النص المفهرس

صفحات 21-40

المال
فيعوضه الله خيرًا منها، ويؤتيه ثواب صبره الناس فيها: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا لَعِبُ
وَلَوْ وَزِينَةٌ وَتَفَاءٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِ اْأَمْوَلِ
وَالْأَوْلَدِ ﴾ [الحديد: ٢٠].
في الدنيا والآخرة؛ لذلك قال سبحانه:
﴿وَبَشِّرِ الصَّبِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم
مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ ) أُوْلَكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن ◌َزَّيِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَبِكَ هُمُ
اٌلْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: ١٥٥ -١٥٧].
أما الكافر أو المنافق فإن الدنيا تضيق
عليه إذا نزلت به المصيبة، مع الجزع
والتسخط وعدم الرضا، بل قد يؤدي به حزنه
إلى الاعتداء على الآخرين، والتفوه بما لا
يليق من الألفاظ مع الاعتراض الكامل على
قضاء الله وقدره.
سابعًا: المال مجال للتفاخر والتكاثر:
سمى الله تعالى المال (خيرًا)، ووصفه
بأنه (زينة)، ووصفه بأنه (فتنة)، ومن أوجه
كونه فتنة، أنه وسيلة لما يكون سببًا في
الوقوع في الإثم واستيجاب العذاب من
التنافس على الدنيا، والتكاثر في تحصيل
متعها ومتاعها وزينتها وزخرفها، والتفاخر
به، والتعالي على الناس بجمعه وتكثيره
وحيازته، حتى ينشغل القلب بهذا التكاثر
والتفاخر فيغفل ويلهى عن حقيقة الدنيا،
وزوالها وهوانها وسرعة انقضائها وفنائها،
وينسى الحياة الحقيقية والدار الآخرة الباقية
فيقصر في العمل والاستعداد لها.
قال عز وجل في وصف الدنيا وحال
وأخبر سبحانه عن حال الناس وانشغالهم
بالتنافس والتكاثر والتفاخر فيها مدة حياتهم
فقال عز وجل: ﴿اَلْهَنْكُمُ التَّكَائِرُ حَقَّ
زُرْتُ الْمَقَّابِرَ ﴾ [التكاثر: ١-٢].
والتكاثر: التباهي بكثرة المال والولد
والجاه والمناقب(١). ويقع على أحد وجوه
ثلاثة:
الأول: أن یکون بین الاثنین فیکون من
باب المفاعلة.
الثاني: أن يكون من فاعل واحد لكن على
سبيل التكلف، كما تقول: تكارهت على
كذا، إذا فعلته وأنت كاره . وتقول: تباعدت
عن الأمر، إذا تكلفت البعد عنه.
الثالث: أن يراد به مطلق الفعل، كما
تقول: تباعدت عن الأمر، أي: بعدت عنه.
والتكاثر الوارد في الآيتين يحتمل
الوجهين الأولين، فيحتمل التكاثر بمعنى
المفاعلة؛ لأنه كم من اثنين يقول كل واحد
منهما لصاحبه: ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزّ
نَفَرًا ﴾ [الكهف: ٣٤].
ويحتمل تكلف الكثرة، فإن الحريص
یتکلف جمیع عمره تکثیر ماله(٢).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/ ٧٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٢/ ٧٥.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الميم
وفي آیة الحدید جاء التكاثر مبينًا فيما
يكون حيث قال سبحانه: ﴿وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَلِ
وَالأَولَدِ﴾ فهذا تصریح بأن المكاثرة تكون
في المال والولد، أما في سورة التكاثر فجاء
الخبر مطلقًا ﴿الَهَنْكُمُ التَّكَثُرُ﴾ ولم يعين
المتكاثر به بل ترك ذكره، إما لأن المذموم
هو نفس التكاثر بالشيء، لا المتکاثر به، وإما
لإرادة العموم(١)، وذهب بعض أهل التفسير
إلى أن المتکاثر به هو المال والولد(٢)، حملاً
للعام على الخاص الوارد في آية الحدید.
وذهب آخرون إلى بقاء العموم على
عمومه، فیشمل ذلك کل ما یتکاثر فيه الناس
من مالٍ وولد وجاه ورئاسة ومسكن ومركب
إلخ (٣).
قال الرازي: ((وجاء في المراد بالآية
أن المنهي عنه هنا والمذموم هو التكاثر
بالمال، واستدلوا عليه بما ورد في
الحدیث،عن النبي صلى الله عليه وسلم
أنه كان يقرأ سورة التكاثر، وقال: (يقول
ابن آدم:مالي . مالي. قال: وهل لك، یا ابن
آدم من مالك إلا ما أکلت فأفنیت، أو لبست
(١) انظر: بدائع التفسير، ابن القيم ٣٠٧/٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ /٦٧٩،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٥/٢٠.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١١٥/٢٠، فتح القدير، الشوكاني ٦١٦/٥.
فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟)(٤) (٥).
قال ابن جرير: ((ألهاكم أيها الناس
المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم
وعما ینجیکم من سخطه علیکم، حتى متم
ودفنتم في المقابر)» (٦).
والعموم والإطلاق أبلغ في الذم؛ لأنه
يشمل كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويتفاخر
به المتفاخرون سوى طاعة الله تعالى، ومن
جملة ذلك بل وفي مقدمتها الأموال.
قال ابن القيم رحمه الله: «التكاثر في کل
شيء، فكل من شغله وألهاه التكاثر بأمرٍ من
الأمور عن الله والدار الآخرة فهو داخل في
حکم هذه الآية، فمن الناس من يلهيه التكاثر
بالمال، ومنهم من يلهيه التكاثر بالجاه أو
بالعلم، فیجمعه تكاثرًا وتفاخرًا، وهذا أسوء
حالًا عند الله ممن يكاثر بالمال والجاه، فإنه
جعل أسباب الآخرة للدنيا، وصاحب المال
والجاه استعمل أسباب الدنيا لها وكاثر
بأسبابها )) (٧).
وعلى ذلك فالتكاثر في المال مذموم،
لا سيما إن قصد به المفاخرة والمباهاة وهو
دليلٌ على حب الدنيا والتعلق بها والغفلة من
الآخرة والعمل لها.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزهد، رقم
٢٩٥٨.
(٥) انظر: مفاتيح الغيب ٧٤/٣٢.
(٦) جامع البيان ١٢/ ٦٧٩.
(٧) انظر: بدائع التفسير ٣٠٨/٥.
٣٧٠
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

المال
قال ابن الجوزي: «وأما من قصد جمعه
-أي: المال- والاستكثار منه من الحلال،
نظرنا في مقصوده، فإن قصد نفس المفاخرة
والمباهاة فبئس المقصود، وإن قصد
إعفاف نفسه وعائلته وادخر لحوادث زمانه
وزمانهم، وقصد التوسعة على الإخوان
وإغناء الفقراء وفعل المصالح أثيب على
قصده»(١).
وقال النووي رحمه الله في شرح الجمع والتكاثر؛ حبًا في التملك والاستئثار
حديث:(لو كان لابن آدم واديان من مال
لابتغی واديًا ثالثًا) قال: «فیه ذم الحرص على
الدنیا وحب المكاثرة بها والرغبة فیھا»(٢).
لکن قد تحصل الکثرة من غير تکاثر فهذا
لا يضر، وقد كان بعض الصحابة أهل كثرة
في المال ولم تضرهم، لكونها حاصلة من
غير تكاثر (٣).
فالمذموم هو التكاثر الملهي عن الآخرة،
والتكاثر الواقع في متاع الدنيا الزائل، أما
التكاثر في أسباب السعادة الأخروية فهو أمرٌ
مطلوب شرعًا (٤).
﴿وَفِ ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ
قال تعالى:
الْمُتَنَفِسُونَ﴾ [المطففين: ٢٦].
التسابق المحموم، والتنافس المسموم،
(١) انظر: تلبيس إبليس، ابن الجوزي ص٢٢١.
(٢) انظر: شرح صحيح مسلم ٧/ ١٢٥.
(٣) انظر: عدة الصابرين، ابن القيم ص١٩١.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٤١٤/٦.
والتكاثر المذموم، في كل غرضٍ من أغراض
الحياة، لا سيما مع الانفتاح اللا محدود،
والدور الكبير الذي تقوم به وسائل الاتصال
والإعلام، ووسائل التواصل المختلفة في
نشر مبدأ التكاثر والتنافس في متع الدنیا.
فقد يحصل الإنسان على كفايته ومطلوبه
في الدنیا، فيجد رزقه ویتيسر له قوته وقوت
ولده وأهله، ويملك مسكنه، لكنه ینزلق إلى
وطمعًا في الدنيا وحرصًا على متعها.
ومن التكاثر بالمال: التكاثر والتفاخر
بالدور وأثاثها وزينتها، والمزارع والضياع،
والسيارات، والهواتف المحمولة وأنواع
الكماليات التي أصبحت من سمات هذا
العصر، وأضحت المفاخرة بها واضحة
للعيان، وتعدت الضرورة والحاجة إلى
الكماليات بل إلى السرف المذموم، ويخشى
أن يدخل ذلك في الأشر والبطر والظلم
والكبر، ويخشى على الناس أن يسلبوا ما
أنعم الله به عليهم بسبب سوء استخدام هذه
النعم.
ولعل من أسباب التكاثر في المال
والمتأمل اليوم في حال الناس يرى والتنافس في جمعه والسعي في تكثيره،
كونه من أسباب السعادة الدنيوية العاجلة؛ إذ
به يتحصل الإنسان على ما يريده فيها. ومن
الأسباب كذلك اعتبار كثرة المال معيارًا
للأفضلية ودليلًا على الخيرية في مقاييس
www. modoee.com
٣٧١

حرف الميم
البشر المغلوطة.
وقد ضرب الله تعالى في كتابه الكريم
أمثالًا، وقص قصصًا، وحكى أخبارًا عمن
اغتر بماله و کثرته، وظن أنه دليل على الخير،
وحب الله تعالى له، ووافر حظه في الدنيا
والآخرة، و کیف کانت عاقبة أمره في الدنيا
مع ما له في الآخرة من جزاء؟!
فحكى سبحانه عن بني إسرائيل
اعتراضهم أن يكون طالوت ملكًا وقائدًا
حربيًا فقال: ﴿قَالُواْ أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ
عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً
مِنَ الْمَالِ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
فتوهموا أن الغنى والمال شرطٌ أساسي
في الملك؛ ولأنه كان فقيرًا لا مال له فإنه
حسب زعمهم لا يستطيع الحكم(١).
وفي سورة الكهف قص الله تعالی خبر
صاحب الجنتين ومحاورته لصاحبه المؤمن
حيث قال: ﴿وَكَانَ لَهُ, ثَمَرُّ فَقَالَ لِصَحٍِ، وَهُوَ
يُحَاوِرُهُمْ أَنْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا ﴾
[الكهف: ٣٤].
وهذا غاية الجهل؛ لأنه افتخر بأمرٍ لیس
فيه فضيلة ولا صفة تميزه عن صاحبه، فإن
النعمة الحقيقية هي نعمة الإيمان والإسلام
ولو مع قلة المال، أما ما عداها فهو معرض
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٥/١،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٩،
التفسير المنير، الزحيلي ٢/ ٤٢٢.
للزوال والبوار (٢)؛ لذلك قال له صاحبه
المؤمن: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ, وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ
◌ِالَّذِى خَلَفَكَ مِن تُّرَابٍ ثُمَّ مِن قُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّكَ
رَجُلً ا لَكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِ وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّ أَحَدًا
﴿ وَلَوْلاَ إِذْدَ خَلْتَ جَنَّثَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ اللَّهُ لَا
قُوَّةً إِلَّا بِاللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا
﴾ [الكهف: ٣٧-٣٩].
٣٩
وفي سورة مريم أخبر الله تعالى عن
المكذبين بالبعث المنكرين للحياة بعد
الموت فقال سبحانه: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى
كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوْنَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا
٧٧﴾ [مريم: ٧٧].
فهذا الكافر جمع بين كفره بآيات الله
تعالى ودعواه الكبيرة أنه سيؤتى في الآخرة
مالًا وولدًا، أي يكون من أهل الجنة؛ لأنه
کان صاحب مال في الدنیا، وهذا من أعجب
الأمور (٣).
وفي موضع آخر يذكر الله تعالى اغترار
الكفار فيقول عز وجل: ﴿وَقَالُواْ فَحْنُ
أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ
٣٥
[سبأ: ٣٥].
لما كان أولئك الكفار مترفون قد أنعم
الله علیهم بفضله في الدنيا، عیروا المؤمنين
الفقراء، وظنوا أن ذلك سبب لتميزهم
وتفاخرهم، ودليلٌ على محبة الله لهم
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٢٧.
(٣) انظر: المصدر السابق ص ٤٤٩.
٣٧٢
جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم

المال
ورضاه عنهم، وعن ما هم عليه من الكفر،
وقالوا: ما كان الله ليعطينا هذا في الدنيا، ثم
يعذبنا في الآخرة (١).
فرد الله عليهم وأبان لهم خطأهم بقوله
عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ
ويقدِرُ﴾ أي: إن الله يعطي المال لمن يحب
ولمن لا يحب، فیغني من يشاء، ویفقر من
یشاء، لا لمحبة لمن وسع علیه، ولا لبغض
لمن ضيق علیه، وإنما له في ذلك حكمة تامة
بالغة؛ ولأن الدنيا لا تساوي شيئًا في ميزان
الله، كما قال صلى الله عليه وسلم: (لو
کانت الدنیا تعدل عند الله جناح بعوضة ما
سقى كافرًا منها شربة ماء) (٢).
﴿وَلَكِنَّأَكْثّ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ﴾ أي: إن أكثر
الناس لا يعلمون حقيقة سنن الله في الكون،
فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في
مسألة الرزق غلطٌ بين، أو مغالطة واضحة،
فقد يعطي الله العاصي والكافر استدراجًا
وإمهالًا، ويمنع الطائع والمؤمن ابتلاءً
واختبارًا؛ ليصبر فتكثر حسناته عند الله.
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩٥/٢٢.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب
ما جاء في هوان الدينا على الله، ١٣٨/٤،
رقم ٢٣٢٠، وابن ماجه في سننه، كتاب
الزهد، باب مثل الدنيا، ١٣٧٦/٢، رقم
٤١١٠.
قال الترمذي: حديث صحيح غريب من هذا
الوجه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٩٣٧/٢، رقم ٥٢٩٢.
وبذلك يتبين أن ما يزعمه المترفون
من أن مدار التوسعة هو الشرف والكرامة،
ومدار التضييق هو الهوان والذل، لا حقيقة
له ولا أصل في تقدير الله تعالى (٣).
فهذه النظرة خطأ محض وقياس
باطل؛ لأن الإمداد بالأموال - كما تقدم
- غالبًا ما يكون للاستدراج، كما قال
عزوجل: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُهُمْ بِهِ، مِن ◌َّالٍ
وَبَيِّنَ ٥ تَُارِعُ لَّمْ فِ اَلْخَيْرَتِّ بَل لَّا يَشْعُرُونَ﴾
[المؤمنون: ٥٥ - ٥٦].
أي: أيظن هؤلاء المغرورون أن ما
نعطيهم من الأموال والأولاد؛ لكرامتهم
علينا ومعزتهم عندنا، أو دليل على أنهم
من أهل الخير والسعادة وأن لهم خير الدنيا
والآخرة ؟ كلا ليس الأمر كما يزعمون في
قولهم: ﴿فَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ
بِمُعَذَّبِينَ
﴾ [سبأ: ٣٥].
٣٥
لقد أخطؤوا في ظنهم، وخاب رجاؤهم،
بل نفعل ذلك استدراجًا وإملاءً لهم؛ لهذا
قال: ﴿بَلَ لَّا يَشْعُرُونَ﴾ أي: لا يحسون أنما
نفعل ذلك بهم استدراجًا وأخذًا بأيديهم
إلى العذاب إن لم يتوبوا (٤)، كما قال تعالى:
﴿إِنَّمَا نُمْلِ لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران:
١٧٨].
وقال عز وجل: ﴿فَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ چِهذَا
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩٥/٢٢.
(٤) انظر: المصدر السابق ١٨/ ٥٩.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الميم
اَْدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأَتَلِى عن الاغترار بالأموال والأولاد))(٢).
لَمُّ إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ﴾ [القلم: ٤٤-٤٥].
وقال تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ
وَلَآ أَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِىِ
الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾
[التوبة: ٥٥].
﴿وَلَا تُعْجِبُّكَ أَمْوَلهُمْ
وقال سبحانه:
وَأَوْلَدُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اَللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِ الدُّنْيَا
(٨٥
وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
[التوبة: ٨٥].
أي: لا تعجبك أموال الكفار وأهل
النفاق، ولا أولادهم، ولا سائر نعم الله التي
آتاهم، فإنما هي من أسباب المحن والآفات
والعذاب عليهم. فأموالهم في الدنيا سبب
لتعذيبهم، والمراد بالعذاب هنا ما ينالهم
من المشقة في تحصيلها والسعي الشديد في
جمعها، حيث يتعبون في ذلك، ويصحبهم
الهم والقلق والخوف الشديد عليها، ثم هي
في الآخرة عذابٌ علیھم، حیث یموتون على
الكفر والنفاق الموجب لدخول النار (١).
والآيتان في التوبة مع تفاوت في بعض
الألفاظ ((وفائدة التكرار التأكيد والتحذير
من الاشتغال بالأموال والأولاد، مرة بعد
أخرى، بسبب شدة تعلق النفوس بها،
حتى لا تحجب عن طلب ما هو أولی وهو
الاشتغال للآخرة، فهي تحذير ونھيُ صريح
(١) انظر: المصدر السابق ١٠/ ٢٥٠.
وقد أبان سبحانه ميزان القربى عنده،
والنجاة والأمن من عذابه وأنها ليست
بكثرة المال، وإنما بالإيمان والعمل الصالح
فقال سبحانه: ﴿ وَمَا أَمْوَلُكُمْ وَلَا أَوْلَدُكُمْ بِالَّتِى
تُقَرِّيَّكُمْ عِندَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا
فَأَنْلَكَ لَهُمْ جَّهُالضَّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ
ءَمِنُونَ ﴾ [سبأ:٣٧].
وقال عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ
تُغْفِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اللّهِ شَيْئاً
وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴾ [آل عمران: ١٠].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ
أَمْوَلُهُمْ وَلَاَ أَوْلَدُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُوْلَئِكَ
[آل
١١٦
أَصْحَابُ النَّارِّ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ
عمران: ١١٦].
أُ مَالَ وَلَا
وقال عز وجل:
بَنُونَ ﴿ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
٨٩
[الشعراء: ٨٨-٨٩].
فدل ذلك على أن المال لا ينفع صاحبه
يوم القيامة ولو افتدى نفسه بملء الأرض
ذهبًا إلا من آمن بالله وأحسن، واستعمله في
طاعة الله تعالى، وأنفقه في سبيله.
وقد حكى سبحانه تحسر ذلك المغتر
بماله يوم القيامة فقال: ﴿مَآ أَغْنَى عَنّ مَالِيَةٌ
﴾ [الحاقة: ٢٨].
٢٨
وقال سبحانه تنديدًا بالكافر: ﴿وَمَا يُغْنِى عَنْهُ
(٢) انظر: المصدر السابق ٣٣٨/١٠.
٣٧٤
فَضْو
القرآن الكريمِ

المال
مَلُهُ إِذَا تَرََّ﴾ [الليل: ١١] أي: إذا مات وهلك
وسقط في جهنم.
وقال عز وجل عن أبي لهب: ﴿ مَآ أَغْنَ
عَنْهُ مَالُهُ, وَمَاكَسَبَ ﴾ [المسد: ٢].
وخلاصة القول في ذلك: أن الكرامة
والمكانة للعبد عند الله ليست بالمال
وكثرته، بل بالإيمان والتقوى والعمل
الصالح.
كسب المال بين المشروع والممنوع
أولًا: كسب المال المشروع:
الإنسان في هذه الحياة لا غنى له عن
المال، الذي هو عصب الحياة وقوامها؛
لذلك نجد الإنسان يميل بطبعه وفطرته
للكسب وحيازة المال وتحصيله، إذ يرى
أن قوام حياته وتلبية حاجاته وتوفير قوته
وقوت من يعوله متعلق بذلك، وبه يغني
نفسه ويعفها عن السؤال والذل والحاجة.
وهذا الميل الفطري لا يدخل في الافتتان
بالمال مادام أن الإنسان التزم العدل والحق
في السعي لکسبه، ومادام أن تحصيله وفق
ضوابط الشرع من الكسب الطيب الحلال،
الذي ليس به اعتداء، ولا ظلم، ولا ضرر
على الغير، ومادام أن المال عنده وسيلة
لتحقيق غاية، وليس غاية يبذل كل وسيلة في
سبيل الحصول عليه.
فالقرآن الكريم كما يحذر من الافتتان
بالمال والالتهاء بجمعه وتکثیره و تحصیلہ،
ويبين عاقبة من كانت هذه حاله، فإنه لا
يرضى بالرهبنة والإعراض عن الدنيا وزينتها
بالكلية ومن جملة ذلك المال .
يقول تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧].
والآيات التي وصفت المال بأنه (زينة)
و(فتنة) وسبب للهو وما فيها من المفاضلة
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الميم
متاع الحياة الدنيا وما عند الله (الباقيات
الصالحات) خيرٌ وأبقى أجرًا وثوابًا، إنما
هي في المفاضلة بين المال الفاني الزائل
بزوال الدنيا، وبين الأجر الثابت الباقي
الدائم عند الله في الآخرة.
ويخطيء من يظن أن المفاضلة هنا بين
كسب المال وترك كسبه وجمعه، فإن ذلك
مخالف للفطرة والطبع البشري الإنساني،
إنما المفاضلة بين تعظيم المال وتقديسه
حتى يصبح عند صاحبه معبودًا، وبين من
رعى حق الله تعالى فيه وابتغى رضاه وأنفقه
في سبيله، وجعله طريقًا له إلى الجنة.
ولیس في الآيات ما يدل على نبذ الدنيا
ورفض العمل والكسب نفورًا من المال
وإيثارًا لما عند الله، فهذا فهمٌ سقيم خاطئ
يتناقض مع روح الإسلام و جمعه بین الدنيا
والدین.
بل القرآن يقر جمع المال وتحصيله،
ويشرع ويبين السبل الصحيحة في كسبه،
ويدعو إلى التماس أبواب الرزق المتنوعة،
ويبيح أنواعًا من الاكتساب، ويفتح أصنافًا
من وسائل طلب الرزق، ويلفت النظر إلى ما
في هذا الكون من منابع الثروات، ومصادر
الخيرات، ويحثهم على الاستفادة منها
واستغلالها .
قال تعالى: ﴿أَلَمْتَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَّافِي
بين الدنيا والآخرة، والتنبيه على أن كل ذلك السَّمَوَتِ وَمَا فِ آلْأَرْضِ﴾ واعلمهم أن الأرض
بكل ما عليها خلقت لانتفاع الإنسان بها،
وجعلت مجال عمله وكسبه بكل ثرواتها
ظاهرًا وباطنًا.
قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
ذَلُولًا فَأَمْشُواْ فِى مَنَاكِهَا وَكُلُواْ مِنْ رِّزْقِهِ، وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
[الملك: ١٥].
وحثهم سبحانه على ابتغاء فضله
والضرب في الأرض طلبًا للرزق والتكسب.
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاعُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٨].
﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ
وقال سبحانه:
فَأَنتَشِرُواْ فِي الْأَرْضِ وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾
[الجمعة: ١٠].
قال الشوكاني: ((﴿فَأَنتَشِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ﴾
للتجارة والتصرف فيما تحتاجون إليه من
أمر معاشكم ﴿وَأَبْنَغُواْ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي:
من رزقه الذي يتفضل به على عباده بما
يحصل لهم من الأرباح في المعاملات
والمكاسب)»(١).
وفيه إباحة لطلب الرزق بالتجارة،
يعني: اطلبوا الرزق من الله تعالى بالتجارة
والكسب.
قال السعدي: ((﴿فَنْتَشِرُواْ فِ الْأَرْضِ﴾
(١) انظر: فتح القدير ٢٨٢/٥.
٣٧٦
حَرُ النَّفْسِيْ
جوبيع
القرآن الكريم

المال
لطلب المكاسب والتجارات))(١).
وقال الزحيلي: «أباح لهم عقب الفراغ
من الصلاة الانتشار في الأرض للتجارة
والتصرف في الحوائج))(٢).
وقال عز وجل: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ
◌َرْضَىٌّ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن
فَضّلِ اَللَّهِ ﴾ [المزمل: ٢٠].
قال ابن كثير: «أي: مسافرون يبتغون من
فضل الله في المكاسب والمتاجر))(٣).
وحث النبي صلی الله عليه وسلم على
الکسب فقال: (ما أکل أحد طعامًا قط خيرًا
من أن یأکل من عمل یدیه وإن نبي الله داود
عليه السلام كان يأكل من عمل يده) (٤).
وضرب الله تعالى الأمثلة على الكسب
والعمل وطلب الرزق بأفضل الخلق وهم
الأنبياء والرسل، فآدم کان فلاحًا يحرث
الأرض ويزرعها، وإبراهيم الخليل كان
بناءً، وقد بنى البيت، وإلياس كان نساجًا،
وداود کان حدادًا يصنع الدروع، وموسى
کان راعیًا للغنم، وعیسی کان يعمل بالطب،
عليهم صلوات الله وسلامه أجمعين، ونبينا
محمد صلى الله عليه وسلم عمل في صغره
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٨٠٠.
(٢) انظر: التفسير المنير ٢٨/ ٢٠٧.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ /٤٦٨.
(٤) أخرجه رواه البخاري في صحيحه، كتاب
البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده، رقم
٢٠٧٢.
برعي الغنم ثم في شبابه بالتجارة، فكل نبي
كانت له حرفة يبتغي من خلالها فضل الله
ورزقه؛ لأن من الدين أن يقوم الإنسان بأداء
ما تتطلبه هذه الحياة من زراعة وصناعة
وتجارة وحرفة ومهنة، بالطريقة التي يرشدنا
إليها القرآن؛ لهذا نراه يأمر الناس باستخدام
وسائل الإنتاج المتاحة لهم في جميع
المجالات على هذه الأرض.
وكسب المال بالأوجه المشروعة
والوسائل المباحة إما أن يكون عن طريق
العمل والجد والكد كالتكسب بأنواع
المهن والحرف من تجارة وزراعة وصناعة
وصنوف المعاملات، وإما أن يكون تحصيلًا
للمال و کسبًا له من غیر عمل أو بذل جهد
كالمال الذي يتحصل عليه الإنسان من
وصیة، أو هبة، أو ميراث.
قال الحافظ ابن حجر في بيان معنى
(الكسب الطيب) الوارد في بعض نصوص
الحديث: ((ومعنى (الكسب) المكسوب،
والمراد به ما هو أعم، من تعاطي التكسب أو
حصول المكسوب من غير تعاطٍ كالميراث،
وكأنه ذكر الكسب؛ لأنه الغالب في تحصيل
المال، والمراد بـ (الطيب) الحلال؛ لأنه
صفة الكسب))(٥).
وقال في شرحه لـ (باب كسب الرجل
وعمله بيده): «عطف العمل باليد على
(٥) انظر: فتح الباري ٣٢٧/٣.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الميم
الكسب من عطف الخاص على العام؛ لأن
الكسب أعم من أن يكون عملًا باليد أو في كسب المال وتحصيله التي جاء التحذير
بغيرها)»(١).
ثانيًا: كسب المال الممنوع:
كما فتح الله تعالى لعباده وسائل
الكسب الحلال من أصناف المعاملات
والحرف والمهن والمزاولات، وكما أمرهم
بالسعي في الأرض وابتغاء فضله في شتى
المجالات، وفصل لهم ما أحل لهم من
الطيبات والتعاملات، فإنه كذلك بين لهم ما
حرم عليهم من الكسب، حفاظًا على الأمة
ووحدتها، وحمايةً لها من الفساد بأنواعه.
فإِنَّ حبَّ الإنسان للمال إذا استشرى
في النفس، وجاوز حده الطبيعي، انقلب
من كونه غريزة وفطرة في الطبع البشري،
ليكون مرضًا عضالًا؛ لأنه يصير المال
غاية لا وسيلة، فيسلك كل طريق لتحصيله
وجمعه وتکثیره، ویتفنن في وسائل کسبه،
دون التفريق بين الحلال والحرام، بل يعتقد
أنه متی حل المال بيده صار حلالًا، وقد
يخوض في المعاملات المحرمة ووسائل
الكسب الممنوعة والمشبوهة، کلُّ ذلك من
أجل كسب المال
لذا فقد كشف القرآن العظيم عن
المعاملات الممنوعة، وحرمها ونفر منها
(١) انظر: المصدر السابق ٣٨١/٥.
ورهب من تناولها، ومن الوسائل المحرمة
منها في القرآن ما يلي:
١. الربا.
ومعنى الربا في اللغة: مأخوذ من
الزيادة (٢).
وفي الشرع: هو الزيادة في أشياء
مخصوصة، والزيادة على الدَّيْنِ مقابل
الأجل مطلقًا (٣) . ويطلق على شيئين: ربا
الفضل وربا النسيئة (٤).
وقد وردت عدة نصوص في القرآن
الكريم تحذر من الربا، وتنهى عنه، بل غلظ
الله تعالى في عقوبة هذا الكسب، والذي
أفرط فيه كثير من الناس- وبخاصة في هذه
العصور-حتی قل أن يسلم أحد من الربا أو
غباره.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبُواْ لَا
يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُّ
مِنَ الْمَسَّْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِبَوأَ
وَأَحَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الْرِّيَوْ فَمَنْ جَهُ مَوْعِظَةٌ مِن
رَّيِّهِ، فَانْتَهَى فَلَهُ, مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ: إِلَى اللَّهِ وَمَنْ
عَادَ فَأُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ
يَمْحَقُ اللَّهُ الْرَّواْ وَيُرْبِىِ الصَّدَقَتِ وَاللَّهُ لَا
٢٧٥
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٠٤/١٤،
النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير
١٩١/٢.
(٣) انظر: الشرح الممتع، ابن عثيمين ٣٨٧/٨.
(٤) انظر: فتح القدير، ٢٩٤/١.
٣٧٨
ـَ البَشَـ
جوية
القرآن الكريمِ

المال
يُحِبُّ كُلَ كُفَّارِأَنِيم (
[البقرة: ٢٧٥ - ٢٧٦].
٢٧٦
ثم قال: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَتَّقُواْ
اَللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِن كُنْتُمْ مُؤْ مِنِينَ (١)
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨-٢٧٩].
وقال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَأْكُلُواْ الرِّبَوْاْ أَضْعَدِفًا مُضَعَفَةٌ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].
فهذا خبرٌ من الله تعالى عن أَكَلَةِ الربا
وسوء حالهم ومآلهم وشدة منقلبهم،
حیث إنهم يقومون من قبورهم لنشورهم،
كالذي يصرعه الشيطان، فيقومون حيارى
مضطرين، أحوالهم أحوال المجانين.
وقيل: المعنى: لما انسلبت عقولهم في
طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم،
وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم
کالمجانین.
ثم بين سبحانه شؤم الربا على صاحبه
بأنه يمحق ويذهب بركة المال، فيكون سببًا
في وقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وفي
مقابل ذلك تكون البركة والنماء والزيادة في
المال الذي أخرجت منه الصدقات (١).
وبعد أَنْ بَيَّنَ الله تعالى لهم حال أَكَلَّةٍ
الربا وعقابهم وأثره عليهم، خاطب أهل
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص ٩٧.
الإيمان، ونهاهم عن الربا؛ لأن الإيمان هو
الوازع الأقوى والدافع الحقيقي للبعد عن
کل ما حرمه الله تعالی.
فمن كان مؤمناً وجب عليه الامتثال
بالابتعاد عن الربا، فإنَّ أَكْلَ الربا والتعامل به
دلالة عدم الإيمان.
وقد نَدَّدَ الله تعالى باليهود وبين
عاقبة أمرهم لما استحلوا الربا فقال
سبحانه: ﴿فَيُطَلِمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ كَثِيراً { وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَوْأْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ﴾
[النساء: ١٦٠- ١٦١].
وقد كان الربا منتشرًا بشكل كبير في
الجاهلية، فجاء الإسلام وحرمه ومنعه،
وکان التحذير الإلهي من التعامل به وأكله،
وکذا حذر منه النبي صلی الله عليه وسلم،
وفي الحديث: (لعن رسول الله صلى الله
عليه وسلم: آكل الربا، ومو كله، و كاتبه،
وشاهديه)(٢) .
واعتبره النبي صلى الله عليه وسلم من
السبع الموبقات كما في حديث: (اجتنبوا
السبع الموبقات) وذكر منها: أكل الربا(٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب لعن آكل الربا، ١٢١٩/٣، رقم ١٥٩٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا،
باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال
اليتامى ظلمًا)، رقم ٢٧٦٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر
وأكبرها، رقم ١٤٥.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الميم
فالربا أخبث الكسب وأكبر الكبائر،
وأعظم الجرائم، يهلك الأموال قليلها
وكثيرها، ويستوجب صاحبه اللعن ما لم
يتب، وهو حرب لله ورسوله، كما في
الآيات السابقة، وأين التوفيق والبركة
والخير لمن حارب الله ورسوله ؟
ومع كل هذا التحريم والتهديد لآكل
الربا والمتعامل به، فإن فئات من المسلمين
قد تجرَّؤوا على حدود الله تعالى، وأكلوا
الربا، وخالفوا أمر الله تعالى ورسوله
الكريم، وكان للبنوك النصيب الأكبر في
خوض الناس في هذا الكسب الباطل،
بتضليلهم، وتنميق المسميات، وتزيفها،
إضافةً إلى الإعلانات عبر وسائل الإعلام،
تحت شعارات مضللة، وانتشار الأسهم
والمساهمات المشبوهة، كل هذا مع
جهود العلماء في التبيين والتعليم والتذكير
والتحذير وإصدار الفتاوى.
لكن اللهث وراء المادة والمال، والتعلل
بأتفه الأسباب، والانسياق خلف إعلانات
البنوك والشركات والمساهمات، أوقع كثيرًا
من الناس في الربا؛ فخالفوا أمر الله تعالى
وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم، والله تعالى
يقول: ﴿فَلَيَحْدَرِ الَّذِينَ يُخَالِقُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْ مُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيِرُ
٦٣
[النور: ٦٣].
وقال عز وجل في المتعاملين بالربا:
﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَتَعَدَّ
حُدُودَهُ، يُدْسِلْهُ نَارًاً خَلِدًا فِيهَا وَلَهُ.
عَذَابٌ مُهِيرٌ ﴾ [النساء: ١٤].
فكل من تعامل بالربا فقط عرض نفسه
للوعيد والعقاب الشديد في الدنيا والآخرة،
بل إن آكل الربا یعذب من وقت موته، كما
في الحديث (رأيت الليلة رجلين أتياني
فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقا حتى
أتينا على نهر من دم، فیه رجل قائم، وعلى
وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل
الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن
يخرج رمی الرجل بحجر في فيه فرده حیث
کان، فجعل كلما جاء ليخرج رمی في فيه
بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ماهذا ؟
فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا) (١).
٢. الرشوة.
والمقصود بها ما يعطي من مالٍ لإبطال
حقّ أو لإحقاق باطل.
قال القرضاوي: ((هي ما يدفع من مال
إلی ذي سلطان، أو وظيفة عامة، ليحكم له
أو علی خصمه بما یرید هو، أو ینجز له عملًا
أو يؤخر لغريمه عملًا)) (٢).
وقال الصنعاني: ((الراشي هو الذي يبذل
المال ليتوصل به إلى الباطل، مأخوذ من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، رقم ٢٠٨٥.
(٢) انظر: الحلال والحرام ص ٢٤.
٣٨٠
جوبي
القرآن الكريمِ

المال
الرشا وهو الحبل الذي يتوصل به إلى الماء البعض لا يتورع عن قبض الرشوة، ولا
في البئر))(١).
وقد جاء في نصوص الشرع النهي عن
الرشوة وأخذها وبيان عقوبة فاعلها.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْمُكَامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
جاء فى معنى الإدلاء بها إلى الحكام
أنه الدفع والإعطاء، أي: لا تعطوا الحكام
وترشوهم بالأموال ليقضوا لكم بما هو
أکثر منها، هذا المعنى على القول بأن مرجع
الضمير في ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا﴾ عائد على
الأموال(٢). وفي الحديث: (لعن رسول الله
الراشي والمرتشي والرائش) (٣).
والراشي: دافع المال، والمرتشي: آخذه،
والرائش: الذي يسعى بينهما. وكلهم في
الذنب والعقوبة سواء.
والرشوة من وسائل أكل أموال الناس
بالباطل، وقد أصحبت ديدنًا لكثير من
الناس فى هذا الزمان، نتيجة الفساد الإداري
المالي الذي فشا في المجتمع، فصار
(١) انظر: سبل السلام شرح بلوغ المرام،
الصنعاني، ٤٣/٢.
(٢) انظر: التفسير المنير ٢/ ١٦٥.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٨٥/٣٧، رقم
٢٢٣٩٩.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
ص ٦٧٥، رقم ٤٦٨٤.
يتحرز من دفعها، وهذا من التهاون بكبيرة
من كبائر الذنوب، وأكل للحرام والسحت
الذي نهى الله عنه، قال ابن مسعود في
تفسير ﴿أَكَلُونَ لِلِسُّحْتِ﴾: ((السحت أن
يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك،
فإن أهدى لك فلا تقبل)»(٤).
وكذا فسره ابن عباس وابن مسعود
وقتادة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير،
بأن السحت: الرشوة (٥). وعند الراغب:
(سميت الرشوة سحتًا))(٦).
٣. أكل أموال الناس بالباطل.
وهذا یعم کل کسب حرام، فكل ما أخذ
بالباطل فهو حرام، فيدخل فيه ماتقدم من
الربا والرشوة ويدخل فيه غيره من أبواب
الكسب المحرم،الذي هو أکل لأموال الناس
بالباطل.
وقد نهى الله تعالی عن أكل أموال الناس
بالباطل في أكثر من موضع في كتابه العزيز.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُم
بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ
فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ اَلنَّاسِ بِأَلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ١٨٨].
قال الشوكاني في تفسير الآية: ((هذا يعم
(٤) انظر: نيل الأوطار، الشوكاني ٤ /١٧٢.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٤/ ٥٧٩.
(٦) انظر: المفردات ص ٢٢٥.
www. modoee.com
٣٨١

حرف الميم
جميع الأمة وجميع الأموال، لا يخرج عن به نفس مالكه كمهر البغي وحلوان الكاهن
وأثمان الخمور والخنازير وغير ذلك»(٢).
فتفسیر (الباطل) علی وجھین:
ذلك إلا ما ورد دلیل الشرع بأنه يجوز أخذه،
فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، وماکول
بالحل لا بالإثم، وإن كان صاحبه كارهًا
كقضاء الدَّيْنِ إذا امتنع منه من هو عليه،
وتسليم ما أوجبه الله من الزكاة ونحوها،
ونفقة من أوجب الشرع نفقته . والحاصل
أن ما لم يبح الشرع أخذه من مالكه فهو
مأكول بالباطل، وإن طابت به نفس مالكه
کمهر البغي وحلوان الکاهن وثمن الخمر.
وقوله: ﴿وَتُدْلُواْ﴾ المعنى: إنكم لا
تجمعوا بين أكل أموال الناس بالباطل وبين
الإدلاء بها إلى الحكام بالحجج الباطلة .
وفي هذه الآية دليلٌ على أن حكم الحاكم لا
يحلل الحرام ولا يحرم الحلال، فمن حکم
له القاضي بشيء مستندًا في حكمه إلى
شهادة زور أو یمین فجور فلا يحل له أكله،
فإن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل،
و کذا إذا أرشی الحاکم فحکم له بغير الحق
فإنه من أكل أموال الناس بالباطل)) (١).
قال القرطبي: ((الخطاب بهذه الآية
يتضمن جميع أمة محمد صلى الله عليه
وسلم، والمعنى:لا یأکل بعضكم مال بعض
بغير حق، فيدخل في هذا: القمار والخداع
والغصوب وجحد الحقوق وما لا تطيب به
نفس مالكه، أوحرمته الشريعة وإن طابت
(١) انظر: فتح القدير ٢٤٤/١.
جَوْسُورٌ
القرآن الكريم
أحدهما: أن يأخذه من غير طيب نفسٍ
من مالكه كالسرقة والغصب والخيانة.
والثاني: أن يأخذه بطيب نفسه كالقمار
والغناء وثمن الخمر(٣).
وقال السعدي في تفسير الآية: «يدخل
في ذلك أكلها على وجه الغصب والسرقة
والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك،
ويدخل فيه أيضًا أخذها على وجه المعاوضة
بمعاوضة محرمة كعقود الربا والقمار كلها،
فإنها من أكل المال بالباطل؛ لأنه ليس في
مقابلة عوض مباح، ويدخل في ذلك أخذها
بسبب غش في البيع والشراء ونحوها،
ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل
أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم
يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك أخذ الأجرة
على العبادات والقربات التي لا تصح حتى
يقصد بها وجه الله تعالى، ويدخل في ذلك
الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف
والوصایا لمن ليس له حقٌّ منها أو فوق حقه،
فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل،
فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه، حتى ولو
حصل فيه النزاع، والارتفاع إلى حاكم
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣٣٨/٢.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١٨٨/١.
٣٨٢

المال
الشرع، وأدلی من یرید أكلها بالباطل بحجة
غلبت حجة المحقِّ، وحكم له الحاكم
بذلك، فإن حکم الحاکم لا یبیح محرمًا ولا
يُحِلُّ حرامًا))(١).
وعليه فتناول الحرام محرم من أي
وجه کان، سواء أكان رشوة أو سرقة أو ربا
أو غلولًا أو قمارًا أو غصبًا، أو اختلاسًا
من وراء وظيفة، أو قيمة شيء محرم أو
أجرته، كثمن آلات اللهو والصور المحرمة
والكتب والمجلات والصحف المشتملة
على الإلحاد أو الخلاعة، وكثمن الخمر
والدخان، وکالأجرة على الرقص والغناء
والعزف، وعلى شهادة الزور، وما اقتطع
بیمین کاذبة أو أخذ بغیر حقّ، وإن كان حکم
به القاضي، إلى غير ذلك من طرق الكسب
الحرام.
ومما ورد في النهي عن أكل أموال الناس
بالباطل، قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِ
إِلَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَّاضِ مِّنَكُمْ﴾
[النساء: ٢٩].
وخص الله تعالى اليتيم بالنهي عن أكل
ماله لضعفه، فقال عز وجل: ﴿وَأَبْلُواْ الْيَتَمَ
حَّى إِذَا بَلَغُواْ أَلِنِّكَحَ فَإِنْ ءَانَسْتُمُ مِّنْهُمْ رُشِّدًا
فَدَّفَهُوَاْإِلَتِهِمْ أَمْوَُّ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ
يَكْبرُواْ﴾ [النساء: ٦].
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ٧٠.
وفي التشنيع على آكل مال اليتيم
يقول سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ
الْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَضْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
وفي الأمر بحفظ مال اليتيم وعدم
التعرض له إلا بما فيه صلاحه ونفعه، يقول
تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَنِيِ إِلَّا بِأَلَّتِى هِىَ
أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢ والإسراء: ٣٤].
وأكل أموال الناس بالباطل من صفات
اليهود، فقد ذكر الله تعالى أن أكل الحرام
من صفات اليهود المغضوب عليهم فقال
تعالى: ﴿سَنَّعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّلُونَ
لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿وَتَرَ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَرِعُونَ فِي
آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَّ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٢].
وأخبر سبحانه أنه حرم على اليهود
كثيرًا من الطيبات عقوبةً لهم على ظلمهم
وإعتدائهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل،
فقال سبحانه: ﴿فَيُظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا
عَلَيَّهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَخْذِهِمُ الْرِّبَواْ وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ
كَثِيرًا
أَقْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِّ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا
أَلِيمًا﴾[النساء: ١٦٠- ١٦١].
قال شيخ الإسلام: ((والأصل في ذلك أن
الله حرم في کتابه أکل أموالنا بيننا بالباطل،
وذم الأحبار والرهبان الذين يأكلون أموال
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الميم
الناس بالباطل، وذم اليهود على أخذهم
الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس
بالباطل، وهذا يعم كل ما يؤكل بالباطل في
المعاوضات والتبرعات وما يؤخذ بغير رضا
المستحق والاستحقاق، وأكل المال بالباطل
في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه:
هما الربا والميسر، فذكر تحريم الربا الذي
هو ضد الصدقة في آخر سورة البقرة وسورة
آل عمران والروم والمدثر، وذم الیھود علیه
في سورة النساء، وذكر تحريم الميسر في
المائدة)) (١).
وأكل أموال الناس بالباطل باب واسع،
وصوره كثيرة ومتعددة ومما جاء التنبيه إليه
في القرآن ما يلي:
١. السرقة، قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ
وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَآءٌ
بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[المائدة: ٣٨].
٣٨
٢. أكل أموال الناس بالقمار والميسر
والخمر. قال تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
إِنَّمَا الْخَتُرُ وَاُلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَمُ رِجْسٌ مِّنْ
عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ
وَالْبَغْضَآءَ فِ الْخَيْرِ وَالْمَيْسِ وَيَصُدُّكُمْ عَنْ
ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوَوْ فَهَلْ أَنْتُم مُّنَهُونَ
[المائدة: ٩٠- ٩١]. والميسر يشتمل
(١) انظر: القاعدة النورانية، القاعدة الثانية.
على مفسدتين كما ذكر ابن تيمية:
((مفسدة أكل المال بالحرام، ومفسدة
اللهو الحرام والصَّدِّ عن ذكر الله وعن
الصلاة، والوقوع في العداوة والبغضاء»
(٢). والمقصود بالميسر القمار بأي نوع
کان.
٣. أكل أموال الناس بالرشوة . وقد تقدم.
٤. أكل أموال الناس بالربا . وقد تقدم.
٥. أكل أموال الناس بالتطفيف في الكيل
والميزان. قال تعالى: ﴿وَأَوْفُواْ الْكَّلَ
إِذَا كِلْتُمْ وَزِئُواْ بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِّ ذَلِكَ خَيْرٌ
[الاسراء: ٣٥].
وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾﴾
﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
وقال سبحانه:
الَّذِينَ إِذَا أَكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
٢
وَإِذَا كَالُوَهُمْ أَوْ وَزَنُهُمْ يُخْسِرُونَ
٣
[المطففين: ١-٣].
٦. أكل أموال الناس باسم الشرع
والتقرب والتزلف إلى الله تعالى،
کما کان الأحبار والرهبان يأخذون
أموال أتباعهم ضرائب وفروضًا باسم
الكنائس والبِيَعِ، أو مقابل صكوك
الغفران، وإصدار الفتاوى لتحليل
الحرام والحکم بغير ما أنزل الله، وغير
ذلك، ويوهمونهم أن النفقة فيه من
الشرع والتزلف إلى الله، وهم يحجبون
تلك الأموال ویأکلونها بالباطل، فكانوا
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٧/٣٢.
٣٨٤
جوببيو
القرآن الكريمِ

المال
يأكلون الدنيا بالدين، لذلك ندد الله
بهم في قوله: ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَلَ النَّاسِ
◌ِلْبَطِلِ﴾ [النساء: ١٦١]. وقال سبحانه:
﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ
لَيَأْكُلُونَ أَمْوَلَ النَّاسِ بِالْبَطِلِ﴾
[التوبة: ٣٤]. ومثل ذلك النذور التي
تدفع، والأوقاف التي تخصص القبور
الأنبياء والصالحين، أو الأموال التي
تصرف مقابل الدعاء والشفاعة (١) .
إضافة لما ورد في السنة من بيانٍ
للمعاملات المحرمة كالغصب والنهب
والغش والاحتكار وأصناف البيوع التي نهى
عنها النبي صلى الله عليه وسلم، فالتعامل
بأحدها هو أكل لأموال الناس بالباطل.
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٩/٦،
١٩١/١٠.
الاعتدال والوسطية في الإنفاق
من أعظم مميزات وسمات الدين
الإسلامي: الوسطية، فهو يأمر بالوسطية
والاعتدال، ويقيم جميع الأوامر والنواهي
والتوجيهات والتشريعات على هذا المبدأ
العظيم، فيأمر بالتوسط في كل أمر، وينبذ
الإفراط أو التفريط، ويرشد إلى أقوم الطرق
وأسدها وأعدلها في كل شؤون الحياة.
ومن ذلك أمره بالاعتدال في الإنفاق
واتخاذ المنهج القويم بين الإسراف والتبذير
والبخل والتقتير.
والناس في الإنفاق طرفان ووسط:
هناك القابضون أيديهم، البخلاء
بأموالهم، المقترون على أنفسهم
وأهليهم، فضلًا عمن سواهم .
وعلى النقيض من هؤلاء، آخرون
مسرفون مترفون، باسطوا أيديهم كل
البسط.
وبين هؤلاء وهؤلاء قلة من الناس
سلكوا السبيل القويم، والتزموا العدل
والاعتدال، واتخذوا بین ذلك سبيلاً.
وقد جاءت آيات الكتاب العزيز تحذر
من الضدين - الإسراف والبخل - وتأمر
بالطريق الوسط المعتدل بينهما وتقرر
سلامة هذا المنهج الشرعي وتؤيده .
فنهى عن البخل، وحذر من هذا
www. modoee.com
٣٨٥

حرف الميم
المسلك، وبين انحراف هذا المنهج فقال
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ
بِمَآءَاتَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، هُوَ خَيْرَمُّ بَلْ هُوَ شَرٌّ
لَُّ سَيُطَوَّقُونَ مَا يَخْلُواْ بِهِ، يَوْمَ الْقِيَمَةُ وَإِلَّهِ
مِيرَاثُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].
وقال عز وجل: ﴿وَاَللَّهُلَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ
فَخُورٍ ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ
بِلْبُخْلِ وَمَن يَتَوَّلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
[الحديد: ٢٣-٢٤].
(٢٤)
وقال مبينًا خصلة من خصال المنافقين:
﴿فَلَمَآ ءَاتَنُهُم ◌ِن فَضْلِهِ، بَخِلُواْ بِهِ، وَتَوَلَّوأ
وَهُم مُعْرِضُونَ ()﴾ [التوبة: ٧٦].
وقال سبحانه: ﴿مَأَنتُمْ هَؤُلَاءَ تُدْعَوْنَ
لِتُنفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّن يَبْخَلَّ وَمَن
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِِِّ وَاللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُرُ
الْفُقَرَآءُ وَإِنِ تَتَوَلَّوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًّا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا
يَكُونُواْ أَمْثَلَكُمْ ﴾ [محمد: ٣٨].
وقال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآيِنَ
رَحْمَةٍ رَبِّ إِذَا لَأَمْسَكُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِّ وَكَانَ
اُلْإِسَنُ﴾ [الإسراء: ١٠٠].
قال ابن کثیر: «یقول تعالی لرسوله صلی
الله عليه وسلم قل لهم يا محمد لو أنكم
أيها الناس تملكون التصرف في خزائن الله
لأمسكتم خشية الإنفاق، قال ابن عباس
وقتادة: أي: الفقر خشية أن تذهبوها، مع أنها
لا تنفد ولا تفرغ أبدًا، لأن هذا من طباعكم
وسجاياكم، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ
قَتُورًا﴾ .
قال ابن عباس وقتادة: أي: بخيلًا مَنُوعًا،
وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلَّكِ فَإِذَا لَّا
يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾ أي: لو أن لهم نصيبًا
في ملك الله لما أعطوا أحدًا شيئًا ولا مقدار
نقير)) (١).
وقال القرطبي في تفسير قوله: ﴿ وَلَا
يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَآ ءَاتَمُهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ،
هُوَ خَيْ الَمُّ بَلْ هُوَ شَرٌّلَمْ﴾: ((هذه الآية نزلت
في البخل بالمال، والإنفاق في سبيل الله،
وأداء الزكاة المفروضة)» (٢).
وكما جاءت الآيات محذرة من عاقبة
البخل والتقتير، فقد جاءت ناهية عن الطرف
المقابل وهو الإسراف والتبذير.
﴿ وَءَاتِ ذَا الْقُرْبَ حَقَّهُ,
قال تعالى:
وَاُلْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ) إِنَّ
الْمُبَذِّرِينَ كَانُّواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِّ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ، كَفُورًا ﴾ [الاسراء: ٢٦ -٢٧].
وقال جل وعلا: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ.
يَوْمَ حَصَادِهِهُ وَلَا تُشْرِفُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١].
وقال سبحانه: ﴿وَكُلُواْ وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُواْ
إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
والإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل
(١) تفسير القرآن العظيم ٦٥/٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٨٦/٤.
٣٨٦
مَوَسُولَةُ الْبَقِير
القرآن الكريمِ

المال
يفعله الإنسان، وهو في الإنفاق أشهر (١).
وقد فسر التبذير بالإسراف، قال ابن
منظور: «بَذَّرَ ماله أفسده وأنفقه في سرف،
والتبذير: إفساد المال وإنفاقه في السرف
والمُبَذِّرُ: المسرف في النفقة)) (٢).
قال ابن كثير: ((التبذير إفساد المال
وإنفاقه في السرف﴿وَلَا نُبَذِّر تبذِيرًا ﴾ نھی
عن الإسراف)) (٣).
وعلى ذلك فالتبذير والإسراف بمعنى
واحد.
وفسر التبذير كذلك بإنفاق المال في غير
حقّه، من الإنفاق في المعاصي والمحرمات.
قال ابن جرير: «﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ لا
تفرق يا محمد ما أعطاك الله من مالٍ في
معصيته تفريقًا . قال قتادة: التبذير: النفقة في
معصية الله، وفي غير الحق وفي الفساد)» (٤).
وقال القرطبي: ((التبذير: الإسراف في
غير حق))(٥).
وقال القاسمي: ((﴿وَلَا نُبَذِّرْ تَّبْذِيرًا﴾
أي: بوجه من الوجوه، بالإنفاق في محرم
أو مکروه، أو على من لا يستحق، فتحسبه
إحسانًا إلى نفسك أو إلى غيرك)»(٦).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني
ص٢٣٠.
(٢) لسان العرب ٤ / ٥٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٣٦/٣.
(٤) جامع البيان ٨/ ٦٨.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٦١.
(٦) محاسن التأويل ٥٨٥/٤.
وعلى ذلك يكون التبذير مقيدًا بما
كان في غير الحق، لذلك قال ابن جريج
ومجاهد: ((لو أنفق إنسان ماله كله في الحق
ما كان تبذيرًا، ولو أنفق مدًّا في باطل كان
تبذیرًا))(٧).
وقال الشافعي: ((التبذير إنفاق المال في
غير حقٌّه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا
قول الجمهور)»(٨).
وعليه فالإنفاق في وجوه البر
والخير،لاسيما الصدقة،لايدخل في باب
الإسراف والتبذير المنهي عنه.
وكما نهى الله تعالى وحذر من الطرفين
(الإسراف والبخل) فإنه سبحانه وتعالى
وجه إلى طريق الاستقامة، وسبيل الوسط،
ومنهج السلامة، فقال سبحانه في وصف
أهل الإيمان: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْلَمْ يُسْرِفُواْ
وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
٦٧
[الفرقان: ٦٧].
قال ابن القيم ((أي: ليسوا بمبذرين
في إنفاقهم فيصرفون فوق الحاجة، ولا
بخلاء على أهليهم فيقصرون في حقهم
فلا يكفونهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور
أوسطها، لا هذا ولا هذا))(٩).
وقال سبحانه في توجيهه لنبيه صلى الله
عليه وسلم: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ
(٧) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٦٩.
(٨) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٦١/١٠.
(٩) انظر: بدائع التفسير ٣٠٣/٣.
www. modoee.com
٣٨٧

حرف الميم
وَلَا نَبْسُطُهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُوْمًا تَحْسُورًا
﴾ [الاسراء: ٢٩].
وفي بيان هذه الوسطية يقول الراغب:
((الإنفاق ضربان: ممدوح ومذموم.
فالممدوح منه: ما يكسب صاحبه
العدالة، وهو بذل ما أوجبت الشريعة بذله،
كالصدقة المفروضة والإنفاق على العيال.
والمذموم ضربان: إفراط وهو التبذير
والإسراف، وتفريط وهو التقتير والإمساك،
وكلاهما يراعى فيه الكمية والكيفية.
فالأول: من جهة الكمية أن يعطي أكثر
مما يحتمله حاله . ومن جهة الكيفية بأن
یضیعه في غير موضعه.
أما الثاني: وهو التقتير فهو من جهة
الكمية أن ينفق دون ما يحتمله حاله، ومن
حيث الكيفية، أن يمنع من حيث يجب،
ویضع حیث لا یجب»(١).
وجوه الإنفاق المشروع وثمراته
أولًا: وجوه الإنفاق المشروع:
كما بين الله تعالى وأرشد إلى وجوه
كسب المال المشروعة، وأمر بطلب الرزق،
ووجه للكسب الطيب الحلال، ورتب عليه
الأجر العظيم والثواب الجزيل، فإنه كذلك
بین سبحانه و فصل في وجوه إنفاق هذا المال
ونبه إلى أبواب الإنفاق المشروعة، وحث
على البذل والعطاء في كل بابٍ من أبواب
الصرف والإنفاق المحمودة والمشروعة،
سواءً كانت الواجبة أو المندوبة . ومن وجوه
الإنفاق المحمود والمشروع في القرآن
الكريم ما يلي:
١. الإنفاق في الواجبات:
ومن ذلك:
١. الزكاة.
أوجبها الله عزوجل في المال بشروطٍ
معينة محددة، وجعلها ركن من أركان
هذا الدين العظيم، وبين مصارفها ووجوه
إنفاقها، وحدد المستحقين لها دون غيرهم
من فئات المجتمع.
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَلِمْ صَدَقَةٌ
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ
سَكَنُ لَُّمْ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ ﴾ [التوبة: ١٠٣].
قال السعدي: ((﴿خُذّ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةٌ﴾
(١) انظر: المفردات ص٥٠٢.
جَوَبُو حَر النفسية الوضوء
القرآن الكريمِ
٣٨٨