النص المفهرس

صفحات 1-20

جَوْمُهُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
عناصر الموضوع
مفهوم المحبة
٦٠
المحبة في الاستعمال القرآني
٦١
الألفاظ ذات الصلة
٦٢
أنواع المحبة
٦٣
صفات تستوجب حب الله للعبد
٨٣
٨٦
آثار المحبة ونتائجها
المُجَلَّدَ الثَّلاثُونْ

حرف الميمر
مفهوم المحبة
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل المحبة مأخوذ من حبب التي هي بمعنى اللزوم والثبات، ومنه يقال: أحبه حبا
ومحبة إذا لزمه (١).
والحب: نقيض البغض. والحب: الوداد والمحبة(٢).
والحب: المحبة، وكذلك الحب بالكسر (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: المحبة: ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيرًا (٤).
وقال الكفوي: الحب: هو عبارة عن ميل الطبع في الشيء الملذ (٥).
فتكون العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي علاقة اللازم بالملزوم، فالمحبة انفعال
نفسي يلزم منه ويعقبه الميل والانجذاب إلى المحبوب (٦)، والله أعلم.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٦/٢، المفردات، الراغب ص ٢١٤.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٢٨٩/١.
(٣) الصحاح، الجوهري ١ / ١٠٥.
(٤) الذريعة إلى مكارم الشريعة، الراغب ص ٢٥٦، المفردات، الراغب ص ٢١٤.
(٥) الكليات، الكفوي ص ٣٩٨.
(٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٥/٣.
عَبُ النََّّ
جَوَسُوع
القرآن الكريم
٦٠

المحبة
المحبة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حبب) في القرآن الكريم (٨٣) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٦
[الحجرات: ٧]
الفعل المضارع
٦٣
﴿لَابَلْ تُونَ الْعَاجِلَةَ (٥)﴾ [القيامة: ٢٠]
المصدر
١٠
﴿وَ إِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
﴾ [العاديات: ٨]
٨
قَالَ رَبِّ السّجْنُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِمَّا يَدْعُونَبِيّ إِلَيْهِ﴾
أفعل التفضيل
٣
[يوسف: ٣٣]
اسم
١
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَرَى غَحْنُ أَبْنَوَأْ اَللَّهِ وَأَحِبَُّهُ.
[المائدة: ١٨]
وجاءت المحبة في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه (٢):
الأول: الإيثار: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِّ أَحْيَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِىِ﴾ [ص: ٣٢].
يعني: آثرت حب الخير.
الثاني: المودة: ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِ يُحْبِبُّكُمُ﴾ [آل عمران: ٣١].
الثالث: القلة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهٍ﴾ [الإنسان: ٨]. يعني: على قلته.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، باب الحاء، ص٤١٨-٤١٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ١٧٧ - ١٧٨.
www. modoee.com
٦١
﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ فِ قُلُوبِكُمْ﴾

حرف الميم
الألفاظ ذات الصلة
الشغف:
١
الشغف لغة:
أن يبلغ الحب شغاف القلب، وهو جلدة دونه(١).
الشغف اصطلاحًا:
احتراق القلب بالحب مع لذة يجدها(٢).
الصلة بين الشغف والمحبة:
علاقة الأعم بالأخص إذ الشغف محبة خاصة.
٢
الخلة :
الخلة لغة:
(الخليل) الصديق، والجمع (أخلاءٌ)(٣).
وهي أخص من الأخوة (٤).
الخلة اصطلاحًا:
أخوة خاصة لأخ معين من بين سائر الإخوان لشدة الموافقة بينه وبين أخيه. قال ابن
القيم: وهي أعلى مراتب المحبة (٥).
الصلة بين الخلة والمحبة:
العلاقة بين المحبة والخلة علاقة الأعم بالأخص؛ إذ الخلة مودة خاصة خالصة، وهي
أعلى مراتب المحبة.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤٤/٨، المصباح المنير، الفيومي ٣١٦/١، لسان العرب، ابن منظور
١٧٩/٩.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٣٩٨.
(٣) المصباح المنير، الفيومي ١ / ٩٦.
(٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١٥٤/١٠.
(٥) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٢/٣.
مَوَسُوعَةُ النفسية
القرآن الكريمِ
٦٢

المحبة
أنواع المحبة
أولًا: المحبة المباحة:
ورد لفظ الحب في القرآن والسنة
بكل جوانبه الطبعية والشرعية، فالجوانب
الفطرية أو الطبعية مثل حب الآباء والأبناء
والأزواج وحب المال وسائر الشهوات.
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاَلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ, حُسْنُ الْمَعَابِ﴾ [آل عمران:
١٤].
وقال تعالى: ﴿وَتُحِبُونَ الْمَالَ حُبَّا جَمَّا﴾
[الفجر: ٢٠].
﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾
وقال:
[العاديات: ٨].
وقال: ﴿لَابَلْ تُونَ الْعَلِلَةَ﴾ [القيامة: ٢٠].
والمحبة الفطرية هي التي يحب فيها
الإنسان الشيء بمقتضى فطرته، كمحبته
للنوم، والطعام والشراب، والمال والولد،
والوطن. وفي الحديث الذي أخرجه
البخاري بسنده عن أبي هريرة قال: سمعت
رسول الله صلی الله علیه وسلم يقول: (لا
يزال قلب الكبير شابًّا في اثنتين: في حب
الدنيا، وطول الأمل)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
وأخرج عن أنس بن مالك أنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يكبر
ابن آدم ویکبر معه اثنان: حب المال، وطول
العمر)(٢).
هذه هي المحبة الفطرية الجبلية كما
وردت في النصوص الشرعية.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَِّيّ
أَخْرَجَ ◌ِعِبَادِهِ، وَالطَِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف:
٣٢].
فمعنى هذا أن الإسلام يعترف بالواقع
النفسي للإنسان، ويقره على هذا الواقع،
أن لديه نزعات فطرية نحو هذه الشهوات
من مال وبنين ونساء وما شابه ولم يأت
الإسلام ليستأصل هذه النزعات من كيان
الإنسان، وإنما جاء لیھذبها، وليحول دون
انفلاتها، لكنها محترمة لدی الإسلام، هذه
النزعات لا ينظر إليها الإسلام بازدراء أو
احتقار، عاطفة الإنسان، مشاعر الإنسان؛
لأن الإسلام دين الفطرة كما جاء في القرآن
الكريم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ
اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠].
فكيف يكون دين الفطرة ثم يحتقر هذه
النزعات الفطرية لديك؟! إنما هناك ضوابط
لهذه النزعات، أن تحب المال فليس هذا
منكرا في الإسلام، لكن كيف تجمع هذا
باب من بلغ ستين سنة، ٨٩/٨، رقم ٦٤٢٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من بلغ ستين سنة، ٨/ ٩٠، رقم ٦٤٢١.
www. modoee.com
٦٣

حرف الميم
المال؟ وكيف تكسبه؟ وكيف تنفقه؟ المهم، محبته العقلية، و کذلك العكس يكون محبة
نرید أن نركز على جانب واحد.
إن الإسلام دین سمح يعترف بعواطف
الناس ومشاعرهم، ولا يصدمها، فهو لا
يصدم الفطرة، ولا يصدم العقل، ولا يصدم
المشاعر، دين يتطابق مع الفطرة.
والمحبة الشرعية هي التي أمر الشارع
بها أمر وجوب أو استحباب، كقوله صلى
الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس
أجمعين)(١).
حسنها كما تقول: (الكرم محبوب) أي أن
العقول تقر أن الكرم والنظافة والقوة محبوبة
لدى الإنسان، و کما تقول للكافر: أحب فیه
الحلم والصبر، أي أنك تحب الأوصاف
الموجودة فيه محبة عقلية، لا شرعية، ولا
فطرية.
وإن کان یظهر بادئ الأمر أن بينهما
تلازمًا، لکن في حقيقة الأمر أنه ليس بينهما
تلازم، بل بينهما تداخل، والفرق بينهما أن
المحبة الفطرية قد تكون موجودة، لكن
تتخلف المحبة العقلية، كمن أحب المال
وبخل به محبة فطرية، ويعلم هو بعقله حسن
الكرم والجود، ولكن غلبت محبته الفطرية
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حب الرسول من الإيمان، ١/ ١٢، رقم
١٥.
النساء والبنين وغير ذلك، وهذا نوع لا يقدح
في کمال الإخلاص ومحبة الله، ولا يخرج
من الإسلام، وذلك مثل محبة ما زينه الله
للنفوس من النساء والبنين والذهب والفضة
والخيل المسومة والأنعام والحرث، فيحبها
الإنسان محبة شهوة، كمحبة الجائع للطعام
والظمآن للماء ونحو ذلك. وحتی نفرق بين
الحب في الله وبين المحبة مع الله في هذا
النوع الثاني فإنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يحبها لله، أي: أن
والمحبة العقلية وهي يميل إليها ويقرر يحب المال والنساء ونحو ذلك لله، توصلًا
بها إليه، واستعانة على مرضاته وطاعته،
فهذه یثاب عليها، وهي من قسم الحب لله؛
ولذا يثاب عليها ويلتذ بالتمتع بها، وهذه
حال أكمل الخلق الذي حبب الله إليه من
الدنيا النساء والطيب وهو رسول الله صلى
الله عليه وسلم، كما ذكر ذلك في الحديث
الصحیح(٢)، وكانت محبته لها عونًا له على
محبة الله وتبليغ رسالته والقيام بأمره، وهذا
يدخل فيه ما يشبهه، مثل: محبة النكاح
لمن أراد العفاف، ومثل أن يأكل الإنسان
الأكلة يتقوى بها على طاعة الله، ومثل أن
ينام النومة ليستعين بها على الصلاة وعلى
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٠٥/١٩، رقم
١٢٢٩٣.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٥٩٩/١، رقم ٣١٢٤.
٦٤
القرآن الكريمِ

المحبة
عبادة الله في الليل، وغير ذلك من الأمور،
فتتحول هذه الأمور المحببة إلى النفس إلى
نوع عبادة وطاعة؛ لأنها تؤدي إلى ما يحبه
الله تبارك وتعالى ويرضاه.
القسم الثاني: أن يحب هذه الأمور
لموافقة طبعه وهواه وإرادته، ولكنه لم
يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، بل نالها
بحكم النيل الطبيعي، فهذه تكون من قسم
المباحات ولا يعاقب عليها، ولكن ينقص
من کمال محبته لله والمحبة فیه بمقدار ما
یغلو في هذه الأمور، أي أنه إذا زاد فيها عن
الأمر المعتاد فربما ينقص حبه لله أو محبته
في الله بقدر غلوه وزيادته في تلك الأمور،
وهذا أمر مشاهد، فإن من تعلق بالدنيا أو
تعلق بالنساء فلابد أن ينقص من محبته لله
والمحبة في الله بمقدار ما زاد من ذلك
التعلق.
القسم الثالث: أن تكون هذه الأمور التي
ذكرناها آنفًا هي مقصوده ومراده وسعيه
في تحصيلها والظفر بها، وتقديمها على ما
يحبه الله ويرضاه، ففي هذه الحالة تكون له
حالتان:
الأولى: أن يقدمها على ما يحبه الله في
أصول الدين وأصول العبادة، مثل أن يقدم
المال على عبادة الله، أو يقدم محبته للنساء
على عبادته لله تبارك وتعالى مثل الصلاة
ونحوها، فهذه قد تذهب بأصل دينه.
الثانية: أن يقدمها بحيث تؤثر على
عباداته لله، لكن لا یقدمها بالكلية، مثل أن
تشغله دنياه عن المحافظة على الصلاة في
أوقاتها أو نحو ذلك من العبادات، ففي هذه
الحالة يتحول صاحبھا إلی أن یکون ظالمًا
لنفسه مقصرًا عاصيا، ولكنها لا تخرجه عن
دائرة الإيمان (١).
إذا علمنا هذا تبين لنا أن المحبة الفطرية
مما تألفه النفس فطرة، فلو أبعد الإنسان مثلاً
عن موطنه حن إلی عبق ريحه وسحر جباله
ووهاده، وتذكر ماضيه، واعتصر القلب إلى
أطلاله ورؤية ترابه، وهو نوع من المحبة
الفطرية.
لذلك كان من عظیم فضل الله تعالى أن
جعل جزاء من يموت في الهجرة الجنة.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْوَتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى اللّهِ
وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٠].
يقول المفسرون: ﴿فَقَدٌ وَقَعَ أَجْرُ عَلَى اللَّهُ ﴾
أي: الجنة(٢).
بل جعل الله تعالى من أسباب قتال
العدو الإخراج من الديار والوطن، كما قال
تعالى: ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَرِنَا وَأَبْنَآئِنَّاً فَلَمَّا كُتِبَ
عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْاْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ
(١) انظر: المحبة في الله، عبد الرحمن المحمود
ص ١٢ - ١٤.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٧/٣.
www. modoee.com
٦٥

حرف الميم
عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٦].
فجاء التعبير عن حب الوطن (حبًّا فطريًّا)
كعزة ماله وولده أحيانًا لديه.
ولذلك جعل الشرع من مصارف الزكاة
المسافر المنقطع به، كما قال تعالى: ﴿وَابْنِ
السَّبِيلِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
وإن كان غنًّا في وطنه فیصرف له وقت
انقطاعه حتى يعود؛ رعاية لجانب الغربة
التي هي مظنة المشقة، كما قال صلى الله
عليه وسلم في الصحيحين: (السفر قطعة
من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه
وشرابه)(١).
وعلة السفر موجودة في فراق الوطن،
وكما قال أهل العلم: مفارقة المألوفات أشد يغذوكم به من نعمه)(٢).
المكروهات.
ثانيًا: المحبة المحمودة:
وللمحبة المحمودة صور كثيرة، منها:
١. محبة الله تعالى.
وهذا من أعظم الواجبات، فقد جاء لفظ
الحب في القرآن والسنة لبيان حب الله
لعباده المؤمنين في مثل قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ
يَأْتِ اَللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العمرة،
بابٌ السفر قطعةٌ من العذاب، ٨/٣، رقم
١٨٠٤.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُثْيَنٌ
مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
فإن الله تعالى أوجب علينا ذلك وتوعد
من خالف فيه بقوله: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجُّكُمْ وَعَشِيرَتُكُ
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَّيْكُمْ مِّنَ
اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَتَّى يَأْتِى اللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
فنحن مأمورون بحب الله، يقول النبي
(أحبوا الله لما
صلى الله عليه وسلم:
يقول مصطفى السباعي: ((من أنست
نفسه بالله لم يجد لذة في الأنس بغیره، ومن
أشرق قلبه بالنور لم يعد فيه متسع للظلام،
ومن سمت روحه بالتقوى لم يرض إلا
سكنى السماء، ومن أحب معالي الأمور لم
يجد مستقرًّا إلا الجنة، ومن أحب العظماء
لم يقنعه إلا أن يكون مع محمد صلى الله
عليه وسلم، ومن أدرك أسرار الحياة لم
ير جديرًا بالحب حق الحب إلا الله تبارك
وتعالى))(٣).
فمن عرف الله تعالى أحب الله، وعلى
(٢) انظر: كنز العمال، رقم ٣٤١٥٠، ٩٥/١٢.
(٣) السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص ٢٣.
جَوَبُو ◌َرَ النَّفِيَّـ
القرآن الكريمِ
٦٦

المحبة
قدر معرفته بالله یکون حبه لله، ولهذا فقد
کان النبي صلی الله عليه وسلم أشد الناس
حبًا لله؛ لأنه كان أعرفهم بالله، يقول عليه
الصلاة والسلام: (أنا أعلمكم بالله)(١).
يقول الحسن البصري: ((من عرف ربه
أحبه، ومن عرف الدنيا زهد فيها، وكيف
يتصور أن يحب الإنسان نفسه ولا يحب ربه
الذي به قوام نفسه؟!))(٢).
والله تعالی یحب، ومن أحبه الله كان مع
الله، في معیته، وتحت حفظه وعنايته جل
في علاه، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ أَتَّقَواْ
وَالَّذِينَ هُمْ تُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].
ومعية الله تعالى لمن يحب هي معية
خاصة يخص بها أحباءه وأولياءه، معية نصر
وتكريم، وعناية ورعاية، فضلا عن المعية
العامة التي هي معية العلم المحيط الشامل،
ففي الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي
بي، وأنا معه إذا ذكرني)(٣).
والله تعالى يحب، ومن أسمائه
((الودود))، وقد ذكر لفظ: ((الودود)) في
القرآن الكريم مرتين: في سورة هود حیث
يقول تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنا
أعلمكم بالله)، رقم ١،٢٠/ ١٣.
(٢) السيرة النبوية، مصطفى السباعي ص ٤٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (ويحذركم الله نفسه)،
رقم ٩،٧٤٠٥/ ١٢١.
ج
﴾ [هود: ٩٠].
إِلَيْهِ إِنَّ رَبِي رَحِيمٌ ودود
وفي سورة البروج حيث يقول سبحانه
وتعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُلْوَدُودُ﴾ [البروج: ١٤].
والود: الحب، ومعنى الودود: المحب
للمؤمنين الذي يودهم ويودونه، ويحبهم
ويحبونه.
ولا يجعل المؤمن محبة غير الله تعالى
فوق محبة الله. فالله تعالى يتوعد من شغلته
محبة غيره عن محبته جل في علاه، وأصل
العبادة محبة الله، بل إفراده بالمحبة، وأن
يكون الحب كله لله، فلا يحب معه سواه،
وإنما یحب لأجله وفيه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله
في رسالته العبودية (٤): ((إن العبادة المأمور
بها تتضمن معنی الذل ومعنى الحب، فهي
تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة
له، فإن آخر مراتب الحب هو التتيم، وأوله
العلاقة؛ لتعلق القلب بالمحبوب، ثم
الصبابة (لانصباب القلب إليه)، ثم الغرام،
وهو الحب الملازم للقلب، ثم العشق،
وآخرها التتيم، يقال: تیم الله أي: عبد الله.
فالمتیم هو المعبد لمحبوبه»(٥).
وهكذا يكون طريق المحبة: أوله أمر
إلهي وآخره طاعة لله تعالى واستجابة لأمره.
وفيما أخرجه البخاري بسنده عن أبي
(٤) العبودية، ابن تيمية ص ١٣.
(٥) مدارج السالكين، ابن القيم ص ١٩٨.
www. modoee.com
٦٧

حرف الميم
هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (إن الله قال: من عادى لي وليا فقد
آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء
أحب إلي مما افترضت عليه. وما يزال عبدي
يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه)(١) الحديث.
وأخرج البخاري ومسلم بسنديهما عن
عائشة رضي الله عنها: (أن النبي صلى الله
عليه وسلم بعث رجلًا على سرية وكان
يقرأ لأصحابه في صلاته فيختم بـ ﴿قُلْ
هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ﴾ فلما رجعوا ذكروا ذلك
للنبي فقال: (سلوه لأي شيء يصنع ذلك؟)
إن القاعدة في عرف البشر أنهم لا يحبون
فسألوه، فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا ما لا يعرفون، ويحبون ما يعرفون لا من
أحب أن أقرأ بها. فقال النبي صلى الله عليه ينكرون.
وسلم: (أخبروه أن الله يحبه)(٢).
کما ورد ما يثبت حب المؤمنین لربهم
عز وجل وذلك كقوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَسَدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
وقوله تعالى: ﴿فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُّهُمْ
وَيُحِبُّونَهُمْ ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقوله تعالى: ﴿قُلٌ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ
فَأَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٣١].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب التواضع، ١٣١/٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
التوحيد، باب دعاء النبي أمته إلى توحيد الله
تبارك وتعالى، ٩/ ١٤٠، رقم ٧٣٧٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب
فضل قراءة (قل هو الله أحد)، ١ / ٥٥٧، رقم
٨١٣.
وروي (أن رجلا سأل النبي صلى الله
عليه وسلم : متى الساعة يا رسول الله؟ قال:
(ما أعددت لها؟) قال: ما أعددت لها من
کثیر صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب
الله ورسوله. قال: (أنت مع من أحببت)(٣).
کیف نحب الله تعالى؟
إن المتدبر والمتأمل لهذه الآية الكريمة
التي صدرنا بها ليشعر بالخوف والرهبة من
هذا الوعيد الشديد، ولعل السؤال المطروح
کیف نحب الله تعالی؟
وحب الله تعالى يتحقق بمعرفتنا لله
تعالى، فكلما زادت معرفة العبد بربه زاد
حبه له، وكلما فكر في نعم الله عليه قوي
حبه لربه؛ لأن النفوس مجبولة على حب من
أحسن إليها، فالإنسان بعقله يؤمن، وبقلبه
يحب، وهل الإنسان إلا عقل يدرك، وقلب
یحب!
وحتى يتحقق حب الله يلزم أن تحب
الآخرة، فالدنيا لا يجتمع حبها مع حب
الآخرة في قلب واحد؛ ولذا حذرنا منها
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب علامة الحب في الله، ٤٩/٨، رقم
٩١٧١، ومسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب المرء مع من أحب، ٢٠٣٣/٤،
رقم ٢٦٣٩.
جَوْسُورُ
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٦٨

المحبة
الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم
كثيرا، من ذلك ما جاء عن ابن عمر رضي
الله عنهما قال: (أخذ رسول الله صلی الله
عليه وسلم بمنکبي فقال: (کن في الدنيا
كأنك غريب أو عابر سبيل). وكان ابن
عمر يقول: (إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح،
وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من
صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك)(١).
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ
قال تعالى:
مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ بَتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُو
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِینَ مُهِدُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ يٍِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ
مَن يَشَدَءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً
[البقرة: ١٦٥].
وفی حدیث أنس رضي الله عنه مرفوعًا:
(ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان:
أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما)(٢).
وحب الله تعالى هو حياة القلوب، ونعيم
الأرواح، وبهجة النفوس، وقرة العيون،
وأعلى نعيم الدنيا والآخرة.
قال ابن القيم رحمه الله: ((المحبة
هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب من انتظر حتى تدفن، رقم ١٣٢٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦.
وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر
السابقون، وعليها تفانى المحبون، وبروح
نسیمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب
وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة
التي من حرمها فهو من جملة الأموات،
والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات،
والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع
الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها
فعیشه کله هموم وآلام، وهي روح الإيمان
والأعمال والمقامات والأحوال التي متى
خلت منها فهي کالجسد الذي لا روح فيه،
تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا
بشق الأنفس بالغيها، وتوصلهم إلى منازل
لم يكونوا بدونها أبدًا واصليها، وتبوئهم
من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولاها
داخليها، وهي مطايا القوم التي مسراهم على
ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم
الذي يبلغهم إلى منازلهم الأولى من قريب،
تالله، لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة،
إذ لهم من محبة محبوبهم أوفر نصیب، وقد
قضى الله يوم قدر مقادير الخلائق بمشيئته
وحكمته البالغة أن المرء مع من أحب،
فيالها من نعمة على المحبين سابغة !! ))(٣).
والمحبة لا توصف ولا تعرف، إنما
يعرفها من وجدها وذاقها، وإنما البحث في
أسبابها وموجباتها، وعلامتها، وشواهدها.
(٣) مد ارج السالكين ٦/٣.
www. modoee.com
٦٩

حرف الميم
والمتتبع الأسباب الجالبة للمحبة
والموجبة لها، يجد أنها عشرة:
(«أحدها: قراءة القرآن بالتدبر، والتفهم
لمعانيه، وما أريد به، كتدبر الكتاب الذي
يحفظه العبد، ويشرحه؛ ليتفهم مراد صاحبه
منه.
الثاني: التقرب إلى الله بالنوافل بعد
الفرائض، فإنها توصله إلى درجة المحبوبية
بعد المحبة.
الثالث: دوام ذكره على كل حال
باللسان، والقلب، والعمل، والحال، فنصيبه
من المحبة على قدر نصيبه من الذكر.
فمن هذه الأسباب العشرة: وصل
الرابع: إيثار محابه على محابك عند المحبون إلى منازل المحبة، ودخلوا على
غلبة الهوى، والتسنم إلى محابه، وإن صعب
الحبيب.
المرتقى.
الخامس: مطالعة القلب لأسمائه،
وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها، وتقلبها
في رياض هذه المعرفة، وميادينها، فمن
عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، أحبه لا
محالة، ولهذا كانت المعطلة، والفرعونية،
والجهمية قطاع الطريق على القلوب بينها
وبين الوصول إلى المحبوب.
السادس: مشاهدة بره، وإحسانه، وآلائه،
ونعمه الظاهرة والباطنه، فإنها داعية إلى
محبته.
السابع: وهو من أعجبها: انكسار القلب
بكليته بين يدي الله تعالی.
الثامن: الخلوة به وقت النزول الإلهي؛
لمناجاته، وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب،
والتأدب لأدب العبودية بین یدیه، ثم ختم
ذلك بالاستغفار، والتوبة.
التاسع: مجالسة المحبين الصادقين،
والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما ينتقى
أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت
مصلحة الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا
لحالك، ومنفعة لغيرك.
العاشر: مباعدة كل سبب يحول بين
القلب وبين الله عز وجل))(١).
وملاك ذلك كله أمران: استعداد الروح
لهذا الشأن، وانفتاح عين البصيرة.
أما في علامات المحبة -: فيقول ابن
القيم: ((تالله، ما هزلت فيستامها المفلسون،
ولا کسدت فیبیعھا بالنسیئة المعسرون، لقد
أقیمت للعرض في سوق من یزید، فلم یرض
لها بثمن دون بذل النفوس، فتأخر البطالون،
وقام المحبون ينظرون أيهم يصلح أن يكون
ثمنًا، فدارت السلعة بينهم، ووقعت في يد
من قال الله تعالى عنهم: ﴿أَذِلٍَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤].
لما كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة
(١) مدارج السالكين ١٧/٣.
٧٠
جوبير
القرآن الكريم

المحبة
البينة على صحة الدعوة، فتنوع المدعون
في الشهود، فقيل: لا تقبل إلا ببينة، قال
تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَتَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ
اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُنْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل
عمران: ٣١].
فتأخر الخلق کلھم، وثبت أتباع الحبيب
صلى الله عليه وسلم في أفعاله، وأقواله،
وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البينة بتزكية.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآيِرٍ﴾
[المائدة: ٥٤].
فتأخر أكثر المحبین، وقام المجاهدون،
فقيل لهم: إن نفوس المحبين، وأموالهم
ليست لهم، فهلموا إلى بيعة: قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ
وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].
فلما عرفوا عظمة المشتري، وفضل
الثمن، وجلالة من جرى على يديه عقد
التبایع، عرفوا قدر السلعة، وأن لها شأنًا،
فرأوا من أعظم الغبن أن يبيعوها لغيره بثمن
بخس، فعقدوا معه بيعة الرضوان بالتراضي،
من غیر ثبوت خيار، وقالوا: ((والله لا نقيلك
ولا نستقيلك))، فلما تم العقد وسلموا المبيع
قيل لهم: مذ صارت نفوسكم وأموالكم لنا
رددناها عليكم أوفر ما كانت، وأضعافها
معًا.
قال تعالي: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
[آل عمران: ١٦٩].
إذا غرست شجرة المحبة في القلب،
وسقيت بماء الإخلاص، ومتابعة الحبيب،
أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين
بإذن ربها، أصلها ثابت في قرار القلب،
وفرعها متصل بسدرة المنتهى)) اهـ (١).
فالمحبة حقيقة العبودية، وإنما تمكن
الأعمال الأخرى -من الحمد، والشكر،
والخوف، والرجاء، والصبر، والزهد،
والحياء، والفقر، والشوق، والإنابة-
باستمرار المحبة في القلوب، وهي حقيقة
الإخلاص، بل حقيقة شهادة أن لا إله إلا
الله.
٢. محبة الله تعالی للعبد.
حب الله لعباده صفة من صفاته، منزهة
عن مشابهة صفات المخلوقين، ونصوص
الكتاب والسنة تؤكد ذلك أتم تأکید.
وجمهور السلف على إثبات حب الله
لعباده كصفة من صفاته كما يليق بذاته
سبحانه، بلا كيف ولا تأويل ولا مشاركة
للمخلوق في شيء من خصائصها، كما أنهم
يثبتون محبة العباد لربهم محبة حقيقية قلبية.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((وهذه
المحبة حق كما نطق بها الكتاب والسنة،
والذي عليه سلف الأمة وأئمتها وأهل السنة
والحديث، وجمیع مشایخ الدين المتبعون،
(١) مدارج السالكين ٨/٣ .
www. modoee.com
٧١

حرف الميم
وأئمة التصوف أن الله سبحانه محبوب لذاته
محبة حقيقية، بل هي أكمل محبة، فإنها كما واتبع ملته وشريعته، يحب ربي من أخلص
قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَّدُّ حُبَّا لِلّهِ﴾
[البقرة: ١٦٥].
وكذلك هو سبحانه يحب عباده المؤمنين
محبة حقيقية))(١).
ومع وضوح هذا الأمر إلا أن أهل
الأهواء والبدع من الجهمية ومن تابعهم من
المتکلمین حادوا عن إثبات حب الله لعباده
كصفة من صفاته سبحانه وتعالى، متأولين
محبته سبحانه بإرادة الإحسان، أو بإحسانه
وإنعامه على عباده، كما أنهم أولوا محبة
العباد لربهم بأنها محبة طاعته، أو محبة
إحسانه و ثوابه(٢).
وهذا التأويل -مع بطلانه- يؤدي إلى
إنكار المحبة، ومتى بطلت المحبة بطلت
جميع مقامات الإيمان والإحسان، وخلت
الأعمال من روحها؛ إذ هي أصل، كما أنها
عمل ديني، فإنكارهم للمحبة إنكار لحقيقة
الإسلام، فإنه الاستسلام بالذل والحب
والطاعة لله، فمن لا محبة في قلبه لله
ورسوله فلا إيمان له ألبتة (٣).
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٦٦/١٠.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١ / ٦٢١، مفاتيح
الغيب، الرازي ٤ /٢٠٥.
(٣) انظر في الرد على هذا التأويل: مجموع فتاوى
ابن تيمية، ٦/ ١٤٧٧، مدارج السالكين، ابن
القيم ١٨/٣.
والله جل في علاه یحب من أحب دينه
له وأناب إلیه، ولاذ إلی رحابه، يحب من
يتسامى في حبه، ويجاهد في سبيله لنصرة
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ
دينه، قال الله تعالى:
يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ صَفَّا كَنَّهُمْ بُنْيَنٌ
مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤].
والله تعالى يحب التوابين، قال
الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ
الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
((والمرء عندما يخطئ في حق الله تعالى،
ويقع في المعصية، وبحر الشهوات، ويتلطخ
بأدران الإثم، ثم يصحو الضمير ويستيقظ،
ويطارد الخطيئة، ويحس بثقلها على نفسه
كأنها الجبل، ويتجسم أمام عينيه فظاعة ما
ارتكب في حق الله تعالى وتضيق الأرض
بما رحبت، فلا يلجأ إلا إلى الله تعالى،
فقراره من الله إلى الله تعالى، إليه الملجأ
وإليه المآل)» (٤). قال الله تعالى: ﴿ وَأَلَِّينَ
إِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ
فَأَسْتَغْفَرُواْلِذُّنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا
اللّهُ وَلَمْ يُصِرُواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[آل عمران: ١٣٥].
والله تعالی يلقي محبته علی من یحبه،
وأي منزلة أعلى، بل وأي درجة أكمل من أن
(٤) انظر: حقوق النبي صلى الله عليه وسلم على
أمته في ضوء الكتاب والسنة، محمد بن خليفة
التميمي ص ٣٨.
٧٢
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ

المحبة
[طه: ٣٩]! فمحبة الله تعالى العزيز
مّنِی
المتعال، وهو في عليائه وكبريائه، للعبد وهو
في ذله وضعفه هو العطاء عينه، وهي النعمة
والمنة من الله تعالى ذي الكرم والجود،
قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ، فَبِذَلِكَ
فَلْيَغْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس:
٥٨].
٣. محبة النبي صلی الله عليه وسلم.
لقد حثت العديد من الآيات القرآنية
والأحاديث النبوية على وجوب محبته
صلى الله عليه وسلم أكثر من النفس والولد
والوالد والناس أجمعين.
قال تعالى: ﴿قُلٌ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتِكُو
وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا
وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ
اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ، فَرَبَّصُواْ حَتَّى
يَأْتِى اَللّهُ بِأَمْيِ﴾ [التوبة: ٢٤].
قال القرطبي رحمه الله تعالى: ((في الآية
دليل على وجوب حب الله تعالى ورسوله
صلی الله عليه وسلم، ولا خلاف في ذلك،
وأن ذلك مقدم على كل محبوب))(١).
إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
معناها: أن يميل قلب المسلم إلى رسول الله
صلی الله عليه وسلم میلا یتجلى فيه إيثاره
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٩٥.
يقول الله تعالى لعبده: ﴿وَأَلْفَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً على كل محبوب، من نفس ووالد وولد
والناس أجمعين؛ وذلك لما خصه الله من
كريم الخصال وعظيم الشمائل، وما أجراه
علی یدیه من صنوف الخير والبركات لأمته،
وما امتن الله على العباد ببعثته ورسالته، إلى
غير ذلك من الأسباب الموجبة لمحبته عقلًا
وشرعًا.
ويؤكد هذا المعنى قول الرسول صلى
الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى
أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس
أجمعين)(٢). أي: لا يكمل إيمان من كان
أهله وماله أحب إليه من الرسول صلى الله
عليه وسلم.
وقد يقال: إذا حصلت هذه المحبة فهل
يلزم من هذا أن يكون المحب مؤمنًا كاملًا
وإن لم يأت بسائر الأركان؟
یجیب الکرماني رحمه الله تعالى قائلًا:
(«هذه مبالغة، كأن الركن الأعظم فيه هذه
المحبة، نحو لا صلاة إلا بطهور وهي
مستلزمة لها. أو يلتزم ذلك لصدقه في
الجملة، وهو عند حصول سائر الأركان؛ إذ
لاعموم للمفهوم»(٣).
فالإيمان إذن يستلزمه إتيان سائر أركانه
مع اقتران المحبة بذلك.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حب الرسول صلى الله عليه وسلم، من
الإيمان، ١/ ٦٩.
(٣) الكواكب الدراري، الكرماني ١/ ٩٥.
www. modoee.com
٧٣

حرف الميم
قال ابن تيمية: ((وليس للخلق محبة
أعظم ولا أتم من محبة المؤمنين لربهم،
وليس في الوجود ما يستحق أن یحب لذاته
من کل وجه إلا الله تعالی، و کل ما یحب
سواه فمحبته تبع لحبه، فإن الرسول صلى
الله عليه وسلم إنما يحب لأجل الله، ويطاع
لأجل الله، ويتبع لأجل الله))(١). كما قال
تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاَنَّبِعُونِ يُحْبِبْكُم
اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١].
وعلى ذلك فلا تنفك إحدى المحبتين
عن الأخرى، فمن أحب الله أحب رسوله،
وكذلك سائر رسله، ومحبة الرسول صلى
الله عليه وسلم تبع لمحبة من أرسله.
ولأجل هذا جاء حب الرسول صلى الله
عليه وسلم مقترنًا بحب الله عز وجل في
أكثر النصوص الشرعية.
وفي الحديث: (ثلاث من کن فيه وجد
حلاوة الإيمان: أن یکون الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا
لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار)(٢).
وهذا الارتباط بين المحبتين ارتباط
شرعي لا ينفك، فمن زعم أنه يحب الله
ولم یحب رسوله أو العكس، فکلامه باطل
واعتقاده فاسد.
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٤٩/١٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب من انتظر حتى تدفن ٨٩/٨، رقم ٦٤١٦.
جَبُور
القرآن الكريمِ
يقول النووي ملخصًا كلام القاضي
عياض (٣): ((وبالجملة فأصل المحبة: الميل
إلی ما یوافق المحب، ثم المیل قد یکون لما
يستلذه الإنسان ويستحسنه، كحسن الصورة
والصوت والطعام ونحوها، وقد يستلذه
بعقله للمعاني الباطنة كحب الصالحين
والعلماء وأهل الفضل مطلقًا، وقد يكون
لإحسانه إليه ودفع المضار والمكاره عنه،
وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى
الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر
والباطن، وكمال خلال الجلال وأنواع
الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين
بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، ودوام
النعم، والإبعاد من الجحيم)» (٤).
وحب المسلم لرسول الله صلى الله
عليه وسلم عمل قلبي من أجل أعمال
القلوب، كما ذهب إليه البيضاوي فيما نقله
عنه الحافظ ابن حجر: عند شرح قوله: (أن
یکون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما)
قال: ((المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي
هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه،
وإن كان على خلاف هوى النفس))(٥).
وقد تعقبه صاحب كتاب تيسير العزيز
الحميد بقوله: (( كلامه على قواعد الجهمية
(٣) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى،
القاضي عياض ٢٩/٢ - ٣٠.
(٤) شرح صحيح مسلم ٢/ ١٤.
(٥) فتح الباري، ابن حجر ٦٠/١ - ٦١.
٧٤

المحبة
ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم حب الله ورسوله بأنه حب عقلي، فهناك من
يظن أن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم
تعني طاعته، وهذا فهم خاطئ؛ إذ أن محبته
هي أساس طاعته، والطاعة شرط للمحبة
و ثمرتها.
ومحبته لهم والحق بخلاف ذلك، بل المراد
في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد
أحب إليه مما سواهما حبًّا قلبيًّا، وأما مجرد
إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، وإن كان
على خلاف هوى النذر، كالمريض يعاف
الدواء بطبعه فینفر عنه، فهذا قد یکون في
بعض الأمور علامة على الحب ولازمًا له.
لا أنه الحب)»(١).
ثم إن إدراك العقل للكمال أو الخير أو
أي معنى من المعاني الفاضلة لا يكفي حتى ولا يؤمنون برسول الله صلى الله عليه
نسمیه حبًّ، بل لابد مع ذلك من الميل القلبي
والتعلق النفسي.
وتمثيله حال من آثر محبة الله ورسوله
-وإن كان على خلاف هوى النفس - بحال
المريض مع الدواء المر - الذي تعافه نفسه،
ويميل عقله إلى تناوله- تمثيل غير مناسب
وغير لائق أيضًا.
لأن من کانت محبته لله ورسوله کمحبة
المريض للدواء المر جدير بأن يقال: أنه
وجد مرارة الإيمان لا حلاوته.
وإنما يجد حلاوة الإيمان من كان هواه
وقلبه في تلك المحبة مناصرًا لعقله ومسایرًا
وإذا كان هناك من فسر
له جنباً إلى جنب (٢)
(١) تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبد الله
ص٤٧٦.
(٢) انظر: المختار من كنوز السنة، محمد عبد الله
دراز ص ٤٤٠.
فالطاعة أمر زائد على المحبة ومترتب
عليها، كما أن هذا الحب أمر زائد على
الإعجاب بشخصية الرسول صلی الله علیه
وسلم وسمو أخلاقه وعظمة تعاليمه، إذ
نرى كثيرًا ممن لا ينتسبون إلى الإسلام،
وسلم يبدون إعجابهم وتقديرهم لرسول
الله صلى الله عليه وسلم ، ويفيضون في
بیان جوانب عظمته، ومع ذلك لا يمكن أن
نسمي هذا الإعجاب حبًّا شرعيًّا، حتى يكون
هناك إيمان بدين الإسلام.
ولقد كان أبو طالب عم الرسول صلى
الله عليه وسلم يحبه ويحوطه ويصد عنه
أذی قریش بما استطاع، ومع هذا فلم يثمر
ذلك حبًّا وإيمانًا منه بدين الإسلام؛ لأن حبه
لرسول الله صلی الله علیه وسلم كان حب
قرابة وحمية جاهلية.
نخلص من هذا إلى أن المحبة الحقيقية
لرسول الله صلى الله عليه وسلم هي
المحبة الشرعية الإرادية الاختيارية، وهي
عمل قلبي من أَجَلِّ أعمال القلوب، ورابطة
من أوثق روابط النفوس تربط المسلم
www. modoee.com
٧٥

حرف الميم
برسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجعل
قلبه وهمه وفكره وإرادته متوجهة لتحصيل
ما يحبه الله ورسوله من الأقوال والأفعال
الظاهرة والباطنة.
والصلة بين المحبتين هي صلة الفرع
بالأصل والتابع بالمتبوع، فمحبتنا لرسول
الله صلى الله عليه وسلم تابعة لمحبتنا
لله عز وجل؛ إذ هي أساس المحبة الدينية
الشرعية ومصدرها، وكل ما سواها من
المحاب الشرعية تبع لها. وذلك كمحبة
الأنبياء والصالحين، ومحبة كل ما يحبه الله
ورسوله.
٤. حب المؤمنين.
إذ أن الحب من أسمى وأرقى العواطف
الإنسانية، فإذا توجهت هذه العاطفة النبيلة
لله تعالى، وكانت هي محور العلاقات
بین المسلمین، ذللت کثیرًا من الصعاب،
وأثمرت كثيرًا من الثمار الطيبة في حياة
الأمة، ولقد جاءت أدلة عديدة تؤكد هذا
المعنى الرائع، وتبين المكانة الرفيعة لمن
أنعم الله به علیه، منها: عن عمر بن الخطاب
رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (إن من عباد الله لأناسًا ما هم
بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء
يوم القيامة بمكانهم في الله) قالوا: يا رسول
الله صلى الله عليه وسلم، تخبرنا من هم؟
قال: (هم قوم تحابوا بروح الله، على غير
أرحام بینھم، ولا أموال يتعاطونھا، فوالله إن
وجوههم لنور، وإنهم على نور، لا يخافون
إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن
الناس) وقرأ هذه الآية: ﴿أَلَّ إِنَّ أَوْلِيَآءَ
اللَّهِ لَا خَوْفُ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[يونس ٦٢](١).
فحب المؤمنين من أعمال القلوب
العظيمة الثواب والجليلة الجزاء، أن يحب
المسلم إخوانه المسلمين محبة دينية، لا
لأجل غرض دنیوي.
وهذه المحبة من علامات حب العبد
لله ولرسوله؛ لأن حب المؤمنين ناشئ من
إيمانهم بالله تعالى؛ فهو يحب كل ما يحبه
الله تعالى ويحبه رسوله صلى الله عليه
وسلم، والله ورسوله یحبان المؤمنين؛
ولذا فالمؤمن يحب المؤمن، فيحب إيمانه
وطاعته وعبادته، وهو من علامات سعادة
العبد في هذه الحياة، ومن أسباب تذوق
حلاوة الإيمان التي لا يجدها إلا المؤمنون.
روى الإمام البخاري في صحيحه، عن
أنس، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
(ثلاثٌ من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن
یکون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما،
وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره
(١) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الإجارة،
باب في الرهن، ٣١١/٣، رقم ٣٥٢٩.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٣٦٨/٧، رقم ٣٤٦٤.
٧٦
جَوَسُولَة التقنية
القرآن الكريمِ

المحبة
أن يعود في الكفر کما یکره أن یقذف في
النار)(١).
وإنما كانت هذه الخصلة تالية لما قبلها؛
لأن من کان الله ورسوله أحب إليه مما
سواهما فقد صار حبه کله له، ويلزم من ذلك
أن یکون بغضه لله، وموالاته له، ومعاداته
له، وألا تبقى له بقية من نفسه وهواه،
وذلك يستلزم محبة ما يحبه الله من الأقوال
والأعمال، وكراهة ما يكرهه من ذلك،
وكذلك من الأشخاص، ويلزم من ذلك
معاملتهم بمقتضى الحب والبغض، فمن
أحبه الله أكرمه وعامله بالعدل والفضل،
ومن أبغضه لله أهانه بالعدل؛ ولهذا وصف
الله المحبين له بأنهم: ﴿أَذِلٍَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ
لَوْمَةَ لَآيِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].
وكان من دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم: (أسألك حبك، وحب من يحبك،
وحب عمل يقرب إلى حبك)(٢)، فلا
تتم محبة الله ورسوله إلا بمحبة أوليائه
وموالاتهم، وبغض أعدائه ومعاداتهم.
وسئل بعض العارفين: بما تنال المحبة؟
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب تفسير
القرآن، باب ومن سورة ص، ٢٦٨/٥، رقم
٣٢٣٥.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص ١٧٥، رقم ١٢٣٣.
قال: بموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه،
وأصله الموافقة.
والمؤمن لا يجد حلاوة الإيمان إلا إذا
أحس بحرارة الحب في قلبه. وقد أمرنا ديننا
بالحب، ودعانا إليه، يقول الرسول صلى
الله عليه وسلم: (أحبوا الله لما يغذوكم من
نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي
لحبي)(٣).
وعن أنس بن مالك أن رجلا سأل النبي
صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول
الله؟ قال: (وماذا أعددت لها)؟ قال: ما
أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا
صدقة، ولكني أحب الله ورسوله. قال:
(أنت مع من أحببت) (٤).
يقول أنس رضي الله عنه: فما فرحنا
بشيء فرحنا بقول النبي صلى الله عليه
وسلم (أنت مع من أحببت).
وقیل للنبي صلى الله عليه وسلم: الرجل
يحب القوم ولما يلحق بهم. قال: (المرء مع
من أحب)(٥).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
باب مناقب النبي، ٣/ ٦٤٤، رقم ٣٩٨٧.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع، ص٢٧،
رقم ١٧٦.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما جاء في قول الرجل ويلك، ٣٩/٨،
رقم ٦١٦٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب علامة حب الله، ٣٩/٨، رقم ٦١٦٨.
www. modoee.com
٧٧

حرف الميم
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول والمجاهدين التي وردت في القرآن الكريم
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله إذا يجد أنها تفيض حبًّا ونصرةً وتأييدًا ووعدًا
بالجزاء الأوفى، فقد جاء في القرآن الكريم
ذكر المهاجرين في (إحدى وعشرين) آية،
منها ما يربط بين الإيمان والهجرة والجهاد
في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ
وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢].
أحب عبدا دعا جبريل. فقال: إنى أحب
فلانا فأحبه. قال: فیحبه جبريل، ثم يوضع
له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبداً دعا
جبريل عليه السلام، فيقول: إني أبغض فلانًا
فأبغضه. قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في
أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه،
ثم يوضع له البغضاء في الأرض)(١).
وتظهر أسس الإيمان: المحبة والمودة
في قول النبي عليه الصلاة والسلام: (والذي
نفسي بيده، لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا،
ولن تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على
شيء إن فعلتموه تحابيتم: أفشوا السلام
بينكم)(٢).
ويقول عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن
أحدكم حتی یحب لأخيه -أو قال لجاره-
ما يحب لنفسه)(٣).
٥. حب المهاجرين والمجاهدين.
نلحظ أن المتتبع لآيات المهاجرين
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الخلق، باب ذكر الملائكة، ٤ /١١١، رقم
٣٢٠٩.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون،
٧٤/١، رقم ٥٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان
باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب
لنفسه، رقم ١٣.
ومنها ما يؤكد هذا الربط بين الإيمان
والهجرة والجهاد، وأنهم لا يرجون إلا
رحمة الله تعالى كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَلَهَدُواْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨].
وذهب العلماء إلى أن محبة المهاجرین،
وتوقيرهم، ويرهم، والولاء لهم، ومعرفة
حقهم مطلوبة من المسلمين؛ لما لهم من
الفضل السابق إلى الإيمان والهجرة. وقال
عليه الصلاة والسلام: (إن الله تعالى يقول
يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم
أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي) (٤).
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله
في ظله ذكر منهم: (ورجلان تحابا في الله
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة،
باب في فضل الحب في الله، ١٩٨٨/٤، رقم
٢٥٦٦.
٧٨
جوبيع
القرآن الكريمِ