النص المفهرس
صفحات 21-29
اللغة العربية
إن القرآن مع أنه خوطب به العرب ونزل
بلسانهم إلا أن حکمه لزم الثقلین کافة عربًا
وعجمًا، فكل أهل دين قبله عليهم اتباع
دینه، و کل حکم تبع لحكمه، وکل لسان تبع
للسانه.
أو: ناسخًا لما قبله من الأحكام(١) أي: بلغتهم على محمد صلى الله عليه وسلم
وهو عربيٍّ، فنسب الدين إليه إذ عليه أنزل (٢).
وجاءت رسالة الإسلام ونزل الوحي
الأمين باللغة العربية؛ ليخاطب القرآن
الكريم شعوب الأرض كلها بمختلف
أجناسها وأعراقها ولغاتها بهذا اللسان
العربي المبين، فانتقلت اللغة العربية مع أول
آية نزل بها الوحي نقلة واسعة هائلة تملأ
العصور والأقطار والشعوب.
وفي وصف الحكم بأنه ﴿عَرَبًِّا﴾ أيضًا
إشارة إلى أن الشريعة بأحکامها لا تفهم إلا
إذا فهم اللسان العربي، والإخلال في ذلك
قد يؤدي إلى انحراف الأحكام عن استقامتها
إلى البدعة والضلال.
وكذلك في وصف الحكم بأنه ﴿عَرِيًّا.
تكريمًا وتشريفًا للسان العربي وأهله، وكيف
لا يكون خطاب رب العالمين إلى كافة
المكلفين -عربًا وعجمًا- شرفًا للعرب،
وقد جاء بلغتهم دون سواهم؟! وعلى
قدر التشريف يأتي التكليف؛ فمن قام
بهذا التكليف استحق الذكر والتشريف،
وبالمقابل من نبذ الرسالة وضيع الأمانة
عاد عليه القعود عن التكليف بالتوبيخ
والتعنيف، وكان معرضًا للوعيد والتهديد،
فواجب على العرب أن ينهضوا بحضارتهم،
وألا يغفلوا عن تبليغ رسالات ربهم، فمن
ینهض بالتكليف يناله حظه من التشريف.
والمقصود أن الله تعالى جعل الحكم
والدين عربيًا نسبة إلى العرب؛ لأنه منزل
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٦/ ١٠٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦ / ٤٧٥.
www. modoee.com
١٤٩
حرف اللامر
القرآن واللغة العربية
أولًا: الحكمة من اختيار العربية لغة
القرآن:
اختار الله تعالى أن يكون اللسان العربي
مظهرًا لوحیه، ومستودعًا لمراده، وأن يكون
العرب هم المتلقين أولًا لشرعه، وإبلاغ
مراده، لحکم علمها، منها:
١. كون لسانهم أفصح الألسن، وأسهلها
انتشارًا، وأكثرها تحملًا للمعاني مع
إيجاز لفظه.
ولما تتمتع به اللغة العربية من مقومات
اللغات الحية، وعناصر قوتها واستمرارها؛
وذلك من حيث وفرة مفرداتها بالأصالة
والاشتقاق، أو بالحقيقة والمجاز، أو من
حيث قبولها للتطور والتقدم الحضاري، أو
من حيث مرونة أساليبها، وصلاحيتها لكل
ما يراد منها، أو من حيث فصاحة ألفاظها،
وبلاغة تراکیبها.
أضف إلى ذلك أن خصائص اللغة
العربية وقابليتها الحيوية، ومرونة تعبيراتها
وسعتها، وما إليها من مميزات من حيث
الاشتقاق الصرفي والإيجاز، والخصائص
الصوتية، وإمكانية تعريب الألفاظ الواردة
تجعل اختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار
الصحيح.
٢. ومن الحكم: أن الله أرسل كل نبي
بمعجزة من جنس ما برع فيه قومه.
فمثلًا: موسى عليه السلام جاء بمعجزة
إبطال السحر؛ لأنهم كانوا بارعين في
السحر، وعيسى عليه السلام جاء بالطب،
وإحياء الموتى؛ لأنهم كانوا بارعين في
الطب، وكذلك العرب هم أمهر الناس في
اللغة من بين الأمم في وقتهم، فجاء القرآن
إعجازًا لهم في معانيه وألفاظه وتشبيهاته
وإحالاته وإعجامه وتصريفاته.
ومن هنا كانت معجزة الرسول الكبرى
القرآن الكريم من جنس ما اشتهر به قومه من
الفصاحة والبلاغة، فجاء يتحداهم في نفيس
بضاعتهم، وأبرز أسباب شهرتهم وتفوقهم.
٣. أي كتاب سماوي ينبغي أن ينزل بلغة
الرسول الذي ينزل عليه ذلك الكتاب.
ليتمكن من التعامل معه بصورة طبيعية،
ومن هذا المنطلق كان من الطبعي اختيار
اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حیث
إنها اللغة التي کان يتحدث بها النبي محمد
صلى الله عليه وسلم، كما أن أي رسول
لابد وأن يتحدث بلسان القوم المرسل إليهم
أو المبعوث فيهم، ولقد أشار القرآن الكريم
إلى هذا الأمر، حيث قال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ، لِيُبَيِّنَ لَمْ﴾
[إبراهيم: ٤].
فكان من الطبعي أن يتم نزول القرآن
باللغة العربية، التي هي لغة النبي محمد
١٥٠
جوي
القرآن الكريمِ
اللغة العربية
صلى الله عليه وسلم، ولغة قومه الذين
يعيش معهم؛ لكن اختيار لغة قوم الرسول
لا يدل علی انحصار الدعوة في من یتکلم
بتلك اللغة، خاصة وأن الأدلة القاطعة تثبت
خلاف ذلك.
٤. لو جاء القرآن بأي لغة أخرى لقالوا: لو وإحكام جميع العبادات والتشريعات.
کان عربيًّا لتبعناه.
فهذه الشبهة كان يمكن طرحها لو جاء
على أي لغة أخرى -غير العربية-، وحينئذٍ
لقالوا: لماذا نزل القرآن بهذه اللغة؟ ومن
أين تعلم اللغة وهو أمي لا يكتب؟ وقد
أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْتَهُ
قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ, ءَأعْجَمِىٌّ
وَعَرَبِىٌّ﴾ [فصلت: ٤٤].
٥. نزول القرآن عربيًّا على النبي صلی الله
علیه وسلم وهم يعلمون أنه أمي لا يقرأ
ولا یکتب، ومع ذلك جاء بهذه البراعة
هو أعجز في ذاته.
ولا شك أن اللسان العربي مختص
بأنواع الفصاحة والجزالة التي لا توجد في
سائر الألسنة (١).
٦. لو تنوع النظم المنزل على رسول الله
صلی الله عليه وسلم حسب اختلاف
ألسنة الأمم لأدى هذا إلى الاختلاف
والتنازع.
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٣٤٩/٨.
ولتطرق التحريف إلى الكتاب المنزل،
بل يقرب من المحال أن يتحد هذا المنزل
مع تعدد اللغات، وتنوع اللهجات، وتعدد
الخصائص والدلالات بالنسبة لاستنباط
الأحكام، ورسم المنهج، ومعرفة الحدود،
فيكون نزول القرآن باللسان العربي نعمة
عظيمة، وآية حكيمة، فالحمد لله على إزالة
هذا التناكر والتدابر باختيار اللغة العربية
الراقية؛ لتنال شرف نزول الوحي الإلهي بها،
ولترتقي وحدها إلى تحمل إعجازه الذي
لا يتسع له غيرها، وإنها لمسئولية وفخار
للأمة صاحبة اللغة واللسان، وقد حددها
الله سبحانه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَّذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكٌ
وَسَوْفَ تُشْشَلُونَ﴾ [الزخرف: ٤٤].
وليس المراد من خطاب العرب بالقرآن
أن یکون التشریع قاصرًا علیھم أو مراعيًا
الخاصة أحوالهم، بل إن عموم الشريعة
ودوامها وكون القرآن معجزة دائمة
مستمرة على تعاقب السنين ينافي ذلك،
نعم إن مقاصده تصفية نفوس العرب الذين
اختارهم لتلقي شريعته وبثها ونشرها، فهم
المخاطبون ابتداءً قبل بقية أمة الدعوة،
فكانت أحوالهم مرعية لا محالة، وكان
كثير من القرآن مقصودًا به خطابهم بخاصة،
وإصلاح أحوالهم.
قال تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَآ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ
www. modoee.com
١٥١
حرف اللامر
مِن قَبْلِ هَذَا﴾ [هود: ٤٩].
وقال: ﴿أَنْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِنَبُ عَلَى
طَآيِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ
لَفَفِلِينَ ) أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِنَبُ
لَكَ أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٦ - ١٥٧].
لكن ليس في ذلك دليل على الاقتصار
على أحوالهم فقط(١).
والمقصود أننا لا نشك في أن نزول
القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات
لم یکن عفويًّا، بل کان لأسباب دقيقة، وهو
بكل تأكيد اختیار حكيم؛ لأنه من قبل رب
العالمين، ونحن نؤمن بوجود الحكمة في
هذا الاختيار، سواءً تبينت لنا أسبابه أم لم
تتبين! وسواء علمنا الحكمة من اختيار
الله للغة العربية لتكون هي لغة الإسلام
الدين العالمي أم لم نعلمها، فلابد أن نجزم
ونوقن أنها أفضل اللغات مطلقًا؛ ولهذا
اختارها الله من بين اللغات؛ ليخاطب الله
بها الناس جميعًا، فالقرآن الكريم هو معجزة
الله الخالدة في كل شيء حتى في اللغة التي
أُنزل بها.
ثانيًا: أثر القرآن على اللغة العربية:
لقد تأثرت اللغة العربية بالقرآن الكريم
تأثرًا كثيرًا، ويمكن إجمال هذا الأثر في
العناصر الآتية:
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ١٨.
١. حفظ القرآن اللغة العربية حية في ألسنة
المسلمین في بقاع الأرض كلها.
حفظ القرآن الكريم اللغة العربية من
الضياع والاندثار كغيرها من اللغات
الأخرى التي تفرقت، واختلفت بمرور
الزمن، فالمتأمل للتاريخ يرى بوضوح لغات
كثيرة قد اندثرت بموت أهلها، أو ضعفت
بضعفهم، لكن ارتباط اللغة العربية بالقرآن
جعلها محفوظة بحفظه، وباقية ببقائه،
وسبحان الله القائل: ﴿إِنَّا تَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
والذي يدقق النظر في العربية المعاصرة
يجد الكثير من الألفاظ التي هجرت، وظل
بقاؤها حية على الألسنة، قاصرًا على
الاستخدام الديني لها، وهو الاستخدام
المرتبط بالقرآن الكريم والسنة النبوية
المطهرة.
٢. حَوَّلَ القرآن اللغة العربية إلى لغة
عالمية.
بنزول القرآن ودخول الناس في دين
الإسلام أفواجًا من شتى بقاع الأرض اتجه
المسلمون من غير العرب إلى تعلم العربية؛
رغبة في أداء العبادات والشعائر الدينية بها،
وقراءة القرآن بالعربية؛ لأن قراءة القرآن
الکریم تعبد لله تعالی لا يصلح إلا باللسان
العربي، وبالتالي انتشرت اللغة العربية
انتشارًا ما كان يتحقق لها بدون القرآن
١٥٢
جوسُو ◌َرَ النَّفْسَيد
القرآن الكريمِ
اللغة العربية
الکریم.
اللغات، وأكثر مظاهره یکون في الدلالات،
فنزول القرآن باللسان العربي حَوَّلَها من إلا أن العربية ظلت محتفظة بكل مستوياتها
لغة محلية إلى إنسانية، وذلك عن طريق
الموجات البشرية التي خرجت من الجزيرة
العربية إلى البلاد المجاورة؛ داعية للإسلام
حاملة معها قرائنها وعقيدتها وأخلاقها،
وبقيت معلقة بموطنها الأصلي مادي
ومعنوي، وهو ما دعا سكان البلاد الأصلیین
إلى الإسلام واعتنائهم؛ لما رأوه من أخلاق
المسلمين وعدلهم؛ ولما أسلموا كان عليهم
أن يؤدوا الصلاة وهي عمود الدين، والصلاة
لا تكون إلا بقراءة الفاتحة على الأقل، فأدى
ذلك إلى تعلمهم اللغة العربية.
كما أن اعتناقهم لهذا الدين وقبولهم
به یعني التزامهم بأخلاقه ومبادئه، وهذا
دعاهم إلى ضرورة التفقه في الدين، ومعرفة
أحكامه وقراءة القرآن؛ لنيل الأجر والثواب
على قراءته؛ كل هذا دعا المسلمين من غير
العرب إلى تعلم العربية ومعرفتها، إلا أن ما
يلفت النظر هو أن هؤلاء لم يتعلموا العربية
فقط، بل أتقنوها فألفوا فيها المؤلفات التي
ما تزال من أمهات المصادر العربية حتى
يومنا هذا، ككتاب سيبويه وهو فارسي
الأصل، ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة
لعبد القاهر الجرجاني وغيرهم.
٣. استقرار اللغة العربية.
رغم أن التطور سنة جارية في كل
اللغوية (صوتية - صرفية - نحوية -
دلالية)، وما تطور منها كان في إطار المعاني
الأصلية وبسبب منها، والمحافظة على
الأصل الدلالي للفظ على تطور الزمن له
فائدة لا يستهان بها، فتواصل الفهم بين
الأجيال النصوص القديمة وتراث الأمة
أمر من الأهمية بمكان، ويزداد إدراك أهمية
الاستقرار اللغوي الذي تتميز به العربية إذا
ما تأملنا التعبير السريع الذي يلحق اللغة
الإنكليزية (لغة الحضارة المعاصرة)،
فنصوص الإنجليزية القديمة (التي مر عليها
قرابة ثلاثة قرون) أصبحت عصية على الفهم
بالنسبة للإنجليزية المعاصرة.
ولعل هذا التغير السريع هو الذي
دفع علماء هذه اللغة إلى إعادة صياغة
النصوص الأدبية المهمة عندهم -مثل
نصوص شكسبير- بإنجليزية حديثة يفهمها
المعاصرون بدلًا من الإنجليزية القديمة.
فرغم مرور أربعة عشر قرنًا على وجود
الإسلام إلا أن الإنسان العربي لا يكاد
يجد صعوبة في فهم هذه النصوص، ولا
تصادفه غرابة في الألفاظ، وما يصادفنا من
ألفاظ صعبة، فإن أبسط المعاجم يمكن أن
يبدد هذه الصعوبة، وهكذا الشأن مع باقي
المستويات اللغوية (الصوتية، والصرفية،
www. modoee.com
١٥٣
حرف اللامر
والنحوية) وهذه مزية عظيمة أن تكون الأمة
موصولة بتراثها الزاخر تفيد منه وتنتفع به.
٤. تهذيب اللغة العربية.
فقد نَحَّى القرآن الكريم عن اللغة التقعير
في الكلام، والألفاظ الغريبة الثقيلة على
السمع، وإن من يتأمل النثر أو الشعر الجاهلي
يرى كثيرًا من هذه الكلمات، ومن ذلك:
(جحیش): يقال للرجل: إذا كان يستبد برأيه
ولا يشاور الناس(١)، و(البخصات): جمع
بخصة وهي لحم باطن القدم، و(الملطاط):
وهو كل شفير نهر أو وادٍ (٢)، وغير ذلك
کثیر.
كما نخَّي القرآن الكريم أيضًا كثيرًا
من الألفاظ التي تعبر عن معان لا يقرها
الإسلام، ومن ذلك:
٤ المرباع: وهو ربع الغنيمة إلى الذي كان
يأخذه الرئيس في الجاهلية.
النشيطة: وهي ما أصاب الرئيس قبل أن
يصير إلى القوم، أو ما يغنمه الغزاة في
الطريق قبل بلوغ الموضع المقصود.
المكس: وهو دراهم كانت تؤخذ
كضريبة من بائعي السلع في الأسواق
الجاهلية.
قولهم للملوك: (أبيت اللعن). ومثل
(١) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس ص ١٧٧،
مختار الصحاح، الرازي ص ٥٣.
(٢) انظر: المزهر، السيوطي ٤٣١/٢، تاج
العروس، الزبيدي ٢٠/ ٦٨.
مَوْسُورُ
القرآن الكريمِ
ذلك کثیر یرجع إليه في بطون كتب
التراث.
ومن أثر القرآن بالعربية أيضًا:
تقوية اللغة والرقي بها نحو الكمال.
* توحيد لهجات اللغة العربية، وتخليصها
من اللهجات القبلية الكثيرة.
تحويل اللغة العربية إلى لغة تعليمية
ذات قواعد منضبطة.
تهذيب ألفاظ اللغة العربية، ونشوء علم
البلاغة.
ثانيًا: حكمة ورود ألفاظ غير عربية في
القرآن الكريم:
اتفق أهل العلم على أنه ليس في القرآن
كلام مركب من أساليب أعجمية، كما اتفقوا
على أن في القرآن أسماء أعلام أعجمية
مثل: نوح، ولوط، وإسرائيل، وجبريل، قال
القرطبي رحمه الله في مقدمة تفسيره: ((لا
خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام
مركب على أساليب غير العرب، وأن في
القرآن أسماء أعلامًا لمن لسانه غير لسان
العرب، كإسرائيل وجبريل وعمران ونوح
ولوط)»(٣).
واختلفوا: هل فيه ألفاظ أعجمية مفردة؟
فذهب الجمهور إلى عدم وجود
ألفاظ أعجمية في القرآن، وذهب آخرون
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦٨/١.
١٥٤
اللغة العربية
إلی وجودها، وتوسط طرف ثالث فتأول
وجودها على أنها مشتركة بين العرب
وغيرهم، وعلى أن العرب استعملوها
وعربوها، فصارت تنسب إلیھم لا باعتبار
أصلها، بل باعتبار استعمالها وتعريبها.
وممن نصر القول الأول -وهو عدم
وجود ألفاظ أعجمية في القرآن- الإمامان
الجلیلان الشافعي(١) والطبري(٢) ووافقهما
أبو عبيدة (٣) وابن فارس (٤) وأكثر أهل اللغة،
وهو الذي نصره وأيده: بدر الدين الزركشي
في كتابه (البرهان في علوم القرآن) واستدلوا
بالآيات القرآنية الكثيرة التي تدل على عربية
القرآن الكريم، منها: ﴿إِنَّ أَنزَلْنَهُ قُرُّءَ نَا عَرَبِيًّا
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ٢].
وقوله: ﴿قُرْءَانًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِى عَوَج ◌َعَلَّهُمْ
يَتَّقُونَ ﴾ [الزمر: ٢٨].
قال الإمام الشافعي -بعد أن ساق الآيات
السابقة -: ((فأقام حجته بأن كتابه عربي في
كل آية ذكرناها، ثم أكد ذلك بأن نفى عنه
-جل ثناؤه- كل لسان غير لسان العرب
(١) الرسالة، الشافعي ص٤٢.
(٢) جامع البيان، الطبري ١ / ١٥.
(٣) نقله عنه تلميذه القاسم بن سلام في غريب
الحديث ٤ / ٢٤٢.
(٤) حيث قال: ((كما سمي الديباج، وهو منقول
من الفارسية، وقال غيره: هذه حروف عربية
وقع فيها وفاق بين ألفاظها في العجمية
والعربية، وهذا عندي هو الصواب)).
انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ٣١٣.
في آيتين من كتابه، فقال تبارك وتعالى:
﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ
◌ِسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ
[النحل:
وَهَذَا لِسَانُ عَرَبْتُ تُبِينٌ﴾
١٠٣].
وقال: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانَا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ
لَوْلَا فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ{ ءَأَعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ﴾ [فصلت:
٤٤]»(٥).
وذهب الإمام المفسر ابن عطية إلى
القول الثاني: وهو أن في القرآن بعض ألفاظ
أعجمية(٦)، ووافقه بعض الفقهاء، وقد روي
عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة (٧). وهو
الذي نصره وأيده جلال الدين السيوطي
في كتابه (الإتقان في علوم القرآن) وفي
كتابه: (المهذب فيما وقع في القرآن من
المعرب) ومن أدلتهم: ما وجد من ألفاظ
أعجمیة ک(إستبرق، وسندس) وغيرها،
وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم بعث
للناس كافة، فلا يمتنع وجود أكثر من لغة في
القرآن، بل هو أبلغ في الإعجاز.
(٥) الرسالة ص٤٦ -٤٧.
(٦) وقد جمع بعض العلماء الكلمات المعربة
المذكورة في القرآن، ومن هؤلاء تاج الدين
السبكي حيث قام بذكر سبع وعشرين كلمة
معربة في القرآن على شكل نظم، وأضاف
إليها ابن حجر العسقلاني أربع وعشرين كلمة
أخرى، ومن ثم قام السيوطي بإضافة ستين
كلمة إلى هذه الكلمات. وهكذا فاق عددها
المائة وخمس وعشرين كلمة.
(٧) انظر: حاشية الجمل على الجلالين ٤٣٢/٢.
www. modoee.com
١٥٥
حرف اللامر
وقد رد الإمام الشافعي رحمه الله بكلامه القرآن لهذه الكلمات الأجنبية مهما قلت مع
وجود مرادفات في اللغة العربية؟!
الفصيح، وحجته القوية على هذا الزعم،
مبينًا أنه ليس في كتاب الله شيء إلا بلسان
العرب، مفندًا حجج هؤلاء الزاعمين،
وأهمها اثنتان:
الأولى: أن في القرآن خاصًّا يجهل بعضه
بعض العرب.
والثانية: أن في القرآن ما ينطق به غير
العرب. فقام الشافعي بالرد على هاتين
الشبهتين في كتابه الرسالة (١).
والمذهب الثالث هو لبعض الباحثين
-وهو یجمع بین القولین- فهو يقول: إن
وجود بعض الألفاظ الأعجمية لا يخرجه
عن كونه عربيًّا؛ لأنها قليلة والعبرة للأكثر،
كما أن من يعرف كتابة اسمه فقط لا يخرجه
عن كونه أميًّا، وأن هذه الألفاظ هي أعجمية
في الأصل عربية بالاستعمال والتعريب.
وبعد هذا التحقيق يتبين أنه لا مجال
للطعن في كتاب الله تعالى بمثل هذه
الشبهة، وأنه لو كانت مجالًا للطعن في
القرآن لما تركها أسلاف هؤلاء من مشركي
مكة ومن بعدهم، وهم أهل اللغة، وهم
الذين لم يتركوا مجالًا لأحدٍ للطعن في النبي
صلی الله عليه وسلم، و کتاب ربه إلا قالوه،
ولو أنهم وجدوا هذه الشبهة قائمة لقالوها.
وقد أبان السيوطي شيئًا من تلك الحكم
بعد أن نقل بعض الآثار في كتابه المهذب
عن أبي ميسرة قال: ((في القرآن من كل
لسان))، وعن بعضهم قال: ((ليس لغة في
الدنيا إلا وهي في القرآن)»، قائلًا: ((فهذه
إشارة إلى أن حكمة وقوع هذه الألفاظ في
القرآن أنه حوى علوم الأولين والآخرين،
ونبأ كل شيء، فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى
أنواع اللغات والألسن؛ لتتم إحاطته بكل
شيء، فاختير له من كل لغة أعذبها وأخفها
وأكثرها استعمالًا للعرب)».
ثم رأيت ابن النقيب صرح بذلك فقال
في تفسيره: ((من خصائص القرآن على
سائر كتب الله المنزلة أنها نزلت بلغة القوم
الذين أنزلت عليهم، لم ينزل فيها شيء بلغة
غيرهم، والقرآن احتوى على جميع لغات
العرب، وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم
والفرس والحبشة شيء کثیر)).
و أيضًا فالنبي صلى الله عليه وسلم
مرسل إلى كل أمة، وقد قال تعالى: ﴿ وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولِ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾
[إبراهيم: ٤].
فلا بد وأن يكون فى الكتاب المبعوث به
وقد يقول قائل: ما الحكمة من استعمال من لسان كل قوم، وإن كان أصله بلغة قومه
(١) انظر: الرسالة ص ٤٢.
جَوَسُو ◌َرَ النَفسِير
القرآن الكريمِ
١٥٦
اللغة العربية
هو))(١).
ولعل من الحكم في ذلك؛ ليكون
دلالة على عالمية القرآن، وكأنما يشير الله
سبحانه وتعالى بهذه الكلمات إلى شعوب
ودول على المسلمين أن يصلوا إليها؛ لنشر
هدایة القرآن، وتعاليم الإسلام، کأنما يقول:
تذكروا فارس، والحبشة، والدولة الرومية
وغیرها، وانشروا فيها علمکم، ونور دینکم
ولغتكم؛ وهذا ما فعله المسلمون.
موضوعات ذات صلة:
القرآن، القراءة، الكتابة، اللسان
(١) المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب،
السيوطي ص ٦١ - ٦٢.
www. modoee.com
١٥٧