النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
اللهُو
عناصر الموضوع
مفهوم اللهو
١٩٢
اللهو في الاستعمال القرآني
١٩٣
الألفاظ ذات الصلة
١٩٤
تنزيه الله تعالى عن اللهو
١٩٦
١٩٩
ضوابط اللهو
٢٠١
الملهيات الدنيوية
٢١٨
اللهو بالدين
٢٢٣
الملهى عنه
٢٢٩
علاج اللهو
٢٣٤
عاقبة اللهو
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف اللام
مفهوم اللهو
أولًا: المعنى اللغوي:
تدور كلمة لهو على معنى الانشغال عن شيءٍ بشيءٍ آخر، بما يؤدي إلى نسيانه، أو
الإعراض عنه قصدًا أو بغير قصدٍ(١).
والملاهي: آلات اللهو (٢).
ويأتي اللهو بمعنى: الإعراض عن الشيء، والدنو والاقتراب، ومحبة الشيء والتعلق
به(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الراغب: اللّهْوُ: ما يشغل الإنسان عما یعنیه ويهمه (٤).
وقال الجرجاني: اللهو: هو الشيء الذي يتلذَذ به الإنسان فيلهيه، ثم ينقضي(٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١٣/٥.
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم ٤٢٣/٤.
(٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٢٢٦/٦، المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده ٤٢٣/٤.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٧٤٨.
(٥) التعريفات ص١٩٤.
١٩٢
القرآن الكريمِ

اللهی
اللهو في الاستعمال القرآني
وردت مادة (لهو) في القرآن الكريم (١٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
﴿اَلْمَنْكُمُ التَّكَاثُرُ
[التكاثر: ١- ٢]
١
حَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ
٢
الفعل المضارع
٤
﴿رِجَالٌ لَّا ◌ُلْهِمْ تَجَرَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧]
المصدر
١٠
﴿قُلْ مَا عِنْدَاللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ النَّجَرَةِ﴾ [الجمعة: ١١]
اسم الفاعل
١
﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَذَآ إِلََّ
بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣]
وجاء اللهو في القرآن على وجهين (٢):
الأول: ما يتلهى به ويشغل، من زوج أو ولد أو مال أو غناء أو غير ذلك من الشواغل، على
معناه اللغوي: ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ تَتَّخِذَ لَوَّ لَّأَ تَّخَذْنَهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَعِلِينَ﴾
[الأنبياء: ١٧]. يعني: زوجة، وقيل: ولدا.
الثاني: السخرية والاستهزاء: ومنه قوله تعالى: ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ أَّخَذُواْدِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوَا﴾
[الأنعام: ٧٠]. يعني: باستهزائهم به.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٩٨ - ٦٠٢، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص١٠١٤- ١٠١٩.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص٤٠٦-٤٠٧، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٥٣٤-
٥٣٦.
www. modoee.com
١٩٣

حرف اللام
الألفاظ ذات الصلة
١
العبث:
العبث لغة:
يقول ابن فارس: (العبث، هو الفعل لا يفعل على استواءٍ وخلوص صوابٍ. تقول: عبث
يعبث عبثًا، وهو عابثٌ بما لا يعنيه وليس من باله، وفي القرآن: ﴿أَنَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَكُمْ
عَبَثًا﴾ [المؤمنون: ١١٥].
أي: لعبًا)(١).
وقد عبث یعبث عبئًا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله(٢).
العبث اصطلاحًا:
قال القشيري: (العبث: اللهو، واللعب والاشتغال بما يلهي عن الحق) (٣).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا
فائدةٌ تعود على الفاعل) (٤).
الصلة بين العبث واللهو:
اللهو والعبث يشتركان في أن كل منهما يقصد من غير هدف، ومشغل عن أمور مهمة،
ويخلوان عن النفع الديني، والدنيوي الجاد(٥).
اللعب:
٢
اللعب لغة:
اللعب واللعب: ضد الجد، لعب يلعب لعبًا ولعبًا، ولعب، وتلاعب، وتلعب مرة بعد
أخرى(٦).
ويقال لكل من عمل عملاً لا يجدي عليه نفعًا: إنما أنت لاعبٌ (٧).
(١) مقاييس اللغة، ٢٠٥/٤.
(٢) العين، الفراهيدي، ٢/ ١١١، تهذيب اللغة، الأزهري ١٩٩/٢، تاج العروس، الزبيدي ٢٩٥/٥.
(٣) لطائف الإشارات، القشيري، ٥٩١/٢.
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٨/ ٩٠.
(٥) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٥٤.
(٦) لسان العرب، ابن منظور، ٧٣٩/١.
(٧) النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٢٥٣/٤، لسان العرب، ابن منظور ٧٣٩/١، تاج
العروس، الزبيدي ٤ /٢٠٩.
جَنُور
الْقُرْآن الكَرِيمِ
١٩٤

اللهی
اللعب اصطلاحًا:
اسمٌ لقولٍ أو فعلٍ يراد به المزح والهزل لتمضية الوقت أو إزالة وحشة الوحدة، أو
السكون، أو السكوت، أو لجلب فرح ومسرةٍ للنفس، أو یجلب مثل ذلك للحبيب، أو يجلب
ضده للبغيض، كإعمال الأعضاء وتحريكها دفعًا لوحشة السكون، والهذيان المقصود لدفع
وحشة السكوت، ومنه العبث، وكالمزح مع المرأة لاجتلاب إقبالها ومع الطفل تحيبًا أو
إرضاءً له(١).
الصلة بين اللعب واللهو:
اللعب تقدیم شيء على غيره من غير إهمال للثاني إنما یأتي بعده، مثال ذلك من يقول:
بعد هذا الشغل، أشتغل بالعبادة والآخرة.
وأما اللهو فالاشتغال بشيء إلى حد الاستغراق فيه والإعراض عن غيره، فالدنيا للبعض
لهو يشتغل به، وينسى الآخرة بالكلية(٢).
وكلاهما فيه انشغال عن المهمات من الأعمال بأخرى ليست ذات أهمية.
وكلاهما يخلو من مقصد يحقق منفعة حقيقيةً في الحياة.
وآثارهما لا تدوم؛ بل هي سريعة الزوال.
(١) المصدر السابق ٢٧ / ٤٠١.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ٧٩٩.
www. modoee.com
١٩٥

حرف اللام
تنزيه الله تعالى عن اللهو
إن من الأصول الواجب اعتقادها، أن
الله تعالى منزه عن كل نقيصة، أو عيب في
ذاته جل جلاله، وفيما يصدر عنه، سبحانه
وتعالى، من خلق وأمر، وذلك ممكن
الوصول إليه، والتعرف عليه نصًا وعقلا؛
فأما النصوص الدالة على ذلك فهي كثيرة،
وقد تعددت الأساليب المستعملة في هذه
النصوص، فمنها مثبت للخلق الحق منها
قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الحجر: ٨٥].
وقوله تعالى: ﴿ مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ
وَمَا بَيْنَهُمَآَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَنَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآَ
أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ (٢)﴾ [الأحقاف: ٣].
ومنها ما جاء نافيا للعبثية، واللعب من
مقصد هذا الخلق كما في قوله تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءُ وَالْأَرْضَ وَمَا يَتَنَهُمَا لَحِينَ﴾
[الأنبياء: ١٦] ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَاَلْأَرْضَ وَمَا
بَيْنَهُمَا بَطِلَاْ ذَلِكَ ظَنّ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنَ النَّارِ﴾ [ص: ٢٧].
وتتعدد مقاصد الخلق التي من أجلها
خلق الله تعالى هذا الكون العظيم، ويظهر
لك من خلال الأمور الآتية:
أولًا: دلائل الخلق المبثوثة في أرجاء
السماوات والأرض وما بينهما، والمقصد
من خلقها، إنما هو تحفيز العقول، واستنفار
لطاقاتها؛ من أجل أن تجول في أنحاء هذا
الكون فتبحث عن خالقه، وتعظمه في
جميل خلقه وبديعه، كما جاء في قوله
تعالى: ﴿اَلَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَقُعُودًا
وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَّفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَتِ
وَاْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَّكَ فَقِنَا
عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١].
((ومعنى ما خلقت هذا باطلاً أي:
خلقًا باطلًا، أو ما خلقت هذا في حال أنه
باطلٌّ، فهي حالٌ لازمة الذكر في النفي وإن
كانت فضلة في الإثبات، كقوله: ﴿وَمَا
خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَعِبِينَ﴾
[الدخان: ٣٨].
فالمقصود نفي عقائد من يفضي
اعتقادهم إلى أن هذا الخلق باطلٌ أو خليٌّ
عن الحكمة، والعرب تبني صيغة النفي على
(١).
اعتبار سبق الإثبات كثير»
.
يقول رشيد رضا أيضًا، في بيان هذه
الآية: ((أما معنى كون هذا الخلق لا يكون
باطلًا، فهو أن هذا الإبداع في الخلق،
والإتقان للصنع لا يمكن أن يكون من العبث
والباطل، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم
لهذه الحياة الفانية فقط، كما أن الإنسان
الذي أوتي العقل الذي يفهم هذه الحکم،
ودقائق هذا الصنع، وكلما ازداد علمًا حتى
إنه لا حد یعرف لفهمه و علمه، لا یمکن أن
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٨/٤.
١٩٦
جوي
القرآن الكريمِ

اللهی
يكون وجد ليعيش قليلًا، ثم يذهب سدّى، القوانين الأرضية؛ لتكون صالحة لحياة
جمیع المخلوقات علی ظهرها دون اختلال
ويتلاشی فیکون باطلًا، بل لا بد أن يكون
باستعداده الذي لا نهاية له قد خلق ليحيا
حياةً لا نهاية لها، وهي الحياة الآخرة التي
يرى كل عامل فيها جزاء عمله))(١).
لأي منها أو طغیان على آخر، يقول سيد:
«كل شيء، کل صغیر و کل كبير. كل ناطق
وكل صامت. كل متحرك وكل ساكن. كل
ماض و کل حاضر. کل معلوم و کل مجهول.
والتفكر من أعظم الأسباب الموصلة
الدالة إلى أن منشئ هذه المصنوعات
البديعة له القدرة التامة، والعلم، والأحدية،
إلى سائر الصفات العلية.
كل شيء خلقناه بقدر قدر يحدد حقيقته.
ويحدد صفته. ويحدد مقداره. ويحدد زمانه.
ويحدد مكانه. ويحدد ارتباطه بسائر ما حوله
من أشياء. وتأثيره في کیان هذا الوجود. وإن
ثانيًا: النواميس والقوانين التي خلقها الله
لتنظيم أمور هذا الكون بجميع مكوناته، آية
دالة على قدرته، وحكمته، سبحانه وتعالى،
فكل شيء خلقه الله بقدر كما قال: ﴿إِنَّاكُلَّ
شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩].
هذا النص القرآني القصير اليسير ليشير إلى
حقيقة ضخمة هائلة شاملة، مصداقها هذا
الوجود كله، حقيقة يدركها القلب جملة
وهو يواجه هذا الوجود، ويتجاوب معه،
ويتلقى عنه، ويحس أنه خليقة متناسقة
وقوله تعالى: ﴿وَكُلُ شَىْءٍ عِندَهُ.
بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
تناسقًا دقيقًا. كل شيء فيه بقدر يحقق هذا
التناسق المطلق، الذي ينطبع ظله في القلب
جملة وهو يواجه هذا الوجود))(٣).
«والمراد: أن خلق الله الأشياء مصاحبٌ
لقوانين جارية على الحكمة)»(٢).
وقد أسهب سيد قطب رحمه الله في
ذكر كثير من الأمثلة الدالة على بديع خلق
الله تعالى، ودقة صنعه، فذكر دقة التناسق
بين أبعاد النجوم والأجرام السماوية،
وأحجامها، وكتلها، وجاذبيتها لبعض، ما
مكن العلماء من تحديد مواقع نجوم أخری
بناء على ذلك، وذكر التناسق البديع بين
ثالثًا: تکرر ذكر ﴿وَمَابَيْنَهُمَا ﴾ في الآيات
التي ذكرت خلق السماوات والأرض،
وهذا يقصد به في المقام الأول، أشرف
المخلوقات على الأرض وهو الإنسان؛ لأنه
المخاطب بالعبادة والإعمار (٤)، فخلقہ لیس
عبثا، ووجوده ليس سدًا، إنما هو خاضع
للقوانين الإلهية التي تسير الكون، وتضبط
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤/ ٢٤٧.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٧/٢٧.
(٣) في ظلال القرآن ٣٤٣٦/٦، ٣٤٣٧.
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢/١٧.
www. modoee.com
١٩٧

حرف اللامر
حركته، فيجازى أو يعاقب بحسب حاله أن اتجاهات التفكير لدى الناس متفاوتة
نظرا لتفوات مداركهم، وطرق تفكيرهم
واختلاف الظروف المحيطة بهم
(٣)
٠
وليس هناك ثمة محاباة لأحد، فقد يمهل
الظالمون برحمة من الله تعالى لحكمة
استبقاء عمران جزء من الأرض زمانًا،
ويهلكون حين يستوفون شروط الإهلاك
والعذاب إحقاق لحكمة أخرى وهي العدل
والاقتصاص من الظالم. لذا يكثر تعقيب
نظام خلق السماوات والأرض بذكر الجزاء
العاجل المتمثل بإهلاك الأمم الظالمة
بعذاب إلهي فوري كالإهلاك بالطوفان
والصيحة والريح الصرصر، أو متدرج
كالأمراض الفتاكة والخلافات المفضية
إلى الاقتتال الدامي. أو يعقب بذكر البعث
والجزاء يوم القيامة تذكيرا بأنه لن يفلت
أحد من الجزاء العدل عند الله سبحانه
وتعالى(١).
رابعًا: الأحكام والقواعد التي شرعها
الله تعالى لتسيير مصالح عباده فيما فيه
نفعهم وصلاحهم، من خلال إرسال الرسل
وإنزال الكتب (٢)، فمن عدل الله تعالى
وحكمته أن لا يترك الناس سدی یسیرون
أمورهم وفق أهوائهم وشهواتهم، ذلك أن
عقل الإنسان قاصر في كثير من الأحيان
عن إدراك الأحكام والقوانين التي تحقق
له المصالح الدنيوية والأخروية، فضلا عن
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٥٨/١٩،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤/ ٧٥.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٠٧
(٣) تهذيب معاني القرآن، الزجاج ١٥/٣.
١٩٨
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

اللهی
ضوابط اللهو
أولًا: ضوابط اللھو:
بعد الوقوف أمام حقيقة اللهو في اللغة
والاصطلاح، لا بد لنا، من التعرف على
القواعد التي تضبط التصرفات والسلوكيات
فیتمیز من خلالها اللهو عن الجد، وقد سعى
العلماء إلى تأصيل القواعد الواضحة الدالة
على ذلك، مستندين إلى الآيات القرآنية،
والأحاديث النبوية، وبعد البحث والتقصي،
وجدت أن عمدتهم في ذلك، قول الله
تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ
لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا﴾
[لقمان: ٦].
وأربعة من الأحاديث النبوية، وكان
السبق في التقعيد للإمام البخاري رحمه
الله وضع القاعدة الأولى وهي: أن لا يشغل
السلوك أو التصرف عن طاعة وذلك واضح
في ترجمته لأحد الأبواب بقوله: باب كل
لهوٍ باطل إذا شغله عن طاعة (١) وتبعه في
ذلك الإمام ابن بطال في شرحه للصحيح
وزاد ضابطا آخر وهو: أن يكون اللهو قليلاً
وليس بكثير! (٢).
ويستدل لذلك بحديث عائشة في نظرها
إلى الأحباش وهم يتلاعبون في المسجد،
(١) فتح الباري، ابن حجر ١١ / ٩١.
(٢) شرح صحيح البخاري، ابن بطال ٩/ ٧١.
وغناء الجاريتين في بيتها يوم العيد(٣)،
وحضورها زفاف امرأة إلى رجل من
الأنصار (٤).
ثم جاء الإمام الخطابي وأضاف ضابطا
آخر، وهو: أن يكون التصرف أو السلوك
معینًا على الحق أو ذریعة إليه، فإن لم یکن
کذلك کان من اللهو (٥).
وقد استنبط هذا الضابط من حديث
عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله
صلی الله عليه وسلم قال:و کل ما يلهو به
المرء المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه
فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق)(٦).
وذهب ابن تيمية إلى أن اللهو له
ضابطان، الأول: ليس فيه منفعة، والآخر: لا
یکون محرمًا (٧).
كذلك قعد الشاطبي قاعدتين
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب العيدين،
باب الحراب والدراق يوم العيد، رقم ٩٤٩،
٩٥٠، ومسلم في صحيحه، صلاة العيدين،
باب الرخصة في اللعب الذي لا معصية فيه
أيام العيد، رقم ٨٩٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب الدعاء للنساء اللاتي يهدين للعروس
والعريس، رقم ٩٤٩، ٩٥٠.
(٥) معالم السنن ٢٤٢/٢.
(٦) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل
الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل
الله، رقم ١٦٣٧، وابن ماجه في الجهاد، باب
الرمي في سبيل الله، رقم ٢٨١١.
قال الترمذي: حديث حسن.
(٧) الاستقامة، ابن تيمية ص ٢٢٧.
www. modoee.com
١٩٩

حرف اللام
استخرجهما من حديث عامر بن عقبة هما:
أن يكون الأمر مباحًا يخدم أمرًا ضروريًا
كالنسل، والآخر: أن يكون مباحًا ويخدم
أصلًا تكميليا كاللعب بالسهام وتأديب
الفرس (١)، فإن لم يتوفر أحد هذين الشرطين
کان الأمر لھوًا.
[لقمان: ٦].
فلقد علق عليها ابن عاشور، بقوله: فلم
يكن قصده مجرد اللهو بل تجاوزه إلى
الصد عن سبيل الله (٢). في حين، نجد
الإمام البخاري، يستعمل هذه الآية في
ترجمته: ((باب كل لهو باطل)) مستنبطًا ذلك
وبذلك تتلخص الضوابط التي تحكم أن من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(وكل ما يلهو به المرء المسلم باطلٌ، إلا
رمیه بقوسه، وتأدیبه فرسه، وملاعبته امرأته،
فإنهن من الحق)(٣).
هذا الأمر لهوٌ أو جدٌ بالنقاط الآتية:
أن یکون مباحًا، وليس فيه تعلق بحرام.
أن يكون قليلًا، ولا يستغرق وقت
الإنسان، ومعيار القلة يضبط من خلال
المناسبات کالأعياد.
فقال: باب كل لهو باطل إذا شغله عن
ألا يشغل الأمر عن طاعة، بل يكون طاعة وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى
لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾. ولما لم يكن هذا الحديث
معينًا على الحق أو ذريعة إليه.
على شرطه استعمله لفظ ترجمةٍ واستنبط
من المعنى ما قيد به الحكم المذكور (٤).
ثانيًا: حكم اللهو:
بعد استعراض القواعد الدالة على
اللهو، لا بد من التعريج على حكمه؛
ليكون المسلم على بينة من أمره، فيجتنبه،
ويبتعد عنه، وبعد البحث في الآيات التي
تناولت موضوع اللهو لم أجد فيها ما ينص
بصراحة على حكم محدد للهو، وغاية ما
في الأمر، إشارات دلت عليها آية قرآنية،
فهم منها العلماء حكم اللهو، وهي قوله
تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ اَلْحَدِيثِ
لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًّا﴾
فدل الأمر على أن اللهو لا يسري عليه
حكم واحد إنما في الأمر تفصيل؛ فاتفق
العلماء، على أن اللهو يكون محظورًا إذا
كان فيه نص محدد بالتحريم في حين إذا
لم يكن محرمًا، وليس فيه منفعة، فيرى
بعض العلماء، مثل: ابن بطال، والخطابي،
وابن تيمية، أن على أصحاب الهمم العالية
اجتنابه؛ لأنه يحد من نشاطهم الإيماني،
وتعلقهم بالله، ويرخص فيه للنفوس التي
(٢) التحرير والتنوير ١٤٣/٢١.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ١١/ ٩١.
(١) الموافقات ٢٠٦/١.
جُوبُوا حَرَ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريمِ
٢٠٠

اللهی
لا تصبر على ما ينفع، والترخيص مقيدٌ
بالأوقات التي تقتضي ذلك؛ كالأعياد،
والأعراس، وقدوم الغائب، ونحو ذلك(١).
وعندما وقف ابن تيمية أمام الحديث،
وفسر معنی الباطل، ذهب إلى أنه ما كان
ضد الحق (٢)، في حين، قال ابن العربي: إن
معنى الباطل ما كان خاليًا من الثواب لتعلقه
بالدنيا المحضة لا تعلق له بالآخرة والمباح
منه باقي(٣).
(١) انظر: شرح صحيح البخاري، ابن بطال
٩/ ٧١، معالم السنن، الخطابي ٢/ ٢٤٢.
(٢) انظر: جامع رسائل ابن تيمية ١/ ٢٠.
(٣) انظر: عارضة الأحوذي، ابن العربي ١٣٦/٧.
الملهيات الدنيوية
شاءت حكمة الله عز وجل أن يخلق على
هذه الأرض أمورا حبيها للإنسان بفطرته؛
لتكون دافعا على إعمار الأرض ومساعدًا
على تطويرها، وبعضها يجملها الشيطان في
نفس الإنسان ليغويه عن الصراط المستقيم،
كل ذلك يشكل اختبارًا للإنسان التي جبلت
فطرته على هذه المحبوبات.
وفيما يأتي أهم الملهيات الدنيوية:
أولًا: زخرف الدنيا وزينتها:
واستعمل لفظ الزخرف في القرآن
الكريم أربع مرات، جاءت في موضعين، في
معرض الذم:
أولهما: يذكر الوسائل التي يستعملها
شياطين الإنس والجن في تزيين قبيحهم،
وتمويه باطلهم، بطرق خفية دقيقة، ليسهل
على النفوس قبوله، والإقبال عليه (٤) كما في
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا
شَيَطِينَ الْإِنِسِ وَالْجِنِّ يُوحِی بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًاً وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ
وَمَا يَفْتَّرُونَ (٣٢)﴾ [الأنعام: ١١٢].
وثانيهما: يصور حال الكفار المنهمكين
في لذائذ الدنيا ومتعها، الغارقين في وهم
استمرارية هذه المتع واللذائذ(٥)، كما في
(٤) انظر: الموافقات، الشاطبي ٣٣٤/٤
(٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٣/١١.
www. modoee.com
٢٠١

حرف اللام
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ
أَنزَلْتَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَأَخْتَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا
يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَمُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِاَ لْأَرْضُ زُخْرُفَهَا
وَأَزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَدِرُونَ عَلَيَّهَاً
أَتَنِهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْنَهَارًا فَجَعَلْنَهَا حَصِيدًا كَأَنْ
لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِنَّ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَتِ لِقَوْمِ
يَنَفَكَّرُونَ ﴾ [يونس: ٢٤].
أما الموضعان الآخران، فقد جاء
الموضع الأول منهما، في سياق طلبات
قريش من النبي صلى الله عليه وسلم أن
يعطيه الله تعالى بيتًا من زخرف، كما جاء
في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتُ مِّن زُخْرُفٍ
أَوْ تَرْقَى فِ السَّمَاءِ وَلَن نُؤْمِنَ لِرُفِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ
عَلَيْنَا كِنَبَا تَقْرَؤُهُ، قُلْ سُبْحَانَ رَبِّ هَلْ كُنتُ
إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: ٩٣].
وجاء الموضع الآخر، في بیان حكمة الله
من تفاوت الناس في معاشهم، وأرزاقهم في
الدنیا، وأن ذلك جمیعه، عرض زائل سريع
الفناء، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَزُخْرُفًا
وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّ مَتَحُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا
وَالْآَخِرَةُ عِندَ رَيْكَ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [الزخرف:
٣٥].
وفيما سبق، دلالة واضحة؛ وهي أن
النفس البشرية تنجذب لكل ما هو مزخرف
سواء كان ماديًا أم معنويًا، وتغتر به، فيشغلها
اللمعان والتزويق عن حقيقة الشيء
المزخرف حتی وإن کان سریع الزوال، أو
قبيحًا في الباطن، فالواجب على المؤمن ألا
ينخدع بکل ما له بريق ولمعان، فلربما كانت
شركا من أشراك إبليس.
دلالة مصطلح الزينة:
تقول لنا، معاجم اللغة العربية: إن
الزاء والياء والنون أصل صحيح يدل على
حسن الشيء وتحسينه (١)، والزين الصبيح
الجميل، وضده الشين أي: القبيح(٢)،
وحقيقة الزينة أنها زيادة محببة تعلق بظاهر
الشيء ناشئة عما یزخر به باطنه، ومن ذلك
الأصل جاء المعنى الشائع للتزين؛ وهو
التحلي بحلية مجتلبة تقليدًا لما هو ناشئ
من البدن كالتجمل بالأصباغ ونحوها،
كقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
لِبُعُولَتِهِنَ﴾ [النور: ٣١](٣).
وورد ذكر الزينة في القرآن الكريم خمسًا
وأربعين مرة، ويظهر من استقراء الآيات
أن الزينة نوعان: زينة داخلية كما في قوله
تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ.
فِ قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ٧].
وزينة خارجية كما في قوله تعالى:
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَيْهِ﴾ [القصص:
٧٩] (٤) .
والمدقق في الآيات التي وردت فيها
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤١/٣.
(٢) تهذيب اللغة، الأزهري ١٣/ ١٧٥.
(٣) المعجم الاشتقاقي، محمد حسن ص ٩٢٣.
(٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٨٨.
٢٠٢
جوبيع
القرآن الكريمِ

اللهی
مصطلح التزيين، يلاحظ تعدد الحالات بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى
التي وردت فيها صور التزيين، وهي على رَبِهِم تَّرْجِعُهُمْ فَيُكَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
١٠٨
النحو الآتي:
١. إن التزيين نسب للشيطان.
وذلك حين يتسلط على الكفار
والضالين، فيحسن لهم كل ما يؤدي إلى
الحرام، ویستر لهم قبح أعمالهم، فيواصلون
غیهم، ویصدون عن سبيل الله القويم، وقد
ورد ذلك، في عدة مواضع منها: قوله تعالی:
﴿ نَِّ لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النحل: ٦٣].
وقد قال تعالى في شأن قوم بلقيس،
لما عبدوا الشمس من دون الله:
﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ
اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ
﴾ [النمل: ٢٤]
السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ )
﴿وَعَادًا وَثَمُودَا وَقَد تَبَّيَّنَ لَكُم مِّن
مَّسَكِنْهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ
أَعْمَلَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُواْ
مُسْتَبْصِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
٢. إن الله تعالى نسب التزيين إلى نفسه.
ويأتي هذا التزيين على ضربين:
الأول: يتعلق بأعمال الإنسان وكسبه،
وقد ورد ذلك في عدة مواضع من القرآن
الكريم؛ منها قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ
الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًّا
[الأنعام: ١٠٨].
وقوله أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
زَيَّنَا لَمْ أَعْمَلَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [النمل: ٤]
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ
وَزَّيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ [الحجرات: ٧].
والمقصود بالتزيين في الآيتين الأوليين:
أن الله تعالى خلق في النفوس البشرية من
المحبة للخير أو الشر والاتباع لطرقه (١).
((والبشر يستحسنون ما يجرون عليه
ويتعودونه مما كان عليه آباؤهم أو مما
استحدثوه بأنفسهم، فسبب التزيين في
الأول أنسهم به کونه من شئون أمتهم، التي
يعد مدحها مدحًا لها ولهم، وذمها عارًا
علیها وعلیهم، وزد على ذلك في الثاني ما
يعطيه العلم من كون ذلك حقًا وخيرًا في
نفسه يترتب عليه فضلهم على غيرهم فيه
وفي الجزاء عليه، فيظهر بذلك أن التزيين أثرٌ
لأعمال اختيارية لا جبر فيها ولا إكراه»(٢).
وتزيين الله تعالى للإيمان في الآية
الثالثة، يقصد به توفيقه لعباده المؤمنين
لقبولهم الحق بما أودعه في قلوبهم من
محبة القلب وإيثاره، وما رافق الحق من
حجج قاطعة تدل عليه، فيستقيم في القلب
(١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٦١٢، روح
المعاني، الألوسي ٣٢٨/٤.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٧ /٥٥٧.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف اللام
راسخًا لا يتزحزح (١).
الآخر: يتعلق بخلق الله تعالى، وبدیع
صنعه، والمتتبع لهذه الآيات يلحظ أن
التزيين خصت به السماء في معظم الآيات،
وهي على النحو الآتي:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السَّمَاءِ بُرُوجًا
وَزَيَّتَهَا لِلنَّظِرِينَ ﴾ [الحجر: ١٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِينَةٍ
الكَوَاكِبِ ﴾ [الصافات: ٦].
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَآِ
فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّنَهَا وَمَا لَمَا مِن فُرُوجِ
(٦°﴾[ق: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَا السَّمَلَةُ الدَُّا
بِمَصَبِيحَ وَجَعَلْتَهَا رُجُومًا لِلشَّيَطِينِّ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ
عَذَابَ السَّعِيرِ ن﴾[الملك: ٥].
ويبدو أن سبب التركيز على عرض زينة
السماء، يعود إلى كون البروج العظيمة
الدائرة فیها، لا تغیب عن ناظر أحد، فجعلت
أشكالًا تقع موقع الحسن في الأنظار؛
للدلالة على عظيم قدرة الله، وبديع
صنعه، وانفراده بالخلق، ولو صدق الكفار
في دعواهم المستمرة بطلب المعجزات
من أجل الإيمان، لكفتهم هذه المعجزة
السماوية في تحقيق مطلبهم(٢).
٣. ذكر التزيين غير مسمى إلى فاعله.
(١) انظر: تفسير السمر قندي ٣٢٥/٣.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/١٤.
جوببيو
القرآن الكريمِ
وقد ورد هذا، في تسعة مواضع؛
اختصت ثمانية منها للحديث عن تزيين
الأعمال للكفار أو المنافقين، واختلفت
أقوال المفسرين في إسناد فعل التزيين على
عدة أوجه؛ فمنهم من قال: إن فعل التزيين
منسوب إلى الله تعالى. وقال آخرون: إن
إسناد الفعل للشيطان. في حين ذهب آخرون
إلى أن المزین هم الرؤساء للمرؤوسين(٣).
المقصود الإلهي من تزيين الدنيا
وزخرفتها:
قبل الحديث عن الحكمة الإلهية من
تزيين الدنيا وزخرفتها، لا بد من تقرير قاعدة
مهمة، وهي أن أصل الزينة في الحياة الدنيا
أمرٌ ليس بمذمومٍ في نفسه وذاته إذا روعي
فيه ما أوصى الَّله برعيه، دليل ذلك من
المنقول، قول الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ
اللَّهِ أَلَِّىّ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَأَلَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
[الأعراف: ٣٢].
أما دلیلہ من المعقول، فإن الناظر یری،
أن الله تعالی أودع في جنس البشر حبًا
للعلم والمعرفة، وميلًا للشهوات الحسية
والعقلية، والزينة الصورية والمعنوية،
فانطلقوا تلبية لذلك نحو استكشاف كل
مجهول يواجهونه في حياتهم، ((فكانت
غريزة حب الزينة وغريزة حب الطيبات من
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ١٢٩/١، مفاتيح
الغيب، الرازي ١٩ / ٤٥.
٢٠٤

اللهی
الرزق سببًا لتوسع البشر في أعمال الفلاحة تعداد هذه الحكم أثناء تفسيرهما هذه الآية،
نجملها فيما يأتي (٢):
والزراعة وما يرقيها من فنون الصناعة وسائر
وسائل العمران، وإظهار عجائب علم
الله وحكمته وقدرته في العالم ورحمته
وإحسانه بالخلق»(١)، فكانت بذلك سببًا من
أسباب التقدم والرقي؛ لذا فهي غير مذمومة
في ذاتها، إنما تقترن بها أشياء تذم لأجلها؛
كالإسراف فيها، بحيث تشغل عن عبادة الله
تعالى، أو عن معالي الأمور، وإضاعة الوقت
الطويل في التلذذ بها، وسلوك سبل غير
قويمة للحصول عليها، واستعمالها وسيلة
للصد عن طاعة الله وعبادته.
والأدلة على ذلك كثيرة منها: قوله تعالى:
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَأَّهُ زِينَةٌ وَأَوْلًا فِى الْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ
عَن سَبِيلِكَ ﴾ [يونس: ٨٨].
وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،فِ زِينَتِهِ.
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا
مِثْلَمَا أُوتِى قَرُونُ إِنَّهُ، لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾
[القصص: ٧٩].
أما عن تزيين الدنيا، وما عليها من
موجودات، فله حكم إلهية عديدة، جاءت
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ
زِينَةً لَّا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف:
٧].
وقد فصل رشيد رضا، وابن عاشور، في
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٦/٨.
* إن الإخبار عن خلق ما على الأرض
زينة، يجمع الامتنان على الناس،
والتذكير ببديع صنع الله تعالى، إذ
وضع هذا العالم على أتقن مثال ملائم
لما تحبه النفوس من الزخرف والزينة.
إن التأمل في زينة الدنيا، يحث العقول
على النظر في وجود منشئ هذه
الموجودات، ومقياس مدى الإيمان
الداخلي الدافع لشكر الخالق سبحانه
وتعالى، فيظهر حينئذ الجاحد لنفسه،
والظالم لها، والمقتصد بالخيرات
والسابق فيها.
امتحان الإنسان واختباره في كيفية
استقباله لهذه الزينة وتعامله معها في
الواقع، فإن الابتلاء والاختبار يقع بکل
من حصولهما والحرمان منهما، وإن
المالك لهما أقدر على شكر الله وتزكية
نفسه ونفع غيره من الفاقد لهما(٣).
خطورة الانجرار وراء الدنيا:
حب الدنيا والغرور بزينتها، يصرفان
جمیع قوی النفس إلى التفاني في طلبها،
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٣٤٦/٨، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٢٥٧/١٥.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٤٢٦/٢١،
تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٤٧/٨.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف اللامر
والسعي في تحصيل متعها، وبذلك تنصرف ثانيًا: المال والبنون.
عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته،
وتعمى عن سبيل الله وصراطه، فشهوة
الزعامة تصرف صاحبها إلى المسارعة
في حب الظهور، والامتياز، والشهرة،
والاستعلاء على أقرانه، وشهوة المال
تصرف صاحبها إلى تخطي كل الحدود
لتكديس المزيد من الأموال في خزائنه،
وهكذا في شأن كل متع الدنيا وزخرفها.
لذا جاءت آيات عديدة تحذر من الاغترار
بالدنيا، والتنبيه على سرعة انقضائها، وزوال
نعيمها وملذاتها، وقد استعمل القرآن في
سبيل ذلك، منبهات توقظ القلوب، فمن
ذلك استعمال مصطلح ((متاع» ثلاث عشرة
مرة، في وصف الدنيا تنبيهًا أن لكل إنسان
في الدنيا تمتعًا لمدة معلومة،(١) كما في قوله
تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ
(٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
وها هو ذا، رشيد رضا يقول في تفسيره
لهذه الآية: ((وهي على كل حالٍ متاع الغرور؛
لأن صاحبها دائمًا مغرورٌ مخدوعٌ لها تشغله
كل حينٍ بجلب لذاتها ودفع آلامها، فهو
يتعب لما لا يستحق التعب، ويشقى لتوهم
السعادة، ويتعب نقدًا ليستريح نسيئةً))(٢).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٥٩٥، المعجم الاشتقاقي، محمد حسن
ص٢٢٥.
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٤/ ٢٢٣.
محبوبات النفس البشرية:
يعد المال والبنون، من أخطر الأشياء
على النفس البشرية، وأشدها تأثيرًا على
سلوك الإنسان، وتصرفاته، ((وجعل القرآن
الكريم نفس ((الأموال والأولاد)» فتنة لكثرة
حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما مبالغةً
في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ
عنها، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس
الفتنة)»(٣).
فقال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمَّوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
و[الأنفال: ٢٨].
٢٨
وقال أيضًا ﴿إِنَّمَا أَمْوَ لُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ
وَاَللَّهُ عِندَهُوَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [التغابن: ١٥].
كما عدهما القرآن الكريم، من أكثر
المحبوبات إلى النفس البشرية، فقال تعالى:
﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا ﴾ [الكهف:
٤٦].
وإنما ذكرهما دون غيرهما من الزينة؛
لأنهما الجالب لها، والحافظ عليها، ففي
المال جمالٌ ونفعٌ، وفي البنين قوةٌ ودفعٌ (٤)،
وقد بين مدى تغلغل حب المال في قلب
الإنسان، فقال تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبَّاً
جَـ
﴾ [الفجر: ٢٠].
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٥/٩.
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤١٣/١٠.
٢٠٦
جوبيبو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

اللهی
وقال تعالى: ﴿وَءَاتَ الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ، ذَوِى
اَلْقُرْفَ وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ
وَالسَّآيِلِينَ وَفِي الْرِقَابِ ﴾ [البقرة: ١٧٧].
لذلك فإن المال يستعمل كوسيلة إغراء،
تستمال من خلالها القلوب، وتروض
الأفكار، فتتطوع الأجساد، وتخضع
الإرادات، وهذا ما فعلته ملكة سبأ حين
أرسلت وفدًا إلى نبي الله سليمان ؛ وفدًا
محملًا بالهدايا لاختباره، فإن كان ملكًا
قبلها، وعرفت أن علاجه في بعض الخراج،
والأموال تساق إليه كل عام، وإن كان نبيًا
فلن يقبل منها شيئًا حتى تدخل هي وقومها
في دينه (١) فقالت: ﴿وَإِنِّ مُرْسِلَةُ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةِ
فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (﴾ [النمل: ٣٥].
والإمداد بالمال ليس دائما علامة رضا
من الله تعالى، فالله يعطي الدنيا لمن يحب
ولمن لا يحب، وقد يوسع الله على العاصي
ويضيق على الطائع، فإذا اقترن الإمداد
بحال الغفلة والعصيان، كان ذلك دلالة على
الاستدراج إلى المعاصي، واستجرار إلى
زيادة الإثم (٢).
قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُم بِهِمِن
مَّالٍ وَبَنِينَ ) تَُارِعُ لَّمْ فِ اَلْخَيْرَتِّ بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ
* [المؤمنون: ٥٥-٥٦].
فها هو ذا، قتادة يقول: ((مكر والله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤٥٥.
(٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٧/ ٥٦٧.
بالقوم في أموالهم وأولادهم، فلا تعتبروا
الناس بأموالهم وأولادهم، ولكن اعتبروهم
بالإيمان والعمل الصالح)»(٣)
تقديم المال على الأولاد:
ورد ذكر المال والأولاد في القرآن
الكريم على صور مختلفة؛ فجاء ذكر المال
مفردًا في ستة وأربعين موضعًا، واقترن مع
ذكر الأولاد في ستة وعشرين موضعًا، أما
الاقتران بالأنفس، فجاء في خمسة عشر
موضعًا، وانفرد بموضع واحد مقترنًا بالأهل
والديار لكل منهما على حدة.
وبالتدقيق في المواضع القرآنية المشتملة
على ذكر المال والأولاد تلاحظ الأمور
الآتية:
١. التركيز على التنبيه على خطورة
الافتتان بالمال والأولاد، وتأثيراته على
سلوكيات الإنسان، وتصرفاته، كما
جاء في قوله تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا
أَمَّوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال:
٢٨]. وكانت هذه الآية قد نزلت في
حق أبي لبابة رضي الله عنه حين
مال إلى اطلاع بني قريظة على حكم
سعد؛ لأن ماله وولده کانت فیھم(٤)؛
بل إن الافتتان بالمال والأولاد، يدفع
الإنسان ليعتقد أن الله راض عنه،
(٣) الدر المنثور، السيوطي ٦/ ١٠٤.
(٤) الوجيز، الواحدي ١/ ٤٣٧.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف اللامر
وليس بمعذبه، فيطغى ويتجبر، كما
جاء على لسان الكفار، في قوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا وَمَا
نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥]. وقوله تعالى
على لسان صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ
لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَحِبِهِ، وَهُوَ يُحَاوِرُهُ، أَنَاْ أَكْثَرُ
مِنْكَ مَا لَّا وَأَعَزُّنَفَرًا ﴾ [الكهف: ٣٤].
٢. تقدم ذكر المال على الولد في جميع
المواضع، باستثناء موضعين اثنين،
هما؛ قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ
الشَّهَوَاتِ مِنَ النِسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ
الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾
[آل عمران: ١٤]. وقوله تعالى: ﴿قُلّ
إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ
وَأَزْوَجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَرَفْتُمُوهَا
وَعْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا﴾ [التوبة: ٢٤].
ويظهر لنا، أن الحكمة من التقديم
والتأخير بين الأموال والأولاد، هو
السياق الذي وردت فيه الآيات؛ فإذا
كان السياق في معرض ذكر الفتنة،
والإغراء، والزينة، والإعجاب- قدم
المال. في حين إذا كان السياق في
معرض ذكر المحبوبات إلى القلب،
قدم الولد على المال، وهذه بعض
التفسيرات التي تبين سبب التقديم
والتأخير:
قدم الأموال من باب السبب، فإنه إنما
شرع النكاح عند قدرته على مؤونته،
فهو سببٌّ. والتزويج سببٌّ للتناسل،
ولأن المال سببٌّ للتنعيم بالولد وفقده
سببٌ لشقائه(١).
الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة، وليست
٥
الأولاد في استلزام الفتنة مثلها (٢).
إن إعجاب الناس يسبق إلى المال قبل
الإعجاب بالولد.
إن المال فيه صفة الزينة، والإمداد لكلٍ
من الآباء والأبناء في جميع الأوقات،
أما البنون فزینتهم وإمدادهم إنما يكون
بالنسبة إلى من بلغ مبلغ الأبوة، ثم إن
المال أقدم وجودا من البنين، والمال
مناطٌ لبقاء النفس، والبنين لبقاء النوع،
ولأن الحاجة إليه أمس من الحاجة
إليهم(٣).
أما عن تقديم البنين على المال،
في الموضعين (آل عمران والتوبة)
فیرجع ذلك، إلى أن شهوة حب الولد
الجبلية، أقوى في القلب من شهوة
المال، فالمال يبذل في سبيل تحصيل
الزواج المسبب للولد، فكان التقديم
ترتيب للمحبوبات (٤). قلت: ومما
يقوي هذا، أن كثيرًا من الناس، ممن
(١) البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٢٤٨/٣.
(٢) المصدر السابق ٢٦١/٣.
(٣) إرشاد العقل السليم، السعود ٢٢٥/٥.
(٤) المصدر السابق ٢٦١/٣.
٢٠٨
القرآن الكريمِ

اللهی
حرم الولد يبذل الغالي والنفيس في
سبيل الإنجاب.
حب المال مدعاة لارتكاب
المحرمات وتربية الخصال السيئة في
القلب:
إن بريق الأموال وزينتها الأخاذة، تدفع
النفس البشرية إلى السعي للحصول عليها،
حتى لو اضطر بعض الناس إلى تخطي
كثير من الحدود والمحرمات، وحب جمع
المال يربي في النفس الكثير من الخصال
السيئة ذات التأثير الخطير على شخصية
محب المال والمجتمع من حوله، وقد
ذكرت الآيات القرآنية صورًا عديدة لتلك
المحرمات، والخصال السيئة، وهي على
النحو الآتي:
١. الاعتداء على أموال الضعفاء؛ كالأيتام،
والنساء.
فجاء الأمر الإلهي بإرجاع الحقوق
إلى أصحابها كاملة، من غير نقصان، ولا
استبدال، فقال تعالى: ﴿وَمَا تُوْ اَلْيَشَ أَمْوَهُمْ وَلَا
تَتَّبَدَّلُواْ لَلْفِيْثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢].
﴿وَءَاتُواْ أَلِسَآءُ صَدُقَتِنَّ
وقال أيضا:
﴾ [النساء: ٤].
ونهى عن استخدام أساليب تكره المرأة
على التنازل عن مالها أو جزء منه فقال
تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا
ءَاتَيْتُمُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٩].
وجاءالوعيد الإلهي شديدًا، و قاسيًا، لکل
من تعدى على مال اليتيم ظلمًا، فقال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ أَلْيَتَمَى ظُلْمًا
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ
سَجِيرًا﴾ [النساء: ١٠].
٢. أكل حقوق الآخرين في الخصومات،
ودفع الرشوة إلى الحكام للتغلب بأكل
هذه الأموال(١).
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ اَلنَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
٣. الصد عن سبيل الله.
لأن لذة جمع المال تطغى على العقل،
حتى إنها تدفع صاحبها لمحاربة كل القيم
والأخلاق الحميدة التي تقف حائلاً دون
جمع المال الموصل إلى السيادة، والزعامة،
واستمراريتها، وهذا ديدن الكافرين
والظالمين في كل زمان، كما أخبر الله
تعالى، عن ذلك في أكثر من موضع في
القرآن الكريم، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[الأنفال: ٣٦].
وقال على لسان موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى
رَبَّنَا إِنَّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً وَأَقْوَلًا
فِ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا
(١) التحرير والتنوير ٢/ ١٩١.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف اللام
أَلْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُواْ
حَتَّى يَرَوْ الْعَذَابَ الْأَلِيمٌ﴾ [يونس: ٨٨].
وكما يستعمل المال للصد عن سبيل
الله، كذلك، فإن الأولاد يستعملون لإرهاب
الناس، وتخويفهم من اتباع الحق، وقد بین
هذا المنهج نبي الله نوح ؛ في شكواه إلى
الله (١)، فقال: ﴿قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَتَّبَعُواْ
مَنْ لَوْيَزِدَهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُمْإِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح: ٢١].
٤. التلاعب بالأحكام الشرعية بتحليل
الحرام، وتحريم الحلال، وكتمان
الحق؛ تلبية لرغبة أصحاب الأهواء،
والشهوات، مقابل الحصول على
مكافآت مالية.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ
أَنزَلَ اَللَّهُ مِنَ الْكِتَبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ، ثّناً
قَلِيلًا أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِ بُعُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ﴾
[البقرة: ١٧٤].
٥. التكبر على خلق الله، والتعالي عليهم.
المصحوب بخلق الغرور والعجب بما
جمع من الأموال مع نسيان المنعم، وجحود
نعمته، كل ذلك يفضي إلى طغيان يغمر
النفسية البشرية، ويتخلل في كل أجزائها،
كما قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ ) أَنْ
﴾ [العلق: ٦ - ٧].
رَءَاهُ أَسْتَغْقَ ( ٧
وقد ضرب القرآن الكريم لذلك مثلين:
الأول: في قوله تعالى عن صاحب
(١) انظر: المصدر السابق ٢٩/ ٢٠٧.
وَكَانَ لَهُ, ثَمَرٌّ فَقَالَ لِصَحِبِ، وَهُوَ
الجنتین:
يُحَاوِرُهُ أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾
[الكهف: ٣٤].
والآخر: قارون صاحب خزائن المال
الذي جحد نعمة الله عليه، فقال: ﴿قَالَ إِنَّمَا
أُوِلِتُّهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىّ﴾ [القصص: ٧٨]؛ وخرج
خرجة، مليئة بالزهو والصلف، كما قال
﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِىِ زِينَيْهِ﴾
تعالی:
[القصص: ٧٩].
٦. الركون للدنيا والخلود إليها.
قال تعالى: ﴿الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ: (
يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ: أَخْلَدَهُ﴾ [الهمزة: ٢-٣].
ذلك أن جمع المال يورث في الإنسان
طول الأماني، فيعمل على تشييد البنيان،
وغرس الأشجار، وجري الأنهار، ونحو
ذلك عمل من یظن أن ماله أبقاه حیا، ویمکن
أن يحمل المعنى على الحقيقة، فمن أشرب
قلبه حب المال وجمعه، أصيب بفرط
الغرور، واشتغل بالجمع والتكاثر عما أمامه
من قوارع الآخرة (٢).
خطورة إغراق القلب بحب المال:
حذر الله تعالى عباده المؤمنين من
التلبس بما تلبست الأقوام السابقة من
الانصراف إلى تكثير الأموال والأولاد،
فينشغلوا عن مصيرهم وآخرتهم،(٣) فقال
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٤٦١/٥.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١٠
جوُو ◌َرَ النَّفَ
القرآن الكريمِ