النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
اللَّان
عناصر الموضوع
مفهوم اللسان
٨
اللسان في الاستعمال القرآني
٩
الألفاظ ذات الصلة
١٠
اللسان آية ونعمة
١٢
اللسان أداة وخاصية
١٩
٢٨
آفات اللسان
٤٢
دلالة اللسان على قدرة الله وعظمته
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف اللام
مفهوم اللسان
أولًا: المعنى اللغوي:
اللام والسين والنون: أصل صحيح يدل على طول لطيف غير واضح، في عضو أو غيره،
ومن ذلك اللسان (١).
فاللسان: جارحة الكلام، وقد یکنی بها عن الكلمة، فتؤنث حينئذٍ(٢).
ويطلق اللسان على اللغة، والمتكلم عن القوم، وأرض بظهر الكوفة(٣).
وتجمع (اللسان) على ألسن وألسنة ولسن (مثل: كتاب وكتب) فمن ذكر جمعه على
(ألسنة) ومن أنث جمعه على (ألسن) والتذكير أكثر، وهو في القرآن كله مذكر (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((اللسان الجارحة وقوتها، فإن العقدة لم تكن في الجارحة، وإنما كانت
في قوته التي هي النطق به، ولكل لسان نغمة مخصوصة يميزها السمع، كما أن له صورة
مخصوصة يميزها البصر))(٥).
وقال الرازي: ((هو الآلة في إعطاء المعارف؛ فوجب أن يكون أشرف الأعضاء))(٦).
وبالنظر إلى التعريفين يتبين أن تعريف الجرجاني أجمع وأشمل؛ إذ إنه يتحدث عن كل
ما يستوعبه التعريف المراد من جهة وهو يمنع ما عداه من جهة أخرى.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٤٧/٥.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٣٨٥/١٣.
(٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٥٨٨.
(٤) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٥٥٣/٢.
(٥) التعريفات ص٦٢٠.
(٦) مفاتيح الغيب ٦/ ٤٤.
٨
جوبيبو
الْقُرآن الكَرِيمِ

اللسان
اللسان في الاستعمال القرآني
ورد (اللسان) في القرآن الكريم (٢٥) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
١٥
﴿وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِتٌّ مُبِينُ
[النحل: ١٠٣]
١٠٣
الجمع
١٠
﴿فَإِذَا ذَهَبَ لَلْنَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾
[الأحزاب: ١٩]
وجاء اللسان في الاستعمال القرآني على أربعة أوجه (٢):
الأول: اللسان بعينه: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِسَانًا وَسَفَتَيْنٍ ﴾ [البلد: ٩]. وهذا كثير.
الثاني: اللغة: ومنه قوله تعالى: ﴿بَلِسَانٍ عَرَّدٍ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. أي: بلغة العرب.
الثالث: الدعاء: ومنه قوله تعالى: ﴿لُمِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ بَفِى إِسْرَّهِيَلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُودَ وَعِيسَى أَبْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨]، يعني: في دعاء داود وعيسى.
الرابع: الثناء الحسن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَجْعَل لَّىِ لِسَانَ صِدْقٍ فِ الْآَخِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
يعني: ثناءً حسنًا.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٤٧.
(٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٥٣٤، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤١٠.
www. modoee.com
٩

حرف اللام
الألفاظ ذات الصلة
النطق:
١
النطق لغة:
هو التكلم بأصواتٍ وحروفٍ تعرف من خلالها المعاني المرادة (١).
النطق اصطلاحًا:
التكلم بما يعرف من خلاله المعاني المراد إيصالها إلى الآخر، وهو مختص بالإنسان
دون غيره من الكائنات الحية(٢).
الصلة بين النطق واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يتم النطق فيعرف من خلال ذلك المعاني المراد
إيصالها، وعلى هذا فإن اللسان أعم وأشمل؛ لأن النطق مختص بالإنسان، واللسان أعم
من ذلك، كما أن اللسان يضاف إلى استعماله في النطق استعمالات أخرى، منها: التذوق،
والبلع، وغير ذلك.
القول:
٢
القول لغةً:
ما كان جزءًا من النطق أثناء التحدث، والمقول: اللسان. ورجلٌ قولةٌ وقوالٌ: كثير
القول (٣).
القول اصطلاحًا:
هو الكلمة المركبة في القضية المنطوقة، أو المفهوم المركب العقلي في القضية
المعقولة (٤).
الصلة بين القول واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يقول المتحدث، والنطق والقول أعم منه.
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٩٢٦.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٥٧.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٢/٥.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٨٠.
١٠
القرآن الكريم

اللسان
الكلام:
٣
الكلام لغةً:
ما أفاد معنىً أثناء التحدث من اللسان، ويقال: قد يكون قلة الكلام كثرةً في القول؛ لأن
القول كلمة أفادت معنىّ، والكلام أعم من ذلك وأوسع (١).
الكلام اصطلاحًا:
هو ما تضمن كلمتين أو أكثر بالإسناد، ومكان إخراجها من اللسان(٢).
الصلة بين الكلام واللسان:
اللسان هو الآلة الجارحة التي من خلالها يتكلم الإنسان بكلمتين أو أكثر بالإسناد، وإن
كان الكلام أعم من القول إلا أن النطق أعم منهما، واللسان أعم من الجميع؛ لأنه الآلة التي
من خلالها يكون التحدث من جهة وللسان استعمالات أخرى من جهة أخرى.
الرأس:
٤
الرأس لغةً:
هو ما دل على تجمع وارتفاع، كأن يقال عن أعلى الإنسان: رأسه (٣).
الرأس اصطلاحًا:
ما يجمع فيه الخلقة من إنسان أو غيره من كل المخلوقات، ومجتمع كل شيء رأسه (٤)،
وبالتالي فهو يجمع كثيرًا من الجوارح.
الصلة بين الرأس واللسان:
اللسان هو جزء لا يتجزأ من الرأس، بل إن اللسان من أخص خصوص الرأس.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٢٣/١٢.
(٢) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٨٥.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٧١/٢.
(٤) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٧٣.
www. modoee.com

حرف اللام
اللسان آية ونعمة
أولًا: اللسان والإنسان:
امتن الله جل وعلا على الإنسان بأنه
جعل له آلة البيان التي هي اللسان والشفتان؛
وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَّ ◌َجْعَل لَّهُ, عَيْنَيْنِ )
وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد: ٨-٩].
وذكر الله ذلك؛ تعليلًا للإنكار والتوبيخ
في قوله: ﴿أَحْسَبُ أَنْ لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾
[البلد: ٥].
أو قوله: ﴿أَيَخَسَبُ أَنْ لَّمْ يَهُرِ أَحَدُّ﴾
[البلد: ٧].
أي: هو غافل عن قدرة الله تعالى وعن
علمه المحيط بجميع الكائنات الدال عليهما
أنه خلق مشاعر الإدراك التي منها العینین،
وخلق آلات الإبانة، وهي اللسان والشفتان،
فكيف يكون مفيض العلم على الناس غير
قادر وغیر عالم بأحوالهم؟!
قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ
الخَبَيرُ﴾ [الملك: ١٤].
والاستفهام يجوز أن يكون تقريريًا وأن
يكون إنكاريًا، والاقتصار على العينين؛
لأنهما أنفع المشاعر، ولأن المعلل إنكار
ظنه أن لم يره أحد، وذكر الشفتين مع
اللسان؛ لأن الإبانة تحصل بهما معًا، فلا
ينطق اللسان بدون الشفتين ولا تنطق
الشفتان بدون اللسان.
فمن دقائق القرآن أنه لم يقتصر على
اللسان ولا على الشفتين خلاف عادة كلام
العرب أن يقتصروا عليه، يقولون: ينطق
بلسان فصيح. ويقولون: لم ينطق ببنت
شفة أو لم ينبس ببنت شفة؛ لأن المقام مقام
استدلال، فجيء فيه بما له مزيد تصوير لخلق
آلة النطق، وأعقب ما به اكتساب العلم، وما
به الإبانة عن المعلومات، بما يرشد الفكر
إلى النظر والبحث؛ وذلك قوله: ﴿وَهَدَيْنَهُ
التَّجْدَیْنِ﴾ [البلد: ١٠].
فاستكمل الكلام في سياق الآيات
أصول التعلم والتعليم، فإن الإنسان خلق
محبًا للمعرفة، محبًا للتعريف بمشاعر
الإدراك، يكتسب المشاهدات، وهي أصول
المعلومات اليقينية، وبالنطق يفيد ما يعلمه
لغيره، وبالهدى إلى الخير والشر يميز بين
معلوماته ويمحصها (١).
فذكر اللسان ومعه الشفتين للدلالة على
أن النطق السليم لا يتأتى إلا بوجودهما
معًا، فاللسان لا ينطق نطقًا صحيحًا بدون
الشفتين، وهما لا ينطقان بدونه؛ ولهذا
جاء في الأثر: («ابن آدم، إن نازعك لسانك
فيما حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين
فأطبق، وإن نازعك بصرك إلى بعض ما
حرمت عليك فقد أعنتك عليه بطبقين
فأطبق، وإن نازعك فرجك إلى ما حرمت
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨٢٨/١.
١٢
جوبيع
القرآن الكريمِ

اللسان
عليك فقد أعنتك عليه بطبقين فأطبق)) (١).
وأيضًا من حكمة اقتران اللسان بالشفتين
أنهما العضوان الناطقان، فأما الهواء والحلق
والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة
بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة غيرها
من أجزاء الحنك، فأما اللسان والشفتان
فمنفصلة، ثم الشفتان لما كانا النهاية حملا
الحروف الجوامع: الباء والفاء والميم
والواو(٢).
وذكر الله هذه النعم تذكيرًا للإنسان؛
ليشكرها، فهي ثلاث نعم من أكبر النعم نعم الدنيا (٣).
على الإنسان:
النعمة الأولى: ﴿أَلَمْ فَجْعَل لَّهُ, عَّنَيْنِ﴾
[البلد: ٨].
يعني: یبصر بهما، ویری فیهما، وهاتان
العينان تؤديان إلى القلب ما نظر إليه
الإنسان، فإن نظر نظرة محرمة كان آثمًا، وإن
نظر نظرًا يقربه إلى الله كان غانمًا، وإذا نظر
إلى ما يباح له فإنه لا يحمد ولا يذم، ما لم
يكن هذا النظر مفضيًا إلى محظور شرعي
فيكون آئمًا بهذا النظر.
والنعمة الثانية: ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾
[البلد: ٩].
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ١١٣/١٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٣/٤، الدر
المنثور، السيوطي ٨/ ٥٢١.
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥٤/٤
بتصرف.
لسانًا ينطق به، وشفتين يضبط بهما
النطق، وهذه من نعم الله العظيمة؛ لأنه
بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبر عما
في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، فلو كان لا
يتكلم فكيف يعبر عما م في قلبه؟ وكيف
يعلم الناس بما في نفسه؟ اللهم إلا بالإشارة
، والإشارة متعبة، تتعب المشير وتتعب الذين
أشير إليهم، ولكن من نعمة الله أن جعل له
لسانًا ناطقًا، وشفتين يضبط بهما النطق،
وغير ذلك من المنافع الضرورية فيها، فهذه
ثم قال في نعمة الدين: ﴿وَهَدَيْنَهُ
التَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ١٠].
أي: طريقي الخير والشر، بينا له الهدى
من الضلال، والرشد من الغي، فهذه المنن
الجزيلة تقتضي من العبد أن يقوم بحقوق
الله، ويشكره على نعمه، وأن لا يستعين بها
على معاصيه.
وهذه الأعضاء الثلاثة -العينان واللسان
والشفتان- هي الأعضاء الدائمة الحركة
والکسب، إما للإنسان وإما علیه، بخلاف ما
يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب ولا
عقاب، وبخلاف بقية الأعضاء الظاهرة فإن
السكون أغلب، وحركتها قليلة بالنسبة إلى
هذه(٤).
(٣) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، جزء
عم، ص٥.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٢٥٤/٤.
www. modoee.com
١٣

حرف اللام
ثانيًا: اللسان أداة للبيان والتبليغ:
امتن الله عز وجل على الإنسان بنعمة
النطق التي يحصل بها إبانة الإنسان عما
يريده، فقال سبحانه: ﴿خَلَقَ الإِنسَنَ
ث عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣-٤].
وفسر البيان بالنطق.
ونلحظ أنه لم يقل: وعلمه البيان بالواو؛
لأنه لو عطفه عليه لكان مغايرًا له، أما إذا ترك
الحرف العاطف صار قوله: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ
﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ﴾ كأنه
كالتفسير لقوله:
إنما يكون خالقًا للإنسان إذا علمه البيان (١).
فيكون في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ
اُلْإِنسَنَ ا عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن:٣-٤]،
بيانٌ لنعمتين من نعمه سبحانه، والمراد
بالإنسان جنسه، والمراد بالبيان الفهم
والنطق والإفصاح عما يريد الإفصاح عنه،
بالكلام الذي أداته اللسان.
أي: إنه سبحانه وتعالى خلق الإنسان
على أجمل صورة وأحسن تقويم، ومكنه
من الإفصاح عما في نفسه عن طريق المنطق
السليم والقول الواضح، كما مكنه من فهم
كلام غيره له، فتميز بذلك من الأجناس
الأخرى، وصار أهلًا لحمل الأمانة التي
عجزت عن حملها السموات والأرض
والجبال، وأصبح مستعدًّا لتلقي العلوم
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٨/١٠.
جَوَسُولَة التَّقِينَ
القرآن الكريمِ
والخلافة في الأرض(٢). والإنسان لا يقدر
علی إقامة مصالحه إلا بإفهام غيره أغراضه،
وذلك بواسطة اللسان التي هي أداة للكلام،
وكل هذه المصالح تفوت بزوال اللسان أو
بقطعه.
ويعد النطق فضيلة عظيمة، ويدل على
فضله أن في مناظرة آدم عليه السلام مع
الملائكة ما ظهرت الفضيلة إلا بالنطق،
حيث قال: ﴿ قَالَ يَتَادَمُ أَنْبِتْهُمْ بِأَسْمَ بِهِمّ فَلَمَّاً
أَنْبَهُم بِأَسْمِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِّ أَعْلَمُ غَيْبَ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣](٣).
لما كان العلم أفضل الأشياء و كانت
آلة إعطائه اللسان وجب أن يكون أشرف
الأعضاء (٤).
والبيان بيانان كما قال العلماء، وهما
الأشهر، وإن كانت ثم أنواع أخر من أنواع
البيان، فالبيانان الأشهران أحدهما بيان
باللسان، والآخر بيان بالقلم.
وأصل البيان إظهار ما في نفس الشخص
للآخرين، وهذا يكون إما عن طريق اللسان،
وإما عن طريق القلم، فالامتنان بالتعليم
بالقلم ذكر في سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ
الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ
الْأَكْرُمُ الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ن عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَوْ
[العلق: ١-٥].
(٢) الوسيط، سيد طنطاوي ١/ ٤٠٣.
(٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب ١٥٤/١١.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٩٩/١٠.
١٤

اللسان
فامتن الله علينا بتعليمنا البيان
بكل أنواعه، وبهذا یفارق بنو آدم سائر
العجماوات من البهائم وسائر الدواب.
ولأن البيان بالنطق هو أعظم أنواع البيان
امتن الله به علينا، مع أنه ثم أنواع أخر
من أنواع البيان -كما سبق- كالإشارات
وكالنظرات، لكنها ليست بتلك الشهرة؛ إذ
كتاب الله يذكر الغالب الأشهر.
ومن المعلوم أن هذه النعمة إنما تكون
نعمة حقّا إذا استعمل النطق بما هو خير،
أما إذا استعمل بشر فهو وبال على صاحبه،
ویکون من فقد هذه النعمة أحسن حالًا منه،
فاللسان مع أهميته آلة ذات حدین، حيث
يستعمل للخير كالصدق في القول والإرشاد
والتعليم والذكر والأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر، والدفاع عن الحق، كما أنه
يستعمل للشر من إيذاء الناس بالشتم أو
بالنميمة والدفاع عن الباطل ومساندته (١).
ويأتي أهمية البيان من كونه قوة مؤثرة في
تحريك النفوس وتوجيه الناس، يقول صلى
الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا)(٢).
يقول ابن حبان البستي معلقًا على هذا
الحديث: «وشبه النبي صلى الله عليه وسلم
في هذا البيان بالسحر؛ إذ الساحر يستميل
(١) انظر: موسوعة الدفاع عن رسول الله صلى
الله علیه وسلم ٤/ ٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطب،
باب إن من البيان سحرًا، رقم ٥٤٣٤.
قلب الناظر إليه بسحره وشعوذته، والفصيح
الذرب اللسان يستميل قلوب الناس إليه
بحسن فصاحته ونظم كلامه، فالأنفس
تكون إليه تائقة، والأعين إليه رامقة)»(٣).
وما من موجود أو معدوم خالق أو
مخلوق معلوم أو موهوم إلا واللسان
یتناوله، ویتعرض له بإثبات أو نفي، فإن کل
ما يتناوله الضمير يعبر عنه بحق أو باطل،
وهذه خاصية لا توجد في سائر الأعضاء،
فإن العين لا تصل إلى غير الألوان والصور،
والآذان لا تصل إلى غير الأصوات
والحروف، واليد لا تصل إلى غير الأجسام،
وكذلك سائر الأعضاء، بخلاف اللسان،
فإنه رحب الميدان، ليس له نهاية، ولا حد
له، فله في الخير مجال رحب، وله في الشر
بحر سحب (٤).
وأخبر الله أنه أنزل القرآن مصدق بما قبله
من الكتب، فقال: ﴿وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ
[الأحقاف: ١٢].
وزاده ثناء بكونه ﴿لِسَانًا عَرَبِيًّا﴾ أي:
باللغة العربية، فإنها أفصح اللغات، وأنفذها
في نفوس السامعين، وأحب اللغات للناس،
فإنها أشرف وأبلغ وأفصح من اللغة التي
جاء بها كتاب موسى عليه السلام، ومن
اللغة التي تكلم بها عيسى عليه السلام،
(٣) روضة العقلاء ونزهة الفضلاء ص ٢١٩.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٣٩٩.
www. modoee.com
١٥

حرف اللامر
و دونها أتباعه أصحاب الأناجيل.
«لغة العرب أفضل اللغات وأوسعها،
ا نَزَلَ
١٩٢
قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ(
بِ الرُُّعُ الْأَمِينُ (٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُّنْذِرِنَ
بِلِسَانِ عَرَبِمُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ -١٩٥].
فوصفه سبحانه بأبلغ ما يوصف به
الكلام وهو البيان ... فلما خص سبحانه
اللسان العربي بالبیان علم أن سائر اللغات
قاصرة عنه وواقعة دونه))(١).
وأدمج لفظ (لسانًا) للدلالة على أن
المراد بعربيته عربية ألفاظه لا عربية أخلاقه
وتعاليمه؛ لأن أخلاق العرب يومئذٍ مختلطة
من محاسن ومساوئ، فلما جاء الإسلام
نفى عنها المساوئ؛ ولذلك قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (إنما بعثت لأتمم مكارم
الأخلاق)(٢).
ولا شك أن اللسان العربي مختص
بأنواع الفصاحة والجزالة التي لا توجد
في سائر الألسنة، قال بعض الحكماء:
حكمة الروم في أدمغتهم؛ لأنهم يقدرون
على التركيبات العجيبة، وحكمة الهند في
أوهامهم، وحكمة اليونان في أفئدتهم؛
لكثرة ما لهم من المباحث العقلية، وحكمة
(١) المزهر، السيوطي ١/ ٢٥٤.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، ١٩١/١٠،
رقم ٢٠٥٧١.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة،
رقم ٤٥.
العرب في ألسنتهم، بحلاوة ألفاظهم
.
وعذوبة عباراتهم
والمقصود أن الله تعالى خص العرب
بفهم القرآن ومعرفته، وفضلهم على غيرهم
بعلم أخباره، ومعاني ألفاظه، وخصوصه
وعمومه، ومحكمه ومبهمه، وخاطبهم
بما عقلوه وعلموه ولم يجهلوه، وقبلوه
ولم يدفعوه، وعرفوہ فلم ینکروه؛ إذ كانوا
قبل نزوله عليهم يتعاملون بمثل ذلك في
خطابهم ولغاتهم وكلامهم (٤).
واللسان وسيلة لتبليغ الخير للناس،
ودعوتهم إلى الله، وقد ذكر جل وعلا أنه
يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي العربي
الكريم؛ ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم
الألداء، وهم الكفرة، فقال: ﴿فَإِنَّمَا يَسِّرْنَهُ
بِلِسَانِكَ لِتُبَشِرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ،
قَوْمًا لَّدًّا﴾ [مريم: ٩٧].
﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ
وقال:
يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [الدخان: ٥٨].
يخبر تعالى عن نعمته تعالى، وأن الله
يسر هذا القرآن الكريم بلسان النبي صلى الله
عليه وسلم، يسر ألفاظه ومعانيه؛ ليحصل
المقصود منه والانتفاع به ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ
الْمُتَّقِينَ﴾ بالترغيب في المبشر به من
الثواب العاجل والآجل، وذكر الأسباب
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٤٩/٨.
(٤) الحيدة، الكناني ص ١٢٣.
١٦
جوبيه
القرآن الكريمِ

اللسان
الموجبة للبشارة ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ، قَوْمًا لُّنَّا ﴾
أي: شدیدین في باطلهم، أقوياء في كفرهم
فتنذرهم، فتقوم علیهم الحجة، وتتبین لهم
المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ویحیا
من حي عن بينة(١).
وفي قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ إشارة
إلى أهمية اللسان الذي هو لسان النبي صلى
الله عليه وسلم، وهو كذلك لسان قومه،
يفهمون به ما يقوله لهم، ويحيط هو كذلك
علمًا بما يقولون له، مما يفهم منه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم كان قد بلغ القمة
في فصاحة الكلام ووضوح الخطاب وقوة
الحجة.
فيكون المراد باللسان في قوله: ﴿فَإِنَّمَا
يَشَرْنَهُ بِلِسَانِكَ﴾ اللغة، أي: بلغتك، وهي
العربية، كقوله: ﴿نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) عَلَى
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ( يلِسَانٍ عَرَبِمُبِينٍ﴾
[الشعراء: ١٩٣-١٩٥].
فإن نزول القرآن بأفضل اللغات
وأفصحها هو من أسباب فضله على غيره
من الكتب، وتسهیل حفظه ما لم يسهل مثله
لغيره من الكتب(٢).
والباء في قوله: (بلسانك) للسببية،
أي: بسبب لغتك، أي: العربية، وذکر قوله:
﴿ فَإِنَّمَايَسَّرْنَهُ بِسَانِكَ﴾ لبيان الحكمة في إنزال
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٠١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/١٦. (٤) المصدر السابق.
القرآن باللسان العربي، وفي إضافة اللسان
إلى ضمير النبي صلى الله عليه وسلم عناية
بجانبه، وتعظيم له، وإلا فاللسان لسان
العرب، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
وإطلاق اللسان وهو اسم الجارحة
المعروفة في الفم على اللغة مجاز شائع؛
لأن أهم ما يستعمل فيه اللسان الكلام(٣).
وفي الآية دلالة على دور اللسان في
الدعوة والتبليغ، لأن الله بين أنه يسر ذلك
بلسانه ليبشر به وينذر، ولولا أنه تعالى نقل
قصصهم إلى اللغة العربية لما تيسر ذلك
على الرسول صلى الله عليه وسلم . ويرجع
سبب ذلك التيسير كونه بأفصح اللغات،
وكونه على لسان أفضل الرسل صلى الله
عليه وسلم ؛ فلذلك كان تسببه في حصول
تذکرهم تسببًا قريبًا لو لم يكونوا في شك
يلعبون (٤).
وإذا كان القرآن كلامًا فمعنى تيسيره
يرجع إلى تيسير ما يراد من الكلام، وهو
فهم السامع المعاني التي عناها المتكلم
به، دون كلفة على السامع، ولا إغلاق،
كما يقولون: يدخل للأذن بلا إذن. وهذا
اليسر يحصل من جانب الألفاظ وجانب
المعاني: فأما من جانب الألفاظ فذلك
(٣) انظر: المصدر السابق ٢٥/ ٣٢١.
www. modoee.com
١٧

حرف اللام
بکونها في أعلى درجات فصاحة الكلمات
وفصاحة التراكيب، أي: فصاحة الكلام
وانتظام مجموعها بحیث یخف حفظها على
الألسنة.
وأما من جانب المعاني فبوضوح
انتزاعها من التراكيب، ووفرة ما تحتوي عليه
التراكيب منها من مغازي الغرض المسوقة
هي له، وبتولد معان من معان أخر، كلما
کرر المتدبر تدبره في فهمها ووسائل ذلك
لا يحيط بها الوصف (١).
وفي الآية الأخرى قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا
يَتَرْنَهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي: إنما
يسرنا هذا القرآن الذي أنزلناه سهلًا واضحًا
بينًا جليًّا بلسانك الذي هو أفصح اللغات
وأجلاها وأحلاها وأعلاها، وعلل هذا
التيسير بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي:
يتفهمون ويعملون(٢).
والمقصود أن من وسائل الدعوة الوسيلة
اللسانية، وهي أبرز وسيلة دعوية يقوم
بها الرجل، وتقوم بها المرأة، واستخدام
اللسان في المجال الدعوي إما عن طريق
الدرس، وإما عن طريق الخطابة، وإما
عن طريق المحاضرة، وإما عن طريق
الدعوة الفردية، وهناك طرق كثيرة جدًا،
وممكن أن يستفيد المسلم مما أعطاه الله
(١) المصدر السابق ١٨٨/٢٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٣/٧.
١٨
جَوَسُو ◌َرُ النفسية
القرآن الكريم
سبحانه وتعالى، ويحاول قدر جهده أن
يستثمر هذا اللسان الذي وهبه الله سبحانه
وتعالى في مجال الدعوة، وهناك مجالات
عدة للاستفادة من الجانب اللساني ليس
المقصود بسطها في هذا الموضع.

اللسان
اللسان أداة وخاصية
أولًا: اللسان بين الصدق والكذب:
ذكر الله تعالى صفة الكذب في اللسان،
فقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ
اَلْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى
اللَّهِ الْكَذِبُّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
يُفْلِحُونَ﴾ [النحل: ١١٦].
﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ
وقال:
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ
اَلُْسْنَّ لَا جَرَمَ أَنَّ لَمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ تُفْرُونَ﴾
[النحل: ٦٢].
فقال في الآية الأولى: ﴿لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ﴾ وقال في الثانية: ﴿وَتَصِفُ
أَلْسِنَتُهُمُ﴾ والوصف: ذكر الشيء بحليته
ونعته، والصفة: الحالة التي عليها الشيء
من حلیته ونعته، كالزنة التي هي قدر الشيء،
والوصف قد يكون حقًا وباطلًا، فمن الباطل
قوله في هذه الآية: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ
أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾
[النحل: ١١٦].
تنبیھا علی کون ما یذکرونه كذبًا(١).
ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها
للكذب صريحًا لا خفاء به، وتصويرها له
بصورة مستحسنة، وتزيينها له في المسامع،
كأن ألسنتهم لكونها منشأ للكذب ومنبعًا
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥١٨.
للزور شخص عالم بكنهه ومحيط بحقيقته
يصفه للناس، ويعرفه أوضح وصف وأبين
تعريف، على طريقة الاستعارة بالكناية، كما
يقال: وجهه يصف الجمال، وعينه تصف
السحر(٢).
قال الألوسي: وقد بولغ في الآية من
حيث جعل قولهم كذبًا، ثم جعل اللسان
الناطقة بتلك المقالة ينبوعه مصورة إياه التي
هو عليها، وهو من باب الاستعارة بالكناية،
وجعله بعضهم من باب الإسناد المجازي،
نحو: نهاره صائم، كأن ألسنتهم لكونها
موصوفة بالكذب صارت كأنها حقيقتة
ومنبعه الذي يعرف منه حتى كأنه يصفه
ویعرفه(٣).
وقرئ: (الكذب) بالجر صفة ﴿لِمَا
مع مدخولها، كأنه قيل: لوصفها الكذب،
بمعنى: الكاذب، كقوله تعالى: ﴿يَدَمٍ
گذِپٍ﴾ [يوسف:١٨].
أو على البدل من (ما): أي: ولا تقولوا
الكذب الذي تصفه ألسنتكم هذا حلال
وهذا حرام، والمراد بالوصف وصفها
البهائم بالحل والحرمة (٤).
وقرئ: (الكذب) بضم الكاف والذال
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٤٧/٥.
(٣) روح المعاني، الألوسي ٣٢٧/١٠.
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٥/ ١٤٧، فتح القدير، الشوكاني ٢٨٧/٣.
www. modoee.com
١٩

حرف اللام
والباء، جمع: كذوب، على أنه نعت للألسنة؛ فقد حلت الكذب بحليته وصورته بصورته،
كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها
تصف السحر (٤).
كأنه قال: «ألسنةٌ کذبٌ)). وقرئ: بالنصب
على الشتم، أو بمعنى الكلم الكواذب، أو
هو جمع الكذاب، من قولهم: كذب كذبًا (١).
و(ما) في قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ مصدرية،
أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم(٢).
أو موصولة، والعائد محذوف، أي: ولا
تقولوا في شأن الذي تصفه ألسنتكم من
البهائم بالحل والحرمة: هذا حلال وهذا
حرام، من غير ترتب ذلك الوصف على
ملاحظة وفكر، فضلًا عن استناده إلى
وحي أو قیاس مبني علیه، بل مجرد قول
باللسان(٣).
ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولًا
لـ(تصف) وأن يكون قوله: ﴿هَذَا حَلَلٌ
وَهَذَا حَرَامٌ﴾ مفعولًا لـ (تقولوا) وعلى هذا
الوجه يكون في وصف ألسنتهم الكذب
مبالغة في وصف كلامهم بالكذب، حتى
لكأن ماهية الكذب كانت مجهولة، فكشفت
عنها ألسنتهم ووضحتها ووصفتها ونعتتها
بالنعوت التي جلتها.
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ما
معنى وصف ألسنتهم الكذب؟ قلت: هو
من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه
عين الكذب ومحضه، فإذا نطقت به السنتهم
(١) انظر: المصادر السابقة.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٦٠٩.
(٣) الوسيط، سيد طنطاوي ٢٥٧٨/١.
واللام في قوله: ﴿لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ
الْكَذِبَ﴾ هي لام الصيرورة والعاقبة، أو
هي -كما يقول صاحب الكشاف- من
التعليل الذي لا يتضمن معنى الغرض(٥)؛
لأن ما صدر عنهم من تحليل وتحريم
دون أن يأذن به الله ليس الغرض منه افتراء
الكذب فحسب، بل هناك أغراض أخرى
كظهورهم بمظهر أولي العلم، وكحبهم
للتباهي والتفاخر.
وقوله: ﴿لَنَفْتَرُواْ﴾ من الافتراء، وهو
أشنع أنواع الكذب؛ لأنه اختلاق للكذب
الذي لا يستند إلى شيء من الواقع، أي: ولا
تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام
لا صحة لها: هذا حلال وهذا حرام؛ لتنسبوا
ذلك إلى الله تعالی کذبًا وزورًا.
وقد حكى الله تعالى عن هؤلاء الجاهلين
في آيات كثيرة أنهم حللوا وحرموا أشياء
من عند أنفسهم، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ مَا فِىِ بُطُونِ هَذِهِ اٌلْأَنَْمِ
خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَزَّمُ عَلَى أَزْوَجِنَا﴾
[الأنعام: ١٣٩].
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ
(٤) الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٠٧.
(٥) المصدر السابق.
٢٠
صَوَسُورَة النفسية
جوب
القرآن الكريمِ

اللسان
لَكُمْ مِنْ زِزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ
◌َللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِتَقْتَُّونَ﴾ [يونس:
٥٩].
قال ابن كثير: ويدخل في الآية كل من
ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو
حلل شيئًا مما حرم الله أو حرم شيئًا مما
أباح الله بمجرد رأيه وتشهیه(١).
والمقصود أن الله جعل من أنواع كذب
اللسان قولها: هذا حلال وهذا حرام، وهو
من أعظم أنواع الكذب؛ لأنه من القول
على الله بغير علم؛ لأن الملك والحكم لله
سبحانه وتعالى، وكذلك الحكم الشرعي
لله ليس لأحد، فالله تعالى هو الذي يحلل
ويحرم ويوجب، وليس أحد من الخلق
له الفضل في ذلك الإيجاب والتحليل
والتحريم؛ ولهذا نهى الله عباده أن يصفوا
شيئًا بالحلال والحرام بدون إذن. ففي الآية
دليل واضح على حرمة القول بدون علم،
وكذا الاعتقاد والعمل، فلا يحل لأحد أن
يعتقد أو يقول أو يعمل بدون علم شرعي قد
تمكن من معرفته.
وتتناول هذه الآية بعموم لفظها فتيا من
أفتی بخلاف ما في كتاب الله أو في سنة
رسوله صلى الله عليه وسلم، كما يقع
كثيرًا من المؤثرين للرأي المقدمين له على
الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنة
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٠٩/٤.
کالمقلدة، وإنهم لحقیقون بأن یحال بينهم
وبين فتاويهم، ويمنعوا من جهالتهم، فإنهم
أفتوا بغير علم من الله، ولا هدی ولا کتاب
منير، فضلوا وأضلوا(٢).
وهكذا أضاف الله الكذب إلى اللسان،
فقال تعالى: ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ
وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ
لَمُسْفِّ لَا جَرَمَ أَنَّ لَمُ النَّارَ وَأَنَُّمُ تُّفْرُونَ﴾
[النحل: ٦٢].
وهذا تصوير بليغ لما جبلوا عليه من
كذب صريح وبهتان واضح، ومعنى:
﴿وَتَصِفُ﴾ تقول وتذكر بشرح وبيان
وتفصيل، حتى لكأنها تذكر أو صاف الشيء.
والمعنى: أن هؤلاء المشركين يجعلون
لله تعالى ما يكرهونه من الأولاد والأموال
والشركاء، وتنطق ألسنتهم بالكذب نطقًا
واضحًا صريحًا؛ إذ زعموا أنه إن كانت
الآخرة حقًا فسیکون لهم فيها أحسن نصيب.
والمقصود أن من آفات اللسان الكذب،
وأعظمه الكذب على الله عز وجل وعلى
رسوله صلى الله عليه وسلم، كما حكى الله
في هذه الآية، وكما قال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِتَرَى
الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ
فِيِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِِّّنَ﴾ [الزمر: ٦٠].
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تكذبوا
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٢٨٨/٣.
www. modoee.com
٢١

حرف اللام
كاستواء السنبلة على ساقها، والصدق
في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر
علي، فإنه من كذب علي فليلج النار)(١).
لهذا يجب التثبت فيما يحكيه المرء،
وعدم التحديث بكل ما سمع إذا لم يظن والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد،
والصدق في الأحوال: استواء أعمال القلب
صحته، کما قال صلى الله عليه وسلم: (کفی
بالمرء كذبًا أن يحدث بکل ما سمع)(٢).
والجوارح على الإخلاص، واستفراغ
الوسع، وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد
من الذين جاءوا بالصدق، وبحسب كمال
هذه الأمور فیه وقيامها به تکون صدیقیته؛
ولذلك کان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه
وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي الصديق
على الإطلاق، والصديق أبلغ من الصدوق،
والصدوق أبلغ من الصادق، فأعلى مراتب
الصدق مرتبة الصديقية، وهي كمال الانقياد
للرسول، مع كمال الإخلاص للمرسل (٤).
وكان السلف الصالح رضوان الله عليهم
مع سعة علمهم وفقههم لا يكثرون من
إطلاق عبارات التحليل والتحريم، وهذا
من شدة ورعهم ومحاسبتهم لأنفسهم،
يقول الإمام مالك رحمه الله: لم یکن من
أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا
أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا
حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على
ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى
هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا، ولا
يقولون: هذا حلال ولا حرام(٣).
فعلى المسلم أن يعود لسانه الصدق، بل
لا بد أن یکون صادقًا في قوله وعمله وحاله،
فالصدق يكون في هذه الثلاثة: فالصدق
في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه
وسلم، رقم ١٠٦، ومسلم في المقدمة، باب
تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه
وسلم، رقم ١.
(٢) أخرجه مسلم في المقدمة، باب النهي عن
الحديث بكل ما سمع، رقم ٧.
(٣) انظر: جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر
٣٨٢/٣.
وقد قيل: إن في اللسان أكثر من عشرين
آفة، وخصلة واحدة نافعة، وهي الصدق،
وبها ينتفي عن الإنسان جميع الخصال
الذميمة، وعن بدنه جميع الأفعال القبيحة،
فإذا حجبه بالصدق فقد كملت له التقوى
ونال المرتبة القصوى(٥).
وقد ذكر الله من صفات اللسان الصدق،
فقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمُ مِّن رَّحْمَلِنَا وَجَعَلْنَا
لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَجْعَل ◌ِّی لِسَانَ صِدْقٍ فِی
[الشعراء: ٨٤].
(٤) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص٢١.
(٥) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٤/ ١١٢.
جوسبور
القرآن الكريم
٢٢

اللسان
أي: ثناءً حسنًا باقيًا في أهل الأديان، فكل بالكذب، فهو لسان الثناء الصادق بمحاسن
الأفعال وجميل الطرائق، وفي كونه لسان
صدق إشارة إلى مطابقته للواقع، وأنه ثناء
بحق لا بباطل.
أهل دین یتلونهم ویثنون علیھم ويفتخرون
بهم؛ استجابة لدعوته بقوله: ﴿وَأَجْعَل لِّيِ لِسَانَ
صِدْقِ فِ اَلْآَخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].
أي: فأعطي ذلك، فکل أهل دین یتولونه،
ویثنون عليه.
أو يكون المعنى: واجعلني على طريق
قويم، وحال مرضي، يقتدى بي فيهما،
ويحمد أثري بعد موتي، وقال بعضهم:
سأل أن یجعله صالحًا بحیث إذا أُثنی علیه
من بعده لم یکن کاذبًا. وقيل: سأل الإمامة
في التوحید والدین، وقد أجيب بقوله: ﴿إنّ
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٤](١).
وخص بعضهم لسان الصدق بما يتلى
في التشهد من قول: كما صليت على إبراهيم
وعلى آل إبراهيم، والعموم أولى(٢).
وقد تحقق له جميع ذلك، وخصوصًا في
هذه الأمة، حتى إنه مذکور ومقرون في كل
صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
فيكون المراد بلسان الصدق هنا:
الكلام، من إطلاق اسم الآلة على ما يتقوم
بها. ووضع اللسان موضع القول على
الاستعارة؛ لأن القول يكنى بها(٣).
والمقصود أنه لسان صدق؛ لأنه ثناء
بالصدق عليه من سائر الأمم، وليس ثناء
(١) البحر المديد، ابن عجيبة ٣٣٦/٤.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٩/١٢.
(٣) انظر: أضواء البيان ١٧/ ٢٥٣.
ولما كان الصدق باللسان وهو محله
أطلق الله سبحانه ألسنة العباد بالثناء على
الصادق جزاء وفاقا، وعبر به عنه، فإن
اللسان يراد به ثلاثة معان، ومنها هذا الذي
هو (الثناء) (٤). وهو المراد بـ ﴿ذِكْرَى
الدَّارِ﴾ [ص: ٤٦]، في الآية الأخرى، أي:
الذكر الجميل الرفيع لهم في الآخرة.
واللام في قوله: (لي) تقتضي أن الذكر
الحسن لأجله، فهو ذكره بخير، وإضافة
(لسان) إلى (صدق) من إضافة الموصوف
إلى الصفة، ففيه مبالغة الوصف بالمصدر،
أي: لسانًا صادقًا، والصدق هنا كناية عن
المحبوب المرغوب فيه؛ لأنه يرغب في
تحققه ووقوعه في نفس الأمر(٥).
و﴿عَلِيًّا﴾ حال من اللسان، وإضافته
إلى الصدق ووصفه بالعلو مجازًا؛ لشرف
ذلك الثناء، أو للدلالة على أنهم أحقاء لما
یشنون علیهم، وأن محامدهم لا تخفى على
تباعد الأعصار وتبدل الدول وتحول الملل
والنحل ("
وقد رتب الله جزاء إبراهيم على نبذه
(٤) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص٢٣.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠٢/١.
(٦) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣/ ٤٦٧.
www. modoee.com
٢٣

حرف اللام
أهل الشرك ترتيبًا بديعًا؛ إذ جوزي بنعمة
الدنيا، وهي العقب الشريف، ونعمة الآخرة
وهي الرحمة، وبأثر تينك النعمتين وهو
لسان الصدق؛ إذ لا يذكر به إلا من حصل
النعمتين(١)، وعبر باللسان عما يوجد
باللسان، كما يعبر باليد عما يوجد باليد،
وهو العطية (٢).
وقيل: إذا أريد ذلك فلا بد من تقدير
مضاف في كلامه عليه السلام، أي: اجعل
لي صاحب لسان صدق في الآخرين، أو
جعل اللسان مجازًا عن الداعي بإطلاق
الجزء على الكل؛ لأن الدعوة باللسان،
فكأنه قال: اجعل لي داعيًا إلى الحق صادقًا
في الآخرين، ولا يخفى أن فيما ذكرناه سابقًا
غنى عن ذلك كله(٣).
ثانيًا: اللسان بين الفصاحة والعي:
خلق الله الألسنة متفاوتة من حيث
الفصاحة والعي، وقد أخبر الله تعالى بهذا
التفاوت، حيث قال حاكيًا قول موسى عليه
السلام: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى
لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىّ إِّ أَخَافُ أَنْ
يُكَذِبُونِ ﴾ [القصص: ٣٤].
وقوله: ﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِ﴾ [طه: ٢٧].
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١/ ٦٠٧.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
١١/ ٠٨٧
(٣) روح المعاني، الألوسي ٢٥٥/١٤.
مَسَ الَةُ التَِّي
جوبيين
القرآن الكريمِ
وقوله: ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِى وَلَا يَنَطَلِقُ لِسَانِى
فَأَرْسِلْ إِلَى مَرُونَ﴾ [الشعراء: ١٣].
فنلحظ من الآيات السابقة أن موسى
عليه السلام سأل الله تعالى سلامة آلة
التبليغ وهي اللسان، بأن يرزقه فصاحة
التعبير، والمقدرة على أداء مراده بأوضح
عبارة، فشبه حبسة اللسان بالعقدة في الحبل
أو الخيط ونحوهما؛ لأنها تمنع سرعة
استعماله.
فالعقدة: موضع ربط بعض الخيط،
أو الحبل ببعض آخر منه، وهي بزنة فعلة،
بمعنى مفعول كقصة وغرفة، أطلقت على
عسر النطق بالكلام أو ببعض الحروف
على وجه الاستعارة؛ لعدم تصرف اللسان
عند النطق بالكلمة، وهي استعارة مصرحة،
ويقال لها: حبسة، يقال: عقد اللسان كفرح
فهو أعقد إذا كان لا يبين الكلام، واستعار
لإزالتها فعل (الحل) المناسب للعقدة على
طريقة الاستعارة المكنية (٤).
والسبب من سؤال موسى عليه السلام
من الله أن يحلل عقدة من لسانه أنه كان في
لسانه حبسة إما في أصل الخلقة وإما لأنه
وضع الجمرة في فيه(٥).
وموسى عليه السلام سأل الله ذلك
لئلا يقع خلل في أداء الوحي، وقيل: لئلا
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٧/١.
(٥) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٣٨٢/١٢.
٢٤

اللسان
يستخف بكلامه فينفروا عنه ولا يلتفتوا إليه، قلة الفصاحة نقصًا في عمله، ولكنه مقام
استدلال وحجة، فيكفى أن يكون قادرًا
أو: لإظهار المعجزة، كما أن حبس لسان
زکریا علیه السلام عن الكلام کان معجزًا في
حقه، فكذا إطلاق لسان موسى عليه السلام
معجز في حقه(١).
على إبلاغ مراده، ولو بصعوبة، وقد أزال
الله عنه ذلك حين تفرغ لدعوة بني إسرائيل،
كما قال الله: ﴿قَالَ قَدْ أُوْتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى
[طه: ٣٦].
أو سأل ذلك طلبًا للسهولة؛ لأن إيراد
مثل هذا الكلام على مثل فرعون في جبروته
وكبره عسير جدًا، فإذا انضم إليه تعقد
اللسان بلغ العسر إلی النهاية، فسأل ربه إزالة
تلك العقدة تخفيفًا وتسهيلًا.
ولما قال: ﴿عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِ﴾ بتنكير
العقدة، ولم يقل: واحلل عقدة لساني دل
على أنه طلب حل بعضها؛ لأجل أن يفهم
عنه فهمًا جيدًا؛ ولذا قال: ﴿يَفْقَهُواْ﴾ أي:
يفهموا ﴿قَوْلِ﴾ عند تبليغ الرسالة، ولم
يطلب الفصاحة الكاملة، و ﴿مِّنِآسانى﴾ صفة
للعقدة، كأنه قيل: عقدة من عقد لساني(٢).
فهو على هذا لم يسأل حل عقدة لسانه
بالكلية، بل حل عقدة تمنع الإفهام، فخفف
بعضها لدعائه لا جميعها؛ ولذلك نكرها
ووصفها بقوله: ﴿مِّن آسانِ﴾ أي: عقدة كائنة
من عقد لساني(٣).
وقد قيل: إنه لم یکن هذا المي في موسی
علیه السلام عيبًا؛ لأنه لم یکن مقام موسی
يومئذٍ مقام خطابة ولا تعليم حتى تكون
(١) السراج المنير، الشربيني ٤١٣/٥.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٣٨/٤.
(٣) البحر المديد، ابن عجيبة ٤ /٦.
والمقصود أن الألسنة تتفاوت من حيث
الفصاحة والبلاغة؛ ولهذا هارون كان أفصح
لسانًا من موسى عليهما السلام ؛ لذا طلب
إرساله معه لتميزه بفصاحة اللسان (٤).
ولما كان العي في اللسان يوهم نقصًا
نفاه الله عن زكريا عليه السلام، فقال
تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَجْعَل ◌ِّيَ ءَايَةٌ قَالَ
ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾
[مريم: ١٠].
فقال: (سويًا) أي: لیس المانع له من كلام
الناس بکم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك،
إنما المانع له هو الله، وهو صحيح لا علة
فيه، فانتفاء التكلم عنه لا لبكم ولا مرض؛
لأن قوله: ﴿سَوِیًا﴾ حال من فاعل (تكلم)،
مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز
وخرق العادة لا لاعتلال اللسان بمرض،
أي: يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه في
حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح،
ما بك شائبة بكم، ولا خرس، وهذا ما عليه
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٧١/٥، لباب
التأويل، الخازن ٣٦٩/٤، السراج المنير،
الشربيني ١/ ٢١٥.
www. modoee.com
٢٥

حرف اللامر
الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: ﴿ قَالَرَبِّ
أَجْعَل لِيّ ءَايَةٌ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ
ثَلَاثَةَ أَيَّاءٍ إِلَّا رَمْزًا وَأَذْكُرُ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ
بَلْعَشِّ وَاَلْإِبْكَرِ﴾ [آل عمران: ٤١](١).
فأمره بالذكر ولو كان لعلة لما استطاع أن
يذكر الله تعالى.
﴿رَبِّ أَجْعَل ◌ِّ ءَايَةٌ﴾
ومعنى:
[مريم: ١٠] أي: اجعل لي علامة ودلالة على
حمل امرأتي؛ لأن البشارة بالولد وقعت
مطلقة، فلم يعرف وقتها بمجرد البشارة،
فطلب الآية ليعرف بها وقت الوقوع.
فجعل الله له آية وهي تعذر الكلام عليه
مع القوم على وجه المخاطبة مع أنه كان
متمكنًا من ذكر الله ومن قراءة التوراة؛ لأن
اعتلال اللسان مطلقًا قد یکون لمرضٍ وقد
يكون من فعل الله، فلا يعرف زكريا عليه
السلام أن ذلك الاعتلال معجزٌ إلا إذا عرف
أنه ليس لمرض بل لمحض فعل الله تعالى
مع سلامة الآلات، فلما اعتل لسانه عن
الكلام مع القوم مع اقتداره علی التکلم بذکر
الله تعالى وقراءة التوراة علم بالضرورة أن
ذلك الاعتلال ليس لعلةٍ ومرضٍ بل هو
لمحض فعل الله، فيتحقق كونه آية ومعجزة،
ومما يقوي ذلك قوله تعالى: ﴿ءَايَتُكَ أَلَّا
تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ [مريم: ١٠].
خص ذلك بالتكلم مع الناس؛ وهذا يدل
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٩/٤.
بطريق المفهوم أنه كان قادرًا على التكلم مع
غير الناس(٢).
والمقصود أن من عيوب اللسان العي،
والمراد به عجز اللسان وتعبه عن الكلام
عند المخاصمة، فالعي مذموم عند بلغاء
العرب وخطبائهم، وقد قال شاعرهم(٣):
أعذني ربي من حصر وعيٍّ
ومن نفس أعالجها علاجا
والحصر والعى متقاربا المعنى، فإن قال
قائل: کیف یکون عي اللسان عيبًا وقد جاء
مدح العي في قوله النبي صلى الله عليه
وسلم: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان،
والبذاء والبيان شعبتان من النفاق)؟!(٤).
والجواب: أن هذا مع أنه في الظاهر
عي، وصاحبه لا يسترسل في الكلام كأن
معلوماته ليست جيدة، أو كأنه ليس وقاد
الذهن ولا سيال اللسان، لكن في الواقع إنما
حجزه عن ذلك الخوف أن يقول على الله
بلا علم؛ لهذا صار العي إيمانًا بهذا الاعتبار،
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب ٤٣/١١.
(٣) البيت للنمر بن تولب.
انظر: البيان والتبيين، الجاحظ ٢٧/١، عيون
الأخبار، ابن قتيبة ٢/ ١٨٥.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٦٤٩/٣٦، رقم
٢٢٣١٢، والترمذي في سننه، أبواب البر
والصلة، باب ما جاء في العي، ٤ /٣٧٥، رقم
٢٠٢٧.
قال الترمذي: حسن غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١/ ٦١٠، رقم ٣٢٠١.
٢٦
فَضْو
القرآن الكريمِ