النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
المال
عناصر الموضوع
مفهوم المال
٣٥٠
المال في الاستعمال القرآني
٣٥١
الألفاظ ذات صلة
٣٥٢
أهمية المال ومكانته
٣٥٤
٣٥٧
المال والفطرة الإنسانية
٣٧٥
كسب المال بين المشروع والممنوع
٣٨٥
الاعتدال والوسطية في الإنفاق
٣٨٨
وجوه الإنفاق المشروع وثمراته
٣٩٩
وجوه الإنفاق الممنوع وعواقبه
المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ

حرف الميمر
مفهوم المال
أولًا: المعنى اللغوي:
المال: ما ملكته من جميع الأشياء، ومال الرجل يمول مولًا ومؤولًا إذا صار ذا مال،
وتصغيره مويل(١).
ويجمع على أموال، وهو مذكر ومؤنث . يقال هو المال وهي المال(٢).
وفي المعجم الوسيط: ((المال: كل ما يملكه الفرد أو تملكه الجماعة من متاع، أو عروض
تجارة، أو عقار، أو نقود، أو حيوان))(٣).
قال ابن الأثير: ((المال في الأصل ما يملك من الذهب والفضة، ثم أطلق على كل ما
يقتنى ويملك من الأعيان، وأكثر ما يطلق المال عند العرب على الإبل؛ لأنها كانت أكثر
أموالهم)» (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المال: كل ما يتمول به الناس من جميع الأصناف، كالذهب والفضة والأنعام والحرث
وغیرھا(٥).
(١) لسان العرب، ابن منظور ٦٣٥/١١.
(٢) العناصر المكونة لصفة المالية عند الفقهاء، صالح بن عبد الله اللحيدان، مجلة البحوث الإسلامية،
العدد ٧٣، ص ١٦٧.
(٣) المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢٥٣/٢.
(٤) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٧٣/٤.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٤/٤.
٣٥٠
جوسيس
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ

المال
المال في الاستعمال القرآني
ورد (المال) في القرآن الكريم (٨٦) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
اسم مفرد
٢٥
﴿اَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]
اسم جمع
٦١
وَءَاتُوْ اَلْيَ أَمْوَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِّ وَلَا تَأْكُلُواْ
أَمْوَكُمْ إِلَى أَمْوَ لِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ [النساء: ٢]
وجاء المال في القرآن بمعناه في اللغة وهو ما يملك من الأعيان(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٠٢٣-١٠٣٣.
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٦٣٥/١١.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الميم
الألفاظ ذات صلة
القنطار:
١
القنطار لغة:
اسم لمعيار يوزن . ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا قنطار، أي: يعدل القنطار . والقنطار:
جملة كثيرة مجهولة من المال (١) .
القنطار اصطلاحًا:
المال الكثير والعقدة المحكمة الكبيرة منه (٢).
قال ابن عطية: «وقد اختلف الناس في تحریر حده كم هو ؟ وروي عن أبي بن كعب
أنه ألف ومائتا أوقية، وقال به جماعة، وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف
باختلاف البلاد في قدر الأوقية» (٣).
وجاء عند ابن جرير: أن العرب لا تحد القنطار بمقدار معلوم من الوزن، ولكنها تقول:
هو قدر وزنٍ، واختار هذا القول؛ لأنه لو كان محددًا قدره عندها لم يكن بين متقدمي أهل
التأويل فيه خلاف (٤).
الصلة بين القنطار والمال:
القنطار هو المال الكثير الجزيل، بعضه على بعض (٥) .
٢
النقود:
النقد لغة:
تمييز الدراهم، وإخراج الزيف منها وإعطاؤها، والانتقاد: قبضها. ويقال: الدرهم نقدٌ،
أي: وازن جيد (٦).
النقد اصطلاحًا:
العملة من الذهب أو الفضة أو غيرهما مما يتعامل به . ويعبر به عن العملة التي تكون بين
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٨/٥.
(٢) انظر: لسان العرب ١١٩/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢١/٣.
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٤٠٨.
(٤) انظر: جامع البيان ٢٠١/٣.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٣٢.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٢٥/٣.
٣٥٢
جوية
القرآن الكريم

المال
أيدي الناس ويتعاملون بها.
والنقود: كل ما يدفع من أجل الحصول على السلع أو الخدمات، فيشمل ذلك العملات
وتبادلها أو ما يقوم مقامها كالشيكات.
الصلة بين النقود والمال:
النقود هي الأموال المضروبة والتي صارت دنانیر ودراهم، وتستعمل كوسيلة تبادل في
البيع والشراء.
الذهب والفضة:
٣
الذهب لغة:
الذهب مذكر عند العرب، وربما أنث، فقيل: هي الذهب، ويقال: ذهبة . وهو مكيال
لأهل اليمن (١).
الفضة لغة:
أما الفضة فجمعها فضض، وقد اختصت بأدون المتعامل به من الجواهر (٢).
قال القرطبي: ((الذهب مأخوذ من الذهاب، والفضة مأخوذة من انفض الشيء إذا تفرق،
وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود)) (٣).
وهما من الجواهر النفيسة والمعادن الثمينة والتي تستخدم في سك النقود.
الذهب اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الفضة اصطلاحًا:
لا يخرج عن معناه اللغوي.
الصلة بين الذهب والفضة والمال:
الذهب والفضة هما أصل المال. يقول ابن الأثير: ((المال في الأصل ما يملك من الذهب
والفضة)) (٤).
(١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٨١، لسان العرب، ابن منظور ٣٩٤/١.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٨١.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٢/٤.
(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ٣٧٣/٤.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الميم
أهمية المال ومكانته
دلت نصوص القرآن الكريم على مكانة
المال وأهميته الكبيرة في حياة الإنسان فردًا
أو جماعة، كما أشارت إلى تأثيره في جمیع
أموره الدنيوية والأخروية وتظهر أهمية
المال في القرآن في الآتي:
١. وصف المال بأنه قوام الحياة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآءَ أَمْوَلَكُمُآلِّ
جَعَلَ اللَّهُ لَكُرْقِيَمًا﴾ [النساء: ٥].
وصف الله تعالى المال في الآية الكريمة
بأنه (قيامًا) أو (قوامًا)، فالأموال هي الوسيلة
التي جعلها الله للناس لتقوم بها معايشهم
وتستقيم بها مصالحهم الدنيوية والأخروية
((فلا يستطيع المرء أن يحافظ على حياته
المادية إلا بالمال، فبه يأكل، وبه يشرب، وبه
يلبس، وبه يبني مسكنه، وبه يصنع سلاحه
الذي يدافع به عن نفسه وحرماته، وبه یطور
حیاته ویرقیها))(١).
وبالمال أيضًا يستطيع المرء القيام بكثير
من فرائض الدين كالزكاة والحج والجهاد
والعلم ونشره، وأعمال البر والإحسان
والصلة والصدقة .
«فالأموال قوام الحياة، وسبب إصلاح
المعاش، وانتظام الأمور، فبالمال تتقدم
(١) انظر: مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال،
يوسف القرضاوي، ص ٥.
الأمم، وتبني صرح الحضارة، وبالمال
يسعد الفرد والجماعة، وبه يتحقق النصر
على الأعداء.
وكان السلف يقولون: المال سلاح
المؤمن، ولأن أترك مالًا يحاسبني الله عليه
خير من أن احتاج إلى الناس . وعن سفيان
وکانت له بضاعة يتاجر بها، وقيل له: إنها
تدنیك من الدنيا . فقال: لئن أدنتني من الدنيا
لقد صانتني عنها)) (٢).
٢. تسمية المال خیرًا.
سمی الله تعالی المال (خیرًا )» في کتابه
العزيز - كما تقدم - وهذا مما يدل على
مكانة المال وفضله، فهو ليس مذمومًا في
ذاته، بل هو خير، وإنما المذموم هو فعل
الإنسان فيه إن أساء استعماله، أو جعله غايةً
ومقصودًا في ذاته فصار فكره وقلبه معلقًا
به، وصارت أعماله ظاهرةً وباطنة من أجله،
فشغله عما خلق لأجله، فأصبح لا يبالي من
أي وجه حصل ذلك المال، ولا فيما أنفقه
وصرفه، فذاك هو المذموم.
أما من طلبه من وجوهه المشروعة،
ووضعه في مواضعه المشروعة، وشكر الله
عليه، وجعله وسيلةً وطريقًا للتزود للآخرة
والاستعانة به على مرضاة الله تعالى فهذا
خيرٌ ولا شك.
يقول صلى الله عليه وسلم لعمرو
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٤٩/٤.
٣٥٤
القرآن الكريم

المال
ابن العاص: (نعم المال الصالح للمرء حصل يوم الأحزاب، فقال عز وجل:
﴿وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾
الصالح)(١).
[الأحزاب: ٢٧].
وقد دعا صلى الله عليه وسلم خادمه
أنس رضي الله عنه: (اللهم أكثر ماله وولده،
وبارك له فيما أعطيته)(٢).
وقد وصف الله تعالى كثير من الأنبياء
بالغنى والمال، كالأنبياء الذين أتاهم الله
الملك، مثل يوسف عليه السلام، وداود
وسليمان عليهما السلام.
قال تعالى في قصة سليمان: ﴿فَلَمَّا جَآءَ
سُلَيْمَنَ قَالَ أَتْمُِّّ ونَنِ بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَيْنِهَ اَللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّاً
مَاتَنْكُمْ.
[النمل: ٣٦].
٣. الامتنان بالمال وجعله من
المثوبة العاجلة لعباد الله الصالحين
في الدنيا.
وهذا مما يدل على فضل المال وأهميته
ومكانته كما قال سبحانه في معرض الامتنان
على بني إسرائيل: ﴿وَأَمْدَدْنَكُمْ بِأَمْوَلٍ
وَبَنِينَ ﴾ [الاسراء: ٩].
وكذا امتن سبحانه على المؤمنين بما
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٩٩/٢٩، رقم
٠١٧٧٦٣
وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد،
ص ١٢٧ .
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة،
رقم ٦٣٨٠، ومسلم في صحيحه، كتاب
الفضائل، باب فضائل أنس بن مالك رضي
الله عنه، رقم ٢٤٨٠.
وقال سبحانه وتعالى على لسان نوح إبان
دعوته لقومه وتذکیره إياهم بنعم الله عليهم:
﴿وَيُعْدِدَكُ بِأَمَوَّلٍ وَبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢].
وامتن سبحانه على نبيه صلى الله عليه
وسلم فقال: ﴿وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنى )﴾
[الضحى: ٨].
وقال عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَهُ مَخْرَجًا ، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾
[الطلاق: ٢- ٣].
٤. الأمر بالمحافظة على المال.
لأهمية المال جاءت الأوامر والتوجيهات
القرآنية والنبوية بالمحافظة عليه، فكان
تحريم التبذير والإسراف في الاستهلاك،
والأمر بالاعتدال والتوسط فيه.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُبَّذِّرْ تَبْذِيرًا ) إِنَّ
الْمُبَذِّرِنَ كَانُّواْ إِخْوَنَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِرَبِّهِ كَفُورًا ﴾ [الاسراء: ٢٦-٢٧].
وقال عز وجل: ﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُواْ وَلَّا
تُشْرِفُواْ﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال سبحانه: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ
يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
﴾ [الفرقان: ٦٧].
وقال صلى الله عليه وسلم: (كلوا
واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسرافٍ
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الميم
ولا مخيلة)(١).
ونهى صلى الله عليه وسلم عن إضاعة
المال فقال: (إن الله حرم عليكم عقوق
الأمهات، ووأد البنات، ومنع وهات، و کره
لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة
المال)(٢).
ونحن نعيش اليوم في مجتمعٍ يوصف
بالمجتمع الاستهلاكي، وتوصف حياتنا
بـ(نمط الحياة الاستهلاكية)، أي: إن
الاستهلاك المفرط أصبح من سماتها البارزة
ولا یلیق بالمسلم المھتدي بنور الشرع، ولا
يجوز له أن يكون أسيرًا مستسلمًا للاستهلاك
والسلبية، لا يفعل سوى أن يستهلك حتى
يستهلك. بل لابد من التحكم العقلاني في
أبواب الاستهلاك، وإغلاق ما يجب إغلاقه
منها.
ومن المحافظة على المال الحجر على
السفهاء .
قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآَ أَمْوَلَكُمُ﴾
[النساء: ٥].
وهو حجر لصالح المجتمع، وكذلك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه معلقًا، كتاب
اللباس، ووصله أحمد في مسنده، ٢٩٤/١١،
رقم ٦٦٩٥.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٨٣٠،
رقم ٤٥٠٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستقراض، باب ما ينهى عن إضاعة المال،
رقم ٢٤٠٨.
الحجر على الصغار والمجانین و کل من لا
يحسن التصرف لصغر سن أو ضعف عقل.
كما أن أطول آية في القرآن الكريم نزلت
في حفظ المال بكتابته والإشهاد عليه وهي
آية المدانية في سورة البقرة (٣) .
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى نَاكْتُبُوةٌ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِىِ عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهَا أَوْضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَّ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَ أَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ
إِحْدَنهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْىَّ وَلَا يَأْبَ
الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْتَمُواْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تِجَارَةً حَاضِرَةٌ تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُوْ
جُنَاعُ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ
وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ.
◌ُسُوقُأُ بِكُمْ وَأَنَّقُواْاللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ
٥. جعل المال من الضرورات
(٣) انظر: مقاصد الشريعة المتعلقة بالمال،
القرضاوي ص ٨.
مَوْسُورُ
القرآن الكريم
٣٥٦

المال
الخمس التي أمر الشرع بحفظها.
أجمع الفقهاء على أن المحافظة على
المال من المقاصد أو المصالح الكلية
الضرورية الخمس للشريعة الإسلامية،
لذلك حرم السرقة وأوجب فيها الحد .
﴿وَاُلْسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ
قال تعالی:
فَأَقْطَمُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَّآءُ بِمَا كَسَبَا تَكَلًا مِّنَ
اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾[المائدة: ٨٣].
وفي الحديث: (كل المسلم على المسلم
حرام، دمه وماله وعرضه) (١).
٦. تقديم ذكر المال على الولد
في أكثر الآيات التي قرن فيها الأموال
بالأولاد.
بل تقديمه على النفس في مواضع ذكر
الجهاد - كما سيأتي لاحقًا - فهذا مما يدل
على مكانة المال ومنزلته حتى قدم على
النفس حال الجهاد، وعلى الولد في أكثر
المواضع
(١) سبق تخريجه.
المال والفطرة الإنسانية
أولًا: المال زينة محببة:
أخبر الله تعالی في آیاتٍ من کتابه الکریم
عما بثه في الأرض للناس من أنواع المتع
وأصناف الزين والمنافع والملاذ، وما جعل
فيها من المحاسن التي تكون سببًا لتعلق
قلوبهم بها وميل نفوسهم إليها، وتسخيرها
للخلق وتذليلها لخدمتهم؛ لتكن عونًا لهم
على الطاعة والامتثال؛ وسبيلًا لشكر المنعم
الواهب، وحذرهم من الاغترار بها والركون
إليها، أو الانشغال بها عن الطاعة والواجب،
والتشاغل بتحصيلها عن الحياة الحقيقية
الباقية، التي لها يكون العمل ولأجلها يسعى
الإنسان وإليها المصير وفيها المستقر.
ومن جملة تلك المتع والمنافع: (المال)
الذي جبل الإنسان على حبه، وفطر على
التعلق به، والحرص على اقتنائه؛ لأنه زينة
من زين الحياة، تهفو إليه القلوب، وترغب
فيه النفوس، وتطمع في تحصيله الهمم،
وتبذل لحيازته وجمعه الجهود والأوقات،
وتضيع من أجله وفي سبيله - أحيانًا - أهم
الواجبات.
وقد جاء تأكيد هذا المعنى في القرآن
الكريم بثلاثة أساليب:
الأسلوب الأول: التصريح بكون المال
زينة محببة للإنسان:
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الميم
قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنْطَرَوِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنْفَمِ وَالْحَرْثِّ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوْةِ
الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ، حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ [آل
عمران: ١٤].
قال الألوسي: ((عبر عنها بالشهوات
للإشارة إلى ما ركز في الطباع من محبتها
والحرص عليها، حتى لكأنهم يشتهون
اشتهاءها، أو تنبيهًا على خستها؛ لأن
الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء،
وفي ذلك تنفير منها))(١).
وقد فصل الشهوات المحببة للإنسان في
آیة آل عمران فبدأ بذكر النساء ثم البنين ثم
ذكر المال، ولما ذكر المال فصل فيه فعدد
أنواعه وأصنافه فأفاد ذلك أن المال من
أعظم الشهوات والزين المحببة للإنسان،
وأن كل نوع من أنواعه زينة قد تعلقت بها
قلوب طائفة من البشر.
بدأ بالذهب والفضة فقال سبحانه:
﴿وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ﴾ والمراد: المال الكثير الجزيل،
بعضه على بعض (٢)، فهو إشارة إلى كثرة
المال وحضوره(٣)؛ ولذلك عبر عنه بقوله:
(١) روح المعاني ٢ / ٩٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠١/٣، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٢٣٢.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
والمقصود أن الإنسان يحب المال الكثير
حبًا شديدًا ويرغب فيه؛ ولذا جاء التعبير عن
هذا المعنى بذلك الأسلوب المبالغ فيه
﴿وَالْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ﴾.
وقد صرح عزوجل بهذه الفطرة الإنسانية
في مواضع أخرى من كتابه الكريم كما في
قوله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ أَلْمَالَ حُبَّأَ جَمَّا﴾
[الفجر: ٢٠].
وقوله عزوجل
لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨].
﴿ وَإِنّهُ لِحُبّ الخَيرِ
وفي هذا المعنى يقول صلى الله عليه
وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من مال
لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا
التراب، ويتوب الله على من تاب)(٤).
ويقول عليه الصلاة والسلام: (يكبر ابن
آدم ويكبر معه اثنتان: حب المال وطول
العمر) (٥).
وإنما كان الذهب والفضة محبوبين
٢١/٤.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما يتقى من فتنة المال، ٩٢/٨، رقم
٦٤٣٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة،
باب لو أن لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا،
٢/ ٧٢٥، رقم ١٠٤٩.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من بلغ ستین سنة، ٨/ ٩٠، رقم ٦٤٢١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
كراهية الحرص على الدنيا، ٧٢٥/٢، رقم
١٠٤٧.
٣٥٨
جوسين
لِلْعَرَآن الكَرِيمِ

المال
((لأنهما - كما يقول الرازي - جعلا ثمنًا الإبل والبقر والغنم. فإن قيل: ((نَعَمُ )) فهو
للإبل خاصة (٥).
لجميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع
الأشياء))(١).
شهوتان بحسب منظرهما، وما يتأخذ منهما
من حلي الرجال والنساء، والنقدان منهما
الدنانیر والدراهم، فهو شهوة لما أودع الله
في النفوس منذ العصور من حب النقود التي
بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها))(٢).
ثم ثنى بذكر الصنف الثاني من المال وهو
وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ والمقصود بها الخيل
الحسان الرائعة المعلمة المعدة الراعية(٣).
فالخيل بهذا الوصف محبوبة مرغوبة في
العصور الماضية وما بعدها، فقد كانت وما
زالت زينة محببة للإنسان، فلم ينسها ما تفنن
فيه البشر من صنوف المراكب برًا وبحرًا
وجوا، فمع كل ما لديهم من وسائل، مازال
للخيل قيمتها وقدرها وعشاقها، وما زال
الناس يعتنون بركوب ظهور الخيل، وجر
العربات بالأفراس ويقيمون المسابقات بين
الخيول (٤).
ثم ذكر الصنف الثالث من المال وهو
﴿الْأَنْعَمِ﴾ والمقصود بها المواشي من
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٧١.
(٢) انظر: التحرير والتنوير ١٨١/٣.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٣/٣، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٣.
(٤) انظر: التحرير والتنوير ٣ /١٨٢.
والأنعام بأنواعها زينة محببة للإنسان؛
وقال ابن عاشور: ((الذهب والفضة لأنه في حاجة شديدة إليها في المركب
والمطعم وغير ذلك من أمور المعاش.
قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَمَ خَلَقَهَاُ لَكُمْ
فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَفِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ـ
٥
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالُ حِينَ تُرِحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ
﴾ [النحل: ٥-٦].
والأنعام - كما يقول ابن عاشور - زينة
لأهل الوبر، فقد لا تتعلق شهوات أهل
المدن بشدة الإقبال على الأنعام، لكنهم
يحبون مشاهدتها، ويعنون بالارتياح إليها
إجمالًا (٦).
ثم ذكر سبحانه الصنف الرابع من
المال وهو ﴿الحرثَ﴾ والمقصود به حرث
الأرض وشقها للزرع، فيشمل أنواع الفلاحة
من زرع الحبوب أو الجنات.
فهذه أصناف المال التي نصت عليها
الآية الكريمة . قال القرطبي: ((قال العلماء:
ذكر الله تعالى أربعة أصنافٍ من المال، كل
نوع من المال يتمول به صنف من الناس،
أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار،
وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك،
وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٢٣/٤.
(٦) انظر: التحرير والتنوير ١٨٢/٣.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الميم
الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق، فتكون به، ولا غرو في ذلك فهو زينة كما سماه الله
تعالی.
فتنة كل صنف في النوع الذي یتمول به)) (١).
وقد ختم الله تعالی آية عمران بعد ذکر
أصناف الزين والمشتهيات بقوله: ﴿ذَلِكَ
مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَّا وَاللَّهُ عِندَهُ، حُسْنُ
الْمَشَابِ﴾ أي: كل ما تقدم ذكره من أنواع
الشهوات المحببة إلى النفوس إنما هو متاع
يستمتع به في الدنيا أهلها ما داموا أحياء،
فيتبلغون به فيها، ويجعلونه من وسائل
معاشهم، وأسباب قضاء حوائجهم دون أن
تکون عدة لمعادهم و قربة إلى ربهم، إلا ما
أسلك في سبيله وأنفق منه فیما أمر به(٢).
الأسلوب الثاني: تقديم المال على الولد
في عدة مواضع من القرآن الكريم:
قرن الله تعالى في كتابه الكريم بين بالمال:
الأموال والأولاد في أربعة وعشرين
موضعًا، قدمت فيها الأموال على الأولاد،
وفي موضعين قدم الأولاد على الأموال.
قال تعالى: ﴿أَلْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوِ
الذُّنْيَا وَالْبَقِيَتُ الصَّالِحَتُ خَيْرُّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا
وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ [الكهف: ٤٦].
إضافة إلى التصريح في هذه الآية الكريمة
بأن المال زينة، جاء المال فيها مقدمًا على
الولد، فدل ذلك على مكانة المال في نفس
الإنسان ومنزلته عنده وحبه له وتعلق قلبه
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤/ ٢٤.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٦/٣.
قال القرطبي: ((إنما كان المال زينة
الحياة؛ لأن في المال جمعًا ونفعًا))(٣).
وقال القاسمي: ((تقديم المال على البنين
لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمداد؛
ولكون الحاجة إليه أمس؛ ولأنه زينة
بدونهم، من غیر عکس »(٤).
وقال وهبة الزحيلي: ((تقديم المال على
البنين مع كونهم أعز منه؛ لأنه أهم وأخطر،
وأكثر تحقيقًا للحاجة والرغبة والهوى،
فقد یکون البنون دون مال، ویکون البؤس
والشقاء)»(٥).
الأسلوب الثالث: الامتنان بالإمداد
ولا يكون الامتنان إلا بما هو مرغوب
محبوب للنفس، ذو مكانةٍ ومنزلة وفضل
عند الناس، لذلك امتن الله تعالى في عدد
من آيات القرآن الكريم على عباده الصالحين
بالإمداد بالمال.
ثانيًا: أقسام الناس تجاه شهوة المال:
وصف الله تعالى المال بأنه شهوة،
وفطر الناس على حبه، وهو شهوة وزينة
ليست خسيسة أو مذمومةً في ذاتها، ولا
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ٢٦٩.
(٤) انظر: محاسن التأويل ٣٤/٥.
(٥) انظر: التفسير المنير، ٢٦/١٥.
٣٦٠
جَوَسُولَة النفسي
القرآن الكريم

المال
يقصد الشرع التنفير منها، إنما يريد من
الناس أن يقتصدوا في طلبها، ويطلبوها
من وجوهها المشروعة، ويضعوها في
مواضعها المشروعة، وأن يشكروا الله
عليها، وألا يجعلوها غاية مقصدهم في هذه
الحياة، فالشرع لا يحارب الفطرة الإنسانية
التي تشتهي المال وتحبه، إنما يهذبها
ويضبطها ويرشدها لوضع المال في موضعه
المناسب، حتى لا يطغى على غيره، ولا
يستعمل في غير ما أراد الله تعالى له، وبذلك
يسعد الإنسان في دينه ودنياه وآخرته.
قال ابن كثير: «وحب المال تارةً یکون
للفخر والخيلاء والتكبر فيكون مذمومًا،
وتارةً يكون للنفقة في وجوه البر فيكون
محمودًا)) (١).
وقال السعدي في تفسيره: ((انقسم الناس
بحسب الواقع تجاه هذه الشهوات إلى
قسمين:
قسمٌ: جعلوها هي المقصود، فصارت
أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة
والباطنة لها، فشغلتهم عما خلقوا لأجله،
وصحبوها صحبة البهائم السائمة، يتمتعون
بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون
على أي وجه حصلوها، ولا فيما أنفقوها
وصرفوها، فهؤلاء کانت لهم زادًا إلى دار
الشقاء والعناء والعذاب.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣٣٢/١.
والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها وأن
الله جعلها ابتلاءً وامتحانًا لعباده؛ ليعلم من
یقدم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته،
فجعلوها وسيلةً لهم وطريقًا يتزودون منها
لآخرتهم ويتمتعون بما يتمتعون به على
وجه الاستعانة به على مرضاته، قد صحبوها
بأبدانهم وفارقوها بقلوبهم، وعلموا أنها
كما قال الله فيها: ﴿ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ فجعلوها معبرًا إلى الدار الآخرة
ومتجرًا يرجون بها الفوائد الفاخرة، فهؤلاء
صارت لهم زادًا إلى ربهم))(٢).
ثالثًا: المال فتنة وابتلاء:
كما وصف الله تعالى المال بأنه (زينة)
وصفه عزوجل بأنه (فتنة)، ووصفه بـ(الزينة)
جاء مخصوصًا بالحياة الدنيا فقال: ﴿ذَلِكَ
مَتَعُ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤].
وقال: ﴿زِينَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف:
٢٨].
فوصفه بكونه زينة مخصوص بالحياة
الدنيا؛ ولذلك أرشد الله تعالى في الآيتين
لما هو خير وأبقى للإنسان فقال:
عِندَهُ حُسْبُ الْمَشَابِ﴾ وقال: ﴿وَالْبَقِيَتُ
الصَّدِحَتُ خَيْرٌّ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾.
والمراد بالباقيات الصالحات: كل عملٍ
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٠٢.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الميم
صالحٍ من قولٍ أو فعل يبقى للآخرة(١).
فالمال زينة خاصة بالدنيا، فإن أحسن
الإنسان استعماله وجعله عونًا على الطاعة
ووسيلةً وطريقًا للآخرة فقد نال ثواب
الله الأبقى، بينما إذا انشغل بهذا المال
عن الآخرة وصارت هذه الشهوة مقصده
وغايته، أصبح ذلك المال بلاءً ونقمةً علیه،
ومن هنا وصف الله تعالى المال بأنه (فتنة)
قال عز وجل: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ
[الأنفال: ٢٨].
٢٨
وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَلُكُمْ
وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَهُ وَاَللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾﴾
[التغابن: ١٥].
أنما أموالكم التي خولكموها اللهاختبار
وبلاء،أعطاکموها ليختبرکم بها ویبتلیکم،
لينظر كيف أنتم عاملون من أداء حق الله
علیکم فيها والانتهاء إلى أمره ونهيه فيها))(٢).
وقال ابن كثير: (أي: اختبار وابتلاء
منه لكم، إذا أعطاكموها ليعلم أتشكرونه
عليها وتطيعونه فيها، أو تشتغلون بها عنه
وتعتاضون بها منه»(٣).
وفي وجه وصف المال بأنه فتنة يقول
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣٢/٨، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٩/١٠.
(٢) انظر: جامع البيان ٦/ ٢٢٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٢٨٨/٢.
الشوكاني: «لأنه سبب الوقوع في كثير من
الذنوب فصار من هذه الحيثية محنة يختبر
الله بها عباده، وإن کان من حیثیة أخرى زينة
الحياة الدنيا)) (٤).
وقال القاسمي: ((سموا فتنة اعتبارًا بما
ينال الإنسان من الاختبار بهم، ويجوز أن
يراد بـ (الفتنة) الإثم والعذاب، فإنهم سبب
الوقوع في ذلك )»(٥) .
وقال السمرقندي: ((إنما ذكر الأموال
والأولاد؛ لأن أكثر الناس يدخلون النار
لأجل الأموال والأولاد)» (٦).
وعلى ذلك فمعنى (الفتنة): إما الاختبار
والابتلاء؛ ليتبين الشاكر لهذه النعمة من
الجاحد لها، المشتغل بها عما خلقه الله
والإثم فسمى المال فتنة؛ لأنه سبب للوقوع
في الإثم والعذاب.
قال ابن جرير: ((اعلموا أيها المؤمنون من أجله. وإما أن يكون معنى الفتنة العذاب
فالمال من الفتن العظيمة التي يبتلى بها
المؤمن، وقل من يصبر عليها، يقول صلى
الله عليه وسلم: (إن لكل أمة فتنة، وإن فتنة
أمتي المال)(٧).
قال المناوي: ((أي: الالتهاء به؛ لأنه
(٤) انظر: فتح القدير ٣٨٦/٢.
(٥) انظر: محاسن التأويل ٢٩/٤.
(٦) انظر: تفسير السمر قندي ٢٢١/١.
(٧) أخرجه أحمد في مسنده، ١٥/٢٩، رقم
١٧٤٧١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٣٠/١، رقم ٢١٤٨.
٣٦٢
جوسين
القرآن الكريم

المال
يشغل البال عن القيام بالطاعة وينسي الآخرة الشارع فيها حقوقًا معينة وغير معينة )) (٤).
)) (١).
وقد حذر النبي صلی الله عليه وسلم
أمته من فتنة المال فقال: (أبشروا وأملوا
ما یسرکم، فو الله لا الفقر أخشی علیکم،
ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا
كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها
کما تنافسوها، فتهلککم کما أهلكتهم) (٢).
قال الشيخ ابن عثيمين: «لما كان الناس
إلى الفقر أقرب، كانوا لله أتقى وأخشع
وأخشى، ولما كثر المال، كثر الإعراض عن
سبيل الله، وحصل الطغيان، وصار الإنسان
يتشوف لزهرة الدنيا وزينتها ويعرض عما
ينفعه في الآخرة)) (٣).
يقول المراغي في تفسيره: ((فتنة المال
عظيمة لا تخفى، إذ أموال الإنسان عليها
مدار معیشته، وتحصیل رغائبه وشهواته،
ودفع الكثير من المكاره عنه، من أجل
ذلك يتكلف في كسبها المشاق، ويركب
الصعاب، ويكلفه الشرع فيها التزام الحلال
واجتناب الحرام، ويرغبه في القصد
والاعتدال، ويتكلف العناء في حفظها
وتتنازعه الأهواء في إنفاقها، ويفرض عليه
وفتنة المال قديمة، لكنها اشتدت هذا
الزمان مع بعد الناس عن دينهم ولهئهم
وراء الحياة، وانبساط الدنيا، وتنوع وسائل
الكسب، وتفنن المصارف والبنوك في
استجلاب واستقطاب الناس لكسب
أموالهم بطرق مختلفة ووسائل متنوعة
رابعًا: من صور الافتتان بالمال:
الصورة الأولى: أن يكون المال سببًا في
الإعراض عن الإيمان وقبول الحق.
وهو أعظم صور الافتتان بالمال
وأخطرها على الإنسان، حين يصده ماله
عن متابعة الحق والإذعان إليه؛ لذلك ندد
الله تعالى بالمشركين والكفار كالوليد بن
المغيرة وغيره؛ لما صدتهم أموالهم بکثرتها
عن الإيمان بالله ومتابعة الرسول صلى الله
عليه وسلم .
١٤
قال تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ
[القلم: ١٤].
أي: لأجل كثرة ماله وولده طغى
واستكبر عن الحق، ودفعه حين جاءه،
وجعله من جملة الأساطير التي يمكن
صدقها و كذبها(٥).
(١) انظر: فيض القدير ٥٠٧/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب ١٢، رقم ٤٠١٥، ومسلم في
صحيحه، كتاب الزهد والرقائق، رقم ٢٩٦١.
(٣) شرح رياض الصالحين ٣٦١/٣.
(٤) انظر: تفسير المراغي ٩/ ١٩٦.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥٤/١٨، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤ / ٤٠٥.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الميم
وقال تعالى: ﴿ذَرْنِ وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا
وَجَعَلْتُ لَهُ, مَا لَا تَمْدُودًّا (٢) وَبَنِينَ شُهُودًا
١١
وَمَهَّدتُّ لَهُ تَنْهِيدًا ، ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ
١٣
كُلَّ إِنَّةٌ كَانَ لِلَيَتِنَا عَنِيدًا ﴾ [المدثر: ١١- ١٦].
فهذا تقريع وتوبيخ لأولئك الكفرة على
مقابلة ما أنعم الله به عليهم من المال بالكفر
بآيات الله تعالى والإعراض عنها.
أنها عامة في کل من اتصف بهذا الوصف أو
سار على هذا النهج، فکان ماله سبب كفره
وجحوده وإعراضه عن الحق؛ لأن القرآن
نزل لهداية الخلق كلهم،فيدخل فيه أول
الأمة وآخرها؛ ولأن العبرة في آيات الكتاب
العزيز بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
الصورة الثانية: أن يكون المال سببًا للبطر
والطغيان.
قال تعالى: ﴿كَلَّ إِنَّ الْإِنسَنَ لَطْفَ ) أَنْ رَّعَاءُ
أُسْتَغْوَ ﴾ [العلق: ٦-٧].
وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ
أَعْرَضَ وَنَا تَجَانِهِ﴾ [الاسراء: ٨٣].
قال القاسمي: ((فيما يورث البطر
مثل الغنى، وبه تستجمع أسباب السؤود
والرئاسة والمجد والتفاخر)) (١)
الصورة الثالثة: أن يكون المال سببًا في
التشاغل عن الطاعات وذكر الله تعالی.
قال تعالى: ﴿يَأَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لآنُلهِكُوْ
(١) انظر: محاسن التأويل ٢/ ٤٢.
أَمَوَلُكُمْ وَلَآَ أَوْلَدُكُمْ عَن ذِكْرِ اَللَّهِ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ
[المنافقون: ٩].
فهذا نداء من الله تعالى لعباده المؤمنين
وتنبیۀ لهم بألا تشغلهم أموالهم وتدبيرها،
والعناية بشؤونها، واستثمارها، وتنميتها،
وتحصيلها، عن القيام بذكر الله تعالى
والآيات وإن كانت في سببٍ خاص إلا وطاعته من التسبيح، والتحميد والتهليل،
وقراءة القرآن، وأداء فروض الإسلام،
وحقوق الله تعالى . ثم علق الخسران
الكامل بالتلهي عن الذكر وطاعة الله بالدنيا
وزينتها ومتاعها (٢) حيث قال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾
[المنافقون: ٩].
وقد حذر الله تعالى من الانشغال
بالأموال فقال عز وجل: ﴿قُلٌ إِن
كَانَ ءَابَآؤُّكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكٌ
وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ أَقْتَّرَفْتُمُوهَا وَتَجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ
مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ
حَّ يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرِهُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اَلْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤].
وفي آية أخرى ذم الله تعالى وندد
بالمتخلفين عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في الجهاد في سبيله، من الأعراب
الذين تعللوا واحتجوا بانشغالهم بأموالهم.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣١٤/٢٨.
٣٦٤
الْقُرآن الكَرِيْمِ

المال
قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّغُونَ مِنَ
الْأَعْرَبِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالْنَا وَأَهْلُونَا فَأَسْتَغْفِرْ لَنَا﴾
[الفتح: ١١].
الصورة الرابعة: صيرورة المال غاية في
ذاته وبذل الوقت في جمعه وتنميته.
وقد ذم الله تعالى من كانت هذه صفته
فقال سبحانه: ﴿وَيْلٌ لِّكُلّ هُمَزَّةٍ ثُمَزَةٍ )
الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ، ل يَحْسَبُ أَنَّ مَا لَهُ:
أَخْلَدَهُ ﴾ [الهمزة: ١-٣].
والمقصود كل من لا هم له سوى جمع
المال وتعدیده، ولا رغبة له في إنفاقه، وجهلًا
منه يحسب أن ذلك المال سببًا للخلود في
الدنيا؛ ولذلك كان كده وسعيه في تنمية ماله
الذي يظن أنه ينمي عمره(١).
وذم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه
وسلم عبد المال فقال سبحانه: ﴿وَمِنْهُم
مَن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ
وَإِنِ لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنْهَاآَ إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ {
٥٨
[التوبة: ٥٨].
فهؤلاء جعلوا الرضا والغضب تبعًا
لأهواء أنفسهم الدنيوية، وأغراضهم
الفاسدة، ومن ذلك حب المال والحرص
عليه(٢).
وقال صلی الله عليه وسلم: (تعس عبد
الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إن
(١) انظر: المصدر السابق ٣٩٩/٣٠.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٠١.
أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض) (٣).
قال ابن حجر رحمه الله: (((عبد الدينار)
أي: طالبه الحريص على جمعه القائم على
حفظه، فكأنه لذلك خادمه وعبده. قال
الطيبي: خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه
في محبة الدنيا وشهواتها، كالأسير الذي
لا يجد خلاصًا،ولم يقل مالك الدينار ولا
جامع الدينار؛ لأن المذموم من الملك
والجمع الزيادة على قدر الحاجة)) (٤).
وجاء في رواية أخرى: (تعس وانتكس
وإذا شيك فلا انتقش) .
قال ابن حجر: ((وفيه إشارة إلى الدعاء
عليه بما يثبطه عن السعي والحركة، وسوغ
الدعاء علیه كونه قصر عمله على جمع الدنيا
واشتغل بها عن الذي أمر به من التشاغل
بالواجبات والمندوبات)) (٥).
الصورة الخامسة: عدم التحري في
كسب المال والحصول عليه.
وهو ناتجٌ عن الصورة السابقة من
صيرورة المال غاية في ذاته، فلا يأبه أمن
حلالٍ جمعه أم من حرام، ولا يسأل ولا
يتحرى في كسبه مشروع هو أم ممنوع،
وينسى أو يتناسى قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (لا تزول قدم ابن آدم يوم القيامة حتى
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب، ما يتقى من فتنة المال، رقم ٦٤٣٥.
(٤) فتح الباري، ٣٠٦/١٤.
(٥) المصدر السابق ٣٠٧/١٤.
www. modoee.com
٣٦٥

حرف الميم
يسأل عن خمس) وذكر منها: (وماله من أين الزكاة .
اكتسبه وفيم أنفقه (١).
والذي يتأمل حال الناس اليوم، يرى
انکبابھم علی کسب المال بأي وسيلة، سواء
كانت مساهمات مشبوهة، أو معاملات فيها
مخالفات، أو طرق محرمة أصلًا كالربا
والغش وأكل المال بالباطل . فطاشت
عقول الناس- إلا من رحم ربي- مع
الأسهم والمساهمات وصنوف المعاملات،
بالرغم من وجود البدائل المباحة، وجهود
أهل العلم من المختصين في بيان أحكام
المعاملات والأسهم والمساهمات، وكل
ما يستجد من صنوف المعاملات المالية،
فصدق عليهم قول النبي صلى الله عليه
وسلم: (ليأتين على الناس زمان، لا يبالي
المرء بما أخذ المال، أمن حلال أم من
حرام) (٢).
الصورة السادسة: منع الحقوق فیه، سواءً
کانت حقوقًا لله تعالى أم للخلق.
ومثله منع حقوق الخلق كالإمساك عن
فمن الافتتان بالمال البخل، والشح به النفقة الواجبة، أوالتهاون في رد الحقوق
کالديون والأقساط لأصحابها.
،ومنع حقوق الله تعالی فیه وعلى رأسها
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة،
باب في القيامة، ٤ / ١٩٠، رقم ٢٤١٦.
قال الترمذي: هذا حديث غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٢٠/٢، رقم ٧٢٩٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا
الربا أضعافا مضاعفة)، ٥٩/٣، رقم ٣٠٨٣.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ
النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧].
أي: يمنعون ما عليهم من الحقوق
الواجبة(٣).
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ
الذَّهَبَ وَالْفِضَةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
﴾ [التوبة: ٣٤].
٣٤
فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
قال السعدي: ((وهذا هو الكنز المحرم،
أن يمسكها عن النفقة الواجبة، كأن يمنع
منها الزكاة أو النفقات الواجبة للزوجات،
أو الأقارب، أو النفقة في سبيل الله إذا
وجبت)) (٤).
وكذا الإمساك وكراهة الإنفاق في
سبيل الله تعالى، قال عز وجل: ﴿فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوَاْ
أَنْ يُجَهِدُواْ بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِيِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
[التوبة: ٨١].
الصورة السابعة: التفاخر بالمال والتكاثر
فیه واعتباره معيارًا للأفضلية.
فمن صور الافتتان بالمال التفاخر به
والتكاثر فيه والتنافس في تحصيله وجمعه،
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن ص ١٤٣.
(٤) انظر: المصدر السابق ص٢٩٧.
٣٦٦
جوبي
القرآن الكريم

المال
وهذا ما سيأتي بيانه في المطلب القادم بإذن
الله تعالى.
خامسًا: النجاة من فتنة المال:
إذا علم الإنسان فتنة المال وخطره، فعليه
التوقي من تلك الفتنة والحذر منها ومما
يعين الإنسان على النجاة من فتنة المال ما
يلي:
١. الإيمان بالله تعالى، ومعرفة ما له من
صفات الكمال ونعوت الجمال، فهو
سبحانه الغني والخلق كلهم فقراء. قال
تعالى:
* يَأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ
إِلَى اللّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ
١٥
﴿وَاللَّهُ
[فاطر: ١٥]. وقال عز وجل:
الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَآءُ﴾ [محمد: ٣٨].
فالمخلوق فقير مهما بلغت أملاكه،
والله تعالى هو الغني الحميد، فإن علم
العبد ذلك عظم ربه واحتقر نفسه ونجا
من فتنة المال.
٢. العلم التام واليقين الكامل بأن المال
كله لله ﴿وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اَللَّهِ الَّذِىّ
ءَتَمُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وقال عزوجل:
﴿وَمَا بِكُم مِّن نَّعْمَةٍ فَمِنَ اَللَّهِ﴾
[النحل: ٥٣]. وقد ذم الله تعالى قارون
لما نسب المال إلى علمه ﴿قَالَ إِنَّمَا
أُوِيْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِىَ﴾ [القصص: ٧٨]. فرد
عليه عزوجل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَةُ
مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ [القصص: ٧٨].
٣. العلم بما كان عليه النبي صلى الله
عليه وسلم من الزهد والاقتصاد في
العیش، فإنه لم يسأل ربه مالًا قط بل
سأله الکفاف: (اللهم ارزق آل محمدًا
قوتًا)(١) .
٤. الدعاء واللجوء إلى الله تعالى أن يقيه
وينجيه من هذه الفتنة، ومن الأدعية في
ذلك ما روته عائشة رضي الله عنها، أن
النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول
في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من
الكسل والهرم، والمأثم والمغرم، ومن
فتنة القبر، ومن عذاب القبر، ومن فتنة
النار، ومن عذاب النار، ومن شر فتنة
الغنى، وأعوذ بك من فتنة الفقر)(٢) .
٥. التفكر والتأمل فيما قصه الله تعالى في
كتابه الكريم من مصير أرباب الأموال
الذين لم يقدروا النعمة ولم يرعوا
حق الله تعالى في ذلك المال، كقصة
قارون، وأصحاب الجنة، وصاحب
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب التعوذّ من المأثم والمغرم،
رقم ٦٣٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب
الذکر، باب التعوذ من شر الفتن، رقم ٥٨٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب كيف كان عيش النبي صلى الله عليه
وسلم وأصحابه، رقم ٦٤٦٠، ومسلم في
صحيحه، كتاب الزهد، رقم ١٠٥٥.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الميم
الجنتین.
٦. العلم بحقيقة الدنيا وهوانها ومعرفة
حقيقتها، والتفكر في أحوالها وسرعة
زوالها وفنائها وانقضائها، فإن ذلك مما
يسقط حبها والتعلق بمتعها وزينها من
القلب وبذلك ينجو من فتنة المال.
٧. تذكر التهديد والوعيد الرباني لأولئك
الذين طغى على قلوبهم حب المال
فقدموه على محبة الله ورسوله.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ ءَآبَاؤُكُمْ
وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَّكُمْ وَعَشِيرَتِّكُو
وَأَمْوَلُ أَقْتَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ
كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ
إِلَيْكُم مِّنَ اَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍفِ
سَبِيلِهِ، فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى اَللَّهُ بِأَمْرُِ
وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
﴾ [التوبة: ٢٤].
٨. لزوم القناعة والرضا بما كتبه الله
للعبد، والاستغناء بغنى النفس يقول
صلی الله عليه وسلم: (کن ورعًا تكن
أعبد الناس، وكن قنعًا تكن أشكر
الناس)(١).
٩. التحري في كل مالٍ يناله الإنسان،
فيعلم مصدر رزقه ومورد دخله،
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، کتاب الزهد، باب
الورع والتقوى، ٢/ ١٤١٠، رقم ٤٢١٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٨٤٠/٢، رقم ٤٥٨٠.
فيبتعد عن المحرمات ويتقي الشبهات،
ويحرص على تطبيب مكسبه.
سادسًا: الابتلاء في المال:
كل ما تقدم كان في التحذير من فتنة
المال وصور الافتتان به، وكما تكون الفتنة
بالمال فإنها قد تكون فيه، ویکون ذلك
بنزول البلاء والمحن على العبد في ماله
امتحانًا من الله وتمحيصًا وتمییزًا وتبيانًا
المؤمن الصادق الصابر الشاكر، من الكافر
أو المنافق الكاذب الجاذع .
قال تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَّقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمْرَتِّ
وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ١٥٥].
وقال
﴿لَتُبْلُونَ فِيَ
سبحانه:
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
فهذا قسم من الله تعالى بأنه سيصيب
أهل الإيمان بشيءٍ من نقص الأموال،
ویکون ذلك بما يعتريها من جوائح سماوية،
أوغرق أو ضياع، أو أخذ الظلمة للأموال
سواء كان ذلك الظالم صاحب سلطة
ورئاسة كالملوك، أو من قطاع الطرق، أو ما
يعتري الأموال من خسارة وکساد أو تعرضها
للسرقة .أو غير ذلك.
فالمؤمن يصبر ويسترجع ويستسلم
لقضاء الله وقدره، ويرضى بحكمه، ويسلم
لأمره، فذاك الذي يؤجر على المصيبة،
٣٦٨
جَوَبُور
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ