النص المفهرس
صفحات 21-40
لوط عليه السلام
هذا الموقف العصيب ؟ ماذا يفعل ؟ ومنطق
الحق وحلاوة الإيمان لم تجد الطريق إلى من الليل وهو آخره ﴿وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ
تلك القلوب القاسية والعقول المتحجرة
والنفوس الداعية للرذيلة ؟ كيف يحمي
ضيفه من ذلك الهجوم الغاشم ؟ كيف
یحفظ کرامتهم ؟ ویحمیھم من قومه الذين
عدموا المروءة والكرامة وانغمسوا في
أوحال الشذوذ والانحلال ؟
أين يلقى القوة التي تردهم والمنعة التي
تصدهم ! وهم وراء الباب يتزاحمون عليه
ويرومون فتحه بالدفع أو بالكسر ؟
ولم يكن عليه السلام يعلم أن هؤلاء
الضيوف الذين يذود عنهم بشتى الطرق هم
الذين جاءوا ليدافعوا عنه وینزلوا بقومه أشد
صنوف العذاب والنكال !
لقد استفرغ لوط عليه السلام ما في وسعه
وبذل أقصى جهده في دفع قومه، وصرفهم
عن هدفهم الخبيث، ولم يعد في وسعه عليه
السلام إلا أن يعتذر لضیفه الکرام ویقول لهم
(﴿لَوَ أَنَّلِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِى إِلَى زُگْزِ شَدِيدٍ﴾.
وفى هذه اللحظة العصيبة تكشف
الملائكة عن حقيقتها ومهمتها، قال الإمام
القُشيري: «لما ضاق به الأمر كشف الله عنه
الضر، فعرف إليه الملائكة)»(١).
﴿قَالُواْ يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُوَّأْ
إِلَيْكَ﴾ بَشَّروه عليه السلام وطمأنوه .
(١) لطائف الإشارات، القشيري ١٤٩/٣.
﴿فَأَسْرٍ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِنَ آَلَيْلِ﴾ أي بجزء
أَحَدَّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ﴾ لا يلتفت أحد منكم حتى
يرى العذاب المروع الذي ينزل بالمكذبين،
وقيل: حتى لا يتعلق قلبه بتلك البلدة، وربما
حدثته نفسه بالرجوع إليها والبقاء فيها فيهلك
مع الهالكين، وقيل: ليسرعوا في السير؛ لأن
من يكثر الالتفات لا يسرع في سيره .
وقال تعالى في سورة الحجر ﴿فَأَشرٍ
بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ مِّنَ الَّيْلِ وَأَشَبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ
أمره
مِنْكُ أَحَدٌ وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَّرُونَ ﴾
عليه السلام بأن يسير خلفهم، وأن يمضوا
جميعاً في الطريق الذي أمروا بالسير فيه
وبذلك أخبرت الملائكة لوطا بزمان السير
ومكانه وكيفيته ومن يسير معه، وعاقبة
المكذبين من قومه وعاقبة امرأته التي تهلك
كما يهلك جميع المكذبينٍ ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا
مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ
بِقَرِيبٍ﴾.
وفى الحديث الشريف يقول صلى الله
علیه وسلم (ویرحم الله لوطا لقد كان يأوي
إلى ركن شديد)(٢).
والآية تفيد أنه تمنى وجود القوة والمنعة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء،
باب قوله تعالى: (ونبئهم عن ضيف إبراهيم)،
رقم ٣٣٧٢، ومسلم في صحيحه، كتاب
الإيمان، بابزيادة طمأنينة القلب بتظاهر
الأدلة، رقم ١٥١.
www. modoee.com
٢٥٩
حرف اللام
التي تمكنه من الدفاع عن الحق ومحاربة
الباطل والقضاء على الانحراف والذود عن
الأضياف .
أما الحديث فإنه يدل على أنه عليه
السلام کان یأوي إلی رکن شدید، وهذا
هو المناسب لحال الأنبياء - عليهم السلام
- الذين وصلوا إلى أعلى درجات المعرفة
و أسمى مقامات التوكل واليقين برب
العالمين، وطلبه عليه السلام للقوة والمنعة
لا یتنافی مع الأخذ بالأسباب؛ لأنه لا بد
للحق من قوة تحمیه.
يقول ابن حزم الظاهري في الفصل (ولا
جناح على لوط عليه السلام في طلب قوة
من الناس فقد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ
اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
اْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
[البقرة: ٢٥١].
الْعَلَمِينَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم
بِبَعْضِ لَّدِّمَتْ صَوَِّعُ وَبِيَعُ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ
يُذْكَرُ فِيهَا أَسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَتَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِزُ﴾
[الحج: ٤٠].
ولقد طلب رسول الله صلى الله عليه
وسلم المنعة من الأنصار حتى يبلغ كلام
ربه(١) .
(١) روى الإمام أحمد في مسنده ٣٢٢/٣، رقم
٣٢٩، من حديث جابر بن عبد الله في بيعة
العقبة الثانية، وفيه قال جابر قلنا يا رسول الله
وإنما أخبر صلى الله عليه وسلم أن لوطا
کان یأوي إلی رکن شدید، يعنى الملائكة
الكرام الذين أرسلهم الله تعالى لحمايته
ونصرته ولم يكن لوط عليه السلام يعلم
بذلك، ومن اعتقد أن لوطا كان يعتقد أنه
ليس له من الله ركن شديد فقد كفر ؛ إذ
نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا
أيضا ظن سخيف ؛ إذ من الممتنع أن يَظُنَّ
برب أراه المعجزات وهو دائب يدعو إليه
هذا الظن))(٢).
وقال الإمام النووي في شرحه على
صحيح مسلم: «وأما قول النبي صلى الله
عليه وسلم: (ويرحم الله لوطا، لقد كان
یأوي إلى ركن شديد) فالمراد بالركن
الشديد هو الله سبحانه وتعالى، فإنه أشد
الأرکان وأقواها وأمنعها ومعنی الحدیث -
والله أعلم - أن لوطا عليه السلام لما خاف
على أضيافه ولم يكن له عشيرة تمنعهم من
الظالمین ضاق ذرعه واشتد حزنه عليهم
فغلب ذلك عليه فقال في ذلك الحال: لو أن
لي بكم قوة في الدفع بنفسي، أو آوي أي:
إلى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد لوط عليه
على ما نبايعك ؟ قال على السمع والطاعة
في النشاط والكسل ..... وعلى أن تنصروني
إذا قدمت عليكم وتمنعوني مما تمنعون منه
أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ...
قال ابن كثير في السيرة النبوية ١٩٦/٢: هذا
إسناد جيد على شرط مسلم.
(٢) الفصل في الملل والنحل، ابن حزم ٤ / ٩.
٢٦٠
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
السلام إظهار العذر عند أضیافه، وأنه لو
استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله،
وأنه بذل ما في وسعه فى إكرامهم والمدافعة
عنهم ولم يكن ذلك إعراضا منه عليه السلام
عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لِما
ذكرناه من تطبيب قلوب الأضياف .
ويقال: إن قوم لوط لم يكن منهم أحد
يجتمع معه في نسب لأنهم من سدوم،
وهو من الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط
من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام
هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل
سدوم فقال: لو أن لي منعة وأقارب وعشيرة
لكنت أستنصر بهم عليكم ليدفعوا عن
ضیفانی»(١).
(١) شرح صحيح مسلم ٤٧٨/٦.
نجاة لوط وبناته وهلاك امرأته
كشفت الملائكة الكرام للوط عليه
السلام عن حقيقتهم ومهمتهم التي أرسلوا
من أجلها فقالوا للوط - عليه السلام كما
أخبر القرآن الكريم في سورة هود: ﴿قَالُواْ
يَلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَيِّكَ لَّنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَشْرٍ
بِأَهْلِكَ يِقِطْعِ مِّنَ الَيْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ
أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ
مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (٥)﴾.
قَالُواْ
وفى سورة الحجر يقول تعالى:
بَلْ جِتْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ﴾ وَأَيْنَكَ
بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
مِّنَ أَلَيْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌّ
وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ
ذَلِكَ اْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوْعٌ مُّصْبِحِينَ
بشروه علیه السلام بنجاته هو ومن آمن
به من أهل بيته وهلاك قومه الذين كذبوا به
وأعرضوا عنه، وخرج لوط عليه السلام في
جنح الظلام مع أهل بيته، وسار من ورائهم
حتى لا يتخلفَ منهم أحد فينالَه العذاب،
وسار الجميعُ في الطريق الذي أمروا بالسير
فيه، ولم يتلفت منهم أحدٌ إلا امرأة لوط التي
التفتت نحو القرية فأصابها ما أصاب قومها
من العذاب.
قال عز وجل: ﴿فَأَغَيِّنَهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا
www. modoee.com
٢٦١
حرف اللام
أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ ﴾ [الأعـ
٨٣].
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَُّوهُمْ أَجْمَعِينَ
إِلَّا أَمْرَأَنَهُ قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ
٦٠
[الحجر: ٥٨ - ٦٠].
﴿فَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُ: أَجْمَعِينَ (٣) إِلَّا عَجُوزًا فِى
اَلْغَيِينَ ﴾ [الشعراء: ١٧٠ - ١٧١].
أي: في الهالکین، لما کانت منهم نالت
مصیرهم الذي قدره الله تعالی لها.
وفي سورة الأنبياء في سياق الحديث عن
مِنَنِ الله على أنبيائه ورعايته لهم قال تعالى:
﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ
الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْخَبَتِتَّ إِنَّهُمْ كَانُواْ
وَأَدْخَلْتَهُ فِ رَحْمَتِنَّاً
قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ (
إِنَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧٤ - ٧٥].
عصمه الله تعالى بما آتاه من حِگمٍ وعلم
وثبته أمام هذا الابتلاء العظیم، ثم خلصه من
تلك القرية التي غلب عليها الخبث وطغى
عليها الفساق، وأدخله الله في رحمته لينال
جزاء صبره وثباته سعادةً وفلاحًا في الدنيا
وصلاح بال وقرة عين وعيش هنيءٍ .
قال الرازي: إنه عليه السلام لما آتاه الله
الحكم والعلم وتخلص عن جلساء السوء
فُتِحت عليه أبواب المكاشفات، وتجلت
له أنوار الإلهية وهي بحر لا ساحل له وهي
الرحمة في الحقيقة (١).
وقال البقاعي: ((﴿وَأَدْخَلْنَهُ ﴾ أي دونهم
بعظمتنا﴿ فِ رَحْمَتِّنَا﴾ أي في الأحوال
السنية، والأقوال العلية، والأفعال الزكية،
التي هي سبب الرحمة العظمى ومسببة عنها،
ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
أي: لما جلبناه عليه من الخير)) (٢).
وقال القشيري: ((أكمل له الأنعام بعصمته
من مثل ما امتحن به قومه، ثم بخلاصه منهم
بإخراجه إياه من بينهم، فميزه عنهم ظاهرا
وباطنا)) (٣).
وقال السعدي: ((﴿وَأَدْخَلْنَهُ فِ رَحْمَتِنَا﴾
التي من دخلها كان من الآمنين، من جميع
المخاوف، النائلين كل خير وسعادة وبر،
وسرور وثناء، وذلك لأنه من الصالحين،
الذين صلحت أعمالهم وزكت أحوالهم،
وأصلح الله فاسدهم، والصلاح هو السبب
لدخول العبد برحمة الله، كما أن الفساد
سبب لحرمانه الرحمة والخير، وأعظم
الناس صلاحا الأنبياء عليهم السلام (٤).
وفى سورة الذاريات يقول عز وجل:
﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَا وَحَدْنَا
فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ هو بيت لوط
عليه السلام، قال مجاهد: لوط وابنتاه،
(١) مفاتيح الغيب ٣١٥٤/١.
(٢) نظم الدرر ٩٩/٥.
(٣) لطائف الإشارات ٢/ ٥١ ..
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٢٧.
٢٦٢
جوبه
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
وصفوا بالإيمان والإسلام لتصديقهم
الباطني والتزامهم وانقيادهم الظاهري،
فجمع الله تعالى لهم بين الإيمان والإسلام،
وعلى هذا فإنه لم يؤمن بلوط عليه السلام
سوى بناته وقد نجاهن الله مع أبيهن نبي الله
عليه السلام.
صنوف العذاب التي حلت بقوم لوط
تحدث القرآن الكريم حديثا مفصلا عن
صنوف العذاب التي حلت بقوم لوط عليه
السلام، فلقد طَمِسَتْ أعينهم حين راودوا
لوطا عليه السلام عن ضيفه، وقَلبت قراهم
فجعل عاليها سافلها، وأمطروا بحجارة من
سجيل منضود، وأخذتهم الصيحة فهلكوا
جمیعًا.
يقول المولى عز وجل في سورة القمر:
﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُّنَهُمْ فَذُوقُواْ
عَذَابِ وَنُذُرٍ ﴿ وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بَكْرَةً عَذَابٌ
[القمر:
٣٩
تُسْتَفِرٌّ ٥ ◌َفَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرِ
٣٧ - ٣٩].
قال القرطبي في تفسيره: ((قال ابن عباس
وأهل التفسير: أغلق لوط بابه والملائكة معه
في الدار وهو یناظر قومه ویناشدهم من وراء
الباب وهم يعالجون تسور الجدران، أو كسر
الباب أو دفعه بالقوة، فلما رأت الملائكة ما
لقي من الجهد والكرب والنصب بسببهم
قالوا: يا لوط إن ركنك لشدید، وإنهم آتيهم
عذاب غير مردود، وإنا رسل ربك، فافتح
الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب فضربهم
جبريل بجناحه وقيل: أخذ جبريل قبضة من
تراب فأذراها في وجوههم»(١).
قلبت قراهم فصار عاليها سافلها كما قال
(١) الجامع لأحكام القرآن ٨،٧٨/٩. بتصرف.
www. modoee.com
٢٦٣
حرف اللام
عز وجل: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا
سَافِلَهَا﴾ [هود: ٨١].
قال الحافظ ابن حجر: ((أهلكهم الله
عز وجل على يد جبريل فقلب مدائنهم
بعد أن خرج عنهم لوط بأهل بيته إلا امرأته
فإنها تأخرت مع قومها، أو خرجت مع لوط
فأدركها العذاب فقلب جبريل المدائن
بطرف جناحه، فصار عاليها سافلها، وصار
مكانها بحيرة منتنة لا يُنتفع بمائها ولا بشيء جميعا كرسول واحد يمثل حقيقة واحدة .
مما حولها)) (١).
ويقول عز وجل: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى
٥٣
فَفَشَّنَهَا مَا غَشَّى فَأَيِّءَالَاءِ رَبِّكَ
نَتَمَارَى هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولَّ
[النجم : ٥٣-٥٤].
والمؤتفكة هي: قرى قوم لوط، سدوم
وما حولها: وسميت بالمؤتفكة؛ لأنها
انقلبت رأسا على عقب، والإفك هو صرف
الشيء عن وجهه، ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى﴾: قیل
دفعها جبريل بيده بعد أن اقتلعها ثم أهواها
إلى الأرض: أي أسقطها ﴿فَضَشَّنَهَا مَا غَتَّى﴾
من عذاب مهين أليم.
﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ.
وقال تعالى:
وَالْمُؤْتَفِكَتُ بِالْخَاطِئَةِ ن فَعَصَوْ رَسُولَ رَبِهِمْ
فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةَ رَِّيَّةً ﴾ [الحاقة: ٩ - ١٠].
﴿وَالْمُؤْتَّفِكَتُ﴾ أي: قرى قوم لوط
﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾ أي بالخطايا الشنيعة، ﴿فَعَصَوْاْ
رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةٌ رََِّةً﴾ أخذة شديدة
زائدة في الشدة كما زادت قبائحهم في
القبح، يقال: ربا الشيء يربو: إذا ازداد ومن
بدائع اللطائف القرآنية قوله تعالى ﴿فَعَصَوْاْ
رَسُولَ رِّمْ﴾ فھُم قدعصوا رسلا کثیرا، ولکن
لما كانت دعوة الرسل واحدة ومصدرهم
واحد وهو الوحي وغايتهم واحدة كانوا
ويقول المولى عز وجل عن عذاب
قوم لوط: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ بَيْنَةٌ لِّقَوْمٍ
٣٤
يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٣٤-٣٥].
والرجز هو العذاب من قولهم: ارتجز
إذا اضطرب، وذلك لِما يلحق المعذب من
قلق واضطراب وجزع وهلع، وفى هذه الآية
إشارة إلى الحالة النفسية التي لازمت قوم
لوط حين عاينوا العذاب وحل بهم ؛ بسبب
ما كانوا عليه من الفسق، فالعذاب الذي
تهويل وتعظيم لما أصابها وعَمَّها وغمرها حاق بهم عذاب حسي ومعنوى.
ويقول تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا
عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن
مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَّ وَمَا
٨٢
سِجِيلٍ مَّنضُود {
هِىَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: ٨٢ -
٨٣].
والسجيل: الحجارة الصلبة، قال قتادة
(١) فتح البارى ٦/ ٤٧٨.
صَوَنُورَةُ النفسية
القرآن الكريم
٢٦٤
لوط عليه السلام
وعكرمة: السجيل: الطين بدليل قوله تعالى:
﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ فهو الطين
الذي جف وأصبح صلبا شديد الصلابة،
وقال الحسن: والسجيل عند العرب كل
شدید صلب (١) .
(والمنضود) هو المتواصل المتتابع
كطلقات المدافع، قد أعد لعذابهم،
والمسومة: هي مالها علامة مميزة، وقيل:
مكتوب على كل حجر اسم من يرمى به،
فهي مصوبةٌ موجهةٌ بدقةٍ متناهية.
ويقول سبحانه: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ
ءَالَ لُوطٍ نََّيْنَهُمْ بِسَحَرٍ ﴾ [القمر: ٣٤].
وقال القرطبي: ((أي: ريحا ترميهم
بالحصباء وهی الحصی )» (٢).
ويحتمل أن تكون الحصباء هي الحجارة
المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَزْنَا
عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ مَّنْصُورٍ﴾ وهذه
الحجارة قذفتها الملائكة وحملتها الرياح
حتی بلغت أهدافها، والرياح جند من جنود
الله عز وجل، ويحتمل أن تكون الحصباء
غیر الحجارة المشار إليها، وبهذا یکون قد
اجتمع على قوم لوط صنفان من العذاب:
إرسال الحصباء عليهم بواسطة الرياح التي
تثيرها وتحملها، وإمطار السماء عليهم
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٨١.
(٢) المصدر السابق ١٧ / ١٤٣.
وانظر: البحر المحيط، أبو حيان ١٨١/٨،
روح المعاني، الألوسي ٩/٢٧.
بحجارة من سجيل منضود سريعة متتابعة
مسومة لا تخطئ أهدافها .
ويقول عز وجل في سياق الحديث عن
عذابهم في سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ
مُشْرِقِينَ﴾ أي: وقت الشروق، وفي ذلك
مباغتةٌ لهم، بين المولى عز وجل صنفا آخر
من صنوف العذاب التي حقت بهم وهي
صيحة مدوية مزعجة كالرعد القاصف.
وخلاصة ما سبق ذكره: أن قوم لوط
عذبوا بأنواع شتى من العذاب طمست
أعينهم، وقلبت قراهم وأمطروا بحجارة
من سجيل منضود، كما أخذوا بالصيحة
المخيفة المرعبة التي تدوي في الآذان فيهتز
منها الكيان ويشيب من هولها الولدان.
قال الإمام ابن تيمية ((وعذب قوم لوط
بأنواع من العذاب لم يعذب بها أمة غيرهم،
فجمع لهم بين الهلاك والرجم بالحجارة
من السماء وطمس الأبصار وقلب الديار
بأن جعل عاليها سافلها)» (٣).
وقال الإمام ابن القيم ((جمع الله أنواع
العقوبات بين الإهلاك وقلب ديارهم
عليهم والخسف بهم ورجمهم بالحجارة
من السماء فنكل بهم نكالا لم ينكله بأمة
سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة
التي تكاد الأرض تميد من جوانبها حين
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٥/١٦.
www. modoee.com
٢٦٥
حرف اللام
تعمل عليها)»(١).
لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَّعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ
لقد صموا آذانهم وأعموا أبصارهم عن فِي نَادِيَكُمُ الْمُنْكَرِّ فَمَا كَانَ جَوَابَ
قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن
[العنكبوت:
كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (@)﴾
٢٩].
صوت الحق ونوره، واختلطت مفاهيمهم
وانقلبت موازينهم واستباحوا اللواط وهو
أشنع وأفحش من الزنا وأعظم منه جرما
وإثما، فعاقبهم الله بطمس أبصارهم التي
عمت عن نور الحق، وأخذتهم الصيحة
تدوي في آذانهم التي صمت عن الحق،
وقلبت قراهم فجعل عاليها سافلها ؛ فلقد
انقلبت موازينهم واختلطت مفاهيمهم،
فاقترفوا تلك الفاحشة وهی إتيانهم الرجال
من دون النساء، وفى هذا انقلاب في ميزان
الفطرة، واعتبروا الطهر والعفاف إثما وجرما
غَمَا
يستحق صاحبه العقاب والطرد
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ* إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ عَالَ
لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَنَطَهَّرُونَ ﴾
[النمل: ٥٦].
أما الشذوذ والانحراف فهو حق لهم
يجاهرون به ويتباهون بفعله ويطالبون به
كما يطالب الإنسان بحقه المشروع ﴿قَالُواْ
لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا
﴾ [هود: ٧٩].
﴿وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ
فَذُوقُواْعَذَابِ وَنُذُرٍ ﴾ [القمر: ٣٧].
واستعجلوا وقوع العذاب وكان واجبهم
طلب الهداية والنجاة، قال تعالى: ﴿أَيِنَّكُمْ
(١) الجواب الكافي، ابن القيم ص ٢٥١.
فکان حالهم في استعجال العذاب کحال
كفار قريش حين قالوا كما أخبر القرآن
الكريم ﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا
هُوَ الْحَقِّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ
السَّمَلِ أَوِ أَقْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال:
٣٢].
وكان الأولى بكفار قريش أن يقولوا
اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فاهدنا
إليه وحببنا فيه وثبتنا عليه .
ومن مظاهر انقلاب موازين قوم لوط
أنهم اعتبروا واجب الضيافة أمرا منكرا
يجب اجتنابه فقالوا للوط عليه السلام
﴿أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ﴾، هو ينهاهم
عن الفحشاء والمنكر وما فيها من إهانةٍ وهم
ينهونه عن البر والخير وإكرام الضيف .
لم يراعوا حق الضيافة ولا حرمة الضيف
بل هرعوا إلى بيت لوط وراودوه عن ضيفه،
وبسبب هذه الأفعال المنكرة التي تدل على
انقلاب موازينهم واختلاط المفاهيم عندهم
استحقوا العذاب الأليم المھین، حیث قلبت
قراهم فأصبح عاليها سافلها، ورجموا
بالحجارة وأخذوا بالصيحة، أصناف مختلفة
٢٦٦
جَوْسُورٌ
القرآن الكريمِ
لوط عليه السلام
من العذاب لتنوع جرائمهم وكثرة مفاسدهم بها وهي إهلاك قوم لوط، ونجاة لوط ومن
و ذنوبهم.
لقد حل بقوم لوط أشد وأنكى صنوف
العذاب بسبب كفرهم وفسقهم وفى ذلك
عبرة لمن يعتبر قال تعالى بعد أن ذكر ما
حل بقوم لوط من العذاب الشديد ﴿إِنَّ
فِي ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَّوَسِينَ (٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ
◌ُقِيمٍ (٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ
٧٧
[الحجر: ٧٥-٧٧].
آمن به من أهل بيته، وهلاك امرأته مع
الهالكين، وتحرج لوط من مجيء الملائكة
في صورة بشرية ؛ خوفا عليهم من قومه
وحين اشتد عليه الأمر أخبروه بحقيقتهم
ومهمتهم، حيث حل العذاب على أولئك
الفساق، وجعلهم الله عبرة واضحة وموعظة
بلیغة لکل عاقل .
وقال سبحانه: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمُرُّونَ عَلَيْهِم
تُصْبِحِينَ ﴿ وَبِأَلَيْلُّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
(١٣٨)
[الصافات: ١٣٧-١٣٨]. وقال عز وجل
﴿وَأَمْطَتْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ
مَّنْضُودٍ ﴿ مُسَوَّمَةٌ عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِىَ مِنَ
الَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ﴾ [هود: ٨٢-٨٣].
وفي سورة العنكبوت قال تعالی: ﴿إِنَّا
مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًّا مِنَ
السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿ وَلَقَد تَرَكْنَا
مِنْهَآءَايَةٌ بَيْنَةٌ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
٣٥
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْ سِلْنَا إِلَى قَوْرٍ مُّجْرِمِينَ
لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ) مُسَوَّمَةٌ عِندَ
(٣٢
رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿ فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(٥) فَ وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ * وَتَرَّكَا
فِيَهَآ ءَايَّةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٣٧
[الذاريات: ٣٢ - ٣٧].
بينت الآيات الكريمة مجيء الملائكة
لإبراهيم أولًا وإبلاغه بمهمتهم التي وكلوا
www. modoee.com
٢٦٧
حرف اللام
فوائد وعبر من قصة لوط عليه السلام
في قصة لوط عليه السلام كما وردت في
القرآن الكريم الكثير من الدروس المستفادة
نذكر منها ما يأتي:
١. جعل الله تعالى قوم لوط عبرة لمن
يعتبر، عبرة لكل مكذبٍ عبرة لكل
ظالم وفاسق، عبرة لكل مسرف عادٍ،
فهذا شعيب عليه السلام يحذر قومه
من مصير من سبقهم على طريق
الكفر والضلال فيقول كما أخبر
القرآن: ﴿وَيَقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَافِىَ
أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ
هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَلِحْ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُمْ
بِبَعِيدٍ (٥) [هود: ٨٩]. وقد ضرب
الله بهم المثل في أمم هالكة وقرون
غابرة قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
تُوجِ وَأَصْحَبُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢ ) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ
وَإِخْوَنُ لُوطٍ ، وَأَصْحَبُ اٌلْأَبْكَةِ وَقَوْمُ تَبَّحِ
كُلُّ كَذَّبَ الرُّسُلَ خَقَّ وَعِيدِ ﴾ [ق: ١٢ -
١٤]. وقال جل وعلا: ﴿ وَإِن يُكَذِّبُوكَ
فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ
وَقَوْمُ إَِّهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ
٤٢
مَدْيَنٌ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ
ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ @)
فَكَأَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَكْنَهَا وَهِىَ
ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةً عَلَى عُرُوشِهَا وَيٍْ
مُعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴿﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ
فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَمُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ
◌َذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِ الصُّدُورِ
[الحج: ٤٢ - ٤٦]. وقال تعالى:
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ، فَجَعَلْنَا
عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن
سِجِيلٍ ﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ لِلْمُنَّوَسِّمِينَ
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٦) إِنَّ فِ ذَلِكَ
٧٥
لَ يَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الحجر: ٧٣ -٧٧].
وقال جل وعلا: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَمُرُّونَ عَلَّهِم
وَبَلَّيْلِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ
١٣٧
مُصْبِحِينَ
وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ
١٣٩
[الصافات: ١٣٧-١٣٩].
٢. درسُ في التربية والدعوة: إعداد الله
تعالی لأنبيائه هؤلاء الأنبياء وهم أعلم
الخلق بربهم وأعظمهم خشية له وهم
المثل العليا في الأخلاق والآداب
والسلوك والتعامل: كيف تربوا ؟ وفي
أي مدارس تخرجوا ؟ إنها تربيةٌ خاصةٌ
وإعدادٌ رشيد، فالله تعالى يعده لهذه
المهمة الجليلة التي لا يقوم بها ولا
ينهض لها إلا رجالٌ من طراز خاصٍ.
فهذا لوطٌّ عليه السلام يتربى في كنف
عمه إبراهيم ويعاين تلك الآية الكبرى
كيف ألقي في النار فكانت له بردا
وسلامًا .
٢٦٨
◌َرُ النَّفِيَّة
جوبي
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
٣. التوحید هو أساس دعوة جميع الأنبياء،
ولقد استهل لوط عليه السلام دعوته
بعرض العقيدة الصحيحة الخالصة،
عقيدة التوحيد .
٤. العقيدة أولًا: بدأ بها لوط لأنها الأساس
الذي تقوم عليه المكارم والفضائل،
الأصل الذي تقوم عليه القيم والأخلاق.
بدأ بالعقيدة قبل أن ینکر على قومه ما
هم فيه من الفاحشة والمنكرات، وذلك
لأن الطريق إلى الإصلاح المنشود،
الإصلاح الاجتماعي، والاقتصادي،
والسياسي، لا بد أن يبدأ من إصلاح
العقيدة وإخلاص العبادة، فإذا صحت
العقيدة ورسخت في قلوب المؤمنين،
وخلصت العبادة لله رب العالمين كان
الطريق إلى الإصلاح والتغيير طريقا
سهلا ممهداً، وبدون العقيدة الصحيحة
لن تفلح أي محاولة للإصلاح أو
التغيير. فالعقيدة هي الحصن الحصين
والأساس المتين والنبراس المبين
للدعاة والمصلحين، وفي قول لوط
عليه السلام لقومه: ﴿إِنّ ◌َكُمْ رَسُولُ
أَمِينٌ ﴾ [الشعراء: ١٦٢] بيان لأهمية
الأمانة للدعاة، أمانة الكلمة، أمانة
النصيحة، أمانة التبليغ.
٥. تجرد الأنبياء وإخلاصهم في الدعوة إذ
لم يتقاضوا عليها أجرا من البشر، وإنما
الأجر كله من الله الذي بعثهم.
٦. ضرب لوط عليه السلام أروع الأمثلة
في الصبر والثبات على الحق، والحكمة
في الدعوة إلى الله عز وجل والثقة
بالله تعالى واليقين بوعده سبحانه
الذي لا يتخلف، كما ضرب عليه
السلام أروع الأمثلة في إكرام الضيف
ورعاية حقوقهم والترحيب بهم حتى
في أصعب الأحوال، فلقد استضافهم
علیه السلام رغم أن قومه نهوه عن
ضيافة الغرباء وحذروه من عاقبة ذلك،
وحین هرع قومه إلى بيته وراودوه عن
ضيفه نجده يدافع عن ضيفه، ويذود
عنهم بكل ما يملك حتى وصل به الأمر
إلى عرض بناته على قومه - ليتزوجوا
بهن - في مقابل عدم تعرضهم للضيف
الكرام وفى هذا درس هام في إكرام
الضيف، ولنا في أنبياء الله الأسوة
الحسنة والقدوة الطيبة .
٧. في موقف لوط عليه السلام من قومه
حین هرعوا إلى بيته وراودوه عن ضيفه،
وحاول بكل السبل منعهم، وصدهم
حتى ضاقت به السبل فالتفت إلى ضيفه
واعتذر لهم، ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِىِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ
ءَاوِىّ إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ في هذا الموقف
إشارة إلى أهمية القوة في نصرة الحق
وفي نشر الدعوة وفي مواجهة أهل
www. modoee.com
٢٦٩
حرف اللام
الباطل، فالحق لا بد له من قوة تحميه
. ولذلك كان الجهاد في سبيل الله
للقضاء على النظم الجاهلية التي تحول
دون وصول الحق وتكره الإنسان
على عبادة غير الله وتقف للمسلمين
بالمرصاد فلا بد إذا من الجهاد لإزالة
وإزاحة هذه النظم المتسلطة الجائرة،
حتى يكون الطريق ممهدا لدعوة الله،
لتجد طريقها إلى القلوب الصادقة
والنفوس المتشوقة والعقول المتعطشة
لدين الله، دين الحق والرشاد .
ولا بد من الجهاد لحماية المؤمنين
المستضعفين المضطهدين . قال
تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ
فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ
[الأنفال: ٣٩]. ولقد حثنا الإسلام
على إعداد القوة في مواجهة أعداء الله
الذین یصدون عن سبيله ويبغونها عوجا
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْمِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ
لَا نَعَلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال:
٦٠]. فالقوة في الإسلام وسيلة لا
غاية، وسيلة نبيلة إلى غاية سامية هي
إرهاب أعداء الله؛ لأنهم متى استهانوا
بالمؤمنين قهروهم . قال تعالى: ﴿إِن
يَتْقَفُوكُمْ يَكُونُواْ لَكُمْ أَهْدَاءَ وَيَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِتَنَهُم بِالسُّوْهِ وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ
[الممتحنة: ٢].
٨. ويستفاد من هذه القصة أن الكافر
یعاقب علی کفره ولا تنفعه قرابته من
أهل الإيمان في النسب أو المصاهرة،
كما أن المؤمن يثاب على إيمانه ولا
يضره قرابته من الكافرين في النسب أو
المصاهرة. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ
مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَفْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا
صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ
اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْ خُلَا النَّارَ مَعَ اللَّه ◌ِلِينَ
[التحريم: ١٠]. وامرأة لوط رغم
١٠
أنها أقرب الناس إليه وأعلمهم بأحواله
وأفعاله إلا أنها كذبت به وآثرت ما عليه
قومها من الكفر والضلال على ما جاء
به لوط عليه السلام من الإيمان والهدى
والفلاح والصلاح، فلم تنفعها قرابتها
له وقربها منه. قال تعالى: ﴿فَأَغَيِّنَهُ
وَأَهْلَهُ: إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ
[الأعراف: ٨٣]. وقال تعالى
(٨٣
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ
[الحجر: ٦٠]. نجا الله لوط عليه
بـ
السلام ومن آمن به من أهل بيته وأهلك
زوجته، تلك العجوز التي شبت على
الکفر وشابت علیه، وکان الأولی بها
٢٧٠
مَوَسُود
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
وقد أصابها الكبر فبدل قوتها ضعفا
وهوانا وشبابها شيبا، فكان بلوغها
الكبر: من أبلغ النذر، ومن أعظم
العبر. ومنطق الحق يقول: إن الإنسان
كلما كبر سنه كلما نضج عقله وصفا
ذهنه وجادت قريحته وزادت خبرته
وفراسته، ولكن امرأة لوط تلك العجوز
على النقيض من ذلك فهي ما زادتها
أحداث الليالي وتتابع الأعوام إلا غفلة
علی غفلة وضلالا علی ضلال.
٩. كما يعاقب الكافر علی جمیع جرائمه،
وفي مقدمتها الكفر وهو أكبر الذنوب،
فإنه يعاقب على سائر الذنوب كبيرها
وصغيرها. التناسب بين الجريمة
والعقاب ؛ فقوم لوط كانوا يحذفون
عابري السبيل بالحجارة فأيهم أصابه
استأثر به واعتدى عليه، وقد انقلبوا
وتمردوا على الفطرة السليمة والطبيعة
المستقيمة، فصار الشذوذ عندهم
معروفا ومألوفا وصارت الفاحشة
عندهم حقًا مشروعًا، وصار الطهر
والعفاف جريمةً يؤاخذ بها أصحابها،
فكان الجزاء من جنس العمل، قلب
الله قراهم فجعل عالیها سافلها، وأمطر
عليهم حجارة من جهنم، وسلط عليهم
الربح، ترجمهم بالحجارة، وأخذتهم
الصيحة وغير ذلك من ألوان العذاب
التي كثرت لكثرة جرائمهم.
١٠. وصف الله لوطا ومن آمن به من أهل
بيته بالشكر. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ
لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ
ءَالَ لُوطٍ لَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ ٦ نِعْمَةً مِنْ عِندِنَاً
كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ﴾ وقد يتساءل
البعض ويقول: أي شكرٍ وقد ابتلوا
بأرذل قومٍ، قوم لوطِ الذين جمعوا بين
الكفر والفسوق والعصيان والانحلال
والتبجح والدناءة وسائر ما يعد من
مساوئ الأخلاق ؟ لكن أقول: إن أمر
المؤمن كلهخير فهو بين الصبر والشكر،
يحمد الله تعالى على الضراء، كما
يحمده على السراء، يشكره تعالى في
زمان الفتن وأوقات المحن كما يشكره
في سائر الأوقات، يستنشق نسيم النعم
ويتذوق حلاوة الهداية ويعتز بالحق
ويستعصم بالعفاف والطهر، سيما إذا
رأى المجتمع من حوله يتردى في
ظلمات الكفر، أو يتمرغ في أوحال
الرذيلة، أو يكتوي بلهيب المعاصي،
ويتقلب على جمرها الحار، فيحمد
الله تعالى على أن هداه وعصمه وطهره
ونجاه من حمأة الرذيلة، فيشعر بجنة
الرضا وبرد اليقين وحلاوة الإيمان،
ولذة الطاعات، فهلاك الظالمين ونجاة
المتقين نعمة من الله تعالى تستوجب
www. modoee.com
٢٧١
حرف اللام
الشكر.
١١ - سنن الله تعالى ثابتة لا تتغير فهؤلاء قوم
لوط توعدوه بإخراجه من قريته؛ لأنه
کان ینکر علیھم عبٹهم ومجونهم وقد
جاءهم بالحق ولكنهم كانوا كارهين
له، ونبينا صلى الله عليه وسلم أخرجه
قومه؛ لأنه جاءهم بالتوحيد ومكارم
الأخلاق ونقض ما كان عليه أهل
الجاهلية من كفر وطغیان، وقد روت
عائشة رضي الله عنها في حدیث کیف
کان بدء الوحي ؟: (فقال له ورقة: یا
ابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله
صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقال
له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله
علی موسی، یا ليتني فيها جذعًا، ليتني
أكون حيًا إذ يخرجك قومك، فقال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (أو
مخرجي هم)، قال: نعم، لم يأت رجلٌ
قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن
يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا)(١).
١٢. ذم اللواط وعقوبة فاعله: اللواط من
أكبر الفواحش، ومن أفحش الكبائر،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم، رقم ٣، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم، ١٣٩/١،
رقم ٢٥٢.
وهو مرض خطير وشر مستطير وجرم
كبير، عاقبته وخيمة ونهايته مفزعة
مفجعة أليمة، وهو شذوذ وانحراف،
وفسوق وإسراف وضلال وانحلال،
ومذلة للرجال ؛ لأنه يقتل فيهم الرجولة
والمروءة والشهامة، ويصيروا بارتكابه
مخنثين معقدين أذلاء صاغرين، في
حالة قلق واضطراب . واللواط مفسدة
للنساء؛ إذ ينصرف الرجال عنهن، وقد
تلجأ المرأة إلى الزنا لإشباع رغبتها
وقد تلجأ إلى السحاق، كما روي أن
نساء قوم لوط فعلن ذلك حين انشغل
الرجال عنهن بالرجال، فعن حذيفة
رضي الله عنه قال: (إنما حق القول
على قوم لوط حين اشتغل الرجال
بالرجال والنساء بالنساء)(٢). واللواط
جناية على الفطرة السليمة ومفسدة
للشباب، حيث ينصرفون عن الزواج
الحلال وينغمسون في أوحال تلك
الفاحشة، كما يترتب على اللواط قلة
النسل بسبب الانصراف عن الزواج،
وبذلك تتقوض أركان الأسرة وينفرط
عقد المجتمع وتنهار الحضارات،
فاللواط عامل كبير من عوامل الفساد،
ومعول ثقيل من معاول الهدم للنفس
والمجتمع، وهو سبب أساسي في
(٢) مختصر تاريخ دمشق ٢٤/٢١.
٢٧٢
جوسي
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
انتشار كثير من الأمراض الفتاكة
المزمنة کالزهري والسیلان والهربس،
ومرض الايدز الذي لم يعرف إلا سنة
١٩٨١ م، ومن ذلك الحين وحتى وقتنا
هذا لم يعرف له علاج رغم التقدم
العلمي الكبير.
١٣. في استئصال قرى قوم لوط إشارة إلى
أن المریض بهذا الشذوذ إن لم یتب فلا
بديل عن استئصاله من المجتمع .
١٤. ربط العلماء بين جعل قرى قوم لوط
عاليها سافلها ليطمروا في التراب،
وبين ضرورة دفن المصابين بالإيدز
بعد موتهم، حيث يوصى بحرق الجثة
وطمرها في التراب على أعماق بعيدة
لأن مرض الإيدز ينتقل عن طريق دم
المریض ولعابه ومنیه. وصدق رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول:
(يا معشر المهاجرين ! خصالٌ خمس
إن ابتلیتم بهن ونزلن بکم أعوذ بالله
أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في
قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم
الطّاعون والأوجاع التي لم تكن مضت
في أسلافهم، ولم ينقصوا المكيال
والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة
المئونة، وجور السلطان عليهم، ولم
يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر
من السماء ولولا البهائم لم يمطروا،
ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا
سلط الله عليهم عدوًا من غيرهم ويأخذ
بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم
أئمتهم بينهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم
بينهم) (١). فالأمراض الجنسية السالفة
الذكر عقوبة إلهية للزناة واللوطيين
الذين تعدوا حدود الله وانتهكوا
محارمه. انتشار اللواط في المجتمعات
الكافرة: وما يؤسف له أن اللواط قد
انتشر انتشارًا واسعًا في المجتمعات
الكافرة، مع كثرة النساء وانتشار البغاء،
ففي الدول الغربية قوانين وتشريعات
تبيح اللواط وتشجع عليه طالما كان
بين بالغين دون إكراه. وفى دائرة
المعارف البريطانية (٢) أن الشواذ
جنسيا خرجوا من دائرة السرية إلى
العلنية وأصبح لهم منتدياتهم - نوادي
العرى - وحدائقهم، ومراحيضهم
الخاصة بهم، وتعرف الشرطة هذه
الأماكن وتقوم على حمايتها ورعايتها.
وهناك آلاف الجمعيات في الغرب
ترعى شئون الشواذ جنسيا وتطالب
لهم بمزيد من الحقوق، ولقد أصبحوا
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب
العقوبات، رقم ١٣٣٢/٢،٤٠١٩.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٣٢١/٢، رقم ٧٩٧٨.
(٢) دائرة المعارف البريطانية ١٢ / ٦.
www. modoee.com
٢٧٣
حرف اللام
قوة لا يستهان بها، وورقة رابحة ناجحة
في الانتخابات العامة والرئاسية، ولقد
وجدنا كبار الساسة والقادة يخطبون
ود الشواذ ويغرقونهم بالوعود إن هم
وقفوا بجانبهم في حملاتهم الانتخابية،
فإذا حقق هؤلاء الساسة والقادة بغيتهم
وفازوا بالمناصب فإنهم يسارعون إلى
تحقيق ما وعدوا به من تنازلات للشواذ
جنسيًا، ولو نظرنا على سبيل المثال
للحملات الانتخابية لرئاسة الولايات
المتحدة الأمریکیة لوجدنا کیف يتبارى
المرشحون ويتنافسون على كسب
أصوات الشواذ، بل إن نسبة كبيرة من
الشواذ تتبوأ مقاعد حساسة ومناصب
هامة في الحكومات الغربية بل وفى
الجیوش، وفی أمریکا وأوروبا کنائس
مخصصة للشواذ يباح فيها للرجل
أن يتزوج بالرجل، وللمرأة أن تتزوج
من المرأة، بل إن بعض الجامعات
في الولايات المتحدة تخصص
منحا دراسية للشواذ فقط، ومن هذه
الجامعات جامعة سير جورج وليامز،
ولا يمكن للطالب أن يحصل على
منحة بتلك الجامعات إلا إذا ثبت أنه
شاذ جنسيا. وفي إحدى المجلات
الصادرة في انجلترا والخاصة
باللوطيين نجد هجوما متتابعا على
موقف الكنيسة من الشذوذ ولقد قام
أحد الكرادلة بالرد على هذا الهجوم
فقال: إن الكنيسة البروتستانتية هي في
حالة مخاض الآن، وأنه عما قريب
ستعترف الكنيسة بالشذوذ الجنسي
وأنه شخصیا یری أنه أمر عادى مألوف،
ولا مانع في نظره من أن يصبح الشاذ
قسيسًا. وفي اجتماع مجلس الكنائس
الإنجليزية وافق المجلس بأغلبية
الأصوات على إباحة الشذوذ الجنسي
بشرط حدوثه بين بالغين مختارين،
و کان کبير الأساقفة في كانتربري هو
الذي قاد الحملة التي تهدف إلى إباحة
الشذوذ، ولقد صرح قائلاً: ((إنه يشعر
بالقلق لما يصيب الشخص المصاب
بالشذوذ الجنسي من ظلم القانون، في
حين يستطيع أي شخص آخر أن يدمر
أسرة ویشردها بدون عقاب یوقع عليه »
. فأي منطق هذا وأي عدالة یسعی إليها
كبير الأساقفة !! إن كلامه هذا يعنى أنه
يجب إباحة كل الجرائم وعدم توقيع
العقاب على مرتكبيها طالما أن هناك
من يتمكنون من الإفلات بجرائمهم!
ولقد ذكرت إحدى الإحصائيات أن
نسبة كبيرة من القساوسة في انجلترا
شواذ جنسيًا (١). ومجمل القول فيما
(١) انظر: مجلة المجتمع الكويتية، سنة ١٣ عدد
٢٧٤
جَوَنُو
القرآن الكريم
لوط عليه السلام
سبق: أن الزنا واللواط قد انتشر في
المجتمعات الغربية المنحلة كانتشار
النار في الهشيم وما ذلك إلا بسبب
بعدهم وضلالهم عن الحق، وترفهم
وإسرافهم، واستغلالهم التقدم العلمي
الهائل والغنى المادي الفاحش في
إشباع الشهوات والنزوات. يقول
الأستاذ فتحي يكن: ((إن انحراف التربية
وانعدام الحس الديني، وفساد الأخلاق
من شأنها جميعا أن تهيئ الأجواء
والمناخات المناسبة للانحراف
والشذوذ، وإن الفراغ والترف وتميع
مواقف القوانين الوضعية من الجرائم
الأخلاقية والجنسية من الأسباب
الرئيسية الكامنة وراء ظاهرة الشذوذ
الجنسي (١).
١٥. الحلال هو الطيب الذي يتلاءم مع
الفطرة بينما الحرام هو الخبيث
الذي يجافي الفطرة وينافي الذوق
وتعافه النفوس السوية وتأباه القلوب
السليمة، وأبواب الحلال كثيرة
وواسعة وميسورة، والزواج حصن
للشباب وعصمة من الانحراف، هذا
لوط عليه السلام عرض بناته على
قومه عرضًا حقيقيًا، ومقصده من
٦٤٩.
(١) الإسلام والجنس ص ٤٩.
ذلك أن يرغبهم في الحلال الطيب
ويصرفهم عن الفاحشة، وأن يردهم
إلى الفطرة السليمة والطبيعة المستقيمة
ويبعدهم عن الشذوذ والانحراف، وأن
ينقلهم من مستنقعات الرذائل ودنس
الفواحش، ويأخذ بأيديهم إلى واحة
الطهر والعفاف، والزواج هو الحصن
الحصين من جميع الانحرافات
الجنسية، فإذا قبلوا وتزوجوا من بنات
لوط عليه السلام كان الزواج الحلال
الطيب سنة ماضية في سائر القوم
وبذلك ينصرف الجميع عن الفاحشة.
١٦. تعاطي المحرمات عدوانٌ وانحرافٌ
وجهلٌ وإسراف.
١٧. ذم المراء بالباطل، بل يجدر بالمؤمن
ترك المراء ولو كان محقا.
١٨. أسلوب لوط عليه السلام في دعوة قومه
يجلو لنا حكمته و فطانته وأدبه وبلاغته،
حيث براعة الاستهلال، والإيجاز
والبيان، والبساطة والوضوح، وتقديم
الأهم، وحسن التشويق ودقة الوصف،
وبلاغة الإنكار والتنفير .
١٩. أثنى الله تعالى على من آمن بلوط عليه
السلام ولم يؤمن به إلا أهل بيته ولم
يذكر القرآن سوى بناته، ولقد وصف
الله أهل بيته بالإسلام والإيمان، وأثنى
على شكرهم ووصفهن لوط بالطهر بل
www. modoee.com
٢٧٥
حرف اللامر
وصف قوم لوطٍ آل بيته بالطهر، وفي
جمعهم بين الإيمان والإسلام والطهر
والشكر أبلغ رد على مفتريات اليهود
في العهد القديم واتهامهم لبنات لوط
بأبشع التهم وهن المؤمنات الطاهرات
الشاكرات الناجيات. قال تعالى: ﴿قَالَ
يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾
* فَأَخْرَحْنَا
[هود: ٧٨]. وقال تعالى:
مَنْ كَانَ فِيَهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ
بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الذاريات: ٣١-
* فَمَا كَانَ
٣٦]. وقال سبحانه:
جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ
مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنْطَهَّرُونَ
[النمل: ٥٦]. وقال عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ
قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ غَيْنَهُمْ بِسَحَرٍ ٦ نِعْمَةٌ مِنْ
عِندِنَاْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ ﴾ [القمر:
٣٣ - ٣٥]. قال الإمام ابن القيم رحمه
الله في كتابه ((إغاثة اللهفان)»: قد وسم
الله سبحانه الشرك والزنى واللواطة
بالنجاسة والخبث في کتابه، دون سائر
الذنوب، وإن كان مشتملاً على ذلك،
لكن الذي وقع في القرآن قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨].
٢٠. وقوله تعالى في حق اللوطية: ﴿وَلُوطًا
ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ
الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَّعْمَلُ الْقَبَِّثُ إِنَّهُمْ
[الأنبياء:
VE
كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ فَسِقِينَ
أَخْرِجُوهُم مِّن
٧٤]. وقالت اللوطية:
قَرْيَبِكُمْ إِنَّهُمْ أَنَاسُِّ يَنْطَهَّرُونَ
[الأعراف: ٨٢]. فأقروا مع شركهم
وكفرهم، أنهم هم الأخباث الأنجاس،
وأن لوطًا وآله مطهرون من ذلك
باجتنابهم له. وقال تعالى في حق
الزناة: ﴿الْقَبِيشَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِشَتِّ﴾ [النور: ٢٦]. وأما نجاسة
الشرك فهي نوعان: نجاسة مغلظة،
ونجاسة مخففة . فالمغلظة: الشرك
الأكبر الذي لا يغفره الله عز وجل،
فإن الله عز وجل لا يغفر أن يشرك
به، والمخففة: الشرك الأصغر، كيسير
الرياء، والتصنع للمخلوقات والحلف
به، وخوفه ورجائه . ثم قال: ونجاسة
الزنى واللواطة أغلظ من غيرها من
النجاسات، من جهة أنها تفسد القلب،
وتضعف توحيده جدًا . ولهذا أحظى
الناس بهذه النجاسة أكثرهم شركًا،
فكلما كان الشرك في العبد أغلب،
كانت هذه النجاسة والخبائث فيه
أکثر، وكلما كان أعظم إخلاصًا، كان
منها أبعد، كما قال تعالى عن يوسف
الصديق عليه السلام: ﴿كَذَلِكَ
لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوْهَ وَاَلْفَحْشَاءُ إِنَّهُ مِنْ
[يوسف:
عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ).
٢٤].
٢٧٦
جوبي
القرآن الكريمِ
لوط عليه السلام
أحكام متعلقة بالقصة
أولًا: عقوبة اللواط في الشريعة
الإسلامية:
اختلف الفقهاء في عقوبة اللوطي، وذلك
على ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: وهو مذهب الإمام
مالك والإمام أحمد وقول للشافعي وهو
أن حد اللوطي القتل فاعلا كان أو مفعولا،
محصنا كان أو غير محصن، وهذا القول
مروى عن أبى بكر وعمر وعلي وابن عباس
رضي الله عنهم ونقل بعض الحنابلة إجماع
الصحابة على ذلك (١).
واستدل أصحاب هذا الرأي بما يلي:
١- الحديث الذي رواه الخمسة إلا
النسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا
الفاعل والمفعول) (٢).
٢- كما استدل أصحاب هذا المذهب
بما روی عن أبی بکر رضي الله عنه أنه جمع
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) انظر: المغني، ابن قدامة ٨/ ١٨٧.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود،
باب فيمن عمل عمل قوم لوط، رقم ٤٤٣٨،
والترمذي في سننه، كتاب الحدود، باب ما
جاء في حد اللوط، رقم ١٤٥٦، ٤٧/٤.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه ابن القيم في زاد المعاد ٢٩/٣.
فسألهم عن رجل ينكح كما تنكح النساء
فکان أشدهم يومئذ قولا على بن أبى طالب
رضي الله عنه قال: هذا ذنب لم تعص به أمة
من الأمم إلا أمة واحدة صنع الله بها ما قد
علمتم، نری أن نحر قه بالنار، فکتب أبو بكر
إلی خالد بن الوليد یأمره أن یحرق بالنار من
فعل هذا الفعل (٣).
قال ابن القيم في زاد المعاد: ((ولم يثبت
عنه صلى الله عليه وسلم أنه قضى في اللواط
بشيء؛ لأن هذا لم يكن معروفا عند العرب
ولم يرفع إليه صلى الله عليه وسلم ولكنه
ثبت عنه أنه قال: (اقتلوا الفاعل والمفعول
به) رواه أهل السنة الأربعة وإسناده صحيح
وقال الترمذي: حديث حسن، وحکم به أبو
بكر الصديق وكتب به إلى خالد بن الوليد
بعد مشاورة الصحابة وكان على رضي الله
عنه أشدهم في ذلك . وقال ابن القصار
وشيخنا: أجمعت الصحابة على قتله، وإنما
اختلفوا في كيفية قتله، فقال أبو بكر الصديق
رضي الله عنه: يرمى من شاهق. وقال على
رضي الله عنه: يهدم عليه حائط،. وقال ابن
عباس رضي الله عنهما: يقتلان بالحجارة.
فهذا اتفاق منهم علي قتله وإن اختلفوا في
کیفیته )»(٤).
أقول وورد عن على كما ذكرنا آنفا أنه
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب
الحدود، باب ما جاء في حد اللوطي ٢٣٢/٨.
(٤) زاد المعاد ٢٩/٣.
www. modoee.com
٢٧٧
حرف اللام
أمر بحرق من فعل هذا الفعل، وإنما ذكر
الصحابة الكرام هذه الكيفيات المختلفة؛
لأن الله تعالى عذب قوم لوط بصنوف
مختلفة من العذاب .
المذهب الثاني: أن اللواط في حكم
الزنا، يرجم المحصن ويجلد غير المحصن
فاعلا كان أو مفعولا، وهذا هو مذهب
الشافعية، وقد استدلوا على مذهبهم بالنص
والمعقول .
أما النص: فالحديث الذي رواه البيهقي
في السنن والطبراني في الكبير عن أبى
موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أتى
الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة
المرأة فهما زانيتان) (١)
وأما المعقول: فلقد قالوا إن الزنا عبارة
عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعا محرم
شرعا، والدبر أيضا فرج لأن القبل إنما سمي
فرجا لما فيه من الانفراج، وهذا المعنى
حاصل في الدبر فيكون حكم اللواط كحكم
(١) أخرجه البيهقي فى السنن الكبرى، كتاب
الحدود باب ما جاء في اللوطي، ٢٣٣/٨.
قال الحفاظ ابن حجر فى التلخيص الحبير
٤/ ٥٥ بعد أن عزاه للبيهقي: وفيه محمد
بن عبد الرحمن القشيري، كذبه أبو حاتم،
وأخرجه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء،
والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبى
موسى وفيه بشر بن الفضل البجلي وهو
مجهول.
الزنا (٢).
ب الثالث: وهو مذهب
الأحناف(٣): الذين قالوا بأن في اللواط
التعزير، إذ أن اللواط غير الزنا، فاللواط
يقع بين الرجل والرجل، أما الزنا فهو اسم
لوطء الرجل للمرأة التي لا تحل له، والزنا
تشتهيه النفس ويميل إليه الطبع، أما اللواط
فإن الطباع السليمة والفطرة المستقيمة تأباه
و تستهجنه و تستقذره، والزنا أعظم ضررا لما
يترتب عليه من فساد الأنساب .
والذي أرجحه في هذه المسألة أن
اللوطي يقتل محصنا كان أو غير محصن،
فاعلا كان أو مفعولا به، وهذا هو مذهب
الإمام مالك وأحمد وقول للشافعي وهو
المروي عن صحابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم والحديث الذي استندوا إليه
(من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا
الفاعل والمفعول) صححه الحاكم ووافقه
الذهبي، وقال ابن القيم: حديث صحيح،
وقال الترمذي: حديث حسن، وقال
الشوكاني معلقا على روايات الحديث:
وهى بمجموعها تنهض للاحتجاج بها، أما
الحديث الذي استدل به الشافعية (إذا أتى
الرجل الرجل فهما زانيان وإذا أتت المرأة
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازى ١٣٢/٢٣، آيات
الأحكام، السايس ١١٤/٣، روائع البيان في
تفسير آيات الأحكام، الصابوني ٤٣/٢.
(٣) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٧ / ٤٥.
٢٧٨
القرآن الكريم