النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الوَطِ عَلَيْهِ السِّلَام
عناصر الموضوع
التعريف بلوط عليه السلام
٢٤٠
لوط مع إبراهيم عليهما السلام
٢٤١
لوط عليه السلام مع قومه
٢٤٢
لوط عليه السلام مع زوجه
٢٥٤
لوط عليه السلام مع بناته
٢٥٥
لوط عليه السلام مع الملائكة
٢٦١
نجاة لوط وبناته وهلاك امرأته
صنوف العذاب التي حلت بقوم لوط
٢٦٣
فوائد وعبر من قصة لوط عليه السلام
٢٦٨
أحكام متعلقة بالقصة
٢٧٧
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ
٢٥٣

حرف اللام
التعريف بلوط عليه السلام
لوط عليه السلام نبي من الأنبياء، الذين بعثهم الله عز وجل لهداية الناس وإصلاحهم،
ولقد عاش في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام، وذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى أن لوطا عليه
السلام: ابن أخي إبراهيم عليه السلام آمن به وهاجر معه فكان غراسا طيبا لدعوة إبراهيم
عليه السلام(١).
قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتَ تَعْمَلُ الْحَبَِّتُّ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْءٍ فَسِقِينَ
﴾ [الأنبياء: ٧٤].
٧٤
فبعد الحديث عن رعاية الله لنبيه إبراهيم عليه السلام ومنحه له جاء الحديث عن لوط
عليه السلام وما وهبه الله من نعم وما حباه من رعاية، فقد آتاه آلة الحكم وهو الفصل بين
الناس والتمييز بين الأمور والحكم عليها والعلم النافع الذي ينير لصاحبه ويرشده، فقد
وهبه الله عقلا راجحا وفطرة نقية وبصيرةً نافذةً وميزانا قويما، وفي تنكير ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾
مع التنوين تعظيمٌ وتفخيمٌ لهذه المنحة الربانية، فهو ثمرةٌ طيبةٌ لدعوة خليل الرحمن إبراهيم
عليه السلام ونتاجٌ طيب لغرسه المبارك، ولا أدل على حكمته وعلمه من عيشه وسط أولئك
الغوغاء الشذاذ ينهاهم ويزجرهم عن فسوقهم وتماجنهم ويعظهم فلا يجد آذانا صاغيةً.
وقد جاء الحديث عن لوط في شجرة الأنبياء الواردة في سورة الأنعام تلك الشجرة
المباركة التي تمتد إلى أرومة واحدة قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ كُلَّا
هَدَيْنَأْ وَنُوحَا هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ
وَكَذَلِكَ فَهْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَزَّكَرِيَّا وَيَحْىَ وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ كُلُّ مِنَ الصَّلِحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ
وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلَّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ () وَمِنْ ءَابَآبِهِمْ وَذُرِيَّتِهِمْ وَإِخْوَانِمٌ وَأَجْنَبَيْتَهُمْ
وَهَدَيْتَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيٍ { ذَلِكَ هُدَى اَللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ
عَنْهُم ◌َّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ وَالْحَكَّرَ وَالنُّبُوَّةُ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ فَقَدْ وَكَلْنَاِهَا
قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ ﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهِ فَبِهُدَ لُهُمُ أَقْتَدٌِ قُل لَّا أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًاً
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنعام: ٨٤-٩٠].
فلقد هداهم الله واجتباهم وجعلهم ذرية طيبة بعضها من بعض، وآتاهم الكتاب والحكم
والنبوة، وجعلهم مصابيح هدى، تقتدي بها الإنسانية .
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٢٦/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/١١.
٢٤٠
جَوَسُوع
القرآن الكريم

لوط عليه السلام
لوط مع إبراهيم عليهما السلام
يظل الأنبياء عليهم السلام على الفطرة النقية التي فطر الله الناس عليها، يحفظهم ربهم
ويهديهم ويتعهدهم بالرعاية والتربية، فهذا لوطٌ عليه السلام ينشأ في مجتمع يسوده الكفر
ويعمه الضلال، لكن الله تعالى يعصمه ويحفظه، فينشأ على التوحيد، في كنف عمه إبراهيم
عليه السلام، ويعاين الآية الكبرى حين ألقوا به عليه السلام في النار فنجاه الله تعالى وجعلها
بردا وسلاما فیزداد إيمانا وتسليما .
فَقَامَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّ مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِيِّ إِنَّهُ, هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِمُ (١)﴾
قال تعالى:
[العنكبوت: ٢٦].
وقال تعالى في سياق الحديث عن إبراهيم: ﴿ وَفَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِ بَرَكْنَافِيهَا
لِلْعَلَمِينَ ﴾ [الأنبياء: ٧١].
والآية الأولى تبين انقياده واستجابته لعمه عليه السلام، آمن له أي: انقاد واستجاب عن
إيمان ويقين، كذلك تعني الآية أنه آمن بنبوته واستجاب لدعوته وصدق برسالته مع إيمانه
الفطري بالله تعالى وحده لا شريك له، وفي الآية الثانية بيان لنعمة الله عليه إذ أنجاه إلى
الأرض المباركة، كما آمن به فقد هاجر معه من العراق إلى أرض الشام المباركة، وهي
بيت المقدس وما حوله، فهي بركة للعالمين بما فيها من كنوز وخيرات، وبما فيها من عيون
وأنهار، وزروع وثمار، مع خصب تربتها، ونقاء هوائها، وطيب العيش فيها، وبما سطع فيها
من أنوار النبوات، مباركة بمن عاش على ثراها ودفن في تربتها من الأنبياء والصالحين،
مباركة بشعبها الحر الأبي الذي ضرب ولا يزال أروع الأمثلة في الصبر والثبات والتضحية
والفداء، والتصدي والتحدي للطغاة المستبدين .
هاجر لوط عليه السلام مع عمه إبراهيم إلى الشام، وهى الأرض المباركة، وظل لوطٌّ في
صحبة عمه إبراهيم - عليهما السلام - حتى استقر به المقام في قرية سدوم بالأردن، حيث
أرسله الله إلى أهل هذه القرية(١).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣/١١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣/٢.
www. modoee.com
٢٤١

حرف اللامر
لوط عليه السلام مع قومه
أولًا: دعوته لقومه:
أرسل الله تعالى لوطا عليه السلام إلى
قرية سدوم وما حولها، وقد راعه ما هم
عليه من شذوذ وانحراف وجهالة وإسراف،
فدعاهم إلى الله تعالى، وبدأ بالعقيدة، ثم
عرج إلى الأخلاق والآداب.
ولقد جاء الحديث عن رسالة لوط عليه
السلام في مواضع متفرقة.
قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمٌ
لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ ﴿ إِذْ قَالَ لَهُمْ لَخُوهُمْ لُوطُّ أَلَا تَتَّقُونَ
إِ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ (٦) فَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ
وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلََّ عَلَى
١٦٣
رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴿ أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ أَزْوَِكُمْ بَلْ
١٦٥
أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١)﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦٦].
بدأت الآيات ببيان تكذيب قوم لوط
عليه السلام المرسلين، كذبوا لوطا عليه
السلام كما كذبوا بمن سبقه من الرسل
فالتكذيب فيهم متأصلٌ، وبعض المفسرين
يكتفي بقوله هنا مراعاة للفاصلة وتلك إجابةٌ
صائبةٌ لكنها ليست كافية، وأقول: إن من كفر
برسول فقد كفر بسائر الرسل، لأنها دعوة
واحدة ورسالة واحدة، وإن كثر حملتها
من الأنبياء والرسل، ولقد كذبوا بدعوات
الرسل التي بلغتهم قبل إرسال لوطٍ إلیھم،
وحین جاءهم لوطٌ بادروا إلى تكذيبه .
حثهم عليه السلام على تقوى الله عز
وجل فهي سبيل كل خير والعصمة من كل
شرِ، وبين لهم أنه مرسل من عند الله عز
وجل، أمین في دعوته.
﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطُ أَلَا نَتَّقُونَ ﴾ لوط
من بلاد العراق وهم في بلاد الشام والأخوة
هنا هي أخوة المصاهرة، أو أخوة المواطنة
لأنه عاش فیھم و تزوج منهم.
حث لوطٌ على تقوى الله تعالى، بهذا
الأسلوب الرائع الذي ينم عن حرصه على
هدايتهم، وإشفاقه عليهم، وترفقه بهم،
كلماتٌ تنسل من قلبٍ يذوب كمدا ويتفطر
ألما علی حال قومه.
﴿ إِّ لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ ﴾ أكد لهم رسالته
وأمانته، فهو أمين في دعوته، أمين في
نصحه.
فَأنَّقُوا اللهَ وَأَظِيمُون ﴾ لخص دعوته في
هذين الأصلين العظيمين تقوى الله تعالى
بالخوف منه واجتناب محارمه وامتثال
أوامره، وطاعة النبي فيما يدعوهم إليه من
الخير والصلاح في دينهم ودنياهم.
﴿وَمَآ أَسْتَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرِّ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا
عَلَى رَبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ لا أنتظر منكم أجرا
على دعوتي، لأن أجري على من أرسلني
وهو رب العالمين، وفى هذا إعلان التجرد
والإخلاص في هذه الدعوة، فهذه المهمة
٢٤٢
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

لوط عليه السلام
الجليلة الثقيلة لم يتقاض عليها الأنبياء أجرا الخليفة الأموي، باني جامع دمشق -: لولا
أن الله عز وجل قص علينا خبر قوم لوط ما
ظننت أن ذکرا یعلو ذکرا » (١).
من البشر وإنما الأجر كله من الله الذي
بعثهم.
﴿أَثَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَلَمِينَ (٥) وَتَذَرُونَ
مَا خَلَقَ لَكُمْ رَيُّكُمْ مِّنْ أَزَّوَِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ مَادُونَ
m
[الشعراء: ١٦٠ - ١٦٦]: يتركون نساء
الدنيا كلها، ويضيقون على أنفسهم وقد
وسع الله عليهم ؛ ففي الحلال الطيب ما
يسع الجميع، ودائرة الحلال واسعةٌ، بينما
اختاروا طريق الغواية والشذوذ.
أنكر عليهم هذا الفعل القبيح وتلك
العادة المستهجنة المخالفة للفطرة السليمة
وللطبائع المستقيمة، تلك العادة التي شذوا
بها عن سائر الخلق، وكانوا أول من فعلها،
فتجاوزوا بذلك الحد في الفساد والإجرام
والضلال والانحلال وسنوا سنة سيئةً
قبحهم الله.
قال ابن كثير: ((بعث الله لوطا عليه
السلام إلى أهل سدوم وما حولها من
القرى يدعوهم إلى الله عز وجل ويأمرهم
بالمعروف وينهاهم عما كانوا يرتكبونه من
المآئم والمحارم والفواحش التي اخترعوها
؛ فلم يسبقهم بها أحد من بني آدم ولا غيرهم
وهو إتيان الذكور دون الإناث وهذا شيء
لم یکن بنو آدم تعهده ولا تألفه، ولا يخطر
ببالهم حتی صنع ذلك أهل سدوم - علیھم
لعائن الله - قال الوليد بن عبد الملك -
وفي سورة الأعراف: ﴿وَلُوطًا إِذْ
قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ أَلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا
مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَأْتُونَ
الْرِجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
مُسْرِفُونَ (١)﴾ [الأعراف: ٨٠-٨١].
أنكر عليهم إتيانهم لتلك الرذيلة
المنكرة، التي لم يسبقهم إليها أحد والتي
تدل على إسرافهم في الفساد وتماديهم في
الفجور والانحلال، والتعبير بالفاحشة،
لقبحها واستهجانها وكونها من أفحش
الكبائر وأشنع الذنوب إذ هي خروجٌ عن
الفطرة ومجافاةٌ للطبيعة وشذوذٌ وانحرافٌ،
مع ما فيها من إفسادٍ وأضرار، ونعى عليهم
کونھم أول من ابتدعها.
قال أبو حيان الأندلسي: ((والفاحشة هنا
:إتيان ذكران الآدميين في أدبارهم، ولما كان
هذا الفعل معهودا قبحه ومركوزا في العقول
فحشه أتی معرفا بالألف واللام (٢)، أو تكون
(أل) فيه للجنس على سبيل المبالغة كأنه
لشدة قبحه جعل جميع الفواحش)) (٣) .
قال صاحب الظلال: ((والإسراف الذي
يدمغهم به لوط هو الإسراف في تجاوز
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٣/٢.
(٢) وعلى هذا تكون ال للعهد الذهنى.
(٣) البحر المحيط ٣٣٢/٤.
www. modoee.com
٢٤٣

حرف اللام
منهج الله الممثل في الفطرة السوية،
والإسراف في الطاقة التي وهبهم الله
إياها، لأداء دورهم في امتداد البشرية ونمو
الحياة، فإذا هم يريقونها ويبعثرونها في غير
موضع الإخصاب . فهي مجرد ﴿شَهْوَةً ﴾
شاذ، لأن الله جعل لذة الفطرة الصادقة في
تحقیق سنة الله الطبیعیة . فإذا وجدت نفس
لذتها في نقيض هذه السنة، فهو الشذوذ
إذن والانحراف والفساد الفطري، قبل أن
يكون فساد الأخلاق ولا فرق في الحقيقة ؛
فالأخلاق الإسلامية هي الأخلاق الفطرية،
بلا انحراف ولا فساد . إن التكوين العضوي
للأنثى - كالتكوين النفسي - هو الذي
يحقق لذة الفطرة الصادقة للذكر في هذا
الالتقاء، الذي لا يقصد به مجرد﴿شهوةً﴾
إنما هذه اللذة المصاحبة له رحمة من الله
ونعمة، إذ یجعل القيام بتحقیق سنته ومشيئته
في امتداد الحياة، مصحوبا بلذة تعادل مشقة
التكليف ! فأما التكوين العضوي للذكر
- بالنسبة للذكر - فلا يمكن أن يحقق لذة
للفطرة السليمة، بل إن شعور الاستقذار
ليسبق، فيمنع مجرد الاتجاه عند الفطرة
السليمة)) (١).
وفى سورة النمل يقول عز وجل:
﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ، أَتَأْتُونَ
الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) أَيِنَّكُمْ
◌َتَأْتُونَ الرَّحَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ
تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: ١٤
أنكر عليهم لوط عليه السلام فعلهم
لتلك الفاحشة مع علمهم بقبحها وشناعتها
﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ
٥﴾ أي: تعلمون بقبحها، تبصرون ذلك
بعقولکم وبصائرکم، بل وحواسکم، وقیل
: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم
بعضا أي: ينظر إليه تلذذا واستمتاعا حيث
كانوا يرتكبون الفاحشة في العلن، وقيل:
آثار العصاة المنتهكين
وَأَنتُمْ تَبَصِرُونَ
للحرمات ممن قبلکم فاعتبروا بهم.
﴿أَمِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ اُلْنِسَآءِ
بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ ﴾ [النمل: ٥٤ - ٥٥].
وصفهم بالجهل، والمقصود به هنا
الجهل: ضد الحلم، وهو الطيش والسفه
الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب هذا المنكر،
دون إدراكٍ لأخطاره أو تحسبٍ لأضراره،
كذلك الجهل المنافي للعلم ؛ إذ لا يفعل
هذه الموبقات إلا الجهال بخطرها وعاقبتها،
أو نفي العلم عنهم وإن علموا بقبحها وسوء
عاقبتها لأن علمهم لم ينفعهم ولم يدفعهم
عن هذا الجرم، فأضحى لا قيمة له، فهو
بمثابة الجهل.
وفي سورة العنكبوت يقول عز وجل:
﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
اُلْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ
(١) في ظلال القرآن ١٣١٥/٣.
٢٤٤
القرآن الكريمِ

لوط عليه السلام
مِنَ الْعَلَمِينَ أَبِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ واعظ، ولا نصيحة من عاقل، وكانوا في ذلك
وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِ نَادِيَكُمُ
الْمُنكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٨ - ٢٩].
أنكر عليه السلام على قومه تلك الفعلة
المنكرة القبيحة التي لم يسبقهم إليها
أحد، وهذا مما يزيد في شناعتها وقبحها
کونھم أول من قارفها، وأول من سنها، کما
أنكر عليهم قطعهم للسبيل على السابلة
والمسافرين وترويعهم وسلب أموالهم
وسفك دمائهم، ومجاهرتهم بالمنكرات
في المجالس والنوادي دون خجل أو
وجل، ودعاهم عليه السلام إلى عبادة الله
عز وجل، والامتثال لما أمر به واجتناب
كل ما نهى عنه، وحذرهم من سخط الله
تعالى، وأليم عقابه، فقابلوا تلك الدعوة
الصادقة بالتكذيب والإعراض والسخرية
والاضطهاد والعداء والإيذاء، والتهديد
والوعيد.
وقال الإمام ابن کثیر: ((و کانوا مع ذلك -
أي: مع إتيانهم الفاحشة - يقطعون الطريق،
ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم - وهو
مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم -
المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف
أصنافه، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون
في مجالسهم، ولا يستحیون من مجالسیھم،
وربما وقعت منهم الفعلة العظيمة في
المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ
وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا
عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على
ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل
تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا)»(١).
قال عبد الكريم الخطيب: ((كانوا من
الفجور وجفاف ماء الحياء من وجوههم،
بحيث لا يجدون حرجا في أن يأتوا هذا
المنكر علانية، وهم في مجتمعهم الذي
يجتمعون فيه وهذا غاية ما يتردى فيه
الإنسان، في طريق الانحدار إلى عالم
الحيوان))(٢).
وقد وصف قوم لوطٍ بأوصافٍ ذميمةٍ
منها:
١. التكذيب.
قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَإِن
بُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ
وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِزَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٢) وَأَصْحَبُ
مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ
أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ ﴾ [الحج:
٤٢ - ٤٤].
وفي سورة الشعراء: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
الْمُرْسَلِينَ﴾، وفي سورة ص: ﴿ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُوْ اْأَوْنَادِ ﴿ وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ
وَأَصْحَبُ لَيْكَةٍ أُوْلَئِكَ الْأَحْزَابُ ، إِن كُلِّ
(١) قصص الأنبياء ص ١٩٢.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٨٦/٤.
www. modoee.com
٢٤٥

حرف اللام
إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابٍ ﴾ [ص: ينفك عنهم.
٣. الجهل.
١٢ - ١٤].
٣٣
بِسَحَرٍ
وفي سورة القمر: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ ◌ِالنُّذُرِ
ـ)( إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ◌َالَ لُوطٍ نََّيْنَهُم
﴾ [القمر: ٣٣ -٤٠].
٣٤
كذبوا بنبي الله لوط عليه السلام وصدوا
عن دعوته وجاهروا بالمعاصي مستحلين
لها، واجتمعت كلمتهم على إخراج لوطٍ
وبناته لأنهم متطهرون، وكأن التطهر جرمٌ
يعاقب صاحبه بالطرد والإبعاد، دون أن
یلقوا بالا بما عاینوه من آياتٍ وقرع مسامعهم
من نذر، ولا عجب فهذا منطق أهل الكفر
والضلال في كل زمان.
٢. الإسراف.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ»
أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِّنَ
الْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن
دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ
٨١
[الأعراف: ٨٠ - ٨١].
«أي: متجاوزون لما حده الله متجرئون
على محارمه))(١) وإسرافهم بإتيان تلك
الفاحشة من مجاوزة الحد وإهدار الطاقات
وتبديد الأوقات، وإذا كان الإسراف في
المباح مذموم فما بالك بمن يسرف في
الحرام ! والتعبير باسم الفاعل ؛ لبيان
ملازمتهم للإسراف فهو طبعهم وحالهم لا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٩٦.
قال تعالى: ﴿أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً
مِّن دُونِ اَلِسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:
٥٥].
قال الرازي رحمه الله: ((تفعلون فعل
الجاهلين بأنها فاحشة مع علمكم بذلك
أو تجهلون العاقبة أو أراد بالجهل السفاهة
والمجانة التي كانوا عليها))(٢).
وقال عبد الكريم الخطيب: ((وانظر كيف
تبلغ السفاهة بالقوم إنهم ليأتون الفاحشة
في غیر مبالاة، ولا ستر من حياء ! يأتونها
جهرة وفى صورة جماعية، دون أن يجد
أحدهم حرجا أو استحياء! وهذا غاية التدلي
والإسفاف في عالم الإنسان، إلى درجة لا
ينزل إلیھا کثیر من عالم الحيوان حيث تأبى
على بعض الحيوان طبيعته أن يتصل بأنثاه
على مرأى من بني جنسه! بله اتصاله بذکر!
الأمر الذي لم تعرفه الكائنات الحية، إلا في
هذا الصنف الرذل الخسيس من الناس!»
(٣) .
والتعبير بالفعل المضارع للدلالة على
التجدد والاستمرار، فالأيام والآيات لا
تزيدهم إلا سفاهة وجهالة، وهم مصرون
علی جهلهم مقيمون عليه .
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨/١٢.
(٣) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٢٩/٢
٢٤٦
القرآن الكريمِ

لوط عليه السلام
٤. الفسق.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وفساد اجتماعي وفساد سياسي واقتصادي،
وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَتِيِتُّ
◌ِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوٍْ فَسِقِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٤].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ
هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ
يَفْسُقُونَ ﴾ [العنكبوت: ٣٤].
فتلك الفعلة القبيحة هي أشد ألوان
الفسق، ففيها خروج عن الطاعة، خروجٌ
عن الشريعة، خروجٌ على العرف المستقيم،
تمردٌ على الفطرة فليس هناك أسوأ مما كانوا
عليه، فقد أضيفوا إلى السوء إضافة تدل على
ملازمة، ورجل السوء هو الذي يسوء ويفسد
كل من يخالطه، ووصفوا بالفسق صفة
ملازمة لهم لا تنفك عنهم، وأصل الفسق من
فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها التي
تصونها وتحفظها، كذلك قوم لوط خرجوا
عن منهج الله الذي يصونهم ويحميهم، وقد
جلبوا الخزي والعار لأنفسهم واستوجبوا
سخط الله وأليم عقابه
٥. الفساد.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبٍ أَنصُرْنِي عَلَى
الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [العنكبوت: ٣٠].
وأي إفساد أشد مما كانوا عليه من
الكفر والفسوق، والتحلل والعري، وفساد
الأمزجة وانتكاس الفطرة، وقطع السبيل،
والخلل الاجتماعي، والانقلاب على
الحق، وإخراج أهل الطهر، فساد روحي
فالفساد داء عضال يستشري في أبدانهم
ومنتدياتهم ويلوث مجالسهم، صفةٌ من
صفاتهم التي لا تنفك عنهم، والفساد
باض وأفرخ فيهم وتغلغل في مجتمعاتهم
وبيوتهم، وهم إلى جانب فسادهم مفسدون
أشد الإفساد، یسعون جاهدین لإفساد کل ما
حولهم، ولا یقع إفسادهم عند حدٍ.
وحين دعا لوطٌّ ربه استحثه على الإجابة
ببيان ما هم عليهم من إفسادٍ قال ابن عجيبة:
(«وصفهم بذلك ؛ مبالغة استنزال العذاب،
وإشعارًا بأنهم أحقاء بأن يعجل لهم
العذاب))(١).
وقال ابن عادل: «ثم إن لوطًا لما يئس
منهم طلب النصرة من الله وذكرهم بما
لا يحب الله فقال: ﴿رَبِّ أَنصُرْنِ عَلَى
الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (فإن الله لا يحب
المفسدين) حتى ينجز النصر)»(٢).
٦. العدوان.
قال تعالى:
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ
١٦٤
الْعَلَمِينَ ﴿ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُم مِّنْ
[الشعراء:
أَزْوَيِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ (٦)﴾
١٦٤ - ١٦٦].
فقد اعتدوا على حرمات الله وانتهكوا
(١) البحر المديد، ابن عجيب ٧/٥.
(٢) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٤٣/١٥.
www. modoee.com
٢٤٧

حرف اللام
محارم الله وتجاوزوا الحد، واعتدوا على
الغير، فإن من وضع الشهوة في غير موضعها أَجْمَعِينَ ﴾ [الحجر: ٥٨-٥٩].
عادٍ آثمٍ.
قال الله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ
حَفِظُونَ ) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَدُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ فَمَنٍ
٧
أَبْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ
[المؤمنون: ٥ - ٧].
٧. السبق إلى السوء.
قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ
الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ الْعَلَمِينَ
[الأعراف: ٨٠].
٨٠
وقال تعالى: ﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ»
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُم
بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَلَمِينَ ٥
[العنكبوت: ٢٨].
لقد حازوا قصب السبق لا في الخيرات
ولا إلى المغفرة والرحمات، بل سبقوا في
الفجور والشذوذ، فكانوا أول من ابتدع هذه
الفاحشة التي انتشرت فيهم انتشار النار في
الهشيم .
٨. الإجرام.
قال تعالى في بیان ما حل بهم من عقاب:
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَأَنْظُرْ كَيْفَ
[الأعراف:
كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ ﴾
٨٤].
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُزْسِلْنَآ إِلَى قَوْمٍ
إِلَّ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَبُّوهُمْ
DA
مْمِينَ
وأي جريمة أشد مما كانوا عليه من
فاحشة، فوق أنهم كانوا يقطعون السبيل على
المارة والمسافرين ويتعرضون لهم بالأذى
ويتحرشون بهم مع عزمهم على إخراج لوط
وأهله المؤمنين الطاهرين من القرية بدون
جریرة أو ذنب سوى أنهم مؤمنون طاهرون،
ومن قبل هددوا لوطا عليه السلام بالرجم إن
لم یکف عن دعوته .
٩. الامتراء.
فلقد جمعوا مع كفرهم وتكذيبهم
الامتراء وهو التشكيك واللغط والاستخفاف
والاستبعاد، والجدل المذموم، تشغيبا على
لوطٍ وتشويشا على دعوته، وسعيا لقلب
الحقائق وتزيين الأباطيل وتحسين القبائح.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِلتُّذُرِ ) إِنَّ
أَرْسَلْنَا عَلَتِهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نََّّنَهُم بِسَعٍَ )
نِعْمَةً مِنْ عِندِنَّأْ كَذَلِكَ نَجْرِى مَن شَكَرَ ﴿ وَلَقَدْ
أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنُّدُرِ ﴾ [القمر:
٣٣ - ٣٦].
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْتَكَ بِمَا كَانُواْ
﴾ [الحجر: ٦٣].
فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣)
ومن ذلك المراء قولهم كما أخبر القرآن:
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّا أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا
بِعَذَابِ اَللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِّقِينَ
[العنكبوت: ٢٩].
٢٤٨
وَضوري
◌َةُ النَّهِيَة
جوب
القرآن الكريمِ

لوط عليه السلام
١٠. الظلم.
فقد وضعوا الأمور في غير موضعها، محبة الفاحشة التي لا يبالون معها بعذل ولا
وعاثوا في الأرض ظلما يقطعون الطريق
وقد وصفت تلك الفعلة بثلاثة أوصاف:
١. الفاحشة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ»
أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِيِّنَ
اَلْعَلَمِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٠].
وينتهكون المحارم، وبلغ بهم الظلم إلى
أن هددوا لوطا وافتروا عليه وأخرجوه من
القرية، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآَ
إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُواْ أَهْلِ هَذِهِ
الْقَرْيَةٌ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ
٣١
[العنكبوت: ٣١].
فلقد بلغوا من الظلم هذا المبلغ
فاستحقوا العذاب.
١١. السكرة والعمه.
فلقد كانوا في غفلة سادرين، وفي عمه
عن الحق لا يبصرون قال تعالى: ﴿لَعَمُكَ
إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَ نِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الحجر: ٧٢].
فما تجدي الموعظة مع من غرق في
بحار السكر، فهو في عمى وحيرة يتخبط
خبط عشواء ويتردد بلا وعي، والله تعالى
يلتفت لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم
مقسما بحياته العامرة، ليرى صورة من
صور الانحراف الإنساني عن سنن الهدى،
وصفاء الفطرة، وارتكاسها إلى مستنقعات
الرذيلة ومزالق الهوى، وركوبها متن النزق
متوغلة في أوحال الفاحشة لا تلوي على
موعظةٍ ولا تستجيب لنصح ولا تلتفت
لنداء الحق،کیف وقد استبدت بهم النزوات
واستعرت في نفوسهم الغلمة والشهوات.
قال السعدي: وهذه السكرة هي سكرة
لوم(١).
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ
اٌلْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [النمل: ٥٤].
﴿وَلُوطَا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ» إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ
اُلْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍمِنَ
الْعَلَمِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢٨].
فهي من أكبر الفواحش وأفحش الكبائر،
وفيها ما فيها من فحش وبذاءة وفجورٍ
وخلاعةٍ .
٢. الخبائث: ﴿وَلُوطًا ءَانَيْنَهُ حُكْمًا
وَعِلْمًا وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِى كَانَتْ تَّعْمَلُ
اٌلْبَِّتُّ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمَ سَوْمٍ فَسِقِينَ
٧٤
[الأنبياء: ٧٤].
وهي جميع خبيثة فتدخل فيها اللواط
دخولا أوليا، وتشمل سائر ما كانوا عليه
من فحش وبذاء وخلاعة ومجون وعري،
والتعبير بقوله: ﴿وَغَيْنَهُ مِنَ الْقَرْيَةِ اَلَّى
ـعَمَلَ الْحَدَّـ
٠٠
لبيان سبب هلاك تلك
ثَ
كانت
القرية، وهو استمرارهم في عمل الخبائث،
أي: ممارستها وابتداعها وامتهانها، وهل
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٣٣.
www. modoee.com
٢٤٩

حرف اللامر
هناك أخبث من إتيان الرجل للرجل ! ومن ثانيًا: جواب قوم لوط:
خبائثهم إتيانهم المنكرات في نواديهم دون
تورع ولا حياء، ومنها قطعهم للطريق، ومنها
إهانتهم للأضياف، ومنها التعري، إضافة
إلی کفرهم وتكذيبهم.
٣. عمل السيئات: ﴿وَجَآءُهُ قَوْمُهُ, يُهْرَعُونَ
إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود:
٧٨].
فجرائمهم كثيرة ومن أفظعها وأشنعها
جريمة اللواط، قال ابن عاشور: ((فقد
صارت لهم دأبا لا يسعون إلا لأجله)) (١).
وقال عبد الكريم الخطيب: ((عرض
لسيرة هؤلاء القوم، وفضح لمخازيهم، وأن
هذا الذي جاءوا إلیه لیس ابن يومه، وإنما هو
داء تعاطاه القوم من قبل، فكان طبيعة غلبت
عليهم، حتى لقد صار عادة مألوفة عندهم،
وأمرا مستقرا فيهم، ليس فيه ما يثير أي
إحساس عندهم بالخزي أو الاستحياء)) (٢).
وجمع السيئات في مقابلة جمع من
يعملها، ولتكرارها وتشنيعها لأنها ليست
سيئةً واحدة بل سيئات شتى، فقد اعتادوا
المنكرات وألفوها بلا حياءٍ يمنعهم ولا
ضميرٍ يردعهم، فهرعوا من منكر إلى منكر
ومن سيء إلى أسوء.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣/١١.
(٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٢٩/٢.
ماذا كان موقف قوم لوط عليه السلام من
دعوته كيف أجابوه ؟ هل كان لمواعظه أثرٌ
في نفوسهم ؟ كلا والله بل لجوا في طغيانهم
وتمادوا في غيهم، وأصروا على مقارفة
جرائمهم، وكان ردهم عنيفا قاسيًا ينم عن
مراءٍ وتشغیپٍ.
وفي سورة الشعراء يقول عز وجل:
﴿ قَالُواْ لَيِن لَّمْ تَنْتَهِ يَأْوُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَمِينَ
[الشعراء: ١٦٧].
هددوه أولًا بالإخراج إن لم يكف
عن إنكاره عليهم ومواعظه، ثم قرروا
إخراجه من قريتهم، قال تعالى في سورة
الأعراف: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ» إِلَّ
أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُمْ مِن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُ
نَشَطَقَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢].
كذبوا بالنذر، واستخفوا بها بل
وتعجلوها، قال عز وجل: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ
بِتُّذُرِ ﴾ [القمر: ٣٣].
وقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ: إِلَّ
أَنْ قَالُواْ أَثْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ
الصَّدِقِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢٩].
ومن جملة هذه الآيات يتضح لنا موقف
قوم لوط من دعوته، فلقد كذبوا به وأعرضوا
عنه وسخروا منه، وتعجلوا وقوع العذاب،
وهددوا بإخراجه ومن آمن به من آله من
قريتهم لأنهم أطهارٌ أعفاء، وكأن الطهر
٢٥٠
القرآن الكريم

لوط عليه السلام
والعفاف ظلم وإجحاف وجرم وانحراف الصَّدِقِينَ ﴿ قَالَ رَبٍ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ
الْمُفْسِدِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢٩ - ٣٠].
وكأن الشذوذ والخنا هو العادة والإلف
الذي ينكر على من يهجره وينتزع حق
العيش ممن آثر الطهر والعفاف فلا مقام له
بين ظهراني الملوثین بأخبث الأقذار، ولا
يخفى ما في هذا القول من سخرية وتهكم
بالفضائل وكراهيةٍ لها، وتضييق على أهلها.
يقول صاحب الظلال: ((ويتجلى لنا
انحراف قوم لوط في جوابهم لنبيهم، ﴿وَمَا
كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ* إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم
مِّن قَّرْبَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسِّ يَنْطَهَّرُونَ
[الأعراف: ٨٢].
يا عجبا !! أو من يتطهر يخرج من القرية
إخراجا ليبقى فيها الملوثون المدنسون ؟ !
ولكن لماذا العجب ؟ وماذا تصنع الجاهلية
الحديثة ؟ أليست تطارد الذين يتطهرون،
فلا ينغمسون في الوحل الذي تنغمس
فيه مجتمعات الجاهلية، وتسميه تقدمية
وتحطيما للأغلال عن المرأة وغير المرأة،
أليست تطاردهم في أرزاقهم وأنفسهم
وأموالهم وأفكارهم وتصوراتهم کذلك،
ولا تطيق أن تراهم يتطهرون، لأنها لا تتسع
ولا ترحب إلا بالملوثين الدنسين الأقذار،
إنه منطق الجاهلية في كل حين !! )) (١).
وقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ.
إِلََّأَنْ قَالُواْ أَنْتِنَا بِعَذَابٍ اَللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ
(١) في ظلال القرآن ١٣١٦/٣.
لقد مكث لوط عليه السلام في قومه
مدة طويلة، يدعوهم إلى العقيدة الصحيحة
والأخلاق الفاضلة والشريعة القويمة
الحكيمة، التي جاء بها من عند الله تعالى،
ولكنهم صموا آذانهم وعموا أبصارهم عن
الحق، وقابلوا الحجج الساطعة والأدلة
القاطعة بالجحود والإنكار وأصروا على
کفرهم وتمادوا في غيهم وضلالهم، بل
وتعجلوا العذاب حتى يئس لوط من إيمانهم،
فدعا الله عز وجل أن ینجیه هو ومن آمن
معه ويخلصهم من أولئك المفسدين الذين
دنسوا الأرض ولوثوا العرض.
وقال سبحانه: ﴿قَالُواْ لَيْن لَّمْ تَنْتَهِ يَلُومٌ
لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَحِينَ ﴿ قَالَ إِنِّيِ لِعَمَلِكُم مِّنَ
اَلْقَالِينَ (٣)﴾ [الشعراء: ١٦٧ - ١٦٨].
بين لهم بغضه لعملهم القبيح وتبرأه منه،
قال صاحب الكشاف: (((ومن القالين) أبلغ
من أن يقول: إني لعملكم قالٍ، كما تقول:
فلان من العلماء، فيكون أبلغ من قولك:
فلان عالم؛ لأنك تشهد له بكونه معدودا في
زمرتهم، ومعروفة مساهمته لهم في العلم،
والقِلَى: البغض الشديد ؛ كأنه بغض يقلى
الفؤاد والكبد، وفى هذا دليل على عظم
معصيتهم، والمراد: القلى من حيث الدين
والتقوى، وقد تقوى همة الدين حتى تقرب
www. modoee.com
٢٥١

حرف اللامر
كراهته للمعاصي من الكراهة الجبلية)) (١). والفسق والفساد والعدوان، ووصفت تلك
وَمِّنَ الْقَالِينَ ﴾ كأنه
كذلك التعبير بقوله:
الفعلة بثلاثة أوصاف: الفاحشة، الخبائث،
والسيئات، فينبغي أن ينتبه العقلاء إلى ما
علیه السلام یشیر إلى أنه ليس وحده قالیا
لهذا العمل فكل عاقل لبيب سوي النفس يرمي إليه الشواذ من ترويج لفاحشتهم
مستقيم الفطرة لا بد وأن يقلى هذا العمل وتمرير لها وكسر القيود أمامها.
ويبرأ منه.
هكذا كان رد فعلهم، وموقفهم المعاند
من دعوة لوط عليه السلام هددوه إن لم
يتوقف عن مواعظه البليغة أن يخرجوه من
القرية، وكان منطقهم في ذلك كما أخبر
القرآن ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسُ يَنْطَهَّرُونَ﴾ كأن الطهر
في عرفهم السقيم صار جريمة تستوجب
العقوبة، أما الشذوذ والمجون فهو حقٌّ لهم
يدافعون عنه ويسعون إلى إسكات كل من
يعارضهم وينفرهم شأن الشذاذ في عصرنا
هذا، فقد كافحوا من أجل الدفاع عن فسادهم
وانحرافهم وحققوا نجاحا في بلاد الغرب،
حيث ارتفعت أصواتهم المنكرة، وكثرت
تجمعاتهم الفاجرة، وانتشرت منتدياتهم
المستهترة، وروجوا لتلك الفاحشة بتسميتها
بغير اسمها المعهود على مر العهود،
فسمي من يفعلون ذلك بالمثليين، حتى
يهدموا الأسوار ويحطموا الحواجز أمام
ذلك المرض الخبيث، بينما كان لوط عليه
السلام محقًا وكان صريحا في مناصحته
وإنكاره، فوصفهم بالإسراف والجهل
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٣١/٣. بتصرف.
٢٥٢
جَوَسُولَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريمِ

لوط عليه السلام
لوط عليه السلام مع زوجه
قال تعالى في سورة التحريم: ﴿ضَرَبَ
اللَّهُ مَثَلًاٌ لِّلَذِينَ كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَقْرَأَتَ
لُوطٍ كَانَّنَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ
فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا
وَقِيلَ أُدْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَِّينَ
١٠
[التحريم: ١٠].
والخيانة هنا هي: خيانة كفر لا خيانة
زنا، خيانة في الدين لا في العرض ؛ إذ نساء
الأنبياء معصومات من الوقوع في خيانة
العرض.
قال ابن كثير: ((﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ أي: في
الإيمان، لم يوافقاهما على الإيمان، ولا
صدقتاهما في الرسالة فلم يجد ذلك كله
شيئا ولا دفع عنهما محذورًا، ولهذا قال
تعالى: ﴿فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي:
لكفرهما ﴿وَقِيلَ﴾ للمرأتين ﴿أَدْخُلًا
﴾.
النَّارَ مَعَ الَّاخِلِينَ
﴿فَخَانَتَاهُمَا
وليس المراد بقوله:
في فاحشة، بل في الدين، فإن نساء الأنبياء
معصومات عن الوقوع في الفاحشة لحرمة
الأنبياء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
ما بغت امرأة نبي قط، كانت خيانتهما أنهما
كانتا على غير دينهما، فكانت امرأة نوح
تطلع على سر نوح، فإذا آمن مع نوح أحدٌ
أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وأما امرأة
لوط فكانت إذا أضاف لوط أحدا أخبرت به
أهل المدينة ممن يعمل السوء)) (١).
لقد كذبت امرأة لوط بزوجها، وكان
الأولى بها أن تكون أول من آمن به وأن
تکون عونا له علی دعوته ؛ لأنها أعلم الناس
بأحواله، وأقرب الناس منه، ولكنها آثرت
ما عليه قومها من الكفر والضلال ؛ فكان
عاقبتها الخسران والنكال.
ولم ينفعها زواجها من نبي الله لوط
عليه السلام، وما أجمل قول القشيري في
اللطائف: ((إن الجسارة على الزلة وخيمة
العاقبة، ولو بعد حين، ولا ينفع المرء
اتصاله بالأنبياء والأولياء إذا كان في الحكم
والقضاء من جملة الأشقياء)) (٢).
وسيأتي الحديث عن هلاكها .
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٣/٤
بتصرف.
(٢) لطائف الإشارات، القشيري ١٤٩/٣.
www. modoee.com
٢٥٣

حرف اللام
لوط عليه السلام مع بناته
ورد الحديث عن بنات لوط عليه السلام
حين جاءه قومه يهرعون إليه، ليراودوه
عن ضيفه المكرمين، فتزاحموا على بابه،
ولم تكن لديه القوة على دفعهم وحماية
ضيفه فعرض عليهم بناته للزواج، ردًا لهم
إلى الفطرة النقية وإلى الغريزة الطبيعية،
وصرفا لهم عن الشذوذ والانحراف الذي
استهواهم، لكنهم عزفوا عن الزواج بل
وتبجحوا ولمحوا ببغيتهم الخبيثة.
قال تعالى: ﴿وَجَّهُ، قَوْمُهُ, يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَأَتَّقُواْ اللّهَ وَلَا
◌ُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ ﴾
قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ
مَا تُرِدُ (٦) قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَىرَكْنِ
[هود: ٧٨ - ٨٠].
شَدِيدٍ {٨٠
وقد وصف لوط ما عليه بناته من طهر
وعفاف، كما مدح الله جل وعلا لوطا ومن
آمن به من آک بیته بکونهم شاکرین لله تعالی.
قال سبحانه: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطِم ◌ِالنُّدُرِ ) إِنّا
أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ نََّبْتَهُمْ بِسَتٍَ )
٣٥
نِعْمَةٌ مِّنْ عِندِنَأْ كَذَلِكَ نَجْزِى مَن شَكَرَ
نجى الله تعالى لوطا ومن آمن به من أهل
بيته ویظهر لي والله أعلم أنه لم يؤمن به إلا
بناته ولقد جاء الحديث عن نجاتهن معه عليه
السلام في سورة هود والحجر والذاريات،
قال تعالى في سورة هود: ﴿قَالُوا يَلُوطُ إِنَّا
رُسُلُ رَيِّكَ لَنْ يَصِلُواْ إِلَيْكٌ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ
مِّنَ الَتْلِ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُمْ أَحَدُّ إِلَّا أَقْرَأَنَكَ
ج
إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ﴾.
وفى سورة الحجر يقول تعالى: ﴿ قَالُوا
بَلْ جِئْنَكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ ) وَأَيْنَكَ
◌ِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَدِقُونَ ﴿ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعِ
مِنَ أَلَّيْلِ وَأَتَّبِعْ أَدْبَرَهُمْ وَلَا يَلْنَفِتْ مِنكُ أَحَدٌ
وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ
٦٥
وَأَمْضُواْ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ
ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْعُطُوْعٌ مُصْبِحِينَ
١٦
وقال تعالى في سورة الذاريات يقول عز
وجل: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٥) فّا
وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ (٦)﴾ فجمعوا
بين الإيمان والإسلام، الإيمان بكل ما يعنيه
من معانٍ وصفاتٍ، والإسلام الانقياد التام
لله تعالى.
٢٥٤
جوي
القرآن الكريم

لوط عليه السلام
لوط عليه السلام مع الملائكة
أولًا: الملائكة في طريقها إلى قوم
لوط:
في صورة من أبهى وأجمل الصور
البشرية جاءت الملائكة الكرام إلى إبراهيم
عليه السلام وبادروه بالتحية فحياهم بأحسن
منها.
قال تعالى في سورة هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ
رُسُلُّنَاْ إِبَهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمّ
فَمَا لَبِثَ أَنْ جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ، فَلَمَّا رَءَآ
أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ
خِيفَةٌ قَالُوا لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
٧٠
وَأَمْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن
وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ﴾ [هود: ٦٩ - ٧١].
وقال سبحانه في سورة الحجر:
﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَهِيَمَ ١ إِذْ دَخَلُواْ
عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ إِنَّا مِنَكُمْ وَجِلُونَ
٥٢
Cor
قَالُواْ لَا نَوَجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَيٍ عَلِيٍ
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَّسَِّىَ الْكِبَرُ فَيِّمَ
تَبَشِرُونَ
قَالُواْ بَشَّرْنَكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُنُ
(٥٤
مِّنَ الْقَيِطِينَ * قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ
رَبِّهِ: إِلَّا الضَّالُونَ ﴾ قَالَ فَمَا خَطِبُكُمْ أَيُّهَا
الْمُرْسَلُونَ ﴿ قَالُوا إِنَّا أُرْسِلِنَآ إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ
إِلَّءَالَ لُوطٍإِنَّا لَمُنَجُوهُمْ أَجْمَعِينَ ()
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَيِينَ
[الحجر: ٥١ - ٦٠].
وفى سورة الذاريات يقول جل وعلا:
﴿هَلْ أَنَنْكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ إِبْرَهِيَمَ الْمُكْرَمِينَ )
إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّا قَالَ سَلَمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ
(٢ فَغَ إِلَّ أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ ٦ فَقَرْهاً
إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ ) فَأَوْحَسَ مِنْهُمْ خِيـ
قَالُواْ لَا تَّخَفْ وَبَشَّرُوُهُ بِغُلَمٍ عَلِيمٍ ﴾ فَأَقْبَّلَتِ
أَمْرَأَتُهُ فِى صَرَّقٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُزُ عَقِيمُ
قَالُواْ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكٍ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ
الْعَلِيمُ * قَالَ فَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ(١)
قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَّوْرٍ مُّجْرِمِينَ ﴾ [الذاريات:
٢٤ - ٣٢].
وفى هذه الآيات الكريمة يخبر المولى
عز وجل عن نزول الملائكة في صورة
بشرية ومجيئهم إلى الخليل إبراهيم عليه
السلام حیث حیاهم عليه السلام بأفضل مما
حيوه، وبادر عليه السلام إلى إعداد الطعام
لضيوفه وقربه إلیهم إثر فراغه من إعداده،
فلم یمدوا إليه يدا ؛ فأنكر ذلك منهم ووجده
على غير ما يعهد من الضيف، فإن الضيف لا
يمتنع من طعام المضيف إلا لريبة، أو قصد
سيئ، وأحس في نفسه خيفة منهم، فلما رأوا
منه ذلك بادروا إلى تهدئة روعه وطمأنة
قلبه، فأظهروا حقيقتهم وكشفوا عن مهمتهم
التي من أجلها جاءوا، وهى إهلاك قوم
لوط وقطع دابرهم بعد أن تمادوا في الكفر
والطغيان وأصروا على الفسوق والعصيان،
وهنا يتجلى موقف الزوجة المؤمنة سارة
www. modoee.com
٢٥٥

حرف اللام
رضي الله عنها حيث فرحت واستبشرت
بهذه البشارة قال تعالى: ﴿فَلَمَّارَءَآ أَبْدِيَهُمْ لَا
تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةٌ قَالُوا لَا
◌َخَفَ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ، وَأَمْرَتُهُ قَآيِمَةٌ
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ
يَعْقُوبَ ﴾ [هود: ٦٩ - ٧١].
كانت قائمة من وراء الستر من أجل
خدمة الضيفان، وقيل كانت قائمة تخدمهم
بنفسها، وهى عجوز لا يخشى عليها ولا
منها الفتنة .
والضحك هنا على حقيقته، وسببه الفرح
والتعجب، فرحت حين سمعت الملائكة
الكرام يخبرون إبراهيم عليه السلام بأمر
نجاة لوط عليه السلام ومن آمن معه وهلاك
المكذبين به المعرضين عن دعوته وتعجبت
من حال الهالكين، كيف يتمادون في
الضلال ويصرون على الانحلال مع قرب
هلاکهم ؛ فالأولى بهم أن یتوبوا إلى الله قبل
فوات الأوان.
وهذا يدل على قوة إيمانها وحبها
وولائها للإيمان وأهله، وبغضها وبرائها من
الكفر وأهله .
قال ابن كثير: (((فضحكت) استبشارا
بهلا کهم لكثرة فسادهم وكفرهم وعنادهم،
فلهذا جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس ))
(١) .
وفي غمرة هذه المشاعر الإيمانية
جاءتها البشارة بالذرية الصالحة لتكتمل
فرحتها وتتم سعادتها، جاءتها البشارة وهي
في هذا الموقف المحمود، كما جاءت
البشارة لزكريا عليه السلام بالولد بعد طول
انتظار -جاءته البشارة وهو قائم يصلى في
المحراب - وكما أن الصلاة هي من أسمى
العبادات: فموالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه،
من أعظم القربات، وفى مجيء الملائكة
بالبشارة أعظم تكريم لها عليها السلام.
ثانيًا: الملائكة في ضيافة لوط عليه
السلام:
حق على قوم لوط العذاب، وجاءت
الملائكة الكرام إليه في صورة بشرية، كما
جاءوا إلى إبراهيم عليه السلام، وظن لوط
عليه السلام أنهم بشر كما وقع في ظن
إبراهيم عليه السلام ؛ فخاف لوط عليهم من
تحرش قومه بهم وتعرضهم لهم بالإيذاء،
ولولا حق الضيافة وآدابها لطلب منهم عليه
السلام أن يغادروا القرية في الحال، ولكنه
استحيا من مواجهتهم بالواقع المرير.
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلْنَا لُوطَّا سِّءٌ
بِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ عَصِيبٌ
﴾ [هود: ٧٧].
قال ابن كثير: ((قال المفسرون: لما
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٥٢/٢
٢٥٦
مَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
القرآن الكريمِ
بتصرف.

لوط عليه السلام
فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم بالخروج عن أهوائهم أدبروا عنه، ومقتوه،
جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا وربما أخرجوه من بلدهم)) (٢)، وقوم لوط
جاءوا يطيرون فرحا واهمين أنهم سينالون
مرادهم الخبيث ويحققون بغيتهم الدنيئة
علی عادتهم الرديئة.
أرض سدوم في صورة شبان حسان، اختبارا
من الله تعالى لقوم لوط، وإقامة للحجة
عليهم، فاستضافوا لوطا عليه السلام وذلك
ثالثًا: موقف قوم لوط عليه السلام من
ضیفه:
عند غروب الشمس، فخشي إن لم يضفهم
أن يضيفهم غيره، وحسبهم بشرا من الناس،
رَبِىَّ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمُ
عَصِيبٌ ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة:
شديد بلاؤه، وذلك لما يعلم من مدافعته
الليلة عنهم، وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا
یضیف أحدًا)) (١).
والظاهر أنه قاله مع نفسه تخوفا مما
يترقبه من طيش قومه وعدوانهم على ضيفه
مع قلة حیلته أمام قوتهم و کثرتهم واندفاعهم
الذي يتوقعه.
وقوله تعالى: ﴿وَجَآءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ
قَالَ إِنَّ هَتُؤُلَاءٍ ضَيْفِى فَلَ نَفْضَحُونِ
يَسْتَبْشِرُونَ {(١٧
وَأَنَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ ) قَالُواْ أَوَلَمْ
١٨
نَنْهَكَ عَنِ الْعَلَمِينَ ﴿ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِيَ إِن
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَهِمْ يَعْمَهُونَ
٧١
كُتُمْ فَعِلِينَ
[الحجر: ٦٧ - ٧٢].
((وهذه عادة أهل الغفلة، إن جاءهم
من يجدون فيه موافقة هواهم، هرعوا إليه
مستبشرين، وإن جاء من ينصحهم ويأمرهم
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير ص ١٩٣، ١٩٤
باختصار.
قال تعالى: ﴿وَجَّهُ، قَوْمُهُ, يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَقَوْمِ
هَؤُلَاءِ بَنَاتِ مُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا
تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلُ رَشِيدٌ
٧٨
قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ
مَا نُرِدُ ) قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِيإِلَى رُكْنِ
شَدِيدٍ ﴾ [هود: ٧٨ - ٨٠].
لما سمع قوم لوط بقدوم ضيف عليه
جاءوا مهرولين إلى بيته، يحث بعضهم
وَمِن قَبْلُ
بعضا، ويتدافعون صوب بيته .
كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ فسجلهم حافل
بالذنوب والآثام التي صارت لهم دیدنا
حتى أدمنوها وهو عليه السلام يعرف ذلك
منهم، فهم لا يتورعون عن معصية ولا
يتحرجون من منکرٍ ؛ مما زاد من خوف لوطٍ
عليه السلام وقلقه على ضيفه، فكانت هذه
البادرة القبيحة مما ينضاف إلى رصيدهم
السابق في الذنوب والعصيان بما جعلها
(٢) البحر المديد، ابن عجيب ٥٧/٣.
www. modoee.com
٢٥٧

حرف اللامر
القاصمة وعجل بهلاکھم .
قال ابن کثیر: «أي هذا مع ما سلف لهم
من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة)» (١) .
رابعًا: حوار بين لوط وقومه
﴿قَالَ يَقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِ هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمّ
فَتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ أَلَيْسَ مِنْكُمْ
رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨].
أدرك عليه السلام الغرض الخبيث الذي
جاء من أجله القوم، ورأى أنهم عازمون
على هذا الأمر فعرض بناته على قومه لكي
يتزوج بعض رجال القوم بهن حلالا طيبا،
ويهجروا عادتهم القبيحة المنكرة وهى
إتيان الرجال في أدبارهم، فإذا تزوج بعض
الرجال بهن فسوف يسير جميع القوم على
هذا السنن القويم والنهج المستقيم .
أدرك عليه السلام ذلك فأراد أن يوقظ
فيهم داعي الفطرة قبل فوات الأوان، ويبعث
فيهم روح النخوة والمروءة والطهارة
والكرامة، ويحيي ضمائرهم الميتة ويعمر
قلوبهم الخربة، يعمرها بتقوى الله عز وجل
التي هي جماع كل خير وأساس كل بر وهى
العصمة من كل سوء فقال لهم ﴿هؤلاء بَنَاتِى
هُنَّ أَظْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِ ضَيْفِىّ
أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨].
عودوا إلى الفطرة السليمة، وأقبلوا على
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير ص ١٩٤.
الزواج وانشدوا الحلال الطيب، وأنا أول
من يعرض بناته عليكم للزواج .
عرض عليهم أن يتزوجوا بیناته، ولكنهم
أبوا وآثروا الفاحشة المنكرة على الحلال
الطيب، آثروا الشذوذ والانحراف على
الطهر والعفاف، وقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا
فِىِ بَنَاتِكَ مِنْ حَقِّ وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا زِيدٌ ﴾ [هود:
٧٩].
قال الإمام الألوسي: ((عنوا به قضاء
الشهوة: أي ما لنا حاجة في بناتك، يجوز
أن یکون المعنی: ما لنا في بناتك نكاح حق؛
لأنك لا تری جواز نكاحنا للمسلمات وقيل:
إنما نفوا أن يكون لهم الحق في بناته؛ لأنهم
كانوا قد خطبوهن فردهم وكان من سنتهم
أن من رد في خطبة امرأة لم تحل له أبدا،
وقيل: إنهم لما اتخذوا إتيان الذكور مذهبا
کان عندهم هو الحق وأن نکاح الإناث من
الباطل فقالوا ما قالوا)) (٢)، ﴿وَإِنَّكَ لَنَعْلَمُ مَا
تُريدُ﴾ أي: تعلم أن بغيتنا ونهمتنا في الرجال
لا في النساء .
خامسًا: تمني القوة والمنعة والاعتذار
للضيف الكرام
﴿ قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ
﴾ [هود: ٨٠].
شَدِيدٍ (٨٠
ماذا يصنع نبي الله لوط عليه السلام في
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٢/ ١٠.
◌َالنَّفَسَّ
جوسين
القرآن الكريمِ
٢٥٨