النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الليك ٨ <. عناصر الموضوع مفهوم الليل ٢٨٢ الليل في الاستعمال القرآني ٢٨٣ الألفاظ ذات الصلة ٢٨٤ ٢٨٦ الليل آية كونية ٢٩١ أوصاف الليل ٢٩٧ أجزاء الليل ٣٠٠ الليل والعبادة ٣٠٤ الليل والعذاب ٣٠٦ ليال فاضلة ذكرت في القرآن ٣١٠ لمسات إعجازية في الليل المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ حرف اللام مفهوم الليل أولًا: المعنى اللغوي: يطلق الليل اسمًا على الزمن، وهو أشهرها، ولذلك يقولون: هو ضد النهار وخلافه(١). وهو الظلام الذي يحل فيه (٢). والليل: واحدٌ بمعنى جمع، وواحده ليلةٌ كـ تمرةٌ وتمرٌ(٣)، والجمع: ليالٍ وليائل وليالي (٤)، والليل اسمٌ لكل ليلة(٥)، وعليه: يكون القصد منه الزمن. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: حد الليل عند المفسرين والفقهاء يختلف عنه عند أهل اللغة، وبناءً على ما سبق من تعريف الليل عند أهل اللغة، يتضح ارتباط المعنى اللغوي والاصطلاحي في كونه مدة زمنية، لها وقت ابتداء وانتهاء؛ فاتفقوا في وقت الابتداء وهو غروب الشمس، ووقع الاختلاف في تحديد مدة انتهاء الليل، فأهل اللغة حدوه إلى طلوع الشمس، والفقهاء حدوه إلى طلوع الفجر الصادق الثاني، وهو الموافق لنص القرآن الكريم كما جاء في آية الصيام. ومن هنا فإن الليل هو عبارة عن: ظلام يحل كل يومٍ عقب النهار، مبدؤه من غروب الشمس، إلى طلوع الفجر الثاني الصادق(٦). وعليه؛ ففي التعريف قيدان: الأول: حلول الظلام وذهاب الضياء، وهذا يتم تدريجيًّا بدخول أحدهما وذهاب الثاني، كما قال الإمام ابن جرير الطبري (رحمه الله ٣١٠هـ) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ أَخْتِلَفِ آَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦]. ((إذا ذهب هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب هذا))(٧). الثاني: مدة زمن ابتداء الليلة وانتهائها، وهو من طلوع الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. (١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٣١٨/١٥، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٢٥/٥، لسان العرب، ابن منظور، ١٧٨/٨. (٢) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٣١٨/١٥، لسان العرب، ابن منظور ١٧٨/٨. (٣) لسان العرب، ابن منظور ١٧٨/٨. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ٥٨٩/٢، لسان العرب، ابن منظور ١٧٨/٨. (٥) تهذيب اللغة، الأزهري ١٤٩/٦. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/ ١٩٣، لسان العرب، ابن منظور ٦٠٧/١١، نظم الدرر، البقاعي ٩/ ٧٧، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص٢٩٣. (٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/١٥. ٢٨٢ جوسيس القرآن الكريم الليل الليل في الاستعمال القرآني وردت مادة (ليل) في القرآن الكريم (٩٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ﴿يُكَوْرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى الَّتْلِ المفرد ٨٨ [الزمر : ٥] الجمع ٤ وَسَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَنِيَةً أَيَّامٍ ﴾ [الحاقة: ٧] وجاء الليل في القرآن الكريم بمعناه اللغوي الذي: هو ما يعقب النهار من الظلام؛ من غروب الشمس إلى طلوعها أو إلى طلوع الفجر (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٥٦-٦٥٧، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص١١٦١ - ١١٦٢. (٢) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص٢٨٧، عمدة الحفاظ، الحلبي ٤ / ٦٠-٦١، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤٧١/٤. www. modoee.com ٢٨٣ حرف اللام الألفاظ ذات الصلة الظلمة: ١ الظلمة لغة: والظلمة: ضد النور، وضم اللام لغةٌ، وجمع الظلمة (ظلمٌ) و(ظلماتٌ) و(ظلماتٌ) و(ظلماتٌ) بضم اللام وفتحها وسكونها، وقد (أظلم) الليل، و(الظلام) أول الليل، و(الظلماء) الظلمة، وربما وصف بها، يقال: ليلةٌ ظلماء، أي: (مظلمةٌ) و(ظَلِمَ) الليل بالكسر (ظلامًا) بمعنى (أظلم) وأظلم القوم دخلوا في الظلام(١). الظلمة اصطلاحًا: قال الجرجاني: ((الظلمة: عدم الضوء فيما من شأنه أن يكون مضيئًا))(٢). الصلة بين الظلمة والليل: هناك علاقة اقتران بين الظلمة والليل، فالظلام مقترن بالليل، كالضياء مقترن بالنهار. النهار: ٢ النهار لغة: هو الضياء الواسع ممتدما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والنهار ضد الليل، يقال: طرفي النهار: أي أوله وآخره (٣) . النهار اصطلاحًا: قال الألوسي النهار هو: ((ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس» (٤). وقال ابن باديس النهار: ((هو الوقت الذي يتجلى على جانب الكرة المقابل للشمس فتضیؤه بنورها)»(٥). الصلة بين النهار والليل: النهار من الألفاظ المقابلة للفظة الليل، وغالب آيات الليل جاءت مقرونة بلفظ النهار. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٦٨/٣، مختار الصحاح، الرازي ١/ ١٩٧. (٢) التعريفات ص ١٤٤. (٣) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣١٨/١٤، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ٢٢٩٢/٣، معجم وتفسير لغوي لألفاظ القرآن، محمد حسن الجمل ١٢٢/٥. (٤) روح البيان، ٦/ ٢٢٢. (٥) انظر: تفسير ابن باديس، ص٤٥. ٢٨٤ مَوَسُولَةُ الَّفي القرآن الكريمِ لليل النور: ٣ النور لغةً: قال ابن فارس: ((النون والواو والراء أصلٌ صحيح يدل على إضاءةٍ واضطراب وقلة ثبات. منه النور والنار، سُمِّيا بذلك من طريقة الإضاءة؛ ولأن ذلك يكون مضطربًا سريع الحركة»(١). النور اصطلاحًا: قال الراغب: ((النور: الضوء المنتشر الذي يعين على الإبصار)) (٢). الصلة بين النور والليل: النور من الألفاظ المقابلة للفظة الظلام، فالنور عكس الظلمة، وأتي به هنا؛ لأنه خاصية للنهار كما أن الظلمة خاصية الليل. (١) مقاييس اللغة ٢٩٤/٥. (٢) المفردات ص ٨٢٧. www. modoee.com ٢٨٥ حرف اللام الليل آية كونية أولًا: الليل نعمة إلهية: إن من رحمة الله عز وجل بخلقه أن سَیِّرَ ونَظَّمَ لھم أمور حیاتھم، وجعل الليل والنهار شاهدين على ذلك، فقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الَّلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ وَالنُّجُومُ مُسَخَرَتٌ بِأَمْرِيَةٍ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]. «ووجه تسخير هذه الأشياء لنا: هو أن الله خلقها، وجعل فيها منافع للخلق؛ فجعل في النهار معاشًا للخلق وتقلبًا فيه يتعيشون، وجعل الليل راحةً لهم وسكنّاً، ينتفعون بهما، وكذلك ما جعل في الشمس والقمر والنجوم من المنافع: من إنضاج الفواكه والثمرات، وإدراك الزروع وبلوغها، ومعرفة الحساب والسنين والأشهر، ومعرفة الطرق والسلوك بها، وغير ذلك من المنافع ما ليس في وسع الخلق إدراكه))(١). ولذلك قال الله تعالى بعد هذه الآية ﴿وَإِن تَعْدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَاْ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨]. فجعل الليل من ضمن النعم المحكية. ولليل فوائد عظيمة ذكرها الله عز وجل في القرآن الكريم، ومن هذه الفوائد: بتصرف. ١. أنه جعل الليل سكنًا ولباسًا، والنوم فيه سباتًا. وهذه منة عظيمة من الله تعالى؛ إذ السكون راحة لكل متحرك بالنهار، فتهدأ به النفوس من التعب وتستقر الأبدان (٢). قال تعالى: ﴿فَلِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ الَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]. كما أنه سبحانه وتعالى جعل النوم سباتًا، أي: راحةً لأبدانكم بانقطاعكم عن الأشغال. قال تعالى ﴿وَهُوَ اَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ ◌ِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. وأصل السبات من التمدد. وقيل: للنوم سبات؛ لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة(٣). وفي الآية ((إشارة إلى أن النوم ظاهرة غير ظاهرة الراحة والسكون، فقد يستريح الإنسان ویسکن، ولکن وجوده کله حركة عن طريق العقل، الذي لا يكف عن العمل والتفكير، إلا بالنوم المستغرق، الذي یسکن فيه العقل، كما تسكن الجوارح، فالسبات (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٥٥٧، الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢١١٣/٣. (١) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤٨٣/٦ (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨/١٣ بتصرف. ٢٨٦ جوسي القرآن الكريمِ الليل هو السكون التام)» (١). ووصف سبحانه في الآية السابقة الليل بأنه كاللباس الذي يستر البدن ويواريه عن الأنظار، فكأن اللیل إذا دخل بظلامه غطی کل شيء وستره لکي ترتاح معه خلايا الكائنات الحية وتستعد لمزاولة عملها بنشاط في النهار (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَوْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرَاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَتِ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٦]. وتكرر جعل الليل للسكن في سورة الفصل التي هي فيه، فهناك ثمار لا تأتي إلا يونس (٦٧)، وسورة القصص (٧٣)، وسورة غافر (٦١). قال ابن كثير في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا الَّيْلَ لِيَسْكُنُواْ فِيهِ﴾ ((أي: فيه ظلامٌ تسكن بسببه حركاتهم، وتهدأ أنفاسهم، ويستريحون من نصب التعب في نهارهم»(٣). ٢. المصالح الدنيوية المترتبة على تعاقب الليل والنهار واختلافهما. لكي وهذه المصالح مسخرة للإنسان تستمر دورة الحياة لديه. ولذلك حث الله تعالى أولي الألباب على التفکر في اختلاف الليل والنهار. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٣٥/١٠. (٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٩٣/٥. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٥/٦. وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. قال السمين الحلبي (رحمه الله ٧٥٦هـ): ((والمراد باختلاف الليل والنهار: تعاقبهما، وذهاب هذا ومجيء الآخر، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢]»(٤). وفائدة تعاقب الليل والنهار وزيادة ساعات أحدهما على الآخر في فصول السنة الأربع: اختلاف الثمار وتنوعها بحسب في الصيف، وأخرى في الشتاء، وهكذا. ولذلك قال ابن كثير في قوله تعالى ﴿تُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فيِ اَلَّيْلِ﴾ [آل عمران: ٢٧]. ((أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان، ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة: ربيعًا وصيفًا وخريفًا وشتاءً)»(٥). وقال سيد قطب: ((وجعل حاجتهم إلى النشاط والعمل يلبيها الضوء والنهار، وحاجتهم إلى النوم والراحة يلبيها الليل والظلام، مثلهم مثل جميع الأحياء على ظهر هذا الكوكب على نسب متفاوتة في هذا ودرجات، وكلها تجد في نظام الكون العام (٤) القول الوجيز في أحكام الكتاب العزيز، تحقیق سورة آل عمران، ص ٣٧٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩/٢. www. modoee.com ٢٨٧ حرف اللام ما يلبي طبيعتها ويسمح لها بالحياة))(١). ٣. تجدد دورة الحياة واستمرارها. فلو كانت الحياة ليلًا لتعطلت مصالح الخلق، ولو كانت نهارًا لما وجد النوم والسكن والسبات، وكذلك الأمر في الكائنات الحية الأخرى کالنبات، فهي تحتاج للظلام كما تحتاج للنور، فتبارك الله أحسن الخالقين، وقد جاءت الإشارة في ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَهَ يْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ الَّلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَمَةِ مَنْ إِلَهُ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ [القصص: ٧١]. فوجود الليل أو النهار للأبد بمفرده يترتب عليه حصول الضرر بالخلق، وحصول السآمة والملل والتعب (٢)، فكان من حكمة الله وقضائه أن جعلهما متعاقبين. ٤. معرفة الأزمنة والأوقات، والاستدلال بها على الطرقات. قال تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٦]. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءُ وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِنَعْلَمُواْ عَدَدَ اُلْسِنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥]. وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا الَّيْلَ وَالنَّهَارَ ءَايَنَّيْنِ فَحَوْنَا ءَايَةَ الَتْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٥/ ٢٧٦٤. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ٢٥٢/٦. جوببيو القرآن الكريمِ لِتَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السّنِينَ وَالْحِسَابَّ وَكُلَّ شَىْءٍ فَضَّلْتَهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]. ولا شك في أن لمعرفة الزمن والوقت فائدة عظمى للمسلم وهي تنظيم وقته، وتحديد أهدافه وأعماله في اليوم والليلة. قال ابن كثير: ((يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام، فمنها مخالفته بين الليل والنهار، ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصناعات والأعمال والأسفار، وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام، ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك))(٣). ثانيًا: التفكر في آية الليل: إن المتأمل في كتاب الله عز وجل يجد أنه حث على التدبر والتفكر في خلق الليل والنهار، وامتدح المتدبرين بأنهم أصحاب العقول والألباب، وتارة وصفهم بالمتقين، وما ذلك إلا لأهمية التفكر في خلقهما. وقد ورد الحث على التفكر في اختلاف الليل والنهار الذي هو بمعنى التعاقب في خمسة مواطن في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْقُلْكِ الَّتِى تَجْرِى (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩/٥. ٢٨٨ الليل فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ لَيَتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]. وقد جاءت هذه الآية بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَيَّةٌ لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]؛ لتدل بالدليل القاطع على وحدانية الله واستحقاقه للعبادة، بعد ذكر صورٍ من مخلوقات الله وقدرته فيها وتسخيرها للخلق. ويتكرر المشهد مرة أخرى في القرآن عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضِ وَأَخْتِلَافِ أُلَيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَبِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما أنزلت عليه الآية: (ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر)(١). وقد «جعل الله آية الليل والنهار للتدبر والنظر المؤديين إلى الاستدلال على قدرة صانعها، المدبر لأمرها))(٢). وسئل الأوزاعي (رحمه الله ١٥٧هـ): ما غاية التفكر فيهن؟ قال: يقرؤهن وهو یعقلهن(٣). (١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، ٣٨٦/٢، رقم ٦٢٠، باب التوبة، وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب ١/ ٣٨٧. (٢) القول الوجيز، الحلبي ص ٢٧٤. (٣) الفتح السماوي، المناوي ٢٠٥/١. وكذلك الأمر في آية سورة يونس، بعدما ذكر الحكمة في التفريق بين وصف الشمس بالضیاء، وبين وصف القمر بالنور. والتفكر في آية الليل والنهار يزداد روعةً حينما يربط القرآن بينهما وبين الحياة والممات، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى يُّهِ، وَيُمِيتُ وَلَهُ لَخْتِلَفُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٠]. ((ثم إنه سبحانه حذر من ترك النظر في هذه الأمور فقال: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾؛ لأن ذلك دلالة الزجر والتهديد» (٤). وبيَّنَ سبحانه وتعالى أنه يلبس الليل النهار بظلامه، ويلبس النهار الليل بضيائه، وجعلها من الآيات التي من تفكر فيها دلت عليه، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَ مِنْ كُلِ الثََّرَتِ جَعَلَ فِيَهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِى الَّيْلَ النَّهَارُّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَیَتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. كما أخبر سبحانه بأن نعمة الليل والنهار تستوجب الشكر والتذكر، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَلََّ أَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢]. وجعل الاتعاظ بتعاقب الليل والنهار من خصال ذوي البصيرة. قال تعالى: ﴿يُقَلِبُ اللهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ ◌ِنَّفِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِّأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٤]. (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٩/٢٣. www. modoee.com ٢٨٩ حرف اللام والخلاصة: أن القرآن مليء بالآيات التي حثت على التفكر والتدبر في آية الليل والنهار، والنظر فيها بعين البصيرة والبصر؛ لتقود المرء إلى تقوية إيمانه بالله تعالى، وشکر نعمته فیھما. ثالثًا: علاقة الليل بالنهار: إن علاقة الليل بالنهار والنهار بالليل تدور بين التلازم من ناحية، وبين التضاد من ناحية أخرى. ١. علاقة التلازم. ومن خلال ما سبق يظهر بأن الليل والنهار آيتان متلازمتان يكمل كل منها الآخر، كما أنهما لا ينفكان عن بعضهما البعض، إذا ذهب هذا جاء الآخر، والعكس كذلك، وهذا ما يشير إليه لفظ القرآن في قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اَلَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِ اَلَّيْلِ﴾ [فاطر: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿يُغْشِى الَّيْلَ التَّهَارَ يَطْلُبُهُ. حَدِيثًا﴾ [الأعراف: ٥٤]. أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه حتى يذهب بنوره، وكل ذلك يكون بسرعة کبیرة (١). قال ابن كثير: «كل منهما يطلب الآخر طلبًا حثيثًا، يتعاقبان لا يفتران، ولا يفترقان بزمان غيرهما)) (٢) (١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٤٨٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٨٨/٥. وقال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّفِ ذَلِكَ لَعِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾ [النور: ٤٤]. قال ابن جرير: ((يعقب الله بين الليل والنهار ويصرفهما، إذا أذهب هذا جاء هذا، وإذا أذهب هذا جاء هذا، وفي تقلیبه الليل والنهار لعبرة لمن اعتبر به، وعظةً لمن اتعظ به، ممن له فهم وعقل»(٣). وقد سبق التنويه بأن لفظ الليل في غالب القرآن الكريم وأكثره جاء مقرونًا بالنهار، وهو من الدلائل الدالة على التلازم، فالتلازم اللفظي بينهما في القرآن يحرك المشاعر والعقول لإيجاد الحكمة من كثرة ذكرهما متعاقبين، ليصل إلى حقيقة سبب جعلهما آيتين: وهي العظة والعبرة والتفكر والتأمل في خلقهما، وشكر الباري سبحانه على نعمته فيهما، ومعرفة عظمة الله الخالق جل جلاله، وأنه المستحق للعبادة والخضوع والتذلل. ٢. علاقة التضاد. ومع كون العلاقة بين الليل والنهار متلازمة من حيث التتابع والتعاقب؛ إلا أنهما متضادان يختلف كل منها عن الآخر من ناحیتین: الأولى: من حيث الوصف بالظلمة والضياء، فالليل يأتي معه الظلام، والنهار يأتي معه الضياء، وشتان بينهما، ولكلّ (٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٢٠٣. ٢٩٠ مَوَسُوبَةُ النَِّيَة القرآن الكريم الليل فوائد. الثانية: أنهما لا يجتمعان في وقت واحد(١)، فهو من المحال الكوني وقوعه في سنن الله تعالى، وهذا ما يشهد له الواقع، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَلْبَغِى لَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا الَّيْلُ سَابِقُ اَلنَّهَارِ وَكُلّفِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: ٤٠]. قال الحسن: «لكل واحدٍ منهما سلطان، للشمس سلطانٌ بالنهار، وللقمر سلطانٌ بالليل»(٢). ومن هنا يستشعر المرء عظمة الله جل جلاله وحکمته في تدبير الخلق، فمع هذا الاختلاف الواضح بينهما يكونا متلازمين بتلازم حركة الأفلاك الدائرية، وتوالي أحدهما على الآخر، من غير اختلالٍ في النظام الكوني الفسیح، فسبحان الله رب العالمین، وأحكم الحاكمين. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٠/٣. (٢) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣١٩٦/١٠. أوصاف الليل إن الوصف يزيد الموصوف ظهورًا ووضوحًا، ويبين ماهيته، ويضيف فوائد من جراء ذلك الوصف. ولقد وصف الله تعالى الليل بأوصافٍ عديدة في القرآن الكريم، بيانها في التقسيم التالي: ١. السُّبات. والسُّبات: هو الراحة والسكون؛ ولذلك سمي السبت سبتًا، لأنه يوم راحةٍ ودعة (٣). قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ ◌ِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧ ]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاناً﴾ [النبأ: ٩]. والملاحظ في الآيتين السابقتين أن السبات وصفٌ للنوم لا لليل، وللإجابة عليه يرد احتمالان: الاحتمال الأول: أنه عطف النوم على الليل، والعطف متعلق بالجملة الفعلية، وهذا الملاحظ من آية الفرقان. الاحتمال الثاني: الإشارة والتنبيه على أن الراحة والسكون والنوم یکون بالليل، وهذا هو الأصل، ولذا كان من رحمة الله وحكمته أن جعل الراحة والنوم بالليل، فقد اكتشف (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥١/٢٤. www. modoee.com ٢٩١ حرف اللام العلماء أن في الدماغ غددًا صنوبرية تقوم وجدا للراحة والسكون، فهل هناك من فائدة زائدة؟! بإفراز مادة هرمونية تسمى الميلاتونين التي تؤثر وتساعد في عملية النوم، ويزداد إفرازها أكثر في الظلام(١). وقد ((أظهرت دراسة حديثة أن استخدام والأجساد؛ ولكن النوم يزيد على ما ذكر الکومبیوتر أو ألعاب الفيديو ليلا قد یحرم صاحبه النوم أثناء تلك الليلة، ويعود السبب في ذلك إلى أن الضوء الساطع لشاشة الكومبيوتر يمكن أن يغير موعد ٢. السجو. النوم من الناحية البيولوجية ويثبط الإفراز السين والجيم والواو أصل يدل على سكون وإطباق، يقال سجا الليل، إذا إِذْلَهَمَّ وسكن(٣). الطبيعي لهرمون الميلاتونين التي يعتبر مهمًّا لدورة النوم والاستيقاظ لدى الناس. ويقول الباحثون: إن التعرض للضوء يؤثر على كمية الميلاتونين التي ينتجها الجسم، والذي يؤدي بدوره إلى اضطراب النوم وخاصةً بین کبار السن»(٢). کما أن العلماء اكتشفوا أن النوم بالنهار يؤثر على الجهاز العصبي بعكس الليل؛ كل هذا له حكمة في دورة حياة الإنسان، فسبحان الله أحكم الحاكمين. وفي آية الفرقان يأتي تساؤل من جراء خلق الليل لباسًا والنوم سباتًا وكلاهما (١) انظر: مقالة لـ د.جابر بن سالم القحطاني في جريدة الرياض، نشرت في يوم الاثنين ٢٨ ربيع الأول ١٤٢٨ هـ، ١٦ أبريل ٢٠٠٧ م، العدد ١٤١٧٥. (٢) مقالة من موقع د.جمال عبد العظيم، نشرت في ٨ ديسمبر ٢٠١٠م. لا شك في أن الليل والنوم يشتركان في كونهما محطّةً زمنية لراحة الأبدان في أنه راحة للعقل، إذ إن العقل هو المحرك للبدن، ولا بد له من راحة حتى يستعيد نشاطه، وهذ ما يجعل لذكر النوم بعد الليل فائدة، والله سبحانه أعلم بمراده فيها. وهذا الوصف ورد مرة واحدة في القرآن الكريم، قال تعالى ﴿وَأَيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ٢]. وجاء في معنى الآية ثلاثة أقوال: القول الأول: والليل إذا أقبل، وبه قال سعيد ابن جبير (٤). القول الثاني: والليل إذا ذهب، وبه قال ابن عباس رضي الله عنهما. القول الثالث: واللیل إذا استوی وسکن، وبه قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد. وهو اختيار الطبري (٥)، وابن قتيبة (٦). (٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٣٧/٣. (٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٣٤٤٢/١٠. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٨٢/٢٤ -٤٨٤. (٦) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص٤٥٩. ٢٩٢ جوبيين القرآن الكريم لليد فیکون المعنی: واللیل إذا سکن و استوى بظلامه، أو عبارة عن استكنان المخلوقات فیه. منحى آخر في آيات القسم. ٣. السكن. والسكن: هو الراحة والهدوء، خلاف الاضطراب والحركة (١). وقد ورد ذكره في القرآن في سبعة مواضع، منها: قال تعالى: ﴿وَلَهُ،مَا سَكَنَ فِ اَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنعام: ١٣]. وقال تعالى: ﴿فَلِقُ اَلْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ أَلَّيْلَ سَكَنَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانً ذَلِكَ تَقْدِيرُ اٌلْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]. وهذه الآيات تدل دلالة واحدة على أن الحكمة من خلق الليل وإيجاده هو السكن والراحة وقطع الأشغال والأعمال - إلا من عبادة وضرورة -، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره النوم قبل العشاء والحديث بعدها (٢). وفي الآية الأولى إشارة إلى امتلاكه سبحانه لکل ساکنٍ في الليل والنهار، وجعل ذلك تمهيدًا لسعة علمه وإحاطته بكل شيء (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٨٨/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العصر، ١١٤/١، رقم ٠٥٤٧ في جميع الأوقات. وإنما خص الليل بالذكر لأن الساكن في ذلك الوقت يزداد خفاءً، وعطف النهار عليه وقد سبق الحديث عن هذه الآية من لتحقيق تمام الإحاطة والعلم (٣). وقيل: لأنه أغلب الحالين على المخلوق من الحيوان والجماد، ولأن كل متحرك يصير إلى السكون (٤). ((وقد جاء قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ كالنتيجة للمقدمة؛ لأن المقصود من الإخبار بأن الله يملك الساكنات التمهيد لإثبات عموم علمه، وإلا فإن ملك المتحركات المتصرفات أقوى من ملك الساكنات التي لا تبدي حراگا، فظهر حسن وقع قوله: وهو السميع العليم عقب هذا))(٥). وفي الآيات أيضًا امتنانٌ من الله تعالى على خلقه، بأن جعل الليل رحمة لهم، ونعمة تستوجب الشكر؛ ولكن أكثر الناس لا يشكرون. وبين سبحانه لعباده أن آية الليل هي محض فضل منه تعالى لا عن استحقاق منهم، ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [غافر: ٦١]. كما أن الآيات الكريمة كانت في سورٍ مكية لتدلنا على حقيقة تلك التعبيرات القرآنية المليئة بالقوة والجزالة، والمحاجة (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥٥/٧. (٤) معترك الأقران، السيوطي ١/ ٢٤٢. (٥) التحرير والتنوير ١٥٥/٧ - ١٥٦. www. modoee.com ٢٩٣ حرف اللام بالبراهين الكونية والعقلية التي توصل إلى على النهار فيغطيه، ولم يقل يغشي النهار الليل؛ لأن في الكلام دليلًا عليه. وقد بين نتيجة واحدة، وهي أن لهذا الكون إلاها ومدبرًا واحدًا يستحق العبادة والتوحيد. في آية أخرى: ﴿يُكَوّرُ الَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكوِرُ النَّهَارَ عَلَى الَّيْلِ﴾ [الزمر: ٥]. ٤. الغشي. الغين والشين والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدل على تغطية شيء بشيء(١). وهذا المعنى هو المقصود من قوله ﴿وَلَّلِ إِذَا يَفْتَى﴾ [الليل: ١](٢). وقيل: إذا غشي الخليقة بظلامه(٣). وعلى أي تفسير كان عليه هذا اللفظ، فإن المقصود منه الوصف الحاصل كل يوم بغشيان ظلام الليل وتغطيته لضوء النهار (٤). ومن ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِى سِنَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُنْشِى أَلَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ، حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخََّتِمٍ بِأَمْيِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَاْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]. وقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى مَذَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيَهَا رَوَسِىَ وَأَنْهَرًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ أَثْنَيْنِ يُغْشِ الَّيْلَ النَّارَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتِ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: ٣]. قال السمر قندي: ((يعني: إن الليل يأتي (١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /٤٢٥. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠ / ٨٠. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١٧/٨. (٤) انظر: النكت والعيون ٢/ ٢٣٠. فکذلك هاهنا معناه یغشي النهار الليل ويغشي الليل النهار؛ يعني: إذا جاء النهار يذهب بظلمة الليل، وإذا جاء الليل يذهب بنور النهار))(٥). وجاء في قراءة عاصم من رواية أبى بكر، وقراءة حمزة، والكسائي(٦): (يغشي) بالتشديد احتجاجًا بقوله تعالى ﴿فَغَشَّتَهَامَا غَشَى﴾ [النجم: ٥٤]. فالتشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعلٌ يتكرر ويتردد؛ وذلك أن كل ليلة غير ليل اليوم الآخَرِ، فالتغشية مكررة لمجيئها يومًا بعد يوم، وليلة بعد ليلة (٧)؛ ولذلك كانت أبلغ من قراءة التخفيف مع أن معناهما واحد(٨). وفي آية الأعراف، عقب ذكر غشيان الليل النهار بالطلب الحثيث، وهو السريع، ((لأن سرعة تعاقب الليل والنهار تجعل كل واحد منهما كالطالب لصاحبه)) (٩). (٥) تفسير السمر قندي ١/ ٥٢١. (٦) السبعة، ابن مجاهد ص ٢٨٢. (٧) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٢٣٩٧/٤. (٨) الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه ص١٥٦. (٩) النكت والعيون، الماوردي ٢٣٠/٢. جَوَسُوعَة النشيد القرآن الكريمِ ٢٩٤ لليد وفي آية الرعد، عقب ذکر غشيان الليل النهار بالتدبر والتفكر في آية الله فيهما، وقد ضمن ذلك المدح للمتفكرين عن غيرهم ممن عطل هذه العبادة القلبية العظيمة. ٥. اللباس. إن اللباس في الأصل جعله الله تعالى صفة لبني آدم. قال تعالى: ﴿يَبَِّيّ ءَادَمَ قَدْ أَنَزَلْنَا عَلَيْكُوْلَِاسًا يُؤْرِى سَوْءَاتِكُمْ﴾ [الأعراف: ٢٦]. ولكن اللباس استعير لوصف الليل بجامع الستر والتغطية، فكما أن اللباس يستر عورة بني آدم، فكذلك الليل يستر الخلائق بظلامه؛ لكي يرتاح من المشقة التي كانت في نهاره، ((ولما في هذا الستر من فوائد كثيرة لقضاء الحوائج التي يجب إخفاؤها))(١)؛ ولذلك قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّتْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَانًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٧]. وقال عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا اُلَِّلَ لِبَاسًا﴾ [النبأ: ١٠]. وقد ذكر الرازي بعض وجوه النعم من كون الليل ساترًا ولباسًا، فقال: ((وأما وجه النعمة في ذلك، فهو أن ظلمة الليل تستر الإنسان عن العیون إذا أراد هربا من عدو، أو بياتًا له، أو إخفاء ما لا يحب الإنسان إطلاع غيره عليه. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥/١٩. قال المتنبي: و کم لظلام الليل عندي من يدٍ تخبر أن المانوية تكذب وأيضًا فكما أن الإنسان بسبب اللباس يزداد جماله وتتكامل قوته، ويندفع عنه أذى الحر والبرد، فكذا لباس الليل بسبب ما يحصل فيه من النوم يزيد في جمال الإنسان، وفي طراوة أعضائه، وفي تکامل قواه الحسية والحركية، ويندفع عنه أذى التعب الجسماني، وأذى الأفكار الموحشة النفسانية، فإن المريض إذا نام بالليل وجد الخفة العظيمة)» (٢). ٦. النشوء. النون والشین والهمزة أصلٌ صحيحٌ يدل على ارتفاع في شيء، وأنشأه الله: رفعه. ومنه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. يراد بها والله أعلم القيام والانتصاب للصلاة (٣). جاء عن ابن أبي مليكة قال: سألت ابن عباس وابن الزبير عن ناشئة الليل قالا: قيام الليل. وعن ابن مسعود في قوله: ﴿إِنَّ نَاشِئَةً آلَّلِ﴾ قال: هي بالحبشية قيام الليل(٤). وقيل: إن الناشئة ما بين المغرب والعشاء، (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/ ١٠. (٣) مقايس اللغة، ابن فارس ٤٢٨/٥. (٤) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١٠/ ٣٣٨٠. www. modoee.com ٢٩٥ حرف اللام قاله أنس بن مالك. وقيل: ما بعد العشاء الآخرة، قاله الحسن ومجاهد. وقيل: إنها ساعات الليل؛ لأنها تنشأ ساعة بعد ساعة، قاله ابن قتيبة. وقيل: أنه بدء الليل، قاله عطاء وعكرمة. و قيل: أن اللیل کله ناشئة، قاله ابن عباس رضي الله عنهما (١). ولا تعارض یظهر -والله أعلم- بین هذه الأقوال؛ لأنها من باب اختلاف التنوع لا التضاد، فسواء أکان اللیل کله، أو ساعة منه، أو بدايته، أو بعد العشاء؛ كل ذلك يشمله قيام الليل. ومن هنا تأتي الحكمة في سر اختيار الله تعالى الليل على النهار في القيام بالعبادة، فالقلب یکون فيه أكثر خشوعًا، والبال والبدن أكثر هدوءًا، ولا يمكن حدوث ذلك مع النهار الذي يصحبه الصخب والتعب؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَشَدُّوَحْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. وقال تعالى لنبيه في آية أخرى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَأَنْصَبْ ، وَإِلَى رَبِّكَ فَأَرْغَب﴾﴾ [الشرح: ٧ - بدنه))(٤). ٨]. ثباتًا من النهار وأثبت في القلب، وذلك أن العمل بالليل أثبت منه بالنهار))(٢). وقد ورد في قوله تعالى: ﴿أَشَدُّ وَصْكَا﴾ (١) المصدر السابق. (٢) جامع البيان، الطبري ٦٨٤/٢٣. جَوَسُور القرآن الكريمِ قراءتان: الأولى: (وطئًا) مقصورة، وهي قراءة ابن کثیر، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي. الثانية: (وطاء) ممدودة، وهي قراءة أبي عمرو وابن عامر(٣). قال الماتريدي: ((فمن قرأ: (وطاء) بالمد، فتأويله من المواطأة، وهي الموافقة، أي: موافق للسمع، والبصر، والفؤاد؛ لأن القلب يكون أفرغ بالليالي عن الأشغال التي تحول المرء عن الوصول إلى حقيقة درك معاني الأشياء، وكذلك السمع والبصر يكون أحفظ للقرآن، وأشد استدراكًا لمعانیه. ومن قرأه: (وطئًا)، فهو من الوطء بالأقدام؛ فتأويله: أنه أشد على البدن وأصعب؛ لأن المرء قد اعتاد التقلب والانتشار في الأرض بالنهار، ولم يعتد ذلك بالليل، بل اعتاد الراحة فيه، فإذا كلف القيام والانتصاب برجليه في الوقت الذي لم يعتد فیه القیام، کان ذلك أشد علیه وأصعب على والخلاصة في أوصاف الليل المذكورة قال ابن جرير الطبري: ((ناشئة الليل أشد في القرآن: أنها صرحت وألمحت بأهمية الليل في استمرارية الحياة، وذكرت فوائده على الخلق والإنسان، وحثت على حسن استغلاله. (٣) السبعة، ابن مجاهد ص ٦٥٨. (٤) تأويلات أهل السنة ١٠/ ٢٧٣. ٢٩٦ لليد أجزاء الليل وقد ورد في القرآن الكريم ألفاظ تدل على أجزاء من الليل، ولكنها ترجع إلى ثلاثة أجزاء موزعة بين أوله وأوسطه وآخره، سأذكرها في المطالب الآتية: أولًا: الغروب. وهو أول الليل، والغروب: غياب الشمس، ولذلك يقال: غربت الشمس، أي: غابت في الغرب(١). وقد ورد ذكر الغروب في القرآن في قوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَيِّحْ بِحَمْدِرَيْكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوِهَا وَمِنْ ءَنَآَمٍ آلَّيْلِ فَسَيْحْ وَأَطْرَافَ النََّارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ [طه: ١٣٠]. وقوله عز وجل: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ اُلْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. والتسبيح هنا المقصود به الصلاة عند - ١٧] (٦). الجمهور (٢)، والصلاة التي قبل الغروب اختلف في تحديدها على قولين: القول الأول: أنها صلاة الظهر والعصر، قاله ابن عباس رضي الله عنه. القول الثاني: أنها صلاة العصر، قاله قتادة(٣). (١) لسان العرب، ابن منظور ٦٣٨/١. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٣٧٦. (٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ١٦٥. وعلى كلِّ؛ فإن في الآية لفت الانتباه إلى فضيلة هذين الوقتين المذكورين، والتقوي بالصلاة والذكر فيهما على مواجهة أمور الدنیا نهارًا، وشکر نعمة الله ليلاً. وأول أجزاء الليل يشمل الشفق، والزلفة، وكلاهما ذكرا في القرآن الكريم. قال الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَوةَ طَرَفَي التَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ الَّيْلَّ إِنَّ الْحَسَنَتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلَّكِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وقال الله عز وجل: ﴿فَلَّ أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]. والشفق: هو الحمرة في الأفق من ناحية الغرب ، وهي ضياءٌ من شعاع الشمس، وتكون من بعد غروب الشمس إلى صلاة العتمة (العشاء) (٤)، هذا على أرجح الأقوال(٥). وهو إيذانٌ بدخول الليل؛ ولهذا جاء الليل معطوفًا على الشفق ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ) وَالَّتْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ [الانشقاق: ١٦ والقسم بالشفق يدل على أهمية هذا الوقت، وأن له منزلة في اليوم والليلة؛ لكي یؤدي المسلم فیه صلاته، ويلتفت إلی ذکر الله بقلبه ولسانه، فیکون دائم الصلة به جل جلاله. (٤) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٥٠٧/١٦. (٥) وممن رجح ذلك الطبري في تفسيره ٣١٨/٢٤، والبغوي في تفسيره ٣٧٥/٨ ونسبه إلى ابن عباس وأكثر المفسرين. (٦) انظر: التحرير والتنوير ١٢/ ١٧٧ - ١٧٩. www. modoee.com ٢٩٧ حرف اللام والشفق هو الوقت الخاشع - الساكن - المرهوب بعد الغروب، یحس القلب بمعنی الوداع وما فيه من أسىّ صامت وشجىّ عميق، كما يحس برهبة الليل القادم، ووحشة الظلام الزاحف. ويلفه في النهاية خشوعٌ وخوفٌ خفي وسكون!(١) ويظهر ذلك من خلال التعبير عن الصلاة والزلفة: هي بضع ساعاتٍ من الليل، بالحسنات -على وجه الخصوص لا العموم -. وقيل: المنزلة، ومنه سميت مزدلفة؛ لأنها منزلة بعد عرفة، وقيل: القربة (٢). وقد أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم، الخطاب يتناول أمته؛ لأن المأمور به من الواجبات- في هذه الآية بإقامة الصلاة في طرفي النهار وطائفة من الليل، والأمر يقتضي الوجوب، ولا يكون ذلك إلا الصلوات المفروضة (٣). والمقصود بها في الآية الكريمة: صلاة العتمة (العشاء) (٤)؛ لأنها تصلى بعد مضي زلفٍ من الليل(٥). وعلى أي تفسيرٍ فسرت به الآية الكريمة، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٨٦٨/٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٠٥/١٥، مقاييس اللغة ٢١/٣. (٣) انظر: التحرير والتنوير ١٢/ ١٧٧ - ١٧٩. (٤) هذا على القول الراجح، وهو قول ابن عباس ومجاهد. أما القول الآخر: فهو أن المقصود بها صلاة المغرب والعشاء. انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٠٦. (٥) جامع البيان، الطبري ٥٠٦/١٥ ورجح أنها صلاة العتمة للعلة المذكورة. فإن المعنى المستفاد منها: أن أداء الصلاة المفروضة وإقامتها على الوجه الأكمل سببٌ في تحصيل الحسنات وتكفير السيئات؛ سواءٌ أكان المقصود منها الصلوات الخمس أم بعضها. ثانيًا: الغسق. والغسق أنه أول ظلمة الليل، وقد غسق الليل يغسق، أي: أظلم. والمقصود بالظلمة هنا اشتدادها؛ ولذلك عرف الغاسق بأنه: الليل المظلم إذا غاب الشفق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ﴾ [الفلق: ٣](٦)، أي: من شر ظلام الليل إذا دخل وهجم على الخليقة (٧). واشتملت سورة الفلق على ثلاثة أصول: الاستعاذة، والمستعاذ به، والمستعاذ منه. فالاستعاذة تدل على التحرز والتحصن والنجاة، وحقيقة معناها: الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. والمستعاذ به وهو الله وحده رب الفلق الذي لا ينبغي الاستعاذة إلا به، ولا (٦) انظر: تأويلات أهل السنة ٦٥٦/١٠، الصحاح، الجوهري ١٥٣٧/٤. (٧) جامع البيان، الطبري ٧٠٢/٢٤ ورجح أن المقصود بدخول المظلم: الليل، لا أنه كوكب الثريا، أو القمر. ٢٩٨ جوبيـ القرآن الكريم الليل یستعاذ بأحدٍ من خلقه، بل هو الذي یعید الله صلی الله عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا حين المستعیذین، ویعصمهم ویمنعهم من شر ما استعاذوا من شره(١). يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من یستغفرني فأغفر له)(٥). فدل على أن الليل ثلاثة أقسام من حيث المدة الزمنية. والمستعاذ منه الظلام أو الليل إذا دخل. والظلمة ليست شرًّا ليستعاذ منها - وكذلك الليل -؛ وإنما للشرور والأضرار المتوقع حصولها فيها، ((فأمر بالتعوذ مما يكون فيها، لا أن يكون منها»(٢). وذكر التعوذ من الغاسق بعد الاستعاذة من شر المخلوقات هو من ذكر الخاص بعد العام. ومن آيات الغسق في القرآن، قوله تعالى أَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَِّلِ وَقُرْءَانَ الْفَجْرِّ إِنَّ قُرْءَانَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. ثالثًا: السحر. السحر: هو الوقت الذي قبل طلوع صلاةً، وقراءة للقرآن، وتفكرًا وتدبرًا، الفجر، وهو ثلث الليل الآخر، ومنه السحور، وهو الطعام المأكول في وقت السحر(٣). وقال الزجاج: ((السحر أول إدبار الليل إلى أن يطلع الفجر الظاهر البين» (٤). وقد وردت أقوال كثيرة في تقسیم وقت الليل، وأظهرها ما جاء في السنة المطهرة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول (١) بدائع الفوائد، ابن القيم ٢٠٠/٢ - ٢٠٣ مختصرًا. (٢) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٦٥٦/١٠. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٦٧. (٤) معاني القرآن، الزجاج ٣٨٥/١. وهذا الوقت من الأوقات الفاضلة التي خصها الله بالصلاة والذكر والدعاء، لبيان فضل العبادة فيها. قال تعالى: ﴿الصَِّينَ وَالصََّدِّقِينَ وَاُلْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]. وقال عز وجل: ﴿وَآلْأَسَْارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٨]. والمقصود من هاتين الآيتين مدح المتعبدين بالليل، والحث على قضاء الليل بالعبادة سواءٌ أكانت ذكرًا واستغفارًا، أم والأفضل: الجمع بين العبادات قدر المستطاع، فصلاة الليل فيها قراءةٌ للقرآن ودعاء، ومن ثم تفكرٌ واستغفار ومناجاة. فينبغي للمؤمن أن يجعل لنفسه وقتًا في اليوم والليلة لکي پراجع نفسه، وأن يخصص ليله ببعض العبادات القلبية والعملية؛ لكي يزداد قلبه إيمانًا ويقينًا، وجسده قوة واستعدادًا لمواجهة الأشغال صباحًا. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التهجد، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل، ٢/ ٥٣، رقم ٠١١٤٥ www. modoee.com ٢٩٩ حرف اللام الليل والعبادة إن الله تعالى هو الأعلم بما يصلح عباده ويصلح لهم، فهو الحكيم في أمره ونهيه؛ ولذلك فرض عليهم أمورًا، وخصص أوقاتًا لها لحصول المنفعة لهم، وكان من ذلك: جعله سبحانه الليل ظرفًا زمنيًّا أوفر حظًّا من النهار في فعل العبادة بجميع أنواعها، وبين فضل ذلك وحث المؤمنين عليه. ولهذا كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم حين قالت له عائشة رضي الله عنها، وقد كان يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه - لم تصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا)(١). وعلى طريق القدوة مشى الصحابة والتابعون ومن تبعهم من الصالحين، فعرفوا فضل هذه المدة الزمنية من بين ساعات اليوم، فشمروا عن ساعد الجد، وأخذوا يهتبلون الفرصة فيه بفعل الطاعات والأنس بالله جل جلاله. ولقد تحدث القرآن الكريم عن عباداتٍ كثيرة تفعل بالليل، ومن ذلك: القيام، والتهجد، والذكر، والتفكر، وقراءة القرآن. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، ٦/ ١٣٥، رقم ٤٨٣٧. الوضوء صَوَسُولَةُ النفسية الْقُرآن الكَرِيمِ أولًا: قيام الليل: إن المتتبع لآيات القرآن الكريم يجدها تأمر بقيام الليل وتحث عليه، وقد ((كان قيام الليل واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى أمته حولًا، ثم نسخ في حق الأمة وجوبه، ثم بعد ذلك نسخ الله تعالى ذلك كله ليلة الإسراء بخمس صلوات))(٢). قال تعالى: ﴿قُ اَلَيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) نَصْفَدُو أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ) أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَ تَّرِلًا ٢) إِنَّ سَتُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًاً فَقِيلًا (٥) إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوُمْ قِيلًا﴾ [المزمل: ٢ - ٦]. والناشئة هي القيام، وسبق شرح هذه الآية في معنى النشوء، ويفاد من قوله تعالى في ختام الآية السابقة ﴿وَأَقْوَُّ قِيلًا﴾: التحريض على قيام الليل لكثرة الأجر فيه(٣). وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ الَلِ فَتَهَجَّدْ پِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا تَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. ففي هذه الآية أمرٌ خاصٌّ للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يتهجد بقراءة القرآن في صلاة الليل من باب الزيادة على المفروضات التي فرضها الله علیه، وهو لأمته ندبًا. والتهجد: التيقظ والسهر بعد نومةٍ من الليل (٤). والضمير في ((به)) عائدٌ على القرآن؛ لأنه (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٠٩/٧. (٣) معترك الأقران، السيوطي ٢/ ٤٢. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٢٣/١٧. ٣٠٠