النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
المُدَاهِنَة
٦
عناصر الموضوع
مفهوم المداهنة
١٦٦
المداهنة في الاستعمال القرآني
١٦٧
الألفاظ ذات الصلة
١٦٨
أنواع المداهنة
١٧٠
أسباب المداهنة المشروعة
١٨٦
١٩٤
أسباب المداهنة المحرمة
المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم المداهنة
أولًا: المعنى اللغوي:
قال ابن فارس: «(دهن) الدال والهاء والنون أصلٌ واحدٌ يدل على لينٍ وسهولةٍ وقلةٍ،
من ذلك الدهن. ويقال: دهنته دهنًا. والدهان: ما يدهن به. قال الله عز وجل: ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةٌ
كَلَدِّمَانِ ﴾ [الرحمن: ٣٧]. قالوا: هو دردي الزيت. ومن الباب الإدهان، من المداهنة،
وهي: المصانعة. وتقول: داهنت الرجل، إذا داريته وأظهرت له خلاف ما تضمر له، وهو من
الباب، کأنه إذا فعل ذلك فهو یدهنه ویسکن منه»(١).
ويمكن إلحاق المداهنة والإدهان بأصل الباب الذي يدل على اللين والسهولة والقلة؛
لأن المداهِن إنما هو في الحقيقة وفي موقفه هذا يواجه صعوبة وصلابة في التعامل مع
المداهَن مما يضطره إلى سلوك اللين والسهولة في الكلام معه، حتی یتقي شر من يداهنه، أو
تحقيقًا لمصلحة له عنده، والله أعلم.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((المداهنة هي أن ترى منكرًا وتقدر على دفعه ولم تدفعه حفظًا لجانب
مرتكبه أو جانب غيره أو لقلة مبالاةٍ في الدين)) (٢).
ويقول القرطبي: (( هي معايشة الفاسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكارٍ عليه، مع
القدرة)»(٣).
ويقول القاضي عياض: (( المداهنة: إنما هي إعطاءٌ بالدين ومصانعةٌ بالكذب، والتزيين
للقبيح، وتحويب الباطل للوصول إلى أسباب الدنيا وصلاحها))(٤).
(١) مقاييس اللغة، ٢٣١/١.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص٩٠.
(٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، ٦/ ٥٧٣.
(٤) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم ٢٧٣/٨
١٦٦
جوبيع
القرآن الكريم

المداهنة
المداهنة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (دهن) في القرآن الكريم (٥) مرات(١).
والصيغ التي وردت، هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل المضارع
٢
وَدُواْ لَوْ تُدْهِنٌ فَيِّدْ هِنُونَ
* [القلم: ٩]
الاسم
١
﴿أَفَيَهذَا لَلَدِيثِ أَنْتُمْ مُدّهِنُونَ (
٨١
[الواقعة: ٨١]
وجاءت المداهنة في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: المصانعة والمداراة
والملاينة(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٢٦٤.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢/ ٣٠٨، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٦١٢/٢، المفردات،
الراغب الأصفهاني ص ٣٢٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ٢٩/٢.
www. modoee.com
١٦٧

حرف المير
الألفاظ ذات الصلة
التقية:
١
التقية لغة:
مصدر تقى. والتقية: الخشية والخوف. وتقية: مصدر اتقى، يتقي، اتقاءً وتقاةً وتقيةً، فهو
متقٍ، والمفعول متقّى. واتقى الله: صار تقيًا وخاف منه فتجنب ما نهى عنه وامتثل لأوامره.
واتقى الشيء بكذا: حذره وتجنبه. وكان يتقي شره: يتجنب شره، يحذره. واتقى بالشيء:
جعله وقاية له وحماية من شيءٍ آخر. والجمع: تقيون وأتقياء. والتقي: من يتقي الله تعالى،
ويخاف منه ويمتثل لأوامره والجمع: أتقياء(١).
التقية اصطلاحًا:
هي تجنب العدو بإظهار ما يوافقه مع إضمار ما يخالفه من عقيدة ونحوها، وهو واجب
في موارد محددة(٢).
وعرفها السرخسي بقوله: ((التقية أن يقي الإنسان نفسه بما يظهره وإن كان يضمر
خلافه))(٣).
وعرفها ابن حجر بقوله: ((التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقدٍ وغيره للغير))(٤).
والتعريف الأول أشمل؛ لأنه يدخل فيه التقية بالفعل إضافة إلى التقية بالقول والتقية في
العمل كما هي في الاعتقاد.
الصلة بين التقية والمداهنة:
التقية لا تحل إلا لدفع الضرر، أما المداهنة فلا تحل أصلًا، لأنها اللين في الدين وهو
ممنوع شرعًا (٥).
والتقية يصاحبها العجز وعدم القدرة على دفع المنكر، من ثم كانت حلالا. بينما المداهنة
تحصل مع القدرة على إنكاره ومن ثم کانت حرامًا.
(١) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٠٥٢/٢.
(٢) معجم المصطلحات السياسية في تراث الفقهاء، سامي الصلاحات ص ٧٠
(٣) المبسوط ٢٤/ ٤٥.
(٤) فتح الباري ١٢/ ٣١٤.
(٥) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية ١٨٦/١٦.
١٦٨
جوية
القرآن الكريم

المداهنة
المداراة :
٢
المداراة لغة:
يقول ابن فارس: ((الدال والراء والحرف المعتل (الياء) أصلان: أحدهما: قصد الشيء
واعتماده طلبًا، والآخر حدةٌ تكون في الشيء)) (١).
قال ابن منظور: (( والمداراة في حسن الخلق والمعاشرة مع الناس يكون مهموزًا وغير
مهموز، فمن همزه كان معناه الاتقاء لشره، ومن لم يهمزه جعله من داريت الظبي أي: احتلت
له، وختلته حتی أصیده» (٢).
المدارة اصطلاحًا:
قال الحافظ ابن حجر: المداراة: هو بغير همزٍ بمعنى: المجاملة والملاينة، وأما بالهمز
فمعناه المدافعة (٣).
والمقصود من المداراة: ملاینة الناس ومعاشرتهم بالحسنى من غیر ثلم في الدين من أي
جهة من الجهات (٤).
الصلة بين المداراة والمداهنة :
يوضح القرطبي محل الفرق بين المداهنة والمداراة بقوله: ((والفرق بين المداراة
والمداهنة، أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، وهي مباحة ومستحسنة في بعض
الأحوال، والمداهنة المذمومة المحرمة: هي بذل الدين لصالح الدنيا» (٥).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣١/١.
(٢) لسان العرب، ٢٥٥/١٤.
(٣) فتح الباري ٩ / ٢٥.
(٤) روضة العقلاء، ابن حبان ٥٦.
(٥) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، القرطبي ٦/ ٥٧٣.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الميم
أنواع المداهنة
ظهر لنا فيما سبق أن مصطلح المداهنة
يجوز التعبير عنه لغةً بألفاظِ مرادفةٍ له
كالمداراة والمجاملة والتقية .. ونحوها.
ومن هنا درج على ألسنة بعض علماء
الإسلام المشهورين استعمال لفظة المداهنة
موصوفةً بالحمد وبالذم.
ومنهم الإمام القرافي صاحب أنوار
البروق في أنواع الفروق: حيث وضع فيه
ترجمةً بعنوان: ((الفرق الرابع والستون
والمائتان بين قاعدة المداهنة المحرمة
وبين قاعدة المداهنة التي لا تحرم، وقد
تجب))(١).
ومن منظور آخر نجد القران الكريم قد
حكى مصطلح المداهنة مذمومًا مطلقًا بينما
حكايته عن مفهوم المداهنة جاءت على
معانٍ أوسع ودلالاتٍ أبعد من حكايته له
كمصطلح، ومن ثم جاء بعضها محمودًا
كالتقية، والإكراه مثلًا، وبعضها الآخر
مذمومًا كالركون إلى الكفارونحوه.
ويمكن تقسيم المداهنة إلى نوعين:
أولًا: المداهنة المشروعة:
ونقصد بالمداهنة المشروعة هنا المداراة
التي هي محل اتفاق بين العلماء على
جوازها. والأدلة على مشروعيتها في القران
(١) الفروق، القرافي ٤ / ٢٣٧.
الكريم كثيرة.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَقَ بَفِىّ
إِسْرَِّ يلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنِكُمْ
وَأَنْتُم مُّعْرِضُونَ ﴾ [البقرة: ٨٣].
فقوله تعالى: ﴿وَقُولُواْلِلنَّاسِ حُسْنًا﴾
جاءت في سياق ما أمر الله به في كل شريعة
من الشرائع، من عبادته سبحانه وحده،
والإحسان إلى الوالدين والأقارب واليتامى
والمساكين. وختمت الآية بالأمر بإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة. ((وهذه الشرائع من
أصول الدين التي أمر الله بها في كل شريعة
لاشتمالها على المصالح العامة في كل زمان
ومكان فلا يدخلها نسخ، کأصل الدين،
ولهذا أمرنا الله بها في قوله: ﴿وَأَعْبُدُوا اللَّهَ
وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ، شَيْئًا﴾(٢).
ويقول القرطبي في تفسيره: ((ينبغي
للإنسان أن يكون قوله للناس لينًا، ووجهه
منبسطًا طلقًا مع البر والفاجر، والسيء
والمبتدع، من غير مداهنة، ومن غير أن
یتکلم معه بکلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن
الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فَقُولًا
لَهُقَوْلاً لَيْنًا﴾ فالقائل ليس بأفضل من موسى
وهارون، والفاجر لیس بأخبث من فرعون،
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧.
جَوَسُولَةُ التَّقِينَ
القرآن الكريم
١٧٠

المداهنة
وقد أمرهما الله تعالی باللین معه)) (١).
منصبيهما أمرا بالرفق واللين مع فرعون.
والقول الحسن؛ أمرهم بالمعروف وكذلك محمد صلى الله عليه وسلم مأمور
بالرفق وترك الغلظة.
ونههم عن المنكر، وتعلیمهم العلم، وبذل
السلام، والبشاشة، وغير ذلك من كل كلام
﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
يقول تعالى:
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِأَلَّتِى
هِىَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
طيب. ولذلك فإن من أدب الإنسان الذي
أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها
ويقول تعالى أيضًا: ﴿ وَلَا تَسُبُواْ الَّذِينَ
يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدُوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
[الأنعام: ١٠٨]. (٤).
في أقواله وأفعاله غير فاحشٍ ولا بذيء ولا
شاتم، ولا مخاصم، بل یکون حسن الخلق
واسع الحلم مجاملًا لكل أحد، صبورًا على
ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر ربه
ورجاء ثوابه ومغفرته(٢).
وعن عطاء قال: قوله عز وجل: ﴿وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: الناس كلهم؛ المشرك
وغيره. وعن هشام بن عروة قال: عطس
نصراني طبيب عند أبي، فقال له: رحمك
الله. فقيل له: إنه نصراني، قال أبي: رحمة
الله على العالمين (٣).
ولقد اختلف العلماء في وجوب القول
الحسن. هل هو مع المؤمنين، أو مع الكفار
والفساق؟ وهل هو خاص في الدعوة
إلى الله، أو أنه يشمل الناس جميعا، فبقي
على عمومه ولا يحتاج إلى التخصيص؟
والصواب أنه باقٍ على ظاهره ولا حاجة
إلى التخصيص. والدليل عليه، أن موسى
وهارون - عليهما السلام - مع جلال
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٦/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٧، ٥٨.
(٣) مداراة الناس، ابن أبي الدنيا ص ٩٥.
وقال أهل التحقيق: كلام الناس مع
الناس إما أن يكون في الأمور الدينية، أو في
الأمور الدنيوية، فإن كان في الأمور الدينية،
فإما أن يكون في الدعوة إلى الإيمان،
وهو مع الكفار، أوفي الدعوة إلى الطاعة
وهو مع الفاسق. والدعوة إلى الإيمان لابد
وأن تكون بالقول الحسن، كما قال تعالى
لموسى وهارون عليهما السلام في دعوتهما
لفرعون ﴿فَقُولَا لَهُقَوْلاً لَِّنَا﴾ [ طه: ٤٤].
مع نهاية کفر فرعون وتمرده وعتوه على
الله سبحانه، وكذلك دعوة الفساق فالقول
الحسن فيها معتبر كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى
سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ﴾ الآية.
وأما في الأمور الدنيوية؛ فمن المعلوم
بالضرورة أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض
بالتلطف من القول الحسن لم يحسن سواه.
(٤) مفاتيح الغيب ١٥٣/٣.
وانظر: المداراة في الاسلام، وليد السعد ص
١١.
www. modoee.com
١٧١

حرف الميم
فثبت أن جمیع آداب الدين والدنيا داخلة
تحت قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَقُولُواْلِلنَّاسِ
حُسْنَا﴾(١).
وقال تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام:
وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيمُ لِأَبِيهِ مَازَرَ أَتَتَّخِذُ
أَصْنَامًا ءَالِهَةٌ إِّ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ
﴾ [الأنعام: ٧٤].
وإبراهيم عليه السلام كان من أكثر
المناوئين له أبوه وقومه عند دعوته لهم
إلى عبادة الله وحده لا یشرکون به شيئًا،
وقد لاقى في ذلك عنتًا شديدًا، وحرجًا
بلیغًا لوقوف أبيه مع المشرکین ضد دعوته،
حتى قال له أبوه يومًا: ﴿قَالَ أَرَاغِبُ أَنْتَ
عَنْ ءَالِهَتِ يَإِبْزَهِيمٌّ لَبِن لَّمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ
وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا (٦)﴾ [مريم: ٤٦].
فاستوحش إبراهيم عليه السلام من
موقف أبيه آزر، ولكنه أبقى على شيء من
البر له عندما ﴿قَالَ سَلَمُ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ
لَكَ رَبِّ إِنَّهُ كَانَ بِ حَفِيًّا ﴾ [مريم:
٤٧].
غير أن هذا الموقف اللين لم يغير شيئًا
من موقف أبيه واستمر في عدائه لدعوته.
عندها خشي عليه السلام أن ينقلب موقفه
من أبيه وقومه من مفهوم المداراة إلى مفهوم
المداهنة.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ
(١) مفاتيح الغيب، ٨٣/٣.
جوسين
الْقُرآن الكَرِيْمِ
إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِنَّاهُ
فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُ, أَنَّهُ, عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ
لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
تبین له من جهة الوحي أن أباه لن يؤمن،
وأنه یموت کافرًا. فانقطع رجاؤه عنه، فقطع
استغفاره له. وهكذا يجب أن يكون موقف
الداعية المؤمن من المناوئين لدعوته، صبرًا
على الأذى، ولينًا في الخطاب، ووضوحًا في
البيان، والتذكير، والوعد، والوعيد. حتى إذا
سدت المنافذ في وجهه، واستحكم الهوى
على عقل عدوه، وأظهر مقاومة شرسة، تركه
وما أراد، فقد أعذر إلى الله، وبرئت ذمته،
وأقام الحجة على عدوه. (٢)
وقال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُنْ بِالْعُرْفِ
[الأعراف:
وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ
١٩٩].
أمر الله سبحانه نبيه بمكارم الأخلاق.
فأمر أمته بنحو ما أمره الله به. ومحصلها،
الأمر بحسن المعاشرة مع الناس، وبذل
الجهد في الإحسان إليهم، والإغضاء عنهم.
عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال:
لما نزلت: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأَمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية
ما نزلت إلا في أخلاق الناس، وعنه أيضًا
((قال: أمر الله نبيه أن يأخذ العفو من أخلاق
الناس»(٣).
(٢) المداراة وأثرها في العلاقات الاجتماعية بين
الناس، محمد بن سعد ص ١٠.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
١٧٢

المداهنة
فهذه الآية جامعة لحسن الخلق مع كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكٌ فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِ آلْأَّمِّ فَإِذَا عَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِينَ
الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي
ينبغي أن يعامل به الناس، هو ما سمحت
به نفوسهم، وما سهل عليهم من الأعمال
والأخلاق فلا يكلفوا بما لا تسمح به
طبائعهم، أو الشاق من الأخلاق، بل یشکر
من کل أحدما قابله به، من قول وفعل جمیل،
أو ما هو دون ذلك، ویتجاوز عن ضعفھم،
ونقصهم وأخطائهم، فلا يتكبر على الصغير
لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير
لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة
بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم(١).
وفيها دلالة واضحة أيضًا على المداراة
وهو قوله سبحانه: ﴿وَأَمُّنْ بِالْعُرْفِ﴾ أي:
بکل قول حسن وفعل جمیل، وخلق كامل
القريب والبعيد، فاجعل ما يأتي إلى الناس
منك؛ إما تعليم علم، أو حثًا على خير من
صلة رحم، أو بر والدين، أو إصلاح بين
الناس، أو نصيحة نافعة، أو زجر عن قبيح
ومنكر، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية
أو دنيوية (٢).
وقال تعالى مخاطبًا رسوله صلى الله
عليه وسلم: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمّ وَلَوْ
باب (خذ العفو)، ٦ / ٦٠، رقم ٤٦٤٣.
(١) في ظلال القرآن ١٣٦/٣.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣١٣، المداراة في الاسلام، وليد السعد ص
١١.
101﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
والذي يفهم من هذا الخطاب الكريم،
أن الأخلاق الحسنة من الرئیس في الدین،
تجذب الناس إلی دین الله، وترغبهم فيه،
مع ما لصاحبه من المدح والثواب الخاص،
والأخلاق السيئة من الرئيس في الدين تنفر
الناس عن الدين، وتبغضهم فيه، مع ما
لصاحبها من الذم والعقاب. فإذا كان هذا
الخطاب لرسول الله صلی الله عليه وسلم،
أليس من الواجب علينا الاقتداء بأخلاقه
الكريمة، ومعاملة الناس بما یعاملهم به من
اللين وحسن الخلق والتأليف، امتثالا لأمر
الله، وجذبًا لعباد الله لدين الله(٣).
وقال تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُه
مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا
لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرُّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا
تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: ٧٧].
وموقف يوسف عليه السلام مع إخوته
الذين اتهموه بالسرقة واتهموا شقيقه في
قولهم: ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخْ لَّهُ مِنْ
قَبْلُ﴾ کان موقفًا حکیمًا، يتسم صاحبه ببعد
النظر وقوة الإرادة من التحكم في النفس
(٣) المصادر السابقة.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الميم
ورغباتها، عند أصعب ساعات الإثارة لطيف الحيلة فتوصل إلى بغيته بالرفق،
والسهولة(١).
والطغيان. فهو أمام تهمة خطيرة، مخلة
بالشرف، ومخالفة للمروءة، ومن أقرب
الناس إليه، وكان يستطيع أن ينتقم لنفسه
منهم، وأن يوقع بهم أشد العقوبة لمكانته
الاجتماعية المتميزة عند ملك مصر، وقبل
ذلك ما فعلوا به من إلقائه في الجب،
وحرمانه من أبويه، وتصیيره رقيقًا، فقد
سنحت الفرصة، وقد أصبح وزيرًا للملك،
وبيده خزائن الأرض، وجاءه إخوته مع من
جاء من الفقراء المعوزين يطلبونه رزقًا بعد
أن مسهم وأهلهم الضر.
ولكنه كان نبيًا كريمًا، حكيمًا ﴿فَأَسَرَّهَا
يُوسُفُ فِ تَفْسِهِ، وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمَّ قَالَ أَنْتُمْ
شَرُّ مَّكَانَا وَالَهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾.
فقد كان علیه السلام واثقًا من ربه، ومتحصنًا
بإيمانه، فلو أخذته العزة بالإثم لأمر من يفتك
بهم، أو أن يطردهم شر طردة، وكان محقًا.
ولكنه أدرك عليه السلام بأن فقدهم سیزید
من ألم أبيه وحزنه، وأساه. وأدرك أيضًا أن
للشيطان دورًا فیما وقع بینه وبین إخوته، فلا
ينبغي أن یکون عونًا له على ما أراد.
فكظم غيظه، وعفا عنهم، بعد أن عرفهم
بخطئهم، وأبر بوالدیه، وجمع شمل أسرته.
وما كان ذلك ليتحقق لولا مشيئة الله،
ثم الصبر والملاينة، وشيء من الحيلة،
والحنكة، والختل. فقد كان عليه السلام
ويقول تعالى في سورة التوبة مخاطبًا
رسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم كيف
يكون تعامله مع أصحابه ليطمئنوا إليه:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَّةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم بِهَا
وَصَلِّ عَلَيْهِمّ إِنَّ صَلَوَكَ سَكَنُ لَّهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ
عَلِيمُ ﴾ [التوبة: ١٠٣].
أي: أدخل السرور على قلوب المؤمنين
بالكلام الطیب اللین، والدعاء لهم ونحو
ذلك مما يكون فيه طمأنينتهم وسكون
(٢)
قلوبهم(٢).
ويقول تعالى لموسى وأخيه هارون
عليهما السلام عند ذهابهما لدعوة فرعون:
﴿أَذْهَبَآ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى ، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيْنَاً
لَعَلَّهُ يَتَذَّكَّرُ أَوْيَخْشَى ﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤].
وهاتان الآيتان فيهما دلالة واضحة على
معنى المداراة وهي: القول اللين اللطيف
الذي لا خشونة فيه ولا غلظة،» لأن تليين
القول مما يكسر سورة عناد العتاة ويلين
قسوة الطغاة»(٣).
((والقول اللين داعٍ لذلك، والقول الغليظ
(١) المداراة وأثرها في العلاقات الاجتماعية بين
الناس، محمد بن سعد ص ١٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٥١، المداراة في الاسلام، وليد السعد
ص١٢.
(٣) روح المعاني، الألوسي ١٦/ ١٩٥.
١٧٤
جوي
القرآن الكريم

المداهنة
منفرٌ عن صاحبه))(١).
والقول اللين: لا يثير العزة بالإثم، ولا
یھیج الكبرياء الزائف الذي يعيش به الطغاة،
ومن شأنه أن يوقف القلب فيتذکر ويخشى
عاقبة الطغيان (٢).
فيكون أوقع في النفوس وأبلغ وأنجع،
كما قال تعالى: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِلِرَبِّكَ ◌ِآلْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَّةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِةٍ، وَهُوَّ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ [النحل: ١٢٥](٣).
وَلَا تُحَدِلُواْ أَهْلَ
ويقول تعالى:
الْكِتَبِ إِلَّا بِأَلَّتِ هِىَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت:
٤٦].
في هذه الآية أمر الله المؤمنين بمجادلة
أهل الكتاب بالتي هي أحسن أي: بحسن
خلق، ولطف ولین کلام، ودعوة إلى الحق
وتحسينه، ورد على الباطل، والتنفير منه
وتقبيحه أو بأي طريق رجاء إجابتهم،
واستمالة لقلوبهم، لا على طريق الإغلاظ
والمخاشنة كالقدح في شيء من الكتب
الإلهية، أو بأحد من الرسل، بل يقارعهم
الحجة بالحجة والدليل بالدليل، ليلزمهم
الإقرار بالقرآن وبالرسول، وبما يدعو إليه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٠٦.
(٢) في ظلال القرآن ٧٦/٥.
وانظر: المداراة في الاسلام، وليد السعد ص
١٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢٩٤/٥.
.(٤)
من الإيمان بهذا الدين
.
ويقول تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَّةُ وَلَا
السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَ الَّذِى بَيْنَكَ
[فصلت:
وَبَيْنَدُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُوَإِىُّ حَمِيدٌ ﴾
٣٤].
ومن المداراة، عدم مقابلة المسيء
بجنس عمله. فإذا أراد إزالة عداوته، لا بد
من الإحسان إليه مع الصبر على ما يكره.
ومما جاء في تفسيرها: أي لا يستوي فعل
الحسنات والطاعات لأجل رضا الله تعالى،
ولا فعل السيئات والمعاصي التي تسخطه
ولا ترضيه، ولا يستوي الإحسان إلى
الخلق ولا الإساءة إليهم، لا في ذاتها ولا
في وضعها، ولا في جزائها. ثم أمر بإحسان
خاص، له موقع كبير. وهو الإحسان
إلى من أساء إليك فقال: ﴿أَدْفَعْ بِأَلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ فإذا أساء إليك مسيءٌ من الخلق،
خصوصًا من له حق کبیر علیك کالأقارب،
والأصحاب ونحوهم، إساءةً بالقول أو
بالفعل، فقابله بالإحسان إليه، فإن قطعك
فصله، وإن ظلمك فاعف عنه، وإن تكلم
فیك غائبًا أو حاضرًا فلا تقابله، بل اعف
عنه، و عامله بالقول اللین.
وإن هجرك وترك خطابك فطيب له
الكلام، وابذل له السلام. فإذا قابلت
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٥٠/١٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣٢.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الميم
الإساءة بالإحسان حصل فائدة عظيمة وخير
عميم، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي
حمیم(١).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال
في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى الْحَسَنَةُ وَلَا
السَّيِئَهُ﴾ الآية، الرجل يشتمه أخوه، فيقول،
إن کنت صادقًا فغفر الله لي. وإن کنت كاذبًا
فغفر الله لك.
وکان بكر رضي الله عنه يقول: ما عليك
أن تنزل الناس منزلة أهل البيت، فتنزل من
کان أكبر منك منزلة أبيك، وتنزل من كان
منهم قرينك منزلة أخيك، وتنزل من كان
أصغر منك منزلة ولدك فأي هؤلاء تحب أن
يهتك ستره؟ (٢).
أما عن کونها سنةً عامةً مندوبًا إليها
فسيظهر من خلال الأحاديث النبوية الشريفة
التي تحث المسلم على فعلها. ومنها ما يلي:
فعن سعید بن أبي بردة عن أبيه عن جده
قال: قال النبي صلی الله عليه وسلم: (على
كل مسلم صدقة، قالوا: فإن لم يجد؟ قال:
فیعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق. قالوا:
فإن لم يستطع، أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا
الحاجة الملهوف. قالوا: فإن لم يفعل؟ قال:
فليأمر بالخير. أو قال بالمعروف. قالوا: فإن
لم يفعل؟ قال: فليمسك عن الشر. فإنه له
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٤٩.
(٢) انظر: مداراة الناس، ابن أبي الدنياص ٥٣.
صدقة) (٣).
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا تحقرن من المعروف
شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق)(٤).
قال ابن بطال في شرحه لهذا الحديث:
((كل شيء يفعله المرء أو يقوله من الخير،
یکتب له به صدقة. والمعروف: اسم كل
فعلٍ يعرف حسنه بالشرع والعقل معًا. وفيه
إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر في الأمر
المحسوس منه. بل کل واحد قادر على أن
يفعلها في أكثر الأحوال بغير مشقة(٥).
ولحسن الخلق شأن عظيم في الإسلام،
فقد عد الرسول صلى الله عليه وسلم
صاحب الخلق الحسن من أكمل المؤمنين
إيمانًا.
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (ألا أخبركم بأكملكم إيمانا؟
أحاسنكم أخلاقًا، الموطؤون أكتافًا، الذين
يألفون ويؤلفون) (٦) والموطئون: من
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من
المعروف، رقم ١٠٠٨.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب استحباب طلاقة الوجه عن
اللقاء، رقم ٢٦٢٦.
(٥) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٣٢٨/٨.
(٦) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، ٦/ ٢٧٠،
رقم ٨١١٨.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ١/ ٢٦٦،
رقم ١٢٣١.
١٧٦
جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيد
القرآن الكريم

المداهنة
التوطئة، وهي التمهيد والتذليل. والأكناف: من علماء الحديث (٣).
الجوانب. یعني الذین جوانبھم وطیئة یتمکن
فيها من یصاحبهم ولا يتأذى، وهم الهینون
اللينون، الذين يحسنون المعاملة (١).
أما عن أدلة حصول المداراة ومشروعیتها
في الاسلام؛ فهو ما روي عن أم المؤمنين
عائشة رضي الله عنها بخصوص الرجل
الشرير الأحمق، الذي استأذن على الرسول
صلی الله عليه وسلم فنعته بقوله: (بئس أخو
العشيرة) فلما دخل تلقاه الرسول صلى الله
عليه وسلم بطلاقة الوجه والانبساط ثم ألان
له الكلام.
فعن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته:
(أنه أستأذن رجل على رسول الله صلی
الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له بئس أخو
العشيرة. أو ابن العشيرة. فلما دخل ألان له
الكلام. قلت يا رسول الله: قلت الذي قلت
ثم ألنت له الكلام. قال: (أي عائشة. إن شر
الناس من تر که الناس، أو ودعه الناس، اتقاء
فحشه)(٢).
يقول ابن حجر عند شرحه للحديث:
«هذا الحديث أصل في المداراة)) وعلى هذا
الرأي الهيثمي والسخاوي وجمهرة كبيرة
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٤/ ٢٠٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والأدب، باب مداراة من يتقى فحشه، رقم
٢٥٩١.
وقال أيضًا: ((اختلف العلماء في الرجل
الذي استأذن على النبي صلى الله عليه
وسلم فمنهم من جزم بأنه عيينة بن حصن
الفزاري، ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان
قد أظهر الإسلام. فأراد النبي صلى الله عليه
وسلم أن يبين حاله لیعرفه الناس، ولا يغتر به
من لم يعرف حاله، وکان منه في حياة النبي
صلى الله عليه وسلم ما دل على ضعف
إیمانه. وبعد وفاة النبي صلی الله عليه وسلم
ارتد مع من ارتد و جيء به أسیرًا إلى أبي بکر
رضي الله عنه. قال ابن بطال: وكان يقال له
الأحمق المطاع ورجا النبي صلى الله عليه
وسلم بإقباله عليه تألفه ليسلم قومه لأنه
کان رئيسهم» ومنهم من جزم بأنه مخرمة
وقصره عليه، ومنهم من حمل الحديث على
التعدد (٤).
وعلی کل، فإن الحدیث یدل على جواز
إلانة القول لمن كان هذا حاله، تآلفًا له
للدخول في الإسلام، أو لیحسن إسلامه،
أو ليسلم قومه، أو لأي أمرٍ يعود بالمصلحة
على الأمة الإسلامية.
ومن يقرأ هذا الحديث الذي اعتبره ابن
حجر وغيره أصلًا في المداراة، قد يتوهم
(٣) فتح الباري، ابن حجر ١٠/ ٤٥٣.
(٤) المصدر السابق.
وانظر: المداراة في الاسلام، وليد السعد ص
٢١.
www. modoee.com
١٧٧

حرف الميم
أن الرسول صلى الله عليه وسلم حاشاه - الإسلام وينجذب قومه معه بالإضافة إلى
تعريف الناس بحاله ليتقوه.
قد وقع في غيبة الرجل عندما ذمه بذکر ما
يكره لو سمعه صراحة من الرسول صلى
الله عليه وسلم أو أنه داهنه عندما هش له
ويش، وانبسط له، وألان الكلام معه. فإذا
ما وقفنا على الحكم استحضرنا مسوغ فعل
الرسول صلى الله عليه وسلم وهو بيان
كيفية التعامل مع مثل هؤلاء. ويضاف إلى
ذلك أن الرسول صلی الله علیه وسلم كان
طیب الكلام، فلم یکن فاحشًا ولا متفحشًا،
ولا سبابًا ولا لعانًا، وكان ينهى عن الغيبة
والتملق والمداهنة والنفاق.
((وليس في قول النبي صلى الله عليه
وسلم في أمته بالأمور التي یسمیهم بها،
ويضيفها إليهم من المكروه غيبة. وإنما يكون
ذلك من بعضهم في بعض. بل الواجب على
الرسول صلی الله علیه وسلم أن یبین ذلك
ويفصح به، ويعرف الناس أمره فإن ذلك
من باب النصيحة والشفقة على الأمة. فأراد
الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعلم أمته
اتقاء شر من هذا سبيله، ومداراته ليسلموا
من شره وغائلته وذلك بأن يظهروا لهم
البشاشة، وأن لا يجبهوهم بها))(١).
إذن ففعله صلى الله عليه وسلم كان وسلم.
استلطافًا وتطييبًا لخاطر ذلك المنافق الشرير
ليتمكن من إيمانه، وينجذب بذلك إلى
(١) فتح الباري، ابن حجر ٤٥٤/١٠.
ما رواه عدي بن حاتم رضي الله عنه
عن إكرام الرسول صلى الله عليه وسلم له
کما أکرم أخته قبل إسلامه بعد عودته إلى
المدينة المنورة. وكان قد فر منها إلى الشام
بعد انتصار المسلمين. قال عدي رضي الله
عنه: (ثم مضی بي رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى إذا دخل بي بیته تناول وسادة من
أدم محشوة ليفًا فقذفها إلي، فقال: اجلس
على هذه. قال: قلت بل أنت فاجلس عليها،
فقال: بل أنت. فجلست عليها وجلس رسول
الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال:
فقلت في نفسي والله ما هذا بأمر ملك)(٢).
وتذكر السيرة النبوية أنه دخل في
الإسلام، وكان له الأثر الواضح في الدعوة
والجهاد.
ولاشك أن الاحترام الظاهري، والتعامل
الحسن مع من لا يستحقه - كحال عدي
قبل إسلامه - إذا كان لمصلحة شرعية تعود
بالنفع على الإسلام وأهله من زيادة عدد
المسلمين أو دفع الأذى والضرر عنهم وغير
ذلك جائز استنادًا إلى فعله صلى الله عليه
ولهذا عندما سئل ابن عباس رضي الله
عنهما عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ٣١٦/٤.
الوضوي
جَوَبُوبَرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
١٧٨

المداهنة
بِشَحِيَّةٍ فَحَيُوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّاللَّهَ كَانَ عَلَى بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَنِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ.
مُظْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا
كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٨٦].
فَعَلَيْهِمْ غَضَبُّ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ
عَظِيمٌ
قال: « من سلم علیك من خلق الله فاردد
عليه وإن كان مجوسيًا))(١).
ومن المداهنة المشروعة: التقية.
وقد ذهب جمهور علماء أهل السنة إلى
أن الأصل في التقية هو الحظر، وجوازها
ضرورة، فتباح بقدر الضرورة.
خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم، ولم
ينقل ما يخالف ذلك فيما نعلم إلا ما روي
عن معاذ بن جبل من الصحابة، ومجاهد من
التابعين، وإنما ذهب الجمهور إلى ذلك لأن
الله تعالى نص عليها في كتابه بقوله: ﴿لا
يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينُّ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَقْءٍ إِلَّ أَنْ
تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَنَّةٌ وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى
٢٨) [آل عمران: ٢٨].
اَللَّهِ الْمَصِيرُ
قال ابن عباس في تفسيرها: نهى الله
المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، أو يتخذوهم
ولیجةً من دون المؤمنين، إلا أن يكون
الكفار عليهم ظاهرين، فيظهرون لهم
اللطف ويخالفونهم في الدين (٢).
ومن الأدلة على مشروعية التقية
للضرورة قول الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٩/٥.
(٢) المفهم لما أشكل في شرح صحيح مسلم،
القرطبي ٣٢٣/٦.
[النحل: ١٠٦].
وسبب نزول الآية: (أن المشركين أخذوا
عمارًا فلم یتر کوه حتی سب النبي صلی الله
عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، فتركوه.
فلما أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال:
قال القرطبي: والتقية لا تحل إلا مع ما وراءك؟ قال: شر، ما تركت حتى نلت
منك وذكرت آلهتهم بخير. قال: كيف
تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان. قال: إن
عادوا فعد، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ.
مُطْمَيْنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾﴾(٣).
ومن الأدلة على جواز التقية للضرورة
ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن: (أن
مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال
لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله؟
قال: نعم. نعم. نعم. قال أتشهد أني رسول
الله؟ قال: نعم وكان مسيلمة يزعم أنه رسول
بني حنيفة وأن محمدًا رسول قریش، ثم دعا
بالآخر، فقال: أتشهد أن محمدًا رسول الله
؟ قال: نعم. قال: أنتشهد أني رسول الله؟
قال: إني أصم. قالها ثلاثًا، كل ذلك يجيبه
بمثل الأول. فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧٤/١٤،
التفسير الوسيط، الواحدي ٨٦/٣.
www. modoee.com
١٧٩

حرف الميم
الله صلى الله عليه وسلم فقال: أما ذلك
فقد مضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله،
فهنيئًا له. وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا
تبعة عليه)(١).
وقال الحسن: التقية جائزة للمؤمنين إلى
يوم القيامة. وقد نسب القرطبي إنكار التقية
إلی معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ((كانت
التقية في جدة الإسلام قبل قوة المسلمين
فأما اليوم فقد أعز الله أهل الإسلام أن يتقوا
عدوهم)) (٢).
ونقل السرخسي عن قوم لم يسمهم
أنهم كانوا يأبون التقية، ويقولون: هي من
النفاق (٣)
قال السرخسي: إن هذا النوع - يعني
النطق بكلمة الكفر تقية - يجوز لغير
الرسل. فأما في حق المرسلين - صلوات
الله وسلامه عليهم أجمعين - فما كان يجوز
ذلك فیما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدین
الحق، وتجويز ذلك محال - أي ممنوع
شرعا - لأنه يؤدي إلى أن لا يقطع القول بما
هو شريعة، لاحتمال أن یکون فعل ذلك أو
قاله تقية (٤)
(١) انظر: الكافي الشافي في تخريج أحاديث
الكشاف، ابن حجر ٢ / ٦٣٧.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٢٤/٦، مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٢٣.
(٣) المبسوط، السرخسي ٢٤/ ٤٣.
(٤) المصدر السابق ٢٤/ ٤٤.
وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية ١٤/ ١٨٤.
جوية
القرآن الكريمِ
وهو يشير بذلك إلى ما يبينه أهل
الأصول من أن حجية السنة النبوية متوقفة
علی کون کل ما أتی به النبي صلى الله عليه
وسلم حقًا، إذ لو تطرق إلى أقواله أو أفعاله
احتمال أنه فعل أو قال أشیاء من ذلك على
سبيل التقية وهي حرام، لكان ذلك تلبيسًا في
الدين، ولما حصلت الثقة بأقوال النبي صلى
الله علیه وسلم وأفعاله.
وكذلك السكوت منه صلى الله عليه
وسلم على ما يراه ويسمعه من أصحابه
إقرار تستفاد منه الأحكام الشرعية، فلو كان
بعض سكوته يكون تقية لالتبست الأحكام
على المسلمين.
وقد قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُلِّفُونَ
رِسَلَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّ اللَّهُ
وَكَفَ بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: ٣٩].
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ
وقال:
إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ.
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْكَفِرِينَ
﴾ [المائدة: ٦٧].
٦٧
قال القرطبي: دلت الآية على رد قول
من قال إن النبي صلى الله عليه وسلم كتم
شيئًا من أمر الدين تقية، وعلى بطلانه وهم
الرافضة (٥) .
وفي فواتح الرحموت: ما من نبي إلا
بعث بين أعدائه، فلعله - أي: في حال
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٣٢٤.
١٨٠

المداهنة
الوحي خوفًا منهم، وكذا محمد صلی الله
علیه وسلم بعث بین أعدائه، ولم یکن له
ولأصحابه قدرةٌ لدفعهم فیلزم علی تجويز
التقیة له احتمال کتمانه شيئًا من الوحي، وأن
لا ثقة بالقرآن. فانظر إلى شناعة هذا القول
وحماقته على أن امتناع التقية على الأنبياء
لا يعني عدم عملهم بالملاطفة واللين
والمداراة للناس كما تقدم، أي: من دون
إخلال بفريضة أو ارتكاب لمحرم(١).
وتقدمت الأدلة على جواز العمل بالتقية.
وقد اختلف في حكمها.
فقيل: إذا وجد سببها وتحقق شرطها
فهي واجبة، لأن إنقاذ النفس من الهلكة أو
الإيذاء العظیم ونحو ذلك لا يحصل إلا بها
في تقدير المكلف لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَقْتُلُواْ
أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء:
٢٩].
والصحيح عند العلماء أن الأولى
للإنسان أن یثبت على ما هو عليه من الحق
بظاهره، كما هو عليه بباطنه. وقد يكون
الثبات أفضل وأعظم أجرًا ومثوبةً ولو كان
العذر قائمًا، وثبت هذا بالأدلة الصحيحة في
الكتاب والسنة، فمن الكتاب ما في سورة
البروج، فقد حكى الله تعالى قصة الذين
(١) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت،
اللكنوي ٣/ ٣٢١.
افتراض عمله بالتقية - كتم شيئًا من صبروا على عذاب الحريق في الأخدود،
واختاروا ذلك على أن يظهروا الرجوع عن
دينهم. وثناء الله تعالى عليهم بذلك الثبات
يدل على تفضيل موقفهم على موقف العمل
بالتقية في قضية إظهار الكفر. ومنها قوله
تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَّكُواْ أَنْ يَقُولُواْ
ءَمَنَا وَهُمْ لَأَ يُقْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت: ٢].
ومما يستدل به على ذلك من السنة قول
النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تشرك بالله
شيئًا وإن قتلت وحرقت)(٢).
وكذلك ما تقدم في مسألة مسيلمة، فقد
عذر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي
الذي وافق مسيلمة وقال فيه: (لا تبعة عليه)
وقال في حق الذي ثبت فقتل: (مضى على
صدقه ويقينه، وآخذ بفضله، فهنيئا له) وهذا
يدل على التفضيل. واحتج السرخسي أيضا
بقصة (( خبيب بن عدي لما امتنع من موافقة
قريش على الكفر حتى قتلوه، فقال النبي
صلى الله عليه وسلم هو: ((أفضل الشهداء))
وقال: (هو رفيقي في الجنة)(٣).
وقد بوب البخاري رحمه الله لهذه
المسألة بابًا بعنوان « باب من اختار الضرب
والقتل والهوان علی الکفر » أورد فيه حدیث
خباب بن الأرت أنه قال: (شکونا إلی رسول
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب
الصبر على البلاء، رقم ٤٠٣٤.
وصححه في الإرواء، ٨٩/٧، رقم ٢٠٢٦.
(٣) المبسوط ٤/ ٤٥.
www. modoee.com
١٨١

حرف الميم
الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة قال ابن عباس: ((ودوالوتكفر فيكفرون))(٣).
فالمداهنة خلقٌ قدرٌ، لا ینحط فیه إلا من
في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا ؟ ألا
تدعو لنا ؟ فقال: قد کان من قبلکم یؤخذ
الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها،
فيجاء بالمنشار فيوضع على مفرق رأسه
فیجعل نصفین، ويمشط بأمشاط الحدید من
دون لحمه وعظمه، فما یصده ذلك عن دينه
ثم قال صلی الله عليه وسلم والله لیتمن الله
هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى
حضرموت، لا يخاف إلا الله والذئب على
غنمه، ولكنكم تستعجلون)(١). وهو واضح
الدلالة على المقصود. وهكذا كل أمر فيه
إعزاز للدين وإعلاء لكلمة الله وإظهار
لثبات المسلمين وبسالتهم، وتثبيت لعامة
المسلمين على الحق، يكون الثبات على
الحق وإظهاره أولى من التقية، وهذا بخلاف
نحو الإكراه على شرب الخمر وأكل الميتة
وحيث لا تظهر المصالح المذكورة(٢).
خف في العلم وزنه، أو من نشأ نشأة صغارٍ
ومهانةٍ. وتكمن خطورة هذا الخلق في أنه
يتعارض تماما مع أهم المبادئ الإسلامية،
وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر،
ولذا فإن الدعوات السماوية والوضعية قد
جعلت جوهر أهدافها الإصلاح، والإصلاح
هو لب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فالقرآن الکریم قد ركز في أغلب سوره على
الإصلاح، وقد ظهر واضحًا من خلال تأكيد
القرآن الذي أوصى الإنسان بأخيه الإنسان،
فحرم الكذب والخيانة والغش والاعتداء
بكل صوره المادية والمعنوية، وهذه
المبادئ وغيرها تشترك في منع أي منا من
أن يساعد على الظلم والفساد، فيما تدفعه
للتعاون في جميع أنواع البر ومنه الإصلاح.
وأدلة تحريم المداهنة كثيرةٌ.
ثانيًا: المداهنة المحرمة:
سبق وأن ذكرنا أن المداهنة تقترب
كثيرًا من النفاق، وربما كانت كفرًا إذا كانت
المداهنة لصاحب الكفر كما في قوله تعالى:
﴿وَدُوْ لَوْتُدْهِنُ فَيَدْ هِنُونَ ﴾ [القلم: ٩] ..
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإكراه،
باب من اختار الضرب والقتل والهوان على
الكفر، رقم ٦٩٤٣.
(٢) فتح الباري، ابن حجر ١٣٩/١٢.
وانظر الموسوعة الفقهية الكويتية ١٤/ ١٩٠. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩ / ٥٦.
١٨٢
فَضْو
القرآن الكريمِ
قال تعالى: ﴿أَفَبِهَذَا لَلَدِيثِ أَنْتُم مُدْهِنُونَ
﴾ [الواقعة: ٨١].
٨١
وقال تعالى ﴿وَدُّواْ لَوْتُدْهِنُ فَيْدٌ هِنُونَ
﴾ [القلم: ٩].
وقال تعالى: ﴿ وَلَا تَزَّكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ
فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ
أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ﴾ [هود: ١١٣].
حكى القرطبي في تفسيرها أن معناها:

المداهنة
«لا تودوهم ولا تطیعوهم ولا تمیلوا إليهم.
والركون هنا: الإدهان وذلك ألا ينكر عليهم
كفرهم ثم قال: وهذا هو الصحيح في معنى
الآية، وأنها دالة على هجران أهل الكفر
والمعاصي من أهل البدع وغيرهم ، فإن
صحبتهم كفر أو معصية، إذ الصحبة لا
تكون إلا عن مودة، فإن كانت الصحبة عن
ضرورة وتقية فقد مضى القول فيها في (( آل
عمران)) و(( المائدة)). وصحبة الظالم على
التقية مستثناة من النهي في حال الاضطرار.
والله أعلم))(١).
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّا أَنزَلَ
اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ
عَنْ بَعْضِ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكٌّ فَإِن تَوَلَّوْ فَأَعْلَمْ أَنَّمَا يُرِدُ
اَللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمُ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ
لَفَسِقُونَ ﴾ [المائدة: ٤٩].
قال الرازي في تفسيرها: ((قال ابن
عباس: يريد به يردوك إلى أهوائهم، فإن
كل من صرف من الحق إلى الباطل فقد
فتن، ومنه قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ
الَّذِىّ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ لِتَغْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ، وَإِذَا
لَأَتَّخَذُوَ خَلِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٣].
والفتنة ههنا في كلامهم التي تميل عن
الحق وتلقي في الباطل وكان صلى الله عليه
وسلم يقول: ((أعوذ بك من فتنة المحيا)).
قال: هو أن يعدل عن الطريق، قال أهل
(١) الجامع لأحكام القرآن ٧٩/١٢.
العلم: هذه الآية تدل على أن الخطأ والنسيان
جائزان على الرسول ، لأن الله تعالى قال:
﴿وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ
إِلَيْكَ﴾ والتعمد في مثل هذا غير جائز على
الرسول، فلم يبق إلا الخطأ والنسيان»(٢).
﴿وَلَا نُطِعِ الْكَفِرِينَ
وقال تعالى:
وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَئُهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى
بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].
وإذا ثبتت حرمة المداهنة لما تقدم فلا
ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم ولا لأمته
في كل عصرٍ ومصرٍ أن يطيعوا الكافرين
ولا المنافقين إذا أشاروا عليهم بالمداهنة
والترخص أو التنازل بدعوى المصلحة، ولا
يأبهوا بأي أذىّ متوقع ويعتمدوا على الله
في ذلك كله، فهو وحده الو کیل و کفی بالله
و کیلاً.
قال الشوكاني: ثم نهاه سبحانه عن طاعة
ـطَع
لكنفرين
لا
أعداء الدين فقال:
وَالْمُنَفِقِينَ﴾ أي: لا تطعهم فيما يشيرون
عليك به من المداهنة في الدين وفي الآية
تعریض لغيره من أمته لأنه صلى الله عليه
وسلم معصوم عن طاعتهم في شيء مما
(٣) .
يريدونه ویشیرون به علیه
.
قال صاحب الظلال: قوله تعالى: ﴿ وَلَا
٠٠٠٠١٨٠٠٠٠
نُطِعِ الْكَفِرِينَ وَالْمُنَفِقِينَ وَدَعْ أَذَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ١٧٧.
(٣) فتح القدير ٤ / ٢٨٠.
www. modoee.com
١٨٣

حرف الميم
عَلَى اللهِّ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾ [الأحزاب:
٤٨].
« توجیه النبي صلى الله عليه وسلم ألا
يحفل بأذى الكافرين والمنافقين، ولا يتقيه
بطاعتهم في شيء أو الاعتماد عليهم في
شيء، فالله وحده هو الوكيل، وكفى بالله
وكيلًا(١).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ
فِيْ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍِ
وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلاَ نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى
مَعَ الْقَوْمِ الظَّلِينَ ()﴾
[الأنعام: ٦٨].
قال القرطبي في تفسيرها: وإذا رأيت
الذين يخوضون في آياتنا بالتكذيب والرد
والاستهزاء فأعرض عنهم والخطاب مجرد
للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: إن
المؤمنین داخلون في الخطاب معه. وهو
صحيح، فإن العلة سماع الخوض في آيات
الله، وذلك یشملهم وإياه. فأدب الله عز
وجل نبيه صلى الله عليه وسلم بهذه الآية ،
لأنه كان يقعد إلى قوم من المشركين يعظهم
ويدعوهم فيستهزئون بالقرآن ، فأمره الله أن
يعرض عنهم إعراض منكر. ودل بهذا على
أن الرجل إذا علم من الآخر منكرًا وعلم أنه
لا يقبل منه فعليه أن یعرض عنه إعراض
منكر ولا يقبل عليه(٢).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٨٧٣/٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٣٤/٧.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَبَّكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ
قَلُكُمْ فِ الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِّن دِيَرِكُمْ وَظَهَرُ وا عَلَ
إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَنَوَُّمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الَّالِسُونَ
[الممتحنة: ٩].
يقول ابن عاشور في تفسيرها: ((فذلكة
لما تقدم وحصر لحكم الآية المتقدمة. وهي
تؤذن بانتهاء الغرض المسوق له الكلام من
أوله. والقصر المستفاد من جملة ﴿إِنَّا
يَتَهَنَّكُمُ اللهُ﴾ إلى آخرها قصر قلب لرد اعتقاد
من ظن أو شك في جواز صلة المشركين
على الإطلاق. والذين تحققت فيهم هذه
الصفات يوم نزول الآية هم مشركو أهل
مكة، و ﴿أَنْ تَوَلَّوْهُمْ﴾ بدل اشتمال من ﴿أَلَِّينَ
قَتَلُوكُمْ﴾ ﴿وَمَن يَنَوَلَّمْ﴾ شرط وجيء في
جواب الشرط باسم الإشارة لتمييز المشار
إليهم زيادة في إيضاح الحكم. والمظاهرة:
المعاونة. وذلك لأن أهل مكة فريقان منهم
من يأتي بالأسباب التي لا يحتمل المسلمون
معها البقاء بمكة، ومنهم من یعین علی ذلك
ويغري عليه. والقصر المستفاد من قوله:
﴿فاؤلك مُمُ الگالِمُونَ﴾ قصر ادعائي، أي: أن
ظلمهم لشدته ووقوعه بعد النهي الشديد
والتنبيه على الأخطاء والعصيان ظلم لا
يغفر لأنه اعتداء على حقوق الله وحقوق
المسلمين وعلى حق الظالم نفسه)) (٣).
ولا شك أن الحق سبحانه نھی عن موالاة
(٣) التحرير والتنوير ٢٨/ ٥٦.
١٨٤
القرآن الكريم