى إياه عباده المؤمنين،
ومن أعظم هذه الوعود قوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُنَّاً﴾﴾﴾ [مريم: ٩٦].
ومقصود الآية الكريمة: أن الذين آمنوا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٣٣.
(٢) تفسير السمر قندي ١٠٥/٢.
www. modoee.com
٤٨٩
حرف الميم
بالله ورسله، وصدقوا بما جاءهم من عند وغيرها، تصديقًا لقوله تعالى في وصفهم:
﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِهِمْ
ربهم، وعملوا به، فأحلوا حلاله، وحرموا
حرامه، سيجعل لهم الرحمن محبة ومودة
٦٠ ° • [المؤمنون: ٦٠].
في صدور عباده المؤمنين، لإيمانهم
وعملهم الصالح، يقال: وَدَّ فلانٌ فلانًا، إذا
أحبه وأخلص له المودة(١).
رَجِعُونَ
والتطهرُ والتزكيةُ وَعْدٌ مِنَ الله للمنفقين
كما ورد في قوله ﴿خُذٌّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِِّهِم بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
ويسبق ذلك محبة الله تعالى لهم، ثم
ملائكته الكرام، ثم توضع لهم المحبة في
السماء والأرض، يؤكد لنا هذا المعنى قوله
صلی الله علیه وسلم (إن الله تبارك وتعالى
إذا أحب عبدا نادی جبريل: إن الله قد أحب
فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ینادي جبريل
في السماء: إن الله قد أحب فلانًا فأحبوه،
فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في
أهل الأرض)(٢).
فاللهم اجعلنا جميعًا من أهل وُدِّكَ
ومحبتك يارب العالمين.
٥. التطهر والتزكية.
وهذا أيضًا من عطاء الله تعالى لأهل
الإيمان المنفقين، ولا شك أن السابقين
حازوا قصب السبق في ذلك مع وجل
قلوبهم وخوفهم أن لا تقبل منهم صدقاتهم
(١) جامع البيان، الطبري ٢٦١/١٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، واللفظ له،
كتاب التوحيد، باب كلام الرب مع جبريل،
رقم ٤٧٨٥، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب إذا الله أحبَّ عبدًا حببه لعباده،
رقم ٢٦٣٧.
ومن حسن المناسبة أن ترد هذه الآية
في سورة ((التوبة)) بعد آية ﴿وَالسَّبِقُونَ
الْأَوَّلُونَ﴾ بآيتين اثنتين ليدل ذلك على أن
للسابقين النصيب الأوفى في هذه التزكية
والتطهر، والله أعلم.
٦. الحياة الطيبة السعيدة في الدنيا.
من موعود الله تعالى لأهل الإيمان أنه
يحييهم حياة طيبة في الدنيا جزاء لأعمالهم
الطبية، ولا شك أن السابقين ما نالوا السبق
إلا بتوفيق الله تعالى لهم في عمل هذه
الأعمال الطيبة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِّن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
﴾ [النحل: ٩٧].
وفيها يخبر الله تعالى أن (من عمل
بطاعته، وأوفی بعهود الله إذا عاهد من ذکر
أو أنثى من بني آدم وهو مؤمن ومصدق
بثواب الله الذي وعد أهل طاعته على
الطاعة، وبوعيد أهل معصيته على المعصية
فسیحییهم الله في الدنيا ما عاشوا فيها بالرزق
٤٩٠
جوية
القرآن الكريم
المسابقة
الحلال أو القناعة أو السعادة ونحوها)(١).
٧. سعة الرزق وبركته.
وعد الله عز وجل فريقًا من الناس أنهم
إن آمنوا به واتقوه لأغدق عليهم بركاته
السماوية والأرضية في قوله تعالى ﴿وَلَوْأَنَّ
أَهْلَ الْقُرَىِّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَغَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتِ
مِنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].
والمعنى: ولو أن أهل القرى وحدوا الله،
واتقوا الشرك، وما صمموا عليه من الكفر،
ولم يصروا على ما فعلوا من القبائح، ليسرنا
لهم خيرات السماء والأرض، كما يحصل
التيسير الأبواب المغلقة بفتح أبوابها،
والمطر، والنبات، وكثرة المواشي والأنعام
ونحوها(٢).
ولعل القارئ الكريم يتساءل: وما علاقة
الآية بالسابقين و جزائهم الدنيوي؟
والجواب: إذا كان الله جل وعز قد
وعد هؤلاء بالإغداق عليهم من بركات
السماء والأرض عند توحيدهم وتقاهم،
فإنه سبحانه وتعالى يحقق هذه الموعود
لمن يحقق شرطه من الخلق، ولا شك أن
السابقين حازوا قصب السبق في ذلك، ولا
أحد أوفى بعهده من الله تعالی.
٨. الإمامة في الدين وهداية الخلق.
وهذه منحة عظمى من الله تعالى طلبها
(١) جامع البيان، الطبري ٢٨٩/١٧.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣٨٩/٢،
فتح القدير، الشوكاني ٢٥٩/٢.
عباد الرحمن من ربهم سبحانه في دعائهم
إياه ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَجِنَا وَذُرِيَّلِنَا
قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَأَجْعَلْنَا لِلْمُنَّقِينَ إِمَامًا ﴾
[الفرقان: ٧٤].
أي: اجعلنا بحيث يقتدون بنا في إقامة
مراسم الدين، بإفاضة العلم والتوفيق للعمل
الصالح (٣).
ولعل هذا هو لسان حال السابقين؛ لأن
علو الهمة دأبهم، وطلب معالي الأمور
شیمتهم، والسبق في الدين والطاعة سمتهم،
ومن ثم فليس غريبًا عنهم هذا الطلب
والرجاء، ولا نبعد كثيرًا حين نقول: إن
السابقين من عباد الرحمن، والله أعلم.
٩. دعاء واستغفار الملائكة لهم.
من غاية عطاء الله تعالى وكرمه
لعباده المؤمنين أن ألهم ملائكته الدعاء
والاستغفار لهم، وتصديق ذلك قوله تعالى:
﴿الَّذِينَ يَحِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ
رَبِهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا
وَسِعْتَ كُلَّ شَىْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَأَغْفِرْ
لِلَّذِينَ تَابُواْ وَأَتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَفِهِمْ عَذَابَ الْجِيمِ
﴾ [غافر: ٧].
وفيه: يخبر تعالى بخبر يتضمن تشريف
المؤمنين، ويعظم الرجاء لهم، وهو أن
الملائكة الحاملين للعرش والذين حول
العرش - وهؤلاء أفضل الملائكة-
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣١/٦.
www. modoee.com
٤٩١
حرف الميم
يستغفرون للمؤمنين، ويسألون الله لهم جميع موعود الله تعالى لعباده المؤمنين،
وكذلك المتقين أيضًا يشمل السابقين؛
الرحمة والجنة، وهذا معنى قوله تعالى
في غير هذه الآية: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا
مَسْئُولًا ﴾ [الفرقان: ١٦].
لأنهم بلا شك آمنوا واتقوا، بل وسبقوا
غيرهم في الطاعات وسائر القربات، ولو
استرسل البحث في ذلك لطال به المقام،
أي: سألته الملائكة (١).
وأهل السبق لهم النصيب الأوفى من وما وفَّى السابقين حقهم، وهم قد بلغوا ما
بلغوه بالصبر والمثابرة، والصابرون يُؤَفَّوْنَ
هذه الدعوات؛ حيث إنهم لم يكونوا من
المؤمنين وفقط، بل سبقوا غيرهم طاعة
وعبادة وفضلًا.
أجورهم بغير حساب، ولا شك أن واجبنا
نحوهم يتلخص في اقتفاء أثرهم، والسير
على منهجهم،، وتقديرهم وإجلالهم،
١٠. التمكين والنصر.
والذب عنهم، ودعوة الناس إلى سلوك
طريقهم، والسير في ركابهم، ومحبتهم،
والإقبال عليهم، ومن أحب قومًا حشر
معهم ..
وعد الله عباده المؤمنين بالتمكين بمثل
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُالَّذِينَ مَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ اْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ ◌َهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ﴾ [النور:٥٥].
وبالنصر على الأعداء في مثل قوله
تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنَصُرُ رُسُلَنَا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ
فِي الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَدُ
[غافر: ٥١].
فإذا لم يكن السابقون إلى الخيرات
مشمولين بهذين الوعدين الكريمين فَمَنْ؟
وإذا لم يُمْكِّنْ أمثالهم في الأرض لإعمارها،
وإصلاح شؤونها وشؤون أهلها فَمَنْ؟ فهم
أهل لكل تمکین ونصر وخير وبر وبركة.
والناظر في كتاب الله يجد من هذا الصدد
الکثیر والکثیر، لست مبالغًا حین أقول: إن
والآن إلى جولة للبحث أخيرة مع بيان
جزاء السابقين في الآخرة، وذلك فيما يلي:
ثانيًا: ثواب السابقين إلى الخيرات في
الآخرة:
قد وقف البحث بنا فيما مضى على
بعض منح الله تعالى وعطاياه للسابقين إلى
الخيرات في الدنيا، والآن يجول بنا جولة
أخيرة للوقوف على بعض عطاياه سبحانه
لهم في الآخرة، ولا شك أنها خير وأعظم
أجرًا، وأبقى أثرًا، وأعظم نفعًا ﴿وَلَدَارُ
الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: ٣٠].
وسيقف البحث عليها من خلال التأمل
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٤٥٧.
جَوَبُور
القرآن الكريم
٤٩٢
المسابقة
في المواطن الثلاثة الواردة في سور (التوبة أحوال عباده عند الموت، وصنفهم ثلاثة
وفاطر والواقعة)، وسيذكرها البحث -كما أقسام، وجعل أول هذه الثلاثة: المقربين،
هو منهجه- مرتبة مصحفيًّا حسب سورها وكما مر بنا أن المقربين هم السابقون،
وهؤلاء السابقون لهم مكانة عظيمة وكرامة
فيما يلي:
عند ربهم حتى عند قبض أرواحهم، وهذا
١١. فوزهم برضوان الله تعالى.
يوضحه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ
الْمُقَرَّبِينَ (٧) فَرَوْعُ وَرَْجَانٌ وَحَنَّثُ نَعِيمٍ (١)﴾
[الواقعة: ٨٨-٨٩].
أشار القرآن الكريم إلى هذه النعمة
الكبرى في قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ
اَلْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَاتَّبَعُوهُم
◌ِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾
[التوبة: ١٠٠].
والمعنى: ومعنى الكلام- كما يقول
الطبري (١) -: رضي الله عن جميعهم لما
أطاعوه، وأجابوا نبیه إلى ما دعاهم إليه من
أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون
من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم
بإحسان، لما أجزل لهم من الثواب على
طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام.
وأكرم وأنعم بهذه النعمة من منزلة
ومكانة لا تدانيها منزلة مثلها، وأعجبني في
هذا الصدد قول أحد العلماء: لا تعبدوا الله
تعالى ليعطي، بل اعبدوه ليرضى؛ فإنه إن
رضي أدهشکم بعطائه، فاللهم اجعلنا جميعًا
ممن تغدق عليهم بعظيم عطائك.
١٢. فوزهم بالروح والريحان عند قبض
أرواحهم.
ذكر الله تعالى فى نهاية سورة ((الواقعة))
(١) جامع البيان ٤٣٩/١٤.
وفي هاتين الآيتين يوضح الله ما يلاقيه
السابقون المقربون عند موتهم، فعن أبي
العالية قال: لم يكن أحد من المقربين يفارق
الدنيا-والمقربون السابقون-حتى يؤتى
بغصن من ريحان الجنة فيشمه، ثم يقبض.
والمعنى: فأما إن كان الميت من المقربين
الذين قربهم الله من جواره في جنانه ﴿فَرَوْحٌ
وَرَيْجَانٌ﴾ أي: فله الرحمة والراحة والمغفرة،
والرزق الطيب الهنيء، أو المراد: أن أرواح
المقربين تخرج من أبدانهم عند الموت
بریحان تشمه(٢).
وأيما كان تفسير الروح والريحان فإن
المراد بيان كرامة المقربين أهل السبق
عند ربهم سبحانه، وأنهم يبشرون بالراحة
والرحمة والمغفرة، والروائح الطيبة عند
خروج أرواحهم؛ وذلك لطيب أقوالهم
وأعمالهم ومعيشتهم کلها، فاللهم اجعلنا
منهم بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.
(٢) المصدر السابق ١٦٠/٢٣.
www. modoee.com
٤٩٣
حرف الميم
١٣. الفوز بدخول الجنة.
الحديث عن هذه النعمة في آيات القرآن
كثير، لكن أكتفي بما وردت الإشارة به
إلى جزاء السابقين من قوله تعالى ﴿وَأَعَدَّ
لَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾
[التوبة: ١٠٠].
والآية أوضح من أن يعلق عليها، حیث
إنها تبين عظيم امتنان الله على هؤلاء
السابقين بسبق إعداد الجنات لهم، جزاء
وفاقًا لأعمالهم، وهذا فيه مزيد تشريف
وتکریم لهم، فاللهم اجعلنا منهم أجمعين.
١٤. تنوع صنوف النعيم لهم في الجنة.
نَوَّعَ الله تعالى لأهل الجنة عمومًا
ولأهل السبق خصوصًا صنوفًا شتى من
النعيم في الجنات، حتی تسعد نفوسهم،
وتهنا قلوبهم، ولا تمل أجسادهم، تقدیرًا
لسبقهم، ومكافأة على أعمالهم - وإن كان
مبدأ دخولهم الجنة محض فضل من ربهم
الکریم سبحانه- وسنرى الآن كيف نوع الله
هذا النعيم من خلال المواطن الثلاثة - كما
سبق- فيما يلي:
تعدد الجنات.
أشار الله تعالی إلی أنها جنات وليست
جنة واحدة، في قوله: ﴿وَآَعَذَلَهُمْ جَنَّتٍ ﴾
[التوبة: ١٠٠].
والجمع فيه إشارة إلى تنوعها وتعددها،
باعتبار أن لكل واحد منهم جنات جنة
الفردوس، وعدن، والنعيم، ودار الخلد، أو
الجمع باعتبار أنهم جمع، و فیه لفت نظر إلی
أن الجنة منازل ومراتب، وفي كل منزلة من
النعيم العظيم ما فيها، أو الجمع إشارة إلى
سعتها، وكثرة أشجارها وتنوعها (١)، والله
أعلم.
تجري تحتها الأنهار.
ورد هذا الوصف في الموطن الوحيد
في القرآن، وهو قوله: ﴿وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
وسبقت الإشارة إلى سر حذف ((من))
وهو التنبيه على عموم ريها وكثرة مائها،
ولعل تخصيص هذا الموضع بالخلاف؛
لأنه يخص هذه الطائفة، فلعلها تخص بجنة
هي أعظم الجنان رِيًّا وُحسنًا(٢).
* الخلود الأبدي فيها.
إن مما ينغص على أهل النعيم نعيمهم
معرفتهم بأنهم سيفارقون هذا النعيم، أو
النعيم قد یفارقهم، کحال أهل الدنيا، ومن
ثم امتن الله تعالى على أهل السبق إلى الخير
بطمأنتهم من هذه الناحية، وإخبارهم أنهم
مخلدون في الجنات، لا يفارقهم النعيم ولا
هم يفارقونه بقوله تعالى ﴿خَلِينَ فِيهَا أَبَدًّا
ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
مع الإشارة إلى أن ذلك فوز عظيم لا فوز
(١) انظر: المفردات، الراغب ص٢٠٤، مفاتيح
الغيب، الرازي ٣٩١/٢٩.
(٢)
٤٩٤
جَوَبُو
القرآن الكريم