النص المفهرس

صفحات 21-40

المداهنة
الکفار بنص صريح، فقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ
قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَاذُونَ
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُّوْ ءَابَآءَ هُمْ
أَوْ أَبْنَاءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ
كَتَبَ فِى قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَبَّدَهُم بِرُوج
مِّنَةٌ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِىٍ مِن تَّحِهَا الْأَنْهَمُ
خَلِينَ فِيهَأَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴾ [المجادلة: ٢٢].
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
وقال تعالى:
نَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَ أَوْلِيَةُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍِّ
وَمَنْ يَتَوَلَُّ مِنَكُمْ فَإِنَّهُهُ مِنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ ﴾ [المائدة: ٥١].
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
وقال تعالى:
تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا
تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن
كُنَةٌ تَعْقِلُونَ
﴾ [آل عمران: ١١٨].
١١٨)
وأخبر أنه إذا لم يكن المؤمنون بعضهم
أولياء بعض والذين كفروا بعضهم أولياء
بعض، ویتمیز هؤلاء عن هؤلاء، فإنها تكون
فتنة في الأرض وفساد كبير.
ولا ينبغي أبدًا أن يثق المؤمن بغير المؤمن
مهما أظهر من المودة وأبدى من النصح؛
فإن الله تعالى يقول عنهم: ﴿وَدُّواْلَوْتَكْفُرُونَ
كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ
حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهَّ فَإِن تَوَلَوْاْ فَخُذُوهُمْ
وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدِ ثُمُوهُمٌّ وَلَا نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ
وَلِيَّا وَلَا نَصِيرًّا (١)﴾ [النساء: ٨٩].
ويقول سبحانه لنبيه: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنكَ
اُلَْهُودُ وَلَا النَّصَرَى حَتَّى تَتَّعَ مِلَّتُهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى
اللَّهِ هُوَ اَلْهُدَىُّ وَلَيْنِ أَتَّبَعْتَ أَهْوَآءَ هُم بَعْدَ الَّذِى
جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلٍِ وَلَا نَصِيرٍ
١٢٠) ﴾ [البقرة: ١٢٠].
والواجب على المؤمن أن يعتمد على
الله في تنفيذ شرعه، وأن لا تأخذه فيه لومة
لائم، وأن لا يخاف من أعدائه، فقد قال
الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُّ ◌ُحَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ.
فَلَ تَّخَافُوهُمْ وَخَافُونٍ إِنكُنتُم مُّؤْمِينَ )﴾
[آل
عمران: ١٧٥].
وقد جاء النص الصريح من كتاب الله عز
وجل على أن من اتخذ الكفار أولياء من دون
المؤمنين أنه: منافق لا يؤمن بالله ولا بالنبي
وما أنزل إليه وأنه من جملة الكفار الذين
والاهم ونصرهم.
قال تعالى: ﴿بَشْرِ الْمُنَفِقِينَ بِأَنَّ لَمْ عَذَابًا
أَلِيمًا (٦) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن
دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ
لِلَّهِ جَمِيعًا (١)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].
وخلاصة الأمر أن الإنسان إذا أظهر
للمشركين الموافقة على دينهم خوفًا منهم
ومداراة لهم ومداهنة لدفع شرهم فإنه كافر
مثلهم وإن کان یکره دینهم ويبغضهم ویحب
الإسلام والمسلمين.
www. modoee.com
١٨٥

حرف الميم
أسباب المداهنة المشروعة
لا شك أن النفوس المطبوعة على
المداراة نفوسٌ أدركت أن الناس خلقوا
ليكونوا في الائتلاف کجسد واحد، وشأن
الأعضاء السليمة أن تكون ملتئمةً متماسكةً
على قدر ما فيها من حياة، ولا تنكر عضوًا
ركب معها في جسد إلا أن يصاب بعلةٍ يعجز
الاطباء أن يصفوا لها دواء (١).
ومن هنا تبرز أهمية الاتحاد والتعاون
الاجتماعي. وفي المقابل نجد النفوس
الشريرة لا تسعى لتحقيق هذا الخلق النبيل.
بل تعمل صباح مساء على إشعال نار الفتنة
وتهييج النفوس وشحنها بالبغضاء وحثها
على الخراب والقتل والدمار. ولا شك أنه
لحصول ذلك كله أسبابٌ ودواعٍ تقتضيه.
وهذا ما سنبينه بحول الله وقوته فيّما يأتي:
أولًا: أسباب المداهنة المشروعة:
١. مداراة الناس صدقة.
قال ابن حجر: ما ورد فيه صريحًا: أي في
جواز المداراة حديث جابر رضي الله عنه
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مداراة
الناس صدقة)(٢).
(١) رسائل الإصلاح، محمد الخضر حسين
ص١٢٩.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ١/ ٣٤٧، وأبو
نعيم في الحلية، ٨/ ٢٤٦.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
جوبيع
القرآن الكريم
وقال أبو حامد الغزالي (( الناس ثلاثة:
أحدهم مثل الغذاء لا يستغنى عنه. والآخر
مثل الدواء يحتاج اليه في وقت دون وقت.
والثالث: مثل الداء لا يحتاج اليه لكن العبد
اذا ابتلي به وهو الذي لا أنس فيه ولا نفع
فتجب مداراته الى الخلاص منه(٣).
ومعنى الحديث: أن المداراة واللين
والتعطف تكون صدقةً على صاحبها
إذا ابتلي الرجل بمخالطة الناس معاملةٌ
ومعاشرةً فألان جانبه معهم وتلطف ولم
ينفر منهم (٤).
٢. المداراة من الحكمة والذكاء
لإرضاء الناس.
لما كانت المداراة رأس العقل صارت
بدهيًا من الحكمة والذكاء.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال ( رأس
العقل بعد الايمان بالله مداراة الناس»(٥).
والمداراة يبتغى بها رضى الناس
وتأليفهم في حدود ما ينبغي أن يكون، فلا
يبعدك عنها قضاء بالقسط أو إلقاء نصيحة
في رفق. والمداراة ترجع الى ذكاء الشخص
ص٧٥٩، رقم ٥٢٥٥.
(٣) إحياء علوم الدين ٢/ ٣١٢.
(٤) انظر: التقية والمداهنة والمداراة في القران،
عبد المنعم إبراهیم ص٤٥.
(٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الاخلاق ص
١٣٩.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص٤٥٢، رقم ٣٠٧١.
١٨٦

المداهنة
وهو الذي يراعي في مقدارها وطريقتها ما
ينبغي أن يكون ولأسباب العداوة مدخل في
تفاوت مقادير المداراة واختلاف طرقها (١).
والمداراة من أخلاق الأنبياء عليهم
السلام.
قال شعيب عليه السلام لقومه:
وَإِلَى مَنْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ
اَللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرَةٌ وَلَا تَنْقُصُواْ
اَلْمِكْبَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَّ أَرَنِكُمْ بِخَيْرٍ
وَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ
وَيَقَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ
٨٤
بالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا
تَعْثَوْاْ فِى الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿ يَقِيَّتُ اللَّهِ
خَيْرٌ لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينٌّ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ
بَحَفِيظٍ ﴾ قَالُواْ يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ
تَأْمُكَ أَن تَتْرُكَ مَا يَعْبُّدُ ءَابَآؤُنَّ أَوْ أَن نَّفْعَلَ
فِىّ أَمْوَ لِنَا مَا نَشَتؤََّإِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِنكُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن
٨٧
رَّبِى وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ
إِلَى مَآ أَنْهَنَكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّ الْإِصْلَحَ
مَا أَسْتَطَعْتُّ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَلْتُ وَإِلَيْهِ
أُنِيبُ ﴾ [هود: ٨٤ - ٨٨].
وقال نوح لقومه: ﴿قَالَ بَقَوْرِ أَرَءَيْتُمُ
إِن كُنتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِن ◌َِّ وَءَالَنِى رَحْمَةُ مِنْ عِنْدِهِ،
فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنْلِ مُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَمَا كَلِهُونَ
٢٨
(١) رسائل الإصلاح، محمد الخضر حسين ص
١٣٤.
وَيَقَوْمِ لَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مَا لََّ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى
اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّهُم مُّلَقُواْرَتِهِمْ
وَلَكِنِّي أَرَ فَكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ ) وَيَقَوْمِ مَن
يَنْصُرُ نِ مِنَ اللَّهِ إِن طَرَيْتُهُمْ أَفَلَا نَذَكَّرُونَ () وَلَّ
أَقُولُ لَكُمْ عِندِى خَزَِّنُ اَللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَآ
أَقُولُ إِّ مَلَكٌّ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُئُكُمْ
لَنْ يُؤْتِيَّهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمَّ إِّ إِذًّا
لَّمِنَ الفَّْلِمِينَ {﴾ [هود: ٢٨ - ٣١].
أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالمداراة
وفعله إياها.
فقد روي أن النبي صلی الله عليه وسلم
قال: (إنا لنكشر في وجوه القوم وقلوبنا
تلعنهم) (٢).
وفي رواية أخرى ما يؤيدذلك، فعن جرير
ابن عبد الله قال: (جاء ناسٌ من الأعراب
الی رسول الله صلی الله عليه وسلم، فقالوا:
إن ناسًا من المصدقين يأتونا فيظلمونا، قال
فقال: «أرضوا مصدقیکم»، فقالوا: يا رسول
الله وإن ظلمونا؟ قال: ((أرضوا مصدقيكم))
وزاد عثمان و ((إن ظلمتم)))(٣).
٣. المداراة علاج للعداوة بين الناس.
قال تعالى: ﴿وَلَّا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَ الَّذِى بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيدٌ {
(٣٤)﴾ [فصلت:
٣٤].
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
إرضاء السعاة، رقم ٩٨٩.
www. modoee.com
١٨٧

حرف الميم
((يقول ابن عباس رضي الله عنهما في والكلمة الطيبة) (٢).
تفسيرها: أمر الله المؤمنين بالصبر عند
الغضب والحلم عند الجهل والعفو عند
الإساءة فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من
الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي
حميم)) (١).
ثانيًا: صور من المداهنة المشروعة:
الصورة الأولى: المداراة بالكلمة
اللينة والقول الحسن، كما في قوله تعالى:
﴿وَقُولُو ◌ْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
((فينبغي على الإنسان عند تعامله مع
الناس، ودعوتهم إلى الخير أن يخاطبهم
بالطيب من الكلام مبتعدًا عن الألفاظ
والكلمات النابية، من اللعن والسب
والشتم، والإغلاظ في القول، متأسيا برسول
الله صلى الله عليه وسلم في معاملاته مع
الناس، وسأكتفي بذكر بعض الأحاديث
الدالة على أهمية الكلمة اللينة، والكلام
الحسن، وأنهما من أفضل الأعمال عند الله
سبحانه، وبهما ترتفع درجة العبد عند ربه عز
وجل وينال بهما إذا أضيفا إلى بقية أعماله
الصالحة رضوان الله سبحانه والفوز بالجنة.
فعن أنس رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عدوى،
ولا طيرة، ويعجبني الفأل، الكلمة الحسنة
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/٢٥.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه من
حديث طويل رواه عن النبي صلى الله عليه
وسلم لما سأله ربه عز وجل عن الدرجات.
قال: (أي: الله سبحانه) وما الدرجات؟
قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة
والناس نيام)(٣).
والكلمة الطيبة في النفوس مفعول أكثر
من إعطائها المال، فعن عروة بن الزبير بن
العوام قال: مكتوب في الحكمة: لتكن
كلمتك طيبة، وليكن وجهك بسطا تكن
أحب إلى الناس ممن يعطيهم العطاء (٤).
وفي المقابل فإن للكلمة السيئة أثرًا في
نفوس السامعين، فقد تؤدي إلى الوقوع في
أعراض الناس وغیبتهم، ونسبتهم إلى ما هو
غیر کائن، كما يفهم ذلك من مفهوم الآيات
والأحاديث السابقة.
والأحاديث النبوية، وأقوال أهل العلم
كثيرة في هذا الموضوع تبين أهمية الكلمة
الطيبة وأثرها على الأفراد والجماعات.
الصورة الثانية: المداراة بطلاقة الوجه
والبشر: التبسم والضحك والانبساط،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب السلام،
باب الطيرة والفأل، رقم ٢٢٢٤.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب وسورة ص، رقم ٣٢٣٥.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٤) انظر: مداراة الناس، ابن أبي الدنيا ص٤٩.
١٨٨

المداهنة
ومن ذلك ما روي عن أبي الدرداء أنه قال: فرحبوا بهم، وخلوا بينهم وبين ما يبتغون،
(إنا لنكشر في وجوه أقوام، وإن قلوبنا فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها،
وأرضوهم فإن تمام زكاتكم رضاهم
وليدعوا لكم)(٥) .
لتلعنهم)(١).
ونكشر في وجوه القوم: أي: نبسم في
وجوههم. وكاشره: إذا ضحك في وجهه
وباسطه (٢).
وكان عليه الصلاة والسلام كما ثبت في
بعض الأحاديث، إذا لقي رجلًا هاشًا باشا
صافحه وأقبل عليه. روی عكرمة قال: (كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي
الرجل فرأى في وجهه البشر صافحه)(٣).
ولقد عد الرسول صلی الله عليه وسلم
التبسم من الصدقة، فعن أبي ذر رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم:(تبسمك في وجه أخيك صدقة)(٤).
ويلحق بطلاقة الوجه والبشر، الترحيب
بالفاجر وإلانة الكلام له.
فعن عبدالرحمن بن جابر بن عتيك عن
أبیه أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال:
(سيأتيكم ركيب مبغضون. فإذا جاءوكم
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب المداراة مع الناس معلقًا، ٨/ ٣١.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٦١/٣.
(٣) انظر: مداراة الناس، ابن أبي الدنيا ص ٦٣.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة،
باب صنائع المعروف، رقم ١٩٥٦.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٦١/١، رقم ٢٩٠٨.
هذه الأدلة وأمثالها تبين لنا أهمية طلاقة
الوجه والبسمة والضحك في إقامة بعض
الروابط والعلاقات الاجتماعية بين الناس.
الصورة الثالثة: المداراة بالعطايا والهبات
الإحسان إلى الداخلين في الإسلام
حديثا، إنما شرع لتحبيبهم في الإسلام
وجذبهم إليه، واستبعادهم عن الشرك،
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم
يحسن إليهم بالقول والفعل، بالكلمة
الطيبة، والملاطفة والانبساط في وجوههم،
أو بإعطائهم مالًا، أو عقارًا تأليفًا لقلوبهم،
ليحسن إسلامهم والحوادث التي تدل على
ذلك من سيرة الرسول صلی الله عليه وسلم
كثيرة أذكر طرفًا منها:
بعد غزوتي حنين والطائف حيث حسن
إسلام أكثر المؤلفة قلوبهم وانخرطوا في
الجهاد يدافعون عن الإسلام ويتمنون
الشهادة في سبيل الله، بل وانقلب بغضهم
الشديد للرسول صلى الله عليه وسلم إلى
حبٍ سيطر على قلوبهم وعقولهم فعن
(٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الزكاة، باب
رضا المصدق، ١٠٥/٢، رقم ١٥٨٨.
وضعفه الألباني في ضعيف أبي داود، الأم،
١٠٩/٢، رقم ٢٧٨.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الميم
صفوان قال: (والله لقد أعطاني رسول الناس بالباطل، أو اتقاء شرهم وفحشهم، أو
إبعادهم عن غیهم وفسادهم.
الله صلى الله عليه وسلم ما أعطاني، وإنه
لأبغض الناس إلي، ما برح يعطيني حتى إنه
لأحب الناس إلي)(١).
وتظهر حكمة مداراة الرسول صلى
الله عليه وسلم للأنصار عندما غضبوا من
طريقة توزيع الغنائم بعد غزوة الطائف. قال
لهم: (أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا،
وتذهبون أنتم برسول الله تحوزونه إلى
بیوتکم؟ قالوا: بلی یا رسول الله رضينا.
فقال: لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار
شعبًا لأخذت شعب الأنصار). وفي رواية
أخرى: (ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء
والإبل وتذهبون برسول الله إلى رحالكم.
الأنصار شعار والناس دثار ولولا الهجرة
لكنت امرًا من الأنصار)(٢).
الصورة الرابعة: المداراة بالنصيحة
والدعاء للحكام.
و المقصود هنا، کیف نتعامل مع الحكام
سواء أكانوا من الكفار أم من المسلمين،
وكيف نتعامل مع الفجار، والفسقة
وأضرابهم من الناس، إما لجلبهم للدين،
أو ردهم عن الظلم والتجبر وأكل أموال
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
شيئًا قط فقال: لا، ٤ /١٨٠٦، رقم ٢٣١٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
إعطاء المؤلفة قلوبهم، رقم ١٠٦١.
لا شك أن هذا الأسلوب لا يكون إلا
بالطرق الطيبة الحكيمة مثل الكلام اللطيف،
والابتسامة الرقيقة، والتنبيه على الأخطاء
برفق ولطف، وأسلوب حسن، والدعاء لهم
بالهداية والتوفيق، وأن يعينهم الله على ترك
الباطل، وإقامة الحق، والتعاون معهم على
الخير. وإذا ما تم ذلك فقد يضمحل الشر
في نفوسهم، أو یزول، ویکثر الخیر، وأيضًا
عدم التشهير بعيوبهم، والتشنيع عليهم على
رؤوس الأشهاد لما فيه من الفساد والفتنة
والاقتتال، وسفك الدماء. ولا يخفى ما
فعله الخارجون على الخليفة عثمان رضي
الله عنه حينما أنكروا عليه بعض أعماله
علنًا، فأدى ذلك إلى الاقتتال، والفتنة بين
المسلمین، و تفریق وحدتهم وجماعتهم.
ويفهم أيضًا من قوله تعالى لموسى
وهارون - عليهما السلام - عندما أمرهما
سبحانه: بالذهاب إلى فرعون، ودعوته
للحق قال سبحانه ﴿فَقُولَا لَهُ، قَوْلًا لَِّنَا لَعَلَّهُ.
يَتَذَكَّرُ أَوْيَخْشَى ﴾ [طه: ٤٤].
ويفهم أيضًا من أحاديث الرسول صلى
الله عليه وسلم في كيفية معاملة الأمراء
لمصلحة حقن دماء المسلمين ومنع سفكها
بغير حق فعن أم سلمة رضي الله عنها،
أن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال:
مَوَسُولَة التي
القرآن الكريم
١٩٠

المداهنة
(ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن والمجاملة، والعطف، والإغضاء عن
الهفوات، والصبر على الأذى، للمحافظة
على تماسك الأسرة، وصفاء جوها.
عرف برئ ومن أنکر سلم، ولکن من رضي
وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم. قال: لا ما صلوا).
وفي رواية: (قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم
عند ذلك، قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا
ما أقاموا فیکم الصلاة، إلا من ولي عليه وال
فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فليكره ما يأتي
من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة)(١).
قال النووي: ((أمرنا الرسول صلى الله
عليه وسلم بالصبر عليهم، وإن ظلموا
مع كراهة أفعالهم بقلوبنا للبراءة من الإثم إذا
لم نستطع أن نغير المنكر باليد واللسان»(٢).
الصورة الخامسة: المداراة بالصحبة
الجميلة والمعاشرة الحسنة.
الأسرة قائمة على المودة والرحمة،
والإحسان، والمعروف. حتى في أشد
الحالات وأصعبها، کالطلاق مثلاً.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ
◌ِعْرُوفٍ وَلَا تُنِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِنِعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ [البقرة: ٢٣١].
والعلاقات الأسرية، وبخاصة
بين الزوجين ينبغي أن يسودها اللين،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف
الشرع وترك قتالهم ما صلوا، رقم ١٨٥٤.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم ١٤٨/٣.
يقول تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ
فِيهِ خَيْراً كَثِيرًا ﴾ [النساء: ١٩].
والعشرة بين الزوجين، كما هو معلوم
تكون بالقول والفعل، والصحبة الجميلة
وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، والرفق،
وكف الأذى، وعدم إظهار الكراهة وغير
وأكلوا أموال الناس بالباطل، واللين معهم ذلك. ويفعل ذلك كله بإقبال وبشر وطلاقة
وجه.
ولعل الحكمة من مجاهدة النفس
والتخلق بالأخلاق الجميلة، هو زوال
الكراهة بين الزوجين لتخلفها المحبة
بينهما(٣).
والأدلة من السنة النبوية الكريمة،
المؤكدة على حسن معاشرة الرجل لزوجته
والوصاة بها كثيرة.
روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة
کالضلع. إن أقمتها کسرتها، وان استمعت
بها استمعت بها وفیھا عوج)(٤).
وفي لفظ آخر عنه: (إن المرأة خلقت
من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، وإن
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٧٢ .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب المداراة مع النساء، رقم ٥١٨٤.
www. modoee.com
١٩١

حرف الميم
استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي
صلی الله علیه وسلم قال: (من كان يؤمن
بالله واليوم الآخر. فلا يؤذ جاره، واستوصوا
بالنساء خيرا. فإنهن خلقن من ضلع، وإن
أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت
تقيمه كسرته، وان تركته لم يزل أعوج
فاستوصوا بالنساء خيرًا)(٢).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (استوصوا
بالنساء خيرًا) كأن فيه رمزًا إلى التقويم
برفق بحيث لا يبالغ فيه فيكسر، ولا يتركه
فيستمر على عوجه والمراد أن يتركها على
اعوجاجها في الأمور المباحة، وأن لا يتركها
على الاعوجاج إذا تعدت ما طبعت علیه من
النقص، إلى تعاطي المعصية بمباشرتها أو
ترك الواجب(٣).
ففي هذه الأحاديث، الندب إلى المداراة
لاستمالة النفوس وتألف القلوب، وفيها:
سياسة النساء بأخذ العفو منهن، والصبر على
عوجهن. وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع
بهن. مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة یسکن
إليها، ويستعين بها على معاشه، فالاستمتاع
(١).
بها لا يتم إلا بالصبر عليها (٤).
ومن هديه صلى الله عليه وسلم في
المداراة أنه كان يرسل الجواري إلى عائشة -
رضي الله عنها - يلاعبنها بالبنات (اللعب)
فعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تلعب
بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه
وسلم قالت: وکانت تأتيني صواحبي فکن
ینقمعن من رسول الله صلی الله عليه وسلم.
قالت: فکان رسول الله صلی الله عليه وسلم
يسربهن إلي)(٥).
ومن هديه صلى الله عليه وسلم أيضا أنه
كان يصلح بينهن حال خصومتهن من غيرة
ونحوها. فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان
النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه
فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة
فيها طعام. فضربت التي النبي صلى الله عليه
وسلم في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة
فانفلتت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم
فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام
الذي كان في الصحفة ويقول: غارت أمكم.
ثم حبس الخادم حتى أتى بصحفة من عند
التي هو في بيتها، فدفع الصحفة الصحيحة
إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب المداراة مع النساء، رقم ٥١٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الوصاة بالنساء، رقم ٥١٨٥.
(٣) فتح الباري، ابن حجر ٢٥٣/١٠.
(٤) المصدر السابق.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، باب في
فضل عائشة أم المؤمنين، رقم ٢٤٤٠.
١٩٢
القرآن الكريمِ

المداهنة
المكسورة في بیت التي کسرت فيه)(١).
وقد أباح النبي صلی الله عليه وسلم
الكذب بين الزوجين، لمصلحة التآلف.
فعن ابن شهاب أن حمید بن عبدالرحمن
أخبره أن أمه أم كلثوم بنت عقبة أخبرته أنها
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
یقول (لیس الکذاب الذي یصلح بين الناس
ويقول خيرًا وينمي خيرًا).
قال ابن شهاب: ولم أسمع یرخص في
شيء مما یقول الناس کذب إلا في ثلاث:
الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث
الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها))(٢).
ولقد علمنا الرسول صلى الله عليه
وسلم في أحاديث كثيرة كيفية التعامل مع
الأبناء والصغار، أذكر منها على سبيل المثال
لا الحصر.
ما روته عائشة رضى الله عنها قالت: (قدم
ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبیانكم؟ فقال:
نعم، قالوا: لكنا والله ما نقبل، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (أو أملك إن كان
الله نزع من قلوبكم الرحمة)(٣).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الغيرة، رقم ٥٢٢٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب تحريم الكذب وبيان ما يباح
منه، ٢٠١١/٤، رقم ٢٦٠٥.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب رحمته صلّى الله عليه وسلم الصبيان
وأرشدنا الرسول صلى الله عليه وسلم
كذلك إلى الإحسان إلى البنات والصبر
علیهم فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما
من رجل تدرك له ابنتان فیحسن إليهما، ما
صحبتاه، أو صحبهما إلا أدخلتاه الجنة) (٤).
وعن عقبة بن عامر قال سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من كان
له ثلاث بنات، فصبر عليهن وأطعمهن
وسقاهن و کساهن من جدته. کن له حجابًا
من النار يوم القيامة) (٥).
وفي الباب أحاديث كثيرة تبين كيفية
مداراته صلى الله عليه وسلم للصغار من
حیث التحبب إليهم وملاينتهم وملاعبتهم،
والتجاوز عن هفواتھم وأخطائهم، والدعاء
لهم. ومعلوم کیف کان صلی الله عليه وسلم
يعامل الأطفال الصغار، وينهي عن زجرهم
إذا ما ارتكبوا خطأ ما. وبلغ من مداراته
والعيال، ١٨٠٨/٤، رقم ٢٣١٧.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥/٤، رقم ٢١٠٤،
وابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب بر
الوالد والإحسان إلى البنات، ٢/ ١٢١٠، رقم
٣٦٧٠.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
٦/ ٦٤٤، رقم ٢٧٧٦.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٢٢/٢٨،
رقم ١٧٤٠٣، وابن ماجه في سننه، كتاب
الأدب، باب بر الوالد والإحسان إلى البنات،
٢/ ١٢١٠، رقم ٣٦٦٩.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٠٦/٢، رقم ٦٤٨٨.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الميم
صلى الله عليه وسلم لهم أنه حمل جارية
صغيرة على عنقه في الصلاة. فعن أبي قتادة
الأنصاري رضي الله عنه قال: (رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت
أبي العاص وهي ابنة زينب بنت رسول الله
صلى الله عليه وسلم على عاتقه، فإذا ركع
وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب إذا حمل جارية صغيرة على عنقه في
الصلاة، رقم ٥١٦.
أسباب المداهنة المحرمة
سبق وأن ذكرنا أن المداهنة المحرمة نوع
من أنواع الموالاة للكفار؛ لأن المداهن إنما
خالف بصنيعه هذا نهج الرسل وأتباعهم
وهو بالإضافة إلى تركه واجب الأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر؛ معينٌ على
إشاعة المنكر في المجتمع لأن الظلمة
والفجرة إذا رأوا ذلك زادوا في فجورهم
ولعل لهذا وغيره استحق المداهن اللعن في
کل ملة؛ لأنه كان - فوق كل ما تقدم - یزین
القبيح ويقبح المليح. وهذا كله أدعى لأن
نقف على الأسباب المؤدية لهذا التردي
المهلك وصورٍ منها من خلال ما يلي:
أولًا: أسباب المداهنة المحرمة:
١. المداهنة للإضلال.
وقد حكى القران الكريم ذلك في قوله
تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْتُهُ.
◌َمَّت طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا
يُضِلُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمّ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن
شَىْءٍّ وَأَنزَلَ اَللَّهُ عَلَيْكَ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةَ
وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمّ وَكَانَ فَضْلُ اَللّهِ
عَلَيْكَ عَظِيمًا ( ١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
ولما كانت المداهنة كما تقدم محرمة،
عصم الله بفضل منه ورحمة نبيه صلى
الله عليه وسلم منها لأنها ضلال وإضلال،
وكذلك عصمة غيره إنما هي فضل من الله
١٩٤
القرآن الكريم

المداهنة
ورحمة من باب أولى.
قال الرازي في تفسير قوله تعالى:
﴿لَمَّت ظَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ ﴾
((والمعنى: ولولا أن الله خصك بالفضل
وهو النبوة، وبالرحمة. وهي: العصمة
لهمت طائفةٌ منهم أن يضلوك، وذلك لأن
قوم طعمة كانوا قد عرفوا أنه سارق، ثم
سألوا النبي عليه السلام أن يدفع ويجادل
عنه ويبرئه عن السرقة، وينسب تلك السرقة
إلى اليهودي، ومعنى يضلوك أي: يلقوك
في الحكم الباطل الخطأ - وهو التواطؤ
معهم - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ
إِلََّ أَنْفُسَهُمْ﴾ بسبب تعاونهم على الإثم
والعدوان، وشهادتهم بالزور والبهتان، فهم
لما أقدموا على هذه الأعمال فهم الذين
يعملون عمل الضالين. ثم قال تعالى: ﴿وَمَا
يَضُرُونَكَ مِن شَىْءٍ﴾ أي: وما يضرونك في
المستقبل، فوعده الله تعالى في هذه الآية
بإدامة العصمة له مما يريدون من إيقاعه في
الباطل. أو المعنى أنهم وإن سعوا في إلقائك
في الباطل فأنت ما وقعت في الباطل؛ لأنك
بنيت الأمر على ظاهر الحال، وأنت ما أمرت
إلا ببناء الأحكام على الظواهر))(١).
٢. الجهل بالمداهنة وحدودها وأبوابها
وعلاماتها وعلاجها.
حقّا من لم یعرف الشر یقع فیه. لذا كان
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٣٢.
حذيفة رضي الله عنه يسأل عن الشر مخافة
أن یدرکه» (٢)، و کیما يعرفه فيتقیه ومن ذلك
رذائل الأخلاق وأرذلها المداهنة، فیلزم کل
أحد أن يعرفها وحدودها وأسبابها وكيفية
اجتنابها وطرق علاجها إن وقع في شيء
منها قل أو كثر.
يقول صاحب رد المحتار على الدر
المختار: ((واعلم أن تعلم الإخلاص وتعلم
الحذر من العجب والحسد والرياء فرض
عين. ومثلها غيرها من آفات النفوس: كالكبر
والشح والحقد والغش والغضب والعداوة
والبغضاء والطمع والبخل والبطر والخيلاء
والخيانة والمداهنة والاستكبار عن الحق
والمكر والمخادعة والقسوة وطول الأمل
ونحوها مما هو مبين في ربع المهلكات من
الإحياء قال فيه: ولا ينفك عنها بشر، فيلزمه
أن يتعلم منها ما یری نفسه محتاجًا إليه،
وإزالتها فرض عين ولا يمكن إلا بمعرفة
حدودها وأسبابها وعلاماتها وعلاجها، فإن
من لا يعرف الشر يقع فيه)) (٣).
٣. الحرص على الإمارة.
الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فنعمت
المرضعة ويئست الفاطمة؛ لأنه إذا فطم عنها
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الامارة،
باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين، رقم
١٨٤٧.
(٣) رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين
٤٤/١.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الميم
وعزل منها وكان قد ذاق لذة الإمارة بما فيها غير الولايات، ولكن خاف عليها أن تتغير
إذا ذاقت لذة الولاية، وأن تستحلي الجاه،
من جاه ونفاذ الأمر وغير ذلك، ربما لا یصبر
الضعيف على ألم الفطام، فیداهن ویترخص،
ويبيع من دينه ما يظن أنه سيحفظ عليه ولايته
وجاهه وسلطانه، فهذا من الضعيف بمكان،
وهذا يمنع من الإمارة ويزجر عنها زجرًا،
لأنه أفسد لدینه من الذئب الجائع إذا أرسل
في زريبة الغنم.
وتستلذ نفاذ الأمر، فتكره العزل فيداهن
خيفةً من العزل، فهذا قد اختلف العلماء
في أنه هل يلزمه الهرب من تقليد الولاية أم
لا؟ فقال القائلون: لا يجب؛ لأن هذا خوف
أمرٍ في المستقبل، وهو في الحال لم يعهد
نفسه إلا قوية في ملازمة الحق، وترك لذات
النفس، والصحيح أن عليه الاحتراز؛ لأن
والأحاديث في النهي عن الحرص على
الإمارة كثيرة.
النفس خداعة، مدعيةٌ للحق، واعدةٌ للخير،
فلو وعدت بالخير جزمًا لكان يخاف عليها
فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال
لي رسول الله صلی الله عليه وسلم: (عبد
الرحمن لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها
عن مسألة، أکلت إليها، وإن أعطيتها عن غير
مسألة أعنت عليها) (١).
أن تتغير عند الولاية، وإذا أظهرت التردد
والامتناع عن قبول الولاية؛ لكان أهون من
العزل منها بعد الشروع فيها. فالعزل مؤلم،
وهو كما قيل ((العزل طلاق الرجال)) فإذا
شرع لا تسمح نفسه بالعزل، وتميل نفسه
إلى المداهنة، وإهمال الحق، وتهوي به
في قعر جهنم، ولا يستطيع النزوع منه إلى
الموت إلا أن یعزل قهرًا(٣).
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: (قلت:
يا رسول الله ألا تستعملني ؟ قال: فضرب
بيده على منكبي، ثم قال: (يا أبا ذر إنك
ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خذيٌ
وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي
علیه فيها)(٢).
٤. تولي الضعيف القضاء.
أما القضاء فحكمه حكم الإمارة، لا
قال الغزالي: (( ومن جرب نفسه فرآها ينبغي أن يتقلده الضعفاء ممن لهم تعلق
بالدنيا وله في قلوبهم قيمة ووزن، فإن
رأی من نفسه ذلك أو أنه لا يحظى بهذا
المنصب أو الاستمرار فيه إلا بمداهنة
السلاطين الظلمة، وإهمال وترك بعض
صابرةً على الحق، كافةً عن الشهوات في
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب النهي عن طلب الامارة والحرص عليها،
رقم ١٦٥٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب كراهة الامارة بغير ضرورة، رقم ١٨٢٥.
جوية
القرآن الكريم
(٣) إحياء علوم الدين ٣١٦/٣.
١٩٦

المداهنة
حقوق المسلمين لأجلهم، فليس له أن يتقلد المتعلقين بهم، إذ يعلم أنه لو حكم عليهم
القضاء.
قال الغزالي: وأما القضاء فهو وإن كان يتقلد القضاء، وإن تقلده فعليه أن يطالبهم
دون الخلافة والإمارة، فهو في معناها فإن
كل ذي ولاية أمير، أي: له أمرٌ نافذ، والإمارة
محبوبة بالطبع، والثواب في القضاء عظيم
مع اتباع الحق، والعقاب فيه أيضًا عظيم مع
العدول عن الحق.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:
(القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاضٍ في
الجنة) (١).
وقال عليه السلام: (من استقضى فقد
ذبح بغیر سکین)(٢).
فحكمه حكم الإمارة، ينبغي أن يتركه
الضعفاء، وكل من كانت الدنيا ولذاتها
لها وزن في عينه، وليتقلده الأقوياء الذین
لا تأخذهم في الله لومة لائم، ومهما
كان السلاطين ظلمة، ولم يقدر القاضي
على القضاء إلا بمداهنتهم، وإهمال
بعض الحقوق لأجلهم، وأجل المسلمين
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأقضية، باب
في القاضي يخطئ، رقم ٣٥٧٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨١٨/٢، رقم ٤٤٤٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الأحكام،
باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في القاضي، رقم ١٣٢٥.
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ١٠٦٥، رقم ٦١٩٠.
بالحق لعزلوه، أو لم يطيعوه، فليس له أن
بالحقوق، ولا يكون خوف العزل عذرًا
مرخصًا له في الإهمال أصلًا، بل إذا عزل
سقطت العهدة، فينبغي أن يفرح بالعزل إن
کان یقضي لله، فإن لم تسمح نفسه بذلك،
فهو إذن يقضي لاتباع الهوى والشيطان،
فكيف يرتقب عليه ثوابًا وهو مع الظلمة في
الدرك الأسفل من النار (٣) ؟!
٥. الوعظ والفتوى والتدريس ورواية
الحديث لغير المؤهل.
الوعظ والفتوى والتدریس حكمه حكم
الإمارة والقضاء، فمن لم يكن نيته في ذلك
إلا طلب الجاه والشرف والمنزلة في قلوب
الناس والأكل بالدين بأي صورة كانت،
والتفاخر والتكاثر والتنافس، فينبغي أن يترك
ذلك ويخالف هواء في ذلك کله إلی أن یأمن
علی نفسه من هذه الفتن، ویکون نیته وهمته
هداية الخلق، ويقوى على ذلك.
قال الغزالي: وأما المواعظ والفتوى
والتدريس ورواية الحديث وجمع الأسانيد،
وكل ما يتسع بسبببه الجاه، ويعظم به القدر،
فآفته أيضًا مثل آفة الولايات، وقد كان
الخائفون من السلف يتدافعون الفتوى ما
وجدوا إلیه سبیلا، فمن لا باعث له إلا طلب
(٣) إحياء علوم الدين ٤ / ١٢٠.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الميم
الجاه والمنزلة، والأكل بالدين والتفاخر بقدوم فتن كقطع الليل تدعو الإنسان
للمداهنة وبیع دینه بعرض من الدنيا قليل.
والتكاثر، فينبغي أن یترکه، ويخالف الهوى
فیه، إلا أن ترتاض نفسه، وتقوى في الدين
همته، ويأمن على نفسه الفتنة، فعند ذلك
يعود إليه(١).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال
الصالحة؛ فستكون فتن كقطع الليل المظلم،
يصبح الرجل مؤمناً، ويمسي كافرًا)(٣).
ومعلوم أن السلطة والإمارة لو تعطلت
لبطل الدين والدنيا جميعًا، وثار القتال
بين الخلق، وزال الأمن، وخربت البلاد،
وتعطلت المعايش، فلم نهي عن ذلك؟
وضرب عمر رضي الله عنه أبي بن کعب لما
رأی قومًا يتبعونه، وهو في ذلك يقول: أبيّ
سيد المسلمين، وكان يقرأ عليه القرآن، فمنع
من أن يتبعوه، وقال ذلك فتنة على المتبوع،
ومذلة علی التابع. وعمر رضي الله عنه كان
بنفسه یخطب ويعظ ولا يمتنع منه (٢).
٦. الفتن بوجه عام أو التعلل بها أو بالأولاد
ونحوهم.
قد يظن البعض أن ترك الواجبات
والفرائض من أسباب النجاة من الفتن
كما ترك المنافقون الغزو مع الرسول بهذه
الدعوى قائلين: ﴿أَثْذَنْ لِ وَلَا نَفْتِنِّيِّ
فرد الله دعواهم بقوله: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ
سَقَطُواْ ﴾ [التوبة: ٤٩].
لذلك؛ فإن الرسول هنا يرشد إلى
المبادرة بالأعمال الصالحة ويعلل ذلك
(١) المصدر السابق ٣١٦/٣.
(٢) المصدر السابق ٤ /١٢١.
ومعنى (ويمسي مؤمنًا، ويصبح كافرًا،
يبيع دينه بعرض) أي: متاع وحطام من الدنيا،
استئناف بیاني أي: أن سبب کفره بيعه، أي:
أخذه العرض في مقابلة دينه، بأن يأخذ أو
یستحل مال أخيه المسلم، أو يستحل الربا
والغش أو نحوه مما أجمع على تحريمه،
وعلم من الدين بالضرورة (٤).
ومن الفتن الحرص على الأولاد،
والخوف عليهم من الضياع - كما يلقي
الشيطان هذا في روع الإنسان أحيانًا لیحزنه
ويضعفه ويجنبه عن قول الحق، والصدع
به - لهو من أعظم أسباب المداهنة، لذلك
حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك،
فعن یعلی العامري رضي الله عنه عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (الولد مجبنة
مبخلة)(٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر
الفتن، رقم ١١٨.
(٤) دليل الفالحين ١/ ٢٩٢.
(٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الأدب، باب
بر الوالد والإحسان إلى البنات، رقم ٣٦٦٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٩٨
البيـ
جوبي
القرآن الكريم

المداهنة
حين بين لنا أن الولد مجبنة، فاحذر أن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِ وَلَا نَفْتِنِّيَّ أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ
سَقَطُواْ ﴾.
تداهن من أجله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
مِنْ أَزْوَجِكُمْ وَأَوْلَدِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ
فَأَحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
ولما كان في الأمر بالمعروف؛ والنهي
عن المنكر؛ والجهاد في سبيل الله من
الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة،
صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه
من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة. كما
قال الله تعالى عن المنافقين: ﴿وَمِنْهُم مَن
يَقُولُ أَثْذَن ◌ِيِ وَلَا نَفْتِنِّيَّ أَلَا فِ اَلْفِتْنَةِ
سَقَطُواْ ﴾ [التوبة: ٤٩].
وقد ذكر أهل التفسير أنها نزلت في الجد
بن قیس لما أمره النبي صلی الله عليه وسلم
بالتجهز لغزو الروم، فقال لرسول الله صلى
الله عليه وسلم: یا رسول الله، إني رجل لا
أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء
بني الأصفر، فأذن لي، ولا تفتني(١).
وهذا الجد هو الذي تخلف عن بيعة
الرضوان تحت الشجرة، واستتر بجمل
أحمر. وجاء فيه الحديث: (کلهم مغفور له،
إلا صاحب الجمل الأحمر) (٢).
فأنزل الله تعالى فيه: ﴿وَمِنْهُم مَّن
١/ ٤٠٠، رقم ١٩٨٩.
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ٤٤٣/٣ إلى
ابن المنذر والطبراني وغيرهما عن ابن عباس.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفات
المنافقین و أحکامهم، رقم ٢٧٨٠.
يقول: إنه طلب القعود ليسلم من فتنة
النساء فلا يفتتن بهن، فيحتاج إلى الاحتراز
من المحظور ومجاهدة نفسه عنه. فيتعذب
بذلك، أو يواقعه فيأثم. فإن من رأى الصورة
الجميلة وأحبها، فإن لم يتمكن منها - إما
لتحريم الشارع، وإما للعجز عنها - يعذب
قلبه، وإن قدر عليها وفعل المحظور هلك.
وفي الحلال من ذلك من معالجة النساء ما
فيه بلاء.
فهذا وجه قول: ﴿ولا نَقْتِنى ﴾ فقال الله
تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ ﴾ يقول: إن
نفس إعراضه عن الجهاد الواجب، ونكوله
عنه، وضعف إيمانه، ومرض قلبه. الذي
زين له ترك الجهاد: فتنة عظيمة قد سقط
فيها فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة
لم تصبه بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟
والله تعالى يقول: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا تَكُونَ
فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾[البقرة: ١٩٣].
فمن ترك القتال الذي أمر الله به لئلا
تكون فتنة، فهو في الفتنة ساقط، لما وقع فيه
من ريب قلبه، ومرض فؤاده، وترك ما أمره
الله به من الجهاد.
وينقسم الناس أمام الأمر بالمعروف على
قسمین کما یوضحهما شیخ الإسلام قائلًا:
فتدبر هذا، فإنه مقام خطر، والناس فيه
www. modoee.com
١٩٩

حرف الميم
على قسمين:
قسم يأمرون وينهون ويقاتلون طلبًا ذلك لأنهم ما صاحبوه إلا ليعاونهم على
لإزالة الفتنة كما زعموا، ويكون فعلهم ذلك
أعظم فتنة، كالمقاتلين في الفتن الواقعة بين
الأمة مثل الخوارج.
وأقوام ينكلون عن الأمر والنهي والقتال
الذي يكون به الدين كله لله، وتكون كلمة
الله هي العليا، لئلا يفتنوا، وهم قد سقطوا
في الفتنة. وهذه الفتنة المذكورة في سورة
(براءة)) دخل فيها الافتتان بالصور الجميلة،
فإنها سبب نزول الآية. وهذه حال كثيرٍ
من المتدينة، يتركون ما يجب عليهم من
أمرٍ ونھي، وجهادٍ، یکون به الدین کله لله.
وتكون كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا
بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة
التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها.
وإنما الواجب عليهم القيام بالواجب من
الأمر وترك المحظور. والقيام بالواجب
وترك المحظور متلازمان، لکون نفوسهم لا
تطاوعهم إلا على فعلهما جمیعًا أو ترکهما
جميعًا (١).
٧. الصداقة والصحبة في غير الله الرحمة وذهابها عنه، فأي صداقة هذه؟!
ومرضاته.
إن الصداقة والصحبة إذا كانت على
غير الله وفي غير مرضاته يدخل على دين
المرء من الفساد بسببها ما لا يعلمه إلا الله،
أغراضهم وهم يقصدون بذلك إفساد دينه،
وإن لم يفعل انقلبوا عليه أعداءً، عداوة
تضاعف عداوة أعدائه؛ لأنهم شاهدوا منه ما
لم يشاهده أعداؤه، وإن لم يحب مفارقتهم
احتاج إلى مداهنتهم ومساعدتهم على ما
یریدون وإن کان فيه فساد دینه.
وفيمن يحب صاحب ((بدعة)) لكونه
داعية إلى تلك البدعة يحوجه إلى أن ينصر
الباطل الذي يعلم أنه باطل وإلا عاداه،
ولهذا صار علماء الكفار وأهل البدع مع
علمهم بأنهم على الباطل ينصرون ذلك
الباطل: لأجل الأتباع والمحبين ويعادون
أهل الحق ويهجنون طريقهم، فمن أحب
غیر الله ووالی غیرہ کره محب الله ووليه،
ومن أحب أحدًا لغير الله كان ضرر أصدقائه
عليه أعظم من ضرر أعدائه: فإن أعداءه
غایتهم أن يحولوا بينه وبين هذا المحبوب
الدنيوي، والحيلولة بينه وبين رحمة في
حقه، وأصدقاؤه يساعدونه على نفي تلك
ويحبون بقاء ذلك المحبوب ليستعملوه في
أغراضهم وفيما يحبونه وكلاهما ضرر عليه.
قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ
الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ وَرَأَوْأْ الْعَذَابَ وَتَقَطّعَتْ بِهِمُ
(١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ابن تيمية
ص ٦٧ - ٧٠.
٢٠٠
جوسين
القرآن الكريمِ

المداهنة
الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦](١).
قال الفضيل بن عياض عن ليث عن
مجاهد: هي المودات التي كانت لغير الله،
والوصلات التي كانت بينهم في الدنيا
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةٌ فَنَتَبَرَّأَ
مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّهُواْ مِنَّ كَذَلِكَ يُرِهِمُ اَللَّهُ أَعْمَلَهُمْ
حَسَرَتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَرِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾
[البقرة: ١٦٧].
فالأعمال التي أراهم الله حسرات
عليهم: هي الأعمال التي يفعلها بعضهم
مع بعض في الدنيا وكانت لغير الله، ومنها
الموالاة والصحبة والمحبة لغير الله. فالخير
کله في أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا
ولا حول ولا قوة إلا بالله(٢).
٨. الخوف من الناس وعدم الخوف
من الله.
اعلم أن من خاف الله تعالى في الناس
کان محسنًا إلى الناس وإلى نفسه لأن خوف
الله يحمله على أن يعطيهم حقهم ويكفهم
عن ظلمهم، ومن خاف الناس ولم يخف
الله فهذا ظالم للناس ولنفسه لأنه إذا خافهم
دون الله تعالى احتاج إلى أن يدفع شرهم
عنه بکل وجه، إما بمداهنتهم ومراءاتهم،
وإما بمقابلتهم بشيء من الشر أعظم من
(١) المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق.
وانظر: التقية والمداهنة والمداراة في القران
الکریم ص ٣٣٢.
شرهم أو مثله.
قال شيخ الإسلام(٣): ((فالتوحيد ضد
الشرك فإذا قام العبد بالتوحيد الذي هو حق
الله فعبده لا يشرك به شيئًا كان موحدًا، ومن
توحيد الله وعبادته؛ التوكل عليه، والرجاء
له والخوف منه، فهذا يخلص به العبد
من الشرك وإعطاء الناس حقوقهم، وترك
العدوان عليهم يخلص به العبد من ظلمهم
ومن الشرك بهم، وبطاعة ربه واجتناب
معصیته یخلص العبد من ظلم نفسه، وقد
قال تعالى في الحديث القدسي: (قسمت
الصلاة بيني وبين عبدي نصفین) (٤).
فالنصفان يعود نفعهما إلى العبد والله
يحب النصفین، ويحب أن يعبدوه. وما
يعطيه الله العبد من الإعانة والهداية هو
من فضله وإحسانه وهو وسيلة إلى ذلك
المحبوب وهو إنما یحبه لكونه طريقًا إلى
عبادته والعبد يطلب ما يحتاج أولًا وهو
محتاج إلى الإعانة على العبادة وإلى الهداية
إلى الصراط المستقيم.
ثم إذا طلب العبادة: فإنما يطلبها من
حيث هي نافعة له محصلة لسعادته محصنة
له من عذاب ربه فلا يطلب العبد قط إلا ما
فیه حظ له وإن کان الرب یحب ذلك فهو
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ١/ ٥٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، رقم
٣٩٥.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الميم
يطلبه من حيث هو ملائم له فمن عبد الله لا («أتقولون هذا في وجوههم؟ قالوا: بل
يشرك به شيئًا: أحبه وأثابه فيحصل للعبد ما
يحبه من النعم تبعًا لمحبوب الرب. أ.هـ
نمدحهم ونثني عليهم» وفي رواية عروة بن
الزبير عن الحارث بن أبي أسامة والبيهقي
قال: ((أتيت ابن عمر فقلت: إنا نجلس
ثانيًا: صور من المداهنة المحرمة:
إلى أئمتنا هؤلاء فيتكلمون في شيء نعلم
أن الحق غيره فنصدقهم، فقال: كنا نعد
١. الدخول على الظلمة توقيرًا أو إعانة
ومحبة.
هذا نفاقًا، فلا أدري كيف هو عندكم؟!
لفظ البيهقي في رواية الحارث ((يا أبا
عبدالرحمن، إنا ندخل على الإمام يقضي
بالقضاء نراه جورًا فنقول: تقبل الله، فقال:
إنا نحن معشر محمد» فذكر نحوه. اهـ (٢).
اعتبر السلف الصالح الدخول على
الظلمة وتوقيرهم والثناء عليهم ومحبتهم،
نوعًا من الركون والمداهنة لهم، واستدلوا
لذلك بقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْرِ
وَاُلْنَّقْوَىّ وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِّ وَأَتَّقُواْ
اُللَّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ اَلْعِقَابِ ﴾ [المائدة: ٢].
وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اَللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَاءُ ثُمَّ لَا نُنَصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣].
وما ثبت في ((الصحیحین)) عن ابن عمر
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر
قال: (لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا
أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما
أصابهم، ثم قنع رأسه، وأسرع السير، حتى
اجتاز الوادي)(١).
قال ابن حجر: ووقع عند ابن أبي شيبة
من طريق أبي الشعثاء قال: دخل قوم على
ابن عمر فوقعوا في يزيد بن معاوية فقال:
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: (وإلى ثمود
أخاهم صالحًا)، رقم ٣٣٨٠.
وقد قرر أهل العلم أن الرجل إن كان
مستغنيًا عن الدخول على من يضطره الحال
إلى الثناء عليه فدخل وأثنى عليه بغير ما
یعلم، كان نفاقًا أما إن اضطر إلى الدخول
على ذي قوة، لا يخلص من بأسه إلا أن
يسمعه شيئًا من الإطراء فهو سعة من يطريه
بمقدار ما یخلص من بأسه، ولا تلحقه هذه
الحالة الشاذة بزمرة المداهنين ومما يحكى
في هذا الإطار ما حصل حين انهزم جيش
السلطان فرج بن برقوق أمام جيش الطاغية
تيمورلنك، ووقع طائفة من العلماء في أسر
الطاغية، ومن هذه الطائفة ابن خلدون، فكان
من هذا الفيلسوف أن تقدم إلى تيمورلنك،
وقال فيما حادثه به: ((إني ألفت كتابًا في
تاريخ العالم، وحليته بذكرك، وما أسفي إلا
(٢) انظر: فتح الباري ١٣/ ١٨٢.
٢٠٢
جوبيبو
القرآن الكريم

المداهنة
على هذا الكتاب الذي أنفقت عمري فيه، یرائي بعمله ويري للناس خشوعًا واستكانة
ویوهمهم أنه یخشی الله حتی یکرموه ولیس
في الحقيقة کذلك کما یظهر.
وقد تر کته بمصر، وإن عمري الماضي ذهب
ضیاعًا، حیث لم یکن في خدمتك، وتحت
ظل دولتك، والآن أذهب فآتي بهذا الكتاب،
وأرجع سريعًا، حتى أموت في خدمتك،
فأطلق سبيله، فقدم مصر، ولم يعد إليه))(١).
٢. كلام ذي الوجهين واللسانين.
ومن صور المداهنة بل من أسوئها أن
يلقى المداهن الرجلين المتعاديين كلّا
منهما على حدة فيظهر لكل واحد منهما
الرضا عن موقفه من عداوته للآخر، وأنه
هو المحق والآخر هو المخطئ، والأمر لا
شك على خلاف فأحدهما المخطئ والآخر
المصیب، مع ذلك قد صوب مسلك هذا
المخطئ وخطأ مسلك المصيب، وهذه
مداهنة محرمة.
عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (إن شر الناس ذو الوجهين
الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)(٢).
قال ابن عبد البر: هذا حديث ظاهره
كباطنه وباطنه كظاهره فى البيان عن ذم من
هذه حاله، وقد تأوله قوم على أنه الذي
(١) انظر: رسائل الإصلاح، محمد الخضير
حسين ص ١٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأحكام،
باب ما يكره من ثناء السلطان، رقم ٧١٧٩،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، باب
ذم ذي الوجهین و تحريم فعله، رقم ٢٥٢٦.
وقال النووي في توجيه الحديث: سببه
ظاهر؛ لأنه نفاق محض وكذب وخداع
وتحيل على اطلاعه على أسرار الطائفتين،
وهو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها ويظهر
لها أنه منها في خير أو شر وهي مداهنة
محرمة ثم ذكر الحديث بعد ذلك وبوب
عليه اباب: ذم ذي الوجهین وتحريم فعله))
قال: والمراد من يأتي كل طائفة ويظهر أنه
منهم ومخالف للآخرین مبغض فإن أتی کل
طائفة بالإصلاح ونحوه فمحمود.
قال الأستاذ محمد خضر حسين: (( ومن
أسوأ ما يفعل المداهن أن يلاقي الرجلين
بينهما عداوة، فيظهر لكل واحد منهما الرضا
عن معاداته لصاحبه ويوافقه على دعوى أنه
الحق، وصاحبه هو المبطل، وفي مثل هذا
ورد قوله صلى الله عليه وسلم: (تجد من
شرار الناس يوم القيامة عند الله ذا الوجهين،
الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)(٣).
فیتخذ الرجل وجھین متی کان یطمع إلى
ما في أيدي الناس من متاع، أو كان يطمع
في إرضاء طوائف على تباعد ما بينهم من
نزعات، وعلى شدة ما بينهم من اختلاف،
والعبور إلى النفع على جسر من المداهنة،
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الميم
يحرم صاحبه من أعز متاع هو الصدق، بعد الإسلام فبين عليه الصلاة والسلام ليعرف
ولا يغتر به وتألفه رجاء صحة إيمانه وقد
أن يحرمه من أطيب لذة هي ارتياح الضمير،
ومن كان حريصًا على أن يكون صديق
الطوائف المتباينة، فإن الطيب منهم يأبى أن
يلوث صدره بصداقة من يتملق الخبيث (١)
فائدة:
کان منه في حياة النبي صلی الله عليه وسلم
وبعده ما دل على ضعف إيمانه وارتد مع
المرتدین و جيء به أسیرًا إلى أبي بكر رضي
الله عنه (٣).
الجمع بين هذه الصورة و قوله صلی الله
عليه وسلم: (بئس أخو العشيرة):
قال العراقي: (فإن قلت): كيف الجمع
بين هذا الحديث وبين الحديث الآخر
الثابت في الصحيحين عن عائشة رضي
وفي حديث عائشة مرفوعًا: (من التمس
الله عنها: (أن رجلًا استأذن على النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (ائذنوا له فبئس أخو رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه
وأرضى عنه الناس) (٤).
العشيرة) فلما دخل ألان له القول فقلت: يا
رسول الله، قلت له الذي قلت ثم ألنت له
القول؟! قال: (يا عائشة إن شر الناس منزلة
عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء
فحشه)(٢).
قلت: لا منافاة بينهما فإنه عليه الصلاة
والسلام لم يثن علیه في وجهه ولا قال كلامًا
يضاد ما قال له في حقه في غيبته، إنما تألفه
بشيء من الدنيا مع لين الكلام له، وإنما فعل
ذلك تألفًا له ولأمثاله على الإسلام ولم يكن
أسلم في الباطن حينئذٍ، وإن كان قد أظهر
(١) رسائل الإصلاح ص ١٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب لم
يكن النبي صلى الله عليه وسلم فاحشًا ولا
متفحشًا، رقم ٦٠٣٢.
٣. إيثار رضا الخلق على رضا الخالق
سبحانه وتعالى.
ومن صور المداهنة: إيثار رضا الخلق
على رضا الله تعالى، وفي هذا سخط الله
وسخط الناس.
لهذا قيل للشافعي في علته التي مات
فيها رضي الله عنه إلى من نجلس بعدك
یا أبا عبدالله؟ فاستشرف له محمد بن عبد
الحکم، وهو عند رأسه ليومئ إليه، فقال
الشافعي: سبحان الله! أيشك في هذا؟ أبو
يعقوب البويطي، فانكسر لها محمد، ومال
أصحابه إلى البويطي، مع أن محمدًا كان
قد حمل عنه مذهبه كله، لكن كان البويطي
(٣) تيسير المجيد شرح تقريب الأسانيد،
عبدالمنعم إبراهيم ١٧٦/٣.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، آخر
باب، ٤ /٦٠٩، رقم ٢٤١٤.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٠٥٢/٢، رقم ٦٠٩٧.
٢٠٤
القرآن الكريمِ