النص المفهرس
صفحات 41-47
اللهى إنما يعني مراعاة الآخرة في هذا المتاع، كل مكان من هذه الأرض، وقد بينا ابن القيم وجه التمثيل في هذا المثل القرآني، فقال: شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارًا منه بها، حتى إذا ظن أنه مالك لها، قادر عليها، سلبها بغتة، أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها (٢). والوقوف فيه عند حدود الله. کما يقصد الاستعلاء عليه فلا تصبح النفس أسيرة له، يكلفها ما يكلفها فلا تتأبى عليه! والمسألة مسألة قيم يزنها بميزانها الصحيح. فهذه قيمة الدنيا وهذه قيمة الآخرة كما ينبغي أن يستشعرها المؤمن ثم يسير في متاع الحياة ثانيًا: العلاج التطبيقي العملي: الدنيا على ضوئها، مالكا لحريته معتدلا في نظرته: الدنيا لهو ولعب، والآخرة حياة مليئة بالحياة(١). ٢. ضرب الأمثلة القرآنية. من ذلك تشبيه الحياة الدنيا بالزرع الذي لا يفتأ أن يكبر ويخضر، وتزهو ألوانه، حتى يصفر ويتحطم، وقد ورد هذا النوع من الأمثال التشبيهية، في أربعة مواضع من القرآن الكريم، منها قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَهُ مِنَ السَّمَآءِ فَاخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حََّ إِذَا أَخَذَتِ آلْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَأَزَّيَّنَتْ وَظَرَّ أَهْلُهَآ أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيْهَا أَتَمُهَا أَمَّرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْتَهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسَِّّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]. وتكمن أهمية هذا المثل القرآني، في أنه يصور الحياة الدنيا تصويرًا حسيًا واقعيًا، قريبا إلى العقول والقلوب، يراه الناس في (١) في ظلال القرآن ٢٧٥١/٥. تظهر نجاعة العلاج القرآني، في معالجة الأخطاء والسلوكيات السلبية في التكامل التام، والانسجام الكامل في الخطط المقدمة لعلاجها، فهو يردفها بالتطبيقات العملية المساعدة على التخلص من كل ما من شأنه أن يؤثر سلبا في مقصد وجود الإنسان على هذه الأرض، وتقوم الخطط العلاجية العملية على ثلاثة محاور: ١. الإنفاق. أرشد الله عباده المؤمنين إلى الإنفاق، وحثهم عليه قبل مداهمة الموت لهم، فقال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنْمَّا رَزَقْنَكُمْ مِّن قَبْلِ أَنْ يَأْتِى أَحَدُكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاً أَخَّرْتَنِىِّ إِلَىَ أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّفَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّلِحِينَ ١٠ [المنافقون: ١٠]. ويعد الإنفاق من أنجع وسائل التربية إذ يقوم على ركيزتين مهمتين، هما: التطهير (٢) الأمثال في القرآن، ابن القيم ص١٢. www. modoee.com ٢٣١ حرف اللام والتزكية، ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكْبِهِم ◌ِبِهَا ﴾ [التوبة: ١٠٣ ]. فالتطهير يزيل من النفس مرض الأنانية والذي يتجسد بجمع المال وکنزه، واحتكاره لصالح أفراد معينين، ثم صرفه في وجوه العبث، واللهو بلا هدف نافع. والتزكية ترسخ مبدأ التعاونية، والشعور بالآخر من خلال توجيه استعمال المال في منفعة البشر ودوام تطورهم، واستخدم القرآن في سبيل تعزيز الإنفاق الأساليب الآتية: التذكير بأن المال هو ملك لله وعاريته وهبه الله لبني البشر من أجل استعماله في تحقيق مقصد العبادة، ورد ذلك في مواضع متعددة في القرآن الكريم، فمن ذلك، قول الله تعالى: ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنْكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. ﴿وَأَنْفِقُواْ مِنْمَّا رَزَقْنَكُمْ﴾ وقوله أيضًا: [المنافقون: ١٠]. فها هو ذا يقول أبو السعود: إضافة المال إليه تعالى ووصفه بإيتائه إياهم للحث على الامتثال بالأمر بتحقیق المأمور به فإن ملاحظة وصول المال إلیھم من جهته تعالی مع كونه هو المالك الحقيقي له من أقوى الدواعي إلى صرفه إلى الجهة المأمور بها(١). (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٧٣. جَوَسُولَة التي القرآن الكريم ﴿وَأَنْفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُمْ وقال تعالى: ◌ُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧]. وفي هذه الآية تنبيه الغافلين بأن ما يجري في أيديهم من أموال، إنما هو لله تعالى، جعل الناس خلائف عنه في التصرف فيه مدة ما، فلما أمرهم بالإنفاق منها على عباده، كان حقا عليهم أن يمتثلوا لذلك(٢). التحذير من عواقب كنز المال، وخزنه على الفرد في الدنيا والآخرة، فخازن المال تقتله الحسرة والندامة على تقصيره في الإنفاق، فيتمنى الرجعة حتى ينفق لما يرى من الثواب الذي فاته: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَاً لَخَّرْتَنِىَ إِلَ أَجَلِ قَرِيبٍ فَأَصَّدَفَ وَأَكُن مِّنَ الصَِّحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]. ويوم القيامة يذوق ألم الكي بالأموال المكنوزة التي كان يتلذذ بجمعها، ويحرم الفقراء من التمتع بشيء منها، فقال جل جلاله: يوم يُحْمَى عَلَيْهَا فِىِ نَارٍ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَتُلُهُورُهُمَّ هَذَا مَا كَتَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥]. ٢. مصاحبة الصالحين، والابتعاد عن اللاهين، ومقاطعة مجالسهم. فالإنسان بطبعه مدني، فطره الله تعالى (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦٩/٢٧. ٢٣٢ اللهی على حب المخالطة والنفور من الوحدة، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا والبيئة التي ينشأ فيها الإنسان تؤثر فيه سلبًا یدری)) (١). أو إيجابًا، لذلك،كان للصحبة أثر مهم جدًا في حياة الإنسان؛ فهي إما أن تكون عائقةً عن الخير مثبطةً عنه، داعمةً للشر، ومحفزة عليه، لذلك جاءت التوصيات الإلهية للنبي عليه السلام والمؤمنين من بعده بلزوم الرفقة الصالحة المقبلة على الله دومًا، الذاكرة له في كل الأوقات، لقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنَّا﴾ [الكهف: ٢٨]. كما تعددت التوصيات الآمرة بالابتعاد عن الغافلين اللاهين، لقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِتَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَقَّى يَخُوضُواْ فِىِ حَدِيثٍ غَيْرِوِهِ﴾ [النساء: ١٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا﴾ [الأنعام: ٧٠]. وقوله أيضا: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ. عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ، فُرْطًا [الكهف: ٢٨]. وها هو ذا الإمام الغزالي، يقول: مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص، ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا؛ لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، ٣. التذكير الدائم بعاقبة اللهو الدنيوي والأخروي. وفي ذلك فوائد منها إقامة الحجة على المعرضين، الثاني: إيقاظ النفس من غفلتها وسباتها، والأخير: تقوية الإيمان وزيادته في القلب. لقد اتخذ التذكير في القرآن الكريم، صورًا عديدةً، هي: * السير في الأرض، للاعتبار من مصير اللاهين. تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا فَأَسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَأُسْتَمْتَعْتُم بِخَلَفِكُ كَمَا أَسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَلَّذِى خَاضُواْ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ [التوبة: وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ ٦٩]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِنَّا عَمَرُوهَا وَحَ تْهُ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتَّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ * [الروم: ٩]. (١) مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري ٣١٤٢/٨. www. modoee.com ٢٣٣ حرف اللام والسير في الأرض يترك أثرا كبيرًا في القلب؛ لأنه يقرب المشاهد الواقعية من الإنسان، فيرى بأم العين ما حل بالأمم التي استغرقت في ملذاتها وشهواتها، مما يجعله یعید حساباته من جديد حول أسلوب حياته وطريقتها (١). · التذكير بالموت وما بعده. قال تعالى: ﴿اَلْهَنْكُمُ اَلْتَّكَافُرُ حَّ زُدْتُمُ الْمَقَابِرَ ﴾ [التكاثر: ١-٢]. وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً أُوْلَيْكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ )﴾ [الأنعام: ٧٠]. وهذا له الأثر البالغ على النفس حين یعلم أنه سیغادر هذه الدنیا صفر اليدين كما دخلها، ويعزز هذا الشعور إذا شيع جنازة أو زار قبرًا، كما أن التذكير بيوم الحساب يردع النفس عن غيها، وإغراقها في المتع والملذات؛ لإدراك الإنسان أنه محاسب على أقواله وأفعاله. عاقبة اللهو اللهو داء خطير، ذو عواقب سيئة، تمتد آثارها السلبية، لتشمل الإنسان في حياته الدنيا وفي الآخرة، وذلك على النحو الآتي: أولًا: عاقبة اللهو في الدنيا. تتعدد صور الخسران الدنيوي الذي يلحق باللاهي، سواء كان فردا أو جماعة، ومن ذلك: ١. اللهو يؤدي إلى سلب صفة التكريم الإلهي التي وهبها الله تعالى للإنسان، بقوله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الَّتِبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠]. بيان ذلك أن هم اللاهي في الحياة الدنيا، ينصب نحو التمتع والتلذذ بما خلق الله، وأوجد على الأرض من غير أن يصاحب ذلك تحقيق أهداف ذات أثر جيد على الأرض، فيصبح شأنه شأن أي حيوان موجود على هذه الأرض، وقد وصف الله تعالى الكفار، ومن خطا خطاهم، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَتَّوَّى لَُّمْ﴾ [محمد: ١٢] بل عدهم الله تعالی أقل درجة من الحیوانات، وأدنی رتبة منها، فقال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّكَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤]. (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٠/٢٠. وضوري جَوَسُولَة التَّسيد القرآن الكريمِ ٢٣٤ اللهى يقول سيد قطب: ((إن للإنسان إرادة وهدفا وتصورا خاصا للحياة يقوم على أصولها الصحيحة، المتلقاة من الله خالق الحیاة، فإذا فقد هذا کله، فقد أهم خصائص الإنسان المميزة لجنسه، وأهم المزايا التي من أجلها كرمه الله)) (١) . ٢. اللهو یؤدي إلى اندثار الأمم وزوالها. وليس بالضرورة أن يكون ذلك بسنة كونية كزلزال، أو بركان، أو غيرها من الظواهر الطبيعية التي خلقها الله تعالى إنما المراد بذلك أن أي تجمع بشري لا يضع نصب عينيه المضي نحو أهداف حقيقية نافعة تقود نحو الرفعة والرقي، وينشغل بسفاسف الأمور، وأرذلها، فإنه حتما سيسقط في القاع ويهلك، و کم أخبرنا القرآن الكريم عن أمم خلت، قد هلكت، واندثرت لسلوكها سبيل اللهو؛ فعلى سبيل المثال، أخبرنا الله تعالی،عن قوم هود الذین كان همهم بناء الأبنية الشاهقة، والقصور الفارهة، لا لهدف سوى العبث، فقادهم ذلك إلى فساد أحوالهم، فأهلكهم الله تعالى، وقال عنهم: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِبع ءَايَةً تَعْبَثُونَ (١٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (٢) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴿١٣ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَأَطِيعُونِ ) وَأَتَّقُواْ الَّذِىّ أَمَذَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ١٣٢ أَمَذَّكُمْ بِأَنْعَمٍ وَبَنِنَ ا وَحَتَّتٍ وَعُيُونٍ (١) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٩٠. ١٣٥ إِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظٍِ [الشعراء: ١٢٨-١٣٥]. وقد عاب الله تعالى على من ترك خطبة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما تحمله في طياتها، من علوم عظيمة نافعة، في سبيل اللهو والتجارة (٢). فقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْ تَجَرَةً أَوْلَوْا أَنْفَضُوْإِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآَيِمَا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اَللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَّةُ وَاللّهُ خَيْرُ الزَّزِقِينَ ﴾ [الجمعة: ١١]. ٣. اللهو بالأحكام، والقواعد، والتعاليم، بحسب الأهواء، والشهوات، يؤدي إلى فوضى عارمة، تقود المجتمع إلى حياة الغاب. وبالتالي غياب الأمان والاطمئنان، واندثار معاني الإنسانية من نفوس البشر، وبيان ذلك من وجهين: الأول: أن اللهو بالأحكام والتشريعات، نابع من توجهات بشرية، تسعى لتحقيق منافع شخصية، وهذا يؤدي إلى انتشار الأنانية، وضيق الأفق، وانعدام الرؤية الواضحة، واختلال البوصلة التي توجه نحو الهدف المقصود فتكون النتائج كارثية على الفرد والمجتمع؛ لأن معنى ذلك فوضى عارمة تجتاح حياة الإنسان، والمجتمع من حوله، والآخر: اللهو بالأحكام معناه فوضى تبدأ من تخلي (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٩/٢٨. www. modoee.com ٢٣٥ حرف اللام الإنسان عن الخضوع لربه، وتنتهي بتحلله يؤدي الانشغال بتوافه الأمور وسفاسفها على حساب العبادة إلى الخسران الذي أخبر الله عنه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نُلْهِكُمْ أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. من كل القيم الأخلاقية، والفضائل الإنسانية وقيمها، فتقوده بذلك إلى هاوية الهلاك والدمار في الدنيا بالتشتت والاضمحلال، والانطوائية والعداوة والبغضاء، كما أخبرنا تعالى عن حال اليهود والنصارى، بعد تحريفهم لتعاليم دينهم، فقال تعالى: وقد أخبر سبحانه وتعالى أن ما عنده خير من كل متاع الدنيا، فقال: ﴿قُلْ مَا عِندَاللَّهِخَيْرٌ مِّنَ اَللَّهْوِ وَمِنَ النِّجَزَوَّ وَاَللَّهُ خَيْرُ الرَّزِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١]. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىّ أَخَذْنَا مِيثَقَّهُمْ فَنَسُواْ حَظّا مِمَّا ذُكِرُواْ بِهِ، فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَآءُ إِلَى يَوْمِ ثانيًا: عاقبة اللهو في الآخرة: اَلْقِيَمَةَّ وَسَوْفَ يُنَبِّتُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤]. ٤. التبعية والخضوع لإرادات الأمم الناجحة والقوية. فالأمة التي تعيش لتحقيق هدف حقيقي ما، تبذل كل ما في وسعها، وتسعى بكل جهدها للوصول إليه، وهذا يعني تحقيق كثير من الإنجازات خلال تلك المسيرة، في حين تكون الأمة اللاهية أمة بلا هدف حقيقي؛ لأن الحركة -التدافع - من السنن الإلهية التي تحكم هذا الكون فالضعيف يتبع القوي، والأمة اللاهية أمة ضعيفة لا بد لها أن تتبع الأمة القوية. ٥. اللهو يضيع البركة والثواب من حياة اللاهي. فالأعمال النافعة تلقى بظلالها الوارفة على حياة الأفراد والمجتمعات، في حين لا تتوقف عقوبة اللهو على حدود الحياة الدنيا، بل تمتد إلى الحياة الأخرى وتنتقل إليها، وسبب ذلك أن الحياتين مرتبطتان ببعضهما ارتباطًا وثيقًا؛ فالأولى دار عمل، والأخرى دار حساب، لقوله تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَاَلْمَوَةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَبَلًا وَهُوَ اْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك: ٢]. فمن لها عن وظيفته الموكلة إليه في الدنيا، وقصر فيها، ناله ما يناسبه من العقاب يوم القيامة من الحكيم العليم، وجاءت صور الخسران الأخروي، على النحو الآتي: ١. الترك في النار من غير رحمة، ولا إجابة دعوة (١). قال الله تعالى: ﴿اَلَّذِينَ أَتَّخَذُواْ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٥٣. ٢٣٦ جَوَسُ القرآن الكريمِ اللهى دِينَهُمْ لَهْوَّ وَلَعِبَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُِّيَّأَ فَالْيَوْمَ نَنسَهُمْ كَمَا نَسُو ◌ُلِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِشَايَئِنَا يَجْحَدُونَ﴾ [الأعراف: ٥١]. وهذا العذاب من باب المعاملة بالمثل؛ فكما أنهم تناسوا هذا اليوم، ولم يفتقدوه بالاستعداد له، لا يفتقدهم أحد، ولا يسأل عنهم، تحقیرًا لشأنهم(١)، وليس هناك أشد وقعا على نفس الإنسان من إهماله، وعدم الاستجابة لطلباته، إذ يعد هذا من أشد أنواع العذاب النفسي. ٢. العذاب المتعدد الصور والأشكال. فقد تعددت الأوصاف التي وصف بها العذاب الذي توعد الله تعالی به اللاهین عن أحكامه وأوامره: فتارة یصفه بالعذاب الشديد، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ وَلَهُوٌّ وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ, ثُمّ يَهِيجُ فَمَ نُمُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضِّوَنُ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَآ إِلَّا مَنَعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: ٢٠]. وهذا يتناسب مع من انهمك في لذاتها، وانغمس في متعها دون استعداد لما ينتظره في حياته الأخرى.(٢) (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٩٢/٨. (٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ١٨٥/١٤. وتارة أخرى يصفه بالعذاب المهين؛ لأن اللاهي استهان بأمر الله، فهو يهان يوم القيامة، ويحقر فيها، لقوله تعالى ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ الَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ [لقمان: ٦]. وفي آية أخرى يصفه بالعذاب الأليم ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَّا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَأْ وَذَكِرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسُلْ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيُّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَيٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ٧٠ [الأنعام: ٧٠]. موضوعات ذات صلة: الاستهزاء، العزم، الغفلة، اللعب www. modoee.com ٢٣٧