النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ عناصر الموضوع مفهوم الماء ٣١٨ الماء في الاستعمال القرآني ٣١٩ الألفاظ ذات الصلة ٣٢٠ ٣٢٢ مكانة الماء ٣٢٧ مصادر المياه ٣٢٩ أوصاف الماء ٣٣٣ فوائد الماء ٣٣٦ الإنعام والانتقام ٣٤١ الماء في المثل القرآني ٣٤٥ لمسات إعجازية في الماء المُجَلَدَ التَّاشِعِ وَالْعَشْرُونْ حرف الميمر مفهوم الماء أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس: «الميم والواو والهاء أصلٌ صحيح واحد، ومنه يتفرع كلمه، وهي الموه أصل بناء الماء، وتصغيره مويه، قالوا: وهذا دليلٌ على أن الهمزة في الماء بدل من هاء. يقال: موهت الشيء، كأنك سقيته الماء، وموهت الشيء: طليته بفضةٍ أو ذهب، كأنهم يجعلون ذلك بمنزلة ما يسقاه. وقالوا: ما أحسن موهة وجهه، أي ترقرق ماء الشباب فيه يقال: ماهت السفينة تموه وتماه. دخل فيها الماء. وأماهت الأرض: ظهر فيها نزّ، وأماه الفحل: ألقى ماءه في رحم الأنثى، ورجلٌ ماه القلب، أي: كثير ماء القلب)) (١)، وأصله موه بالتحريك؛ لأنه يجمع على أمواه في القلة ومياه في الكثرة (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: الماء-هو ((جوهر سيال يضاد النار برطوبته وبرودته، وقيل: الماء جسم لطيف بسيط شفاف يبرد غلة العطش، به حياة كل نام)) (٣). وعرف الماء أيضًا بأنه: ((سائل عليه عماد الحياة، يتركب من اتحاد الهيدروجين والأكسجين بنسبة حجمين من الأول إلى حجم من الثاني، وهو في نقائه شفاف لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ومنه: العذب، والملح المعدني، والمقطر)»(٤). العلاقة بين المعنى اللغوي والاصطلاحي: لا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالماء هو الماء. (١) مقاييس اللغة ٢٨٦/٥. (٢) انظر: الصحاح ٢٢٥٠/٦. (٣) التوقيف على مهمات التعريف، المناوي ص٢٩٤. (٤) المعجم الوجيز، مجمع اللغة العربية القاهرة ص ٥٩٥. ٣١٨ جَوْسُو ◌َرُ النَّقَتِيَّة لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ ء الماء في الاستعمال القرآني وردت كلمة (ماء) في القرآن الكريم (٦٣) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال اسم غير مضافة ٥٩ ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ﴾ [البقرة: ٢٢] اسم مضافة ٤ ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا﴾ [الملك: ٣٠] وجاء الماء في الاستعمال القرآني على وجهين(٢): الأول: الماء المعروف: ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَُزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَاءِ مَآءَ ﴾ [الأنفال: ١١]. والثاني: النطفة: ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّهِ﴾ [النور: ٤٥]. يعني: من نطفة. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٦٨٤، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص ١٣٠١ - ١٣٠٢. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤١٨، الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان، ص١٨٩ - ١٩٠، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٥٥٠-٥٥١. www. modoee.com ٣١٩ حرف المير الألفاظ ذات الصلة المطر: ١ المطر لغةً: الميم والطاء والراء أصلٌ صحيحٌ فيه معنيان: أحدهما - وهو المقصود -: الغيث النازل من السماء، يقال: مطرنا مطرًا(١). المطر اصطلاحًا: قال الراغب: ((المطر: الماء المنسكب))(٢). الصلة بين المطر والماء: هو نوع من أنواع الماء الموجودة على الكرة الأرضية، لكن المطر مختص بالماء النازل من السماء. النار: ٢ النار لغةً: هي النار المعروفة، وهي مؤنث، وهي من الواو؛ لأن تصغيرها نويرةٌ (٣). النار اصطلاحًا: قال الراغب: ((والنار تقال للهيب الذي يبدو للحاسة))(٤). الصلة بين الماء والنار: الماء تطفئ النار، فهما نقيضان لا يجتمعان. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٢٦/٥. (٢) المفردات ص ٧٧٠. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٤٢/٥. (٤) المفردات ص ٨٢٨. ٣٢٠ جوببيو القرآن الكريم ء u اليبس: ٣ الييس لغةً: ييس بيبس فهو يابسٌ ويبسُ ويبيسُ ويبسٌ: إذا كان رطبًا فجف، وأصله: اليبوسة وهو المكان الذي لم يعهد رطبًا، فييسٌ(١). اليبس اصطلاحًا: هو «المکان یکون فيه ماء فيذهب»(٢). الصلة بين الماء واليبس: إن وجود الماء في المكان يجعله رطبًا، فإذا فقد أصبح يابسًا، فالعلاقة بينهما عكسية، فوجود أحدهما يعني عدم وجود الآخر. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ٥٨٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٨٨٩. www. modoee.com ٣٢١ حرف الميم مكانة الماء تحدث القرآن الكريم عن الماء كأصل لخلق الأحياء، وكأساس لاستمرار الحياة نوضح ذلك فيما يأتي: أولًا: الماء كان قبل الكون: قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَاْأَرْضَ فِى سِتَّةٍ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ. عَلَى الْمَآءِ ﴾ [هود: ٧]. عن سعيد بن جبيرٍ قال: ((سئل ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾، على أي شيءٍ كان الماء؟ قال: على متن الريح(١) وعن مجاهدٍ رحمه الله، في قول الله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾: قبل أن يخلق شيئًا))(٢). وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده عن عمران بن حصينٍ، قال: (إني عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه قومٌ من بني تميم، فقال: (اقبلوا البشری یا بني تميم)، قالوا: بشرتنا فأعطنا، فدخل ناسٌ من أهل اليمن، فقال: (اقبلوا البشرى يا أهل اليمن؛ إذ لم يقبلها بنو تميم)، قالوا: قبلنا، جئناك؛ لنتفقه في الدين، ولنسألك عن أول هذا الأمر ما کان، قال: (کان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٦/٤. (٢) جامع البيان، الطبري ٣٣٠/١٢. والأرض، وكتب في الذكر كل شيءٍ.)(٣). أشار بقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَآءِ﴾ إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم؛ لكونهما خلقا قبل خلق السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء (٤). وأكد القرآن الكريم على أن الحياة منذ نشأتها الأولى احتاجت إلى الماء كعامل أساسي لظهورها، حيث ذكر أن الطين كان أول مراحل خلق الكائنات الحية والطين هو التراب المعجون بالماء، فقال عز من قائل: ﴿الَّذِىَ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: ٧]. وقد ثبت علميًا أن الماء خلق قبل خلق الحياة، قال الدكتور زغلول النجار حفظه الله: ((كوكب الأرض هو أغنى كواكب مجموعتنا الشمسية في المياه، ولذلك يطلق عليه اسم (الكوكب المائي) أو (الكوكب الأزرق)، وتغطي المياه نحو ٧١٪ من مساحة الأرض، بينما تشغل اليابسة نحو ٢٩٪ فقط من مساحة سطحها، وتقدر كمية المياه على سطح الأرض بنحو ١٣٦٠ مليون کیلومتر مكعب (٣٦.١*٩١٠)، وقد حار العلماء منذ القدم في تفسير كيفية تجمع هذا الكم الهائل من المياه على سطح الأرض؟ (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب و کان عرشه على الماء، رقم ٧٤١٨. (٤) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٨٩/٦. ٣٢٢ جومبو القرآن الكريمِ ء الملـ والشواهد العديدة التي تجمعت لدى ثالثًا: الماء أصل خلق البشر: العلماء تؤكد أن كل ماء الأرض قد أخرج أصلا من جوفها، ولايزال خروجه مستمرا من داخل الأرض عبر الثورات البركانية)»(١). ثانيًا: الماء والكائنات الحية: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلّ شَىْءٍ حَيَّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. قال بعض العلماء: ((الماء الذي خلق منه كل شيءٍ هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص». وقال بعض العلماء: ((هو الماء المعروف؛ لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرةً كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء، وإما غير مباشرةٍ؛ لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلها ناشئةٌ عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهرٌ، وكذلك هو في اللحوم، والألبان، والأسمان ونحوها؛ لأنه کله ناشئ بسبب الماء)». وقال بعض أهل العلم: معنى خلقه كل حيوانٍ من ماءٍ أنه كأنما خلقه من الماء؛ لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه(٢). (١) موقع الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة باختصار. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي ١٤٣/٥. قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى خَلَقَ مِنَ الْعَلِّ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٤]. أي: خلق الإنسان من نطفةٍ ضعيفةٍ فسواه وعدله وجعله كامل الخلقة ذکرا وأنثى، کما يشاء، فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أمره ولدٌ نسيبٌ، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهارٌ وأختانٌ وقراباتٌ، وكل ذلك من ماءٍ مهينٍ (٣). وقد شملت آية سورة القمر الأطوار المختلفة لخلق الإنسان. قال تعالى: ﴿أَّيَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِ يُمْنَى ٢٧ ثُمَ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى ٨ ◌َجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذِّكَرَ وَالْأَنْفَ﴾ [القيامة: ٣٧-٣٩]. وقد وصف الله هذا الماء الذي هو أصل البشر بوصفين: الأول: الماء المهين: قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ، مِن سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٨]. والمهين: الشيء الممتهن الذي لا يعبأ به (٤). الثاني: الماء الدافق: قال تعالى: ﴿فَلْتُرٍ الْإِنسَانُ مَِّّ خُلِقَ (٥ خُلِقَ مِن ◌َّلِّ دَافِقٍ (١) يَخْرِجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتََّآَيِبِ﴾ [الطارق: ٥-٧]. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٠٧. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٦/٢١. www. modoee.com ٣٢٣ حرف الميم يعني: من ماء مدفوق(٢). خارج بقوة وسرعة(٣). والنظرة العلمية تتطابق في مع القرآن تلك التسمية؛ حيث إن سبب تدفقه هو تقلصات جدار الحويصلة المنوية والقناة القاذفة للمني مع تقلصات عضلات العجان(٤) فتدفع بالسائل المنوي بمحتوياته من ملايين الحيوانات المنوية عبر الإحليل إلى المهبل (٥). رابعًا: الماء أصل حياة الكائن الحي: (يقرر العلماء: أن الماء يدخل في بناء أي جسم حي؛ إذ هو في الحقيقة قوام حیاته، فالماء في نظر العلم هو المكون الأصلي في تركيب مادة الخلية الحية. والخلية هي وحدة البناء في كل شيء حي، نباتًا كان أو حيوانًّا، كما أن علم الكيمياء في أبحاثه الحديثة، أثبت أن الماء عنصر لازم وفعال في كل ما يحدث من التحولات والتفاعلات التي تتم داخل الأجسام، فهو إما وسط، أو عامل مساعد، أو داخل في هذا التفاعل، أو (١) فتح القدير، الشوكاني ٥٠٨/٥. (٢) جامع البيان، الطبري ٣٥٤/٢٤. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٢/٣٠. (٤) العجان: الدبر، وقيل: هو ما بين القبل والدبر. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧٨/١٣. (٥) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد على البار ص ٥١. ماءٌ دافقٌ: أي: مصبوبٌ في الرحم (١). ناتج عنه، إذن الماء هو السائل الوحيد الذي لا غنى عنه لآي کائن حى، مهما كان شكله، أو حجمه، تضاءل أم تضخم. ابتداء من الميكروبات الدقيقة- التي لا يمكن للعين المجردة أن تراها- وانتهاء بالفيلة والحيتان أضخم الكائنات الحية الموجودة على الأرض وفي البحار (٦). ويشكل الماء ٩٠ ٪ من وزن بعض الكائنات الحية، أما في الإنسان فيشكل الماء أكثر من ٦٠ ٪ من وزن جسمه، إن الدماغ البشري يحوي ٧٠ ٪ من وزنه ماءً، الرئتان تحويان نسبة ٩٠ بالمئة ماء، ونسبة الماء في الدم ٨٣ ٪، ولذلك فإن الإنسان لا یستطیع العیش بصحة جيدة من دون ماء أکثر من يوم واحد. خامسًا: الماء أصل حياة النبات: أهمية الماء للنباتات لا تقل عن أهميتها للكائنات الحية، فالنباتات تمتص الماء من التربة، وبه الغذاء اللازم لنموه. قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةٌ فَإِذّا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا الْمَآءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج﴾ [الحج: ٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ) أَنَّكَ تَرَى اٌلْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتّ (٦) خواطر علمية بين الدين والعلم، محمد عبد القادر الفقي، من مقال منشور بمجلة منار الإسلام عدد فبراير سنة ١٩٨٥ م. ٣٢٤ القرآن الكريمِ ء المـ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحِىِ الْمَوْنَّ إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ سادسًا: الماء والدواب: قَدِيرٌ﴾ [فصلت: ٣٩]. أي: فإذا أنزل الله عليها المطر، اهتزت أي: تحركت بالنبات، وحييت بعد موتها، وربت أي: ارتفعت لما سکن فیها الثری، ثم أنبتت ما فيها من الألوان والفنون من ثمار وزروع وأشتات النبات في اختلاف ألوانها وطعومه وروائحها وأشكالها ومنافعها، ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَثْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجَ بَهِيج﴾ أي: حسن المنظر طيب الريح (١). ومما كشفه العلم أن النباتات والأشجار إذا أحست بالعطش، أو بنقص الماء طلبته وألحت في النداء عليه، كما يصنع الأطفال من بني البشر، فقد قام فريق من العلماء في جامعة إنجليز بولاية ويلز الأسترالية بإجراء تجربة على النباتات التي تعاني من العطش، وسجلوا الذبذبات الصغيرة التي تصدر من أوراقها وسيقانها آنئذ، وقد استخدمت في هذه التجارب أجهزة دقيقة جدًا؛ لتسجيل ذبذبات الصوت، وقارنوها بالذبذبات الناتجة عن النبات في حال توافر الماء، وجدوا أن الذبذبات في الحالة الأولى أشد وأقوى، وكأن النبات يصيح ويصرخ؛ لكي يحصل على احتياجاته من الماء(٢). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٠/ ٣٥٠. (٢) الإعجاز العلمي في الإسلام، محمد عبدالصمد ص ١٨٤ . قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ مَآبَّةٍ مِّن مَِّ﴾ [النور: ٤٥]. يذكر تعالى قدرته التامة وسلطانه العظیم، في خلقه أنواع المخلوقات، على اختلاف أشكالها وألوانها، وحركاتها وسكناتها، من ماءٍ واحدٍ، ﴿فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ﴾ ﴿وَمِنْهُمْ مَن يَنْشِى عَلَى كالحية وما شاكلها، رِجْلَيْنِ﴾ كالإنسان والطير، ﴿وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ﴾ كالأنعام وسائر الحيوانات(٣). وكل ما يدب على الأرض ذات أصل واحد. ثم هي- كما ترى العين- متنوعة الأشكال. منها الزواحف تمشي على بطنها، ومنها الإنسان والطير يمشي على قدمین. ومنها الحیوان یدب على أربع. کل أولئك وفق سنة الله ومشيئته، لا عن فلتة ولا مصادفة، ﴿يَخْلُقُ اللَّهُ مَايَشَآءٌ﴾ غير مقيد بشکل ولا هيئة. فالنواميس والسنن التي تعمل في الكون قد اقتضتها مشيئته الطليقة وارتضتها، ﴿إنّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهي بهذا التنوع في الأشكال والأحجام، والأصول والأنواع، والشيات والألوان. وهي خارجة من أصل واحد؛ ليوحي بالتدبير المقصود، والمشيئة العامدة. وينفي فكرة الفلتة والمصادفة. وإلا فأي فلتة تلك التي تتضمن كل (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٣. www. modoee.com ٣٢٥ حرف الميم هذا التدبير وأية مصادفة تلك التي تتضمن كل هذا التقدير؟ إنما هو صنع الله العزيز الحكيم الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى(١). قال الرازي رحمه الله: ((لما كان الغالب جدًا من هذه الحيوانات كونهم مخلوقين من الماء، إما لأنها متولدةٌ من النطفة، وإما لأنها لا تعيش إلا بالماء لا جرم أطلق لفظ الكل تنزيلًا للغالب منزلة الكل»(٢). وتنوع المخلوقات مع وحدة المنشأ من دلائل التوحيد وإثبات الذات الإلهية. يقوم الماء بوظائف عديدة مهمة وحيوية للمحافظة على استمرار الحياة، وتتلخص فيما يلي: وتنتقل بواسطته جميع عناصر الغذاء من عضو لآخر حيث تؤدي وظائفها. يسهل عمليات الهضم والامتصاص والإخراج، فوجود الماء داخل القناة الهضمية يسهل عملية الإخراج وتخلص الجسم من الفضلات. يحافظ على مستوى الضغط الأسموزي بداخل وخارج الخلايا عند الحد الطبيعي، ويقوم بعملية التوازن الإلكتروني داخل الجسم. (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٥٢٤/٤. (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٤٠٦. يقوم بدور هام في المحافظة على ثبوت درجة حرارة الجسم عند حدها الطبيعي، ففي الأجواء الحارة وعند شعور الشخص بارتفاع درجة الحرارة لإصابته بحمى مثلًا، يحدث عملية التعرق التي ترطب الجلد وتوازن درجة حرارته و تؤدي إلى انخفاضها. يحمل الماء المواد الضارة أو السامة للجسم والناتجة عن التمثيل الغذائي عن طريق الكليتين؛ ليتخلص منها على هيئة بول مثل البولينا والحامض البولي وغيرها. يقوم الماء بدور الملين للمواد الغذائية، فيسهل عملية مضغها؛ لوجوده باللعاب وبالتالي بلعها وهضمها. يعتبر الماء عنصرًا مهما في عملية بناء يعتبر الماء هو الوسط الذي يذوب فيه الخلايا، ويساعد على سرعة التئام الأنسجة عند إصابتها بالجروح أو الأمراض، والماء في الجسم يوجد على شكلين؛ أحدهما خارج الأنسجة ويمثل الجزء الأكبر، والآخر داخل الأنسجة، والماء خارج الأنسجة يمثل السوائل الموجودة بالدم واللمف وسائل النخاع الشوكي والافرازات الأخرى؛ مثل الإفرازات المعدية، والصفراء والبنكرياس وغيرها، أما الماء داخل الأنسجة فيمثل السوائل المحيطة بالخلايا في المساقات البينية والسوائل المكونة للبروتوبلازم داخل الخلايا نفسها (٣). (٣) موسوعة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة. ٣٢٦ جَوَسُور القرآن الكريم الماـ مصادر المياه للماء مصادر تحدث عنها القرآن الكريم نبينها فيما يأتي: أولًا: السماء: إنزال الماء من السماء يتردد في مواضع شتى من القرآن في معرض التذكير بقدرة الله، والتذكير بنعمته كذلك، فهو مادة الحياة الرئيسية للأحياء في الأرض جميعًا: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءٍ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُواْ لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿اَللَّهُ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمْ اٌلْفُلْكَ لِتَجْرِىَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِهُ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَرَ ﴾ [إبراهيم: ٣٢]. قال ابن عاشور رحمه الله: ((واعلم أن كون الماء نازلاً من السماء هو أن تكونه يكون في طبقات الجو من آثار البخار الذي في الجو، فإن الجو ممتلئ دائمًا بالأبخرة الصاعدة إليه بواسطة حرارة الشمس من مياه البحار والأنهار ومن نداوة الأرض ومن النبات))(١). وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنْزَّلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّآءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: ١٦٤]. (١) التحرير والتنوير ٣٣٣/١. أي: فأظهرت من أنواع الأقوات، وأصناف النبات، ما هو من ضرورات الخلائق، التي لا يعيشون بدونها (٢). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِه نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِهُ﴾ [الأنعام: ٩٩]. أي: فأخرجنا بالماء الذي أنزلناه من السماء من غذاء الأنعام والبهائم والطير والوحش، وأرزاق بني آدم وأقواتهم ما يتغذون به ويأكلونه فينبتون عليه وينمون(٣). وقال تعالى: ﴿ وَأَرْسَلْنَا الرَّهَحَ لَوَ قَِّحَ فَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآَ أَنْتُمْ لَهُ بِخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشيكم وأرضكم، ونحن الخازنون لهذا الماء، ننزله إذا شئنا ونمسكه إذا شئنا (٤). وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءٌ لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ ◌ُِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. أي: لكم منه شرابٌ أي: جعله عذبًا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحًا أجاجًا، وأخرج لكم منه شجرًا ترعون فيه (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٨. (٣) جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٤٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/١٠. www. modoee.com ٣٢٧ حرف الميم أنعامکم(١). وقال تعالى: ﴿أَلَّ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَآءُ فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةُ إِنَّ اللَّهُ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [الحج: ٦٣]. أي: خضراء بعد يباسها ومحولها. وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَلِ مَآءُ بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّهُ فِ الْأَرْضِّ وَإِنَّا عَلَ ذَهَابٍ بِهِ. لَقَدِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١٨ ]. أي: جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض، وجعلنا في الأرض قابليةً له تشربه ویتغذى به ما فيها من الحب والنوى(٢). ثانيًا: الأرض: قال تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَ مَآءَهَا وَمَرْعَنَّهَا﴾ [النازعات: ٣١]. عن الضحاك رحمه الله: «ماءها: ما فجر فيها من الأنهار))(٣). ونسب الماء والمرعى إلى الأرض؛ حيث هما يظهران فيها (٤)، ((وقدم الماء على المرعى؛ لأنه سبب في وجود المرعى)) (٥). وقال الرازي رحمه الله: ((قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَآءُهَا وَمَهْعَنْهَا﴾ فيه مسألتان: المسألة الأولى: ماؤها: عيونها المتفجرة (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٨١. (٢) المصدر السابق ٤١٠/٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٩٦. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٤٣٤. (٥) البحر المحيط، أبو حيان ١٠/ ٤٠٠. بالماء ومرعاها: رعيها، وهو في الأصل موضع الرعي. فإن قيل: هلا أدخل حرف العطف على أخرج؟ قلنا: لوجهين: الأول: أن يكون معنى دحاها بسطها ومهدها؛ للسکنی، ثم فسر التمهيد بما لا بد منه في تأتي سكناها من تسوية أمر المشارب والمآكل، وإمكان القرار عليها بإخراج الماء والمرعى وإرساء الجبال وإثباتها أوتادا لها حتى تستقر ويستقر عليها. والثاني: أن يكون أخرج حالا، والتقدير: والأرض بعد ذلك دحاها حال ما أخرج منها ماءها ومرعاها. المسألة الثانية: أراد بمرعاها ما يأكل الناس والأنعام، ونظيره قوله في النحل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ لَّكُمْمِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ شِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. وقال في سورة أخرى: ﴿أَنَّ صَيّنَا الْمَاءُ صَبَّاً ٥ ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا () فَأَبَّنَ فِيهَا حَبَّاً (٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُوْنَا وَنَخْلَ (١) وَحَدَآَبِقَ وَفَكِهَةَّ وَبََّ ، مَنَعًا لَّكُمْ وَلِأَنْغَيِكُمْ﴾ عَلَبَ [عبس: ٢٥ - ٣٢]. فكذا في هذه الآية واستعير الرعي للإنسان كما استعیر الرتع في قوله: ﴿یَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]. وقرئ: (نرتع) من الرعي، ثم قال ابن قتيبة قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ ٣٢٨ جوية القرآن الكريمِ ـاء [الأنبياء: ٣٠]. فانظر كيف دل بقوله: ماءها ومرعاها علی جمیع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر، والحب والثمر والعصف والحطب، واللباس والدواء حتى النار والملح، أما النار فلا شك أنها من العيدان قال تعالى: ﴿أَفَرََّيْتُمُ النَّارَ أَلَّتِى تُورُونَ ◌َ أَنْتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ﴾ ء [الواقعة: ٧١، ٧٢]. وأما الملح فلا شك أنه متولد من الماء، وأنت إذا تأملت علمت أن جميع ما يتنزه به الناس في الدنيا ويتلذذون به، فأصله الماء والنبات))(١). والماء الذي يخرج من الأرض، هو من هذا الماء الملح، الذي سخرته القدرة الإلهية؛ ليكون بخارا، فسحابا، فمطرا، فماء عذبا تفيض به الأنهار، وتتفجر منه العيون (٢) وقد دل بذکر الماء والمرعى على جميع ما تخرجه الأرض قوتا للناس وللحيوان حتى ما تعالج به الأطعمة من حطب للطبخ فإنه مما تنبت الأرض، وحتى الملح فإنه من الماء الذي على الأرض (٣). فالقدرة الإلهية تتصرف بحكمة عالية؛ لتحقيق مصالح ومنافع المخلوقات، والتي منها تيسير الحصول على الماء. (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٧/٣١. (٢) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٦/ ١٤٤٢. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٠/ ٨٧. أوصاف الماء لقد وصف القرآن الكريم الماء بعدة أو صاف، منها: أولًا: الطهارة: قال تعالى: ﴿وَهُوَ اُلَّذِىّ أَرْسَلَ اُلْرِيَحَ بُشْرَأَ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَيِّدٍ، وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَيَُزِّلُ عَلَيْكُمْ مِّنَ السَّمَآءِ مَآءَ لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. أي: يطهر من الحدث والخبث ويطهر من الغش والأدناس (٤). يقول ابن عاشور رحمه الله: ((وماء المطر بالغٌ منتهى الطهارة؛ إذ لم يختلط به شيءٌ يكدره أو يقذره وهو في علم الكيمياء أنقی المیاه؛ لخلوہ عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا. والمعنى: أن الماء النازل من السماء هو بالغ نهاية الطهارة في جنسه من المياه، ووصف الماء بالطهور يقتضي أنه مطهرٌ لغيره؛ إذ العدول عن صيغة فاعلٍ إلى صيغة فعولٍ لزيادة معنى في الوصف، فاقتضاؤه في هذه الآية أنه مطهرٌ لغيره اقتضاءٌ التزاميٌّ؛ ليكون مستكملا وصف الطهارة القاصرة والمتعدية)» (٥) يقول عبد الدائم الكحيل: ((الماء النازل (٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٨٤. (٥) التحرير والتنوير ٤٨/١٩. www. modoee.com ٣٢٩ حرف الميم من السماء هو ماء مقطر يمتلك خصائص التعقيم والتطهير وليس له طعم! لذلك وصفه البيان الإلهي بكلمة (طهورًا))(١). ثانيًا: الغدق: قال تعالى: ﴿وَأَلَّوِ أَسْتَقَمُواْ عَلَى الطّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا﴾ [الجن: ١٦]. عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ((الغدق: الماء الطاهر الكثير))(٢)، وعن مجاهدٍ رحمه الله: «قال: لأعطیناهم مالًا کثیرًا))(٣). والآية كناية عن التوسعة في الرزق؛ لأنه أصل المعاش. ومن الحقائق التي تبرزها الآية: ((الارتباط بين استقامة الأمم والجماعات على الطريقة الواحدة الواصلة إلى الله، وبين إغداق الرخاء وأسبابه، وأول أسبابه توافر الماء واغدوداقه، وما تزال الحياة تجري على خطوات الماء في كل بقعة، وما يزال الرخاء يتبع هذه الخطوات المباركة حتى هذا العصر الذي انتشرت فيه الصناعة، ولم تعد الزراعة هي المصدر الوحيد للرزق والرخاء، ولكن الماء هو الماء في أهميته العمرانية. وهذا الارتباط بين الاستقامة على الطريقة وبين الرخاء والتمكين في الأرض (١) موقع الدكتور عبدالدايم الكحيل. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٣٥/٢٣. (٣) المصدر السابق ٣٣٦/٢٣. حقيقة قائمة، وقد كان العرب في جوف الصحراء يعيشون في شظف، حتى استقاموا على الطريقة، ففتحت لهم الأرض التي يغدودق فيها الماء، وتتدفق فيها الأرزاق. ثم حادوا عن الطريقة فاستلبت منهم خيراتهم استلابا، وما يزالون في نكد وشظف، حتى يفيئوا إلى الطريقة، فيتحقق فيهم وعد الله)) (٤). ومثل ذلك من الآيات قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَغَنَحْنَا عَلَّهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦]. وقوله: ﴿فَقُلْتُ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا ١٠ غَفَّارًا وَيُعْدِذَّكُ بِأَوَلٍ وَيَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُ جَنَّتٍ وَبَجْعَل لَّكُ أَنْهَرًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢]. ثالثًا: العذب الفرات: قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيَهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّآءَ فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]. عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَأَسْقَيْنَكُمْ مََّ فُرَاتً﴾: عذبًا(٥). تساهم الجبال العالية في تشكل البحيرات العذبة، فإن مياه الأمطار التي تسيل من الجبال تتجمع في الوديان، لتشكل أنهارًا وبحيرات، وتساعد الجبال أيضًا على تشكل الغيوم وهطول الأمطار، وتمر المياه (٤) في ظلال القرآن ٦/ ٣٧٣٤. (٥) جامع البيان، الطبري ٥٩٩/٢٣. ٣٣٠ جوبيع القرآن الكريمِ الماـ النازلة من الجبال على العديد من الطبقات المد إلى الليلة الرابعة عشرة، ثم تشرع في النقص، فأجری الله -سبحانه وتعالى، وهو التي تساعد في تنقية المياه وتنظيفها. ذو القدرة التامة- العادة بذلك، فكل هذه رابعًا: الملح الأجاج: البحار الساكنة، خلقها الله سبحانه وتعالى مالحة؛ لئلا يحصل بسببها نتن الهواء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فَرَاتٌ وَهَذَا مِلْعُ أَجَاجٌ وَجَعَلَ بَتْنَهُمَا بَرْزَنًا وَحِجْراً مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٥٣]. فيفسد الوجود بذلك، ولئلا تجوى الأرض بما يموت فيها من الحيوان، ولما كان ماؤها مالحا، کان هواؤها صحيحًا ومیتتها طيبةً))(٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِى الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِعٌ شَرَابُهُ، وَهَذَا مِلْعُ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلِّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَّبْنَغُواْ مِنْ فَضْلِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]. عن قتادة رحمه الله: الأجاج: المر (١). قال ابن كثير رحمه الله: «أي: مالحٌ مرٌ زعاقٌ لا يستساغ، وذلك كالبحار المعروفة في المشارق والمغارب: البحر المحيط وما يتصل به من الزقاق، وبحر القلزم، وبحر اليمن، وبحر البصرة، وبحر فارس، وبحر الصين والهند، وبحر الروم، وبحر الخزر، وما شاكلها وما شابهها من البحار الساكنة التي لا تجري، ولكن تموج وتضطرب وتلتطم في زمن الشتاء وشدة الرياح، ومنها ما فيه مد وجزرٌ، ففي أول كل شهرٍ يحصل منها مدٌ وفيضٌ، فإذا شرع الشهر في النقصان جزرت حتى ترجع إلى غايتها الأولى، فإذا استهل الهلال من الشهر الآخر شرعت في (١) المصدر السابق ٣٤٥/١٩. والبرزخ: الحائل بين شيئين. والمراد بالبرزخ تشبيه ما في تركيب الماء الملح مما يدفع تخلل الماء العذب فیه بحیث لا يختلط أحدهما بالآخر ويبقى كلاهما حافظًا لطعمه عند المصب(٣). يقول العلماء: ما عرف الإنسان أن البحار المالحة بحار مختلفة إلا في الثلاثينات من هذا القرن، بعد أن أقام الدارسون آلاف المحطات البحرية؛ لتحليل عينات من مياه البحار، وقاسوا في كل منها الفروق في درجات الحرارة، ونسبة الملوحة، ومقدار الكثافة، ومقدار ذوبان الأوكسجين في مياه البحار في كل المحطات فأدركوا بعدئذٍ أن البحار المالحة متنوعة. وما عرف الإنسان البرزخ الذي يفصل بين البحار المالحة، إلا بعد أن أقام محطات (٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ١٠٦. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٥٤/١٩. www. modoee.com ٣٣١ حرف الميم الدراسة البحرية المشار إليها، وبعد أن سادسًا: المعين: قضى وقتًا طويلًا في تتبع وجود هذه البرازخ المتعرجة المتحركة، والتي تتغير في موقعها الجغرافي بتغير فصول العام. وما عرف الإنسان أن مائي البحرين منفصلان عن بعضهما بالحاجز المائي، ومختلطان في نفس الوقت إلا بعد أن عكف يدرس بأجهزته وسفنه حركة المياه في مناطق الالتقاء بين البحار، وقام بتحليل تلك الكتل المائية في تلك المناطق. وما قرر الإنسان هذه القاعدة على كل البحار التي تلتقي إلا بعد استقصاء ومسح علمي واسع لهذه الظاهرة التي تحدث بين كل بحرين في كل بحار الأرض. تلك المحطات البحرية، وأجهزة تحليل كتل المياه، والقدرة على تتبع حركة الكتل المائية المتنوعة (١). خامسًا: الثجاج: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَُّ ◌َّجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]. والثجاج: المنصب بقوة. ووصف الماء هنا بالثجاج؛ للامتنان (٢). قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْرًا فَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَكْوِ مَعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠]. ومعنى معين: جارٍ من العيون (٣). والاستفهام في قوله: ﴿فَنْ يَأْتِكُم بِمٍَّ﴾. استفهام إنکاري، أي: لا یأتیکم أحد بماء معين، أي: غير الله وأكتفي عن ذكره؛ لظهوره من سياق الكلام ومن قوله قبله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ جُنَّدٌ لَّكُمْ يَنصُرُّكُ مِّن دُونِ الرَّحْمَنَّ﴾ [الملك: ٢٠](٤). سابعًا: المبارك: قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ مُبَرَكًا [ق: ٩]. أي: كثير البركة (٥). والبركة: الخير النافع لما يتسبب عليه من إنبات الحبوب والأعناب والنخيل (٦). وهذه الصفات من باب امتنان الله على عباده؛ ليعظموه، ویشکروه. (١) الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، عبد الله المصلح، ص ٢٤٤ - ٢٤٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٣٠. (٣) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٠١/٥. (٤) التحرير والتنوير ٥٦/٢٩. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/١٧. (٦) التحرير والتنوير ٢٦/ ٢٩٢. ٣٣٢ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ء المـ فوائد الماء للماء فوائد كثيرة منها: أولًا: الإرواء: يمتن سبحانه وتعالى على عباده بأن جعل لهم الماء صالحًا يفي بحاجتهم، فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِىَّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءُ لَّكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠ ]. أي: أنزل مطرًا لكم من ذلك الماء شرابٌ تشربونه، ومنه شراب أشجاركم وحياة غروسكم ونباتها(١). وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الْرِّيَحَ لَوَقِحَ فَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَسْقَيْنَكُمُوهُ وَمَآَ أَنْتُمْ لَهُ مَخَزِنِينَ﴾ [الحجر: ٢٢]. أي: جعلنا ذلك المطر لسقياكم ولشرب مواشیكم وأرضكم. ومن البلاغة: قيل: إن أسقيناكموه أبلغ من سقيناكموه؛ لأن سقيته الماء إذا أعطيته قدر ما يروي، وأسقیته نهرًا، أي: جعلته شربًا له، وقيل: سقى وأسقی بمعنی واحدٍ (٢). وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَسِىَ شَمِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُمْ مَّاءُ فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧]. (١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٨١. (٢) فتح القدير ٣/ ١٥٣. ثانيًا: إنبات الزرع: أخبر تعالى أن من نعمه على خلقه، إنزال المطر؛ لإخراج النبات المتعدد الأشكال والألوان والطعوم والروائح والمنافع الصالحة للإنسان والحيوان، فقال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَّكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِن نَبَاتٍ شَقَّ﴾ [طه: ٥٣]. أي: أصنافًا من النبات المختلفة الأزواج والألوان(٣)، والأشكال والطعوم والروائح والمنافع (٤). وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَلِ مَهُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبَّا مَُّاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْمِهَا قِنْوَانٌ دَائِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّنَ مُشْتَبِهَا وَغَيْرَ مُتَسَيِةٍ أَنْظُرُوّا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ: إِنَّ فِى ذَلِكُمْ لَآَيَتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٩٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ مَآءَ ثَّابَان ◌ُ الْمُخْرِجَ بِهِحَبًا وَنَبَاتًا﴾ [النبأ: ١٤ -١٥]. ثالثًا: التطهر للعبادات: من العبادات التي يستخدم فيها المسلم الماء: أولًا: الوضوء: قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٩/١١. (٤) تفسير القرآن العظيم ٤ /٤٣٩. www. modoee.com ٣٣٣ حرف الميم إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِّ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَرُواْ وَإِن كُنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَّةُ أَحَدٌ مِّنكُم مِنَ الْفَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءُ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [ المائدة: ٦]. وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها: يرى صاحب المنار رحمه الله: ((أن وجه المناسبة بين آية الوضوء وما قبلها هو أن الحدثيين اللذين هما سبب الطهارتين هما أثر الطعام والنكاح، ولولا الطعام لما كان الغائط الموجب للوضوء، ولولا النكاح لما كانت ملامسة النساء الموجبة للغسل))(١). قال أبو حيان رحمه الله: ((وظاهر الآية يدل على أن الوضوء واجب على كل من قام إلى الصلاة، متطهرًا كان أو محدثًا، وكأنه قيل: إن كنتم محدثين الحدث الأصغر فاغسلوا هذه الأعضاء وامسحوا هذين العضوین، وإن کنتم محدثین الحدث الأكبر فاغسلوا جميع الجسم)»(٢). قال الشيخ السعدي رحمه الله: «هذه آية (١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٦/ ٢٢٠. (٢) البحر المحيط ٤٤٩/٣. عظیمة قد اشتملت على أحکام کثیرة، نذكر منها ما يسره الله وسهله: اشتراط الطهارة لصحة الصلاة؛ لأن الله أمر بها عند القيام إليها، والأصل في الأمر الوجوب. أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة. أن كل ما يطلق عليه اسم الصلاة، من الفرض والنفل، وفرض الكفاية، وصلاة الجنازة، تشترط له الطهارة، حتى السجود المجرد عند كثير من العلماء، كسجود التلاوة والشكر. الأمر بغسل الوجه، وهو: ما تحصل به المواجهة من منابت شعر الرأس المعتاد، إلى ما انحدر من اللحيين والذقن طولا. ومن الأذن إلى الأذن عرضا، ويدخل فيه المضمضة والاستنشاق، بالسنة، ويدخل فيه الشعور التي فيه. إيصال الماء إلى البشرة، وإن كانت كثيفة اكتفي بظاهرها. الأمر بغسل اليدين، وأن حدهما إلى المرفقين و ((إلى)) كما قال جمهور المفسرين بمعنى ((مع ))؛ ولأن الواجب لا يتم إلا بغسل جميع المرفق. الأمر بمسح الرأس، وأنه يجب مسح جميعه؛ لأن الباء ليست للتبعيض، ٣٣٤ جوية القرآن الكريمِ المـ وإنما هي للملاصقة، وأنه يعم المسح بجميع الرأس. أنه يكفي المسح كيفما كان، بیدیه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما؛ لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه. أن الواجب المسح. فلو غسل رأسه ولم يمريده عليه لم يكف؛ لأنه لم يأت بما أمر الله به. الأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، ويقال فيهما ما يقال في اليدين. الأمر بالترتيب في الوضوء؛ لأن الله تعالى ذكرها مرتبة؛ ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولین، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب. أن الترتيب مخصوص بالأعضاء الأربعة المسميات في هذه الآية، وأما الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والوجه، أو بين اليمنى واليسرى من اليدين والرجلين، فإن ذلك غير واجب، بل يستحب تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه، وتقديم اليمنى على اليسرى من اليدين والرجلين، وتقديم مسح الرأس على مسح الأذنین. الأمر بتجديد الوضوء عند كل صلاة؛ لتوجد صورة المأمور به. الأمر بالغسل من الجنابة. أنه يجب تعميم الغسل للبدن؛ لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء. الأمر بغسل ظاهر الشعر وباطنه في الجنابة. أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأکبر، ویکفي من هما عليه أن ينوي، ثم یعمم بدنه؛ لأن الله لم یذکر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء. أن الجنب يصدق على من أنزل المني يقظة أو مناما، أو جامع ولو لم ينزل. # أن من ذکر أنه احتلم ولم يجد بللا فإنه لا غسل عليه؛ لأنه لم تتحقق منه الجنابة. أن مع وجود الماء ولو في الصلاة، يبطل التيمم؛ لأن الله إنما أباحه مع عدم الماء(١). ثانيًا: الغسل: قال تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّ عَابِرِى سَبِيلٍ} [النساء: ٤٣]. تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا وقال فَأَطَّهَّرُواْ ﴾﴾ [المائدة: ٦]. من منطوق هاتين الآيتين الكريمتين أخذ الفقهاء مشروعية وجوب الغسل للجنب. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٢٢. www. modoee.com ٣٣٥ حرف الميم رابعًا: النظافة: قال تعالى: ﴿وَثَابَكَ فَطِرْ﴾ [المدثر: ٤]. قال السعدي رحمه الله: ((يحتمل أن المراد بثيابه، أعماله كلها، وبتطهيرها تخليصها والنصح بها، وإيقاعها على أكمل الوجوه، وتنقيتها عن المبطلات والمفسدات، والمنقصات من شر وریاء، ونفاق، وعجب، وتکبر، وغفلة، وغير ذلك، مما يؤمر العبد باجتنابه في عباداته. ويدخل في ذلك تطهير الثياب من النجاسة، فإن ذلك من تمام التطهير للأعمال خصوصا في الصلاة، قال كثير من العلماء: إن إزالة النجاسة عنها شرط من شروط الصلاة. ويحتمل أن المراد بثيابه، الثياب المعروفة، وأنه مأمور بتطهيرها عن جميع النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصا في الدخول في الصلوات، وإذا كان مأمورا بتطهير الظاهر، فإن طهارة الظاهر من تمام طهارة الباطن))(١). الإنعام والانتقام خلق سبحانه وتعالى الماء نعمة لحياة الكائنات الحية، فکان شرابًا لهم و کان سببًا في إنبات الزرع، وجعله سبحانه في الدنيا إنعامًا على أقوام، وإهلاكًا لآخرين، وجعله في الآخرة عذابًا لأهل النار، ونعيمًا لأهل الجنة. أولًا: الماء نعيم في الدنيا: الماء عصب الحياة ونعيمها، فبدونه لا حياة على كوكب الأرض، فهو وسيلة لطهارة المسلم، وجعل الله كل الكائنات محتاجةً إليه؛ لشربها وسقيها، فأنبت الله بها الجنات، والحب والنوى. قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِّفَا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَبِهَا وَغَيْرَ مُتَشَيِهْ﴾ [الأنعام: ١٤١]. والماء علاج لكثير من الأمراض، الجلدية والمسالك البولية والمعدة والأمعاء والقولون والعضلات من خلال الشرب والاغتسال بالساخن منه أو البارد. قال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّ مَسَّفِىَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ آ أَزَّكُضْ بِحْلِكٌ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَرِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤١-٤٢]. أي: اضرب الأرض بها؛ لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب، فيذهب عنك (١) المصدر السابق ص ٨٩٥. ٣٣٦ جومبو القرآن الكريمِ