النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الكفر ، عناصر الموضوع مفهوم الكفر ٣٣٢ الكفر في الاستعمال القرآني ٣٣٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٣٥ أنواع الكفر ٣٣٨ أسباب الكفر ٣٤٨ مواقف أهل الكفر ٣٥٧ صفات الكافرين ٣٦٣ سنة الله في الكافرين ٣٧١ الكفر بعد الإيمان ٣٧٢ توبة الكافر ٣٧٣ عاقبة الكفر ٣٤٣ المُجَلَدَ الثَّامِنْ وَالعَشْرُونْ حرفالكاف مفهوم الكفر أولًا: المعنى اللغوي: جاءت لفظة الكفر في المعاجم اللغوية بمعنى التغطية والجحود، والزرع والستر، قال ابن منظور: ((وأصل الكفر تغطية الشيء وكَفَّرَ الرجلَ: نسبه إلى الكفر. وكل من ستر شيئًا، فقد كَفَرَهُ وكَفَّرَهُ. والكافر الزارع لستره البذر بالتراب. والكفار: الزراع. وتقول العرب للزارع: كافرٌ لأنه يكفر البذر المبذور بتراب الأرض المثارة، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]. سُمِّيَ الكافر كافرًا؛ لأنه ستر نعم الله عز وجل))(١). يقول ((الرازي)): ((والكفر ضد الإيمان، وجمع (الكافر) (كَفَّارٌ) و (كَفَرَةٌ) و(کِفَارٌ)، وجمع الكافرة (كَوَافِرُ). و (الكفر) أيضًا جحود النعمة وهو ضد الشكر، وقد کفره من باب دخل، وكُفْرانًا أيضًا بالضم، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا بِكُلِ كَفِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨]. أي: جاحدون)) (٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عَرَّفه الراغب الأصفهاني بقوله: ((الكافر على الإطلاق متعارف فيمن يجحد الوحدانية، أو النبوة، أو الشريعة، أو ثلاثتها))(٣). وقد قال: ((ابن حزم الظاهري بنفس التعريف السابق للكافر، فقال ما نصه: ((جحد الربوبية وجحد نبوة نبي من الأنبياء صحت نبوته في القرآن، أو جحد شيء مما أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما صح عند جاحده بنقل الكافة أو عمل شيء قام البرهان بأن العمل به كفر»(٤). وعرفه ابن القيم فقال: ((الكفر جَحْدُ ما عُلم أن الرسول جاء به، سواء كان من المسائل التي تسمونها علميةً أو عملیةً، فمن جحد ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بعد معرفته بأنه جاء به فهو كافرٌ في دق الدين وجله))(٥). (١) انظر لسان العرب، ابن منظور، ١٤٥/٥ -١٤٧ بتصرف. (٢) مختار الصحاح، الرازي، ص ٢٧١. (٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧١٥،٧١٤. (٤) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم ١١٨/٣. (٥) مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ابن القيم، اختصره الموصلي، ص٥٩٦. ٣٣٢ مُوسُو ◌َرَا القرآن الكريمِ الكفي الكفر في الاستعمال القرآني وردت مادة (كفر) في القرآن الكريم (٥٠٤) مرات (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢٣٠ ﴿َتَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَاءٌ لِمَن كَانَ كُفِرَ ﴾ [القمر: ١٤] ١٤ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَكُمْ ٥٧ [البقرة: ٢٨] الفعل الأمر ٢ ﴾ [آل عمران: ٧٢] ٧٢ ﴿وَأَكْفُرُوَاْ ءَاخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ المصدر السَّبِيلِ ٣٢ ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِعَايَتِنَا إِلَّا كُلُّ خَثَّارٍ كَفُورٍ ١٥ [لقمان: ٣٢] ﴿وَالْكَفِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ٢٥٤ } [البقرة: ٢٥٤]. اسم فاعل ١٥٨ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [آل عمران: ٩١] صيغة مبالغة ٥ أَلْفِيَافِ جَهَنَّ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِدٍ ٢٤ ٢﴾ [ق: ٢٤] وجاء الكفر في القرآن على خمسة أوجه(٢): الأول: الإنكار، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُ واْ سَوَاءُ عَلَيْهِمْءَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُوْلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٦]. يعني: أنكروا توحيد الله عز وجل. الثاني: كفران النعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَشْكُرُواْ لِىِ وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: ١٥٢]. (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله إبراهيم جلغوم، ص ١٠٢٣-١٠٣٣. (٢) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص٥١٦-٥١٧. www. modoee.com ٣٣٣ ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَنُ ﴾ [البقرة: ١٠٢]. الفعل المضارع ٣٧ ﴿وَمَنْ يَتَّبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ (١٠٨) ﴾ [البقرة: ١٠٨] مصدر سماعي حرفالكاف يعني: لا تكفروا النعمة. : البراءة: ومنه قول الشيطان: ﴿إِّ كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ الثالث [إبراهيم: ٢٢]. يعني: إني تبرأت. الرابع: الجحود: ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَآءَ هُم مَا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. يعني: جحدوا به. الخامس: التغطية: ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]. يعني: الزراع الذين يغطون الحب. ٣٣٤ قَضوري البَشَبـ جوبي القرآن الكريمِ الكفي الألفاظ ذات الصلة الشرك: ١ الشرك لغة مأخوذ من شرك، ومنه: أشرك بالله: كفر، أي: جعل له شريكًا في ملكه تعالى الله عن ذلك(١)، وقد يأتي بمعنى المخالطة والنصيب، لكن المراد هنا هو الكفر. الشرك اصطلاحًا تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائصه سبحانه(٢). الصلة بين الشرك والكفر ومن خلال التعريف في اللغة والاصطلاح يتضح مدى التقارب بين اللفظتين، أعني: الكفر والشرك، يقول النووي: ((إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنّ واحدٍ وهو الكفر بالله تعالى، وقد يفرق بينهما فيخص الشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك» (٣)، فالمراد بالكفر جحود الله سبحانه وتعالى أما الشرك فهو جعل شريك لله سبحانه وتعالى من خلقه، ولذا جاء في القرآن الكريم: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٦) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾ [الأعراف: ١٩١- ١٩٢]. فالكفر إنكار للربوبية، والشرك تنقيص من الألوهية (٤). ٢ الإلحاد الإلحاد لغة مادة (ل ح د) تدل على معنى ميل عن استقامة، فيقال: لحد السهم عن الهدف، أي: عدل عنه، ولحد الرجل في الدين: طعن وحاد عنه وعدل وجادل ومارى. ولحد، أي: مال عن طريق القصد، وجار وظلم (٥). (١) تاج العروس، الزبيدي، ٢٧/ ٢٢٤. (٢) أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة، نخبة من العلماء، ص ٥٨. (٣) المنهاج، شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ٢/ ٧١. (٤) انظر: موسوعة الفقه الإسلامي، التويجري، ٤ /٤٦١. (٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩٠/٥، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٤٩٥، مختار الصحاح، الرازي ص٢٤٧، لسان العرب، ابن منظور، ٣٣٨/٣، المصباح المنير، الفيومي ص٣٢٧، المعجم الوسيط، ٢/ ٨٥٠. www. modoee.com ٣٣٥ حرفالكاف والملحد: ((الطاعن في الدين المائل عنه))(١). الإلحاد اصطلاحًا هو: ((الميل، والجور، والانحراف عن الإسلام، أو الإيمان))(٢). الإلحاد المعاصر: الإلحاد المصطلح عليه في هذا العصر، يعني: إنكار وجود الله، والقول بأن الكون وجد بلا خالق، وأن المادة أزلية أبدية، واعتبار تغيرات الكون قد تمت بالمصادفة، أو بمقتضى طبيعة المادة وقوانينها، واعتبار ظاهرة الحياة، وما تستتبع من شعور وفكر عند الإنسان، من أثر التطور الذاتي في المادة (٣). الصلة بين الإلحاد والكفر إن الإلحاد بمفهومه يعد من صور الكفر؛ فالكافر لا يؤمن بالله، ويميل عن الحق إلى الباطل كذا الملحد. ٣ الردة الردة لغةً: (من ردد بمعنى: رجع، وارتد الشخص، أي: رد نفسه إلى الكفر)) (٤). الردة اصطلاحًا: ((الرجوع من الإسلام إلى الكفر))(٥). وقيل: قطع الإسلام بنية كفرٍ أو قول كفرٍ أو فعل مُكَفِّرٍ سواءٌ في القول، قاله استهزاءً أو عنادًا أو اعتقادًا (٦)، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِ دْمِنكُمْ عَن ◌ِدِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَاَلْآَخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. الصلة بين الردة والكفر ومن خلال التعريف فإن لفظة الردة مرادفة للفظة الكفر، فمن ارتد فقد كفر، لكن (١) المعجم الوسيط، ٢/ ٨٥٠. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٧٢/٩. (٣) مراجع كلمة الإلحاد: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٤٨، مقاييس اللغة، ابن فارس ٢٣٦/٥، جامع البيان، الطبري ٢١/ ٤٧٦، التعريفات الاعتقادية، سعد آل عبد اللطيف ص ٥٨، الألفاظ والمصطلحات المتعلقة بتوحيد الربوبية، آمال العمرو ص ٣٢٧. (٤) المصباح المنير، الفيومي ص ١٣٧ . (٥) المفردات، الأصفهاني ص٢١٣. (٦) حاشيتا قليوبي وعميرة على شرح العلامة جلال الدين المحلي على منهاج الطالبين، الشيخ محبي الدين النووي أحمد سلامة القليوبي، وأحمد البرلسي عميرة، ١٧٥/٤. ٣٣٦ القرآن الكريم الكفى الاختلاف أن المرتد كان مسلمًا ثم انقلب للكفر، لكن الكافر لم يُسلم أصلًا فبينهما عموم وخصوص، ولذلك فهي (كفر المسلم بقولٍ صريح، أو لفظٍ يقتضيه، أو فعلٍ يتضمنه، أو هي: قطع الإسلام بنية الكفر، أو قول الكفر، أو فعلٍ مُكَفّرٍ، سواءٌ قاله استهزاءً، أم عنادًا، أم اعتقادًا، والردة أفحش الكفر وأغلظه حكمًا)(١). الإيمان ٤ الإيمان لغة الإيمان في اللغة يراد به معنيان، يظهر معناهما بحسب السياق وهما: الأمن وضده الخوف، والتصديق وضده التكذيب، والمعنيان متداخلان(٢). ویری شیخ الإسلام ابن تيمية رحمهالله تعالی معنی لغويًا آخر للإيمان؛ وهو أن یکون الإيمان بمعنى الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد (٣). الإيمان اصطلاحًا ((التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أخبر الله ورسوله عنه في القرآن والسنة، وأمر بالإيمان به؛ والانقياد له ظاهرًا وباطنًا)) (٤). فهو قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية(٥)؛ ((ويشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله)) (٦). الصلة بين الإيمان والكفر بينهما علاقة تضاد، والمقصود بالكفر هنا الكفر الأكبر المخرج من الملة، الذي يخلد صاحبه في النار. (١) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف ٣٥٠/٤٢. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٧١/٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص١٥١٨، لسان العرب، ابن منظور، ١٣ / ٢١. (٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٧/ ٢٩١، الإيمان، عبد الله بن عبدالحميد، ص١٩- ٢١. (٤) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي، ص ٤١. (٥) انظر: العقيدة الواسطية، ابن تيمية ص ١٦١. (٦) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، السعدي ص٤١. www. modoee.com ٣٣٧ حرفالكاف أنواع الكفر جاء الكفر في القرآن على قسمين، قسم اشتمل على التكذيب والإباء والشك والنفاق، وهذا هو المسمى بالكفر الأكبر، والكفر الأكبر هو المخرج للملة والموجب للخلود في النار، ثم النوع الثاني وهو الكفر الأصغر وهو غير مُخرِج من الملة وهو المسمى عند العلماء بكفر دون كفر وهذا النوع ينقص من إيمان العبد الذي اقترف شيئًا من هذا النوع. أولًا: الكفر الأكبر الكفر الأكبر هو الذي يُخرج من الملة، ويجعل صاحبه خالدًا في النار يوم القيامة، ومن خلال النظر في آيات القرآن يمكن القول إن الكفر الأكبر ورد في القرآن على عدة أنواع: بيانها على سبيل المثال ما يلي: ١. كفر التكذيب. وقد یسمی بکفر الجحود. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِكَايَتِنَّاً أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ ٣٩ ١ # [البقرة: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهٌ أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. ٦٨ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ والمعنى: لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كذب علی الله فقال: إن الله أوحى إليه شيئًا، ولم يوح إليه شيءٌ. ومن قال: سأنزل مثل ما أنزل الله. وهكذا لا أحدٌ أشدَّ عقوبةً ممن كَذَّبَ بالحق لما جاءه، فالأول مفترٍ، والثاني مكذبٌ؛ ولهذا قال: ﴿أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْكَفِرِينَ﴾(١). قال ابن تيمية: ((التكذيب أَخَصُ من الكفر، فکل مکذب لِما جاءت به الرسل فهو کافر. ولیس کل کافرٍ مکذبًا. والخارجون عن هذا الإيمان مشركون أشقیاء. فکل من كذب الرسل فلن يكون إلا مشركًا، وكل مشركٍ مكذبٌ للرسل، و کل مشركٍ وكافٍ بالرسل فهو كافرٌ باليوم الآخر، وکل من کفر باليوم الآخر فهو كافرٌ بالرسل وهو مشركٌ))(٢). ٢. كفر الإباء أو الاستكبار. وهذا النوع من الكفر أول من اقترفه إبليس، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَتِكَةِ أَسْجُدُ واْلِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَأَسْتَكْبَرَ ﴾ [البقرة: ٣٤]. (٣٤) وَكَانَ مِنَ الْكَفِرِينَ قال تعالى: ﴿إِلَّ إِبْلِسَ أَ أَنْ يَكُونَ مَعَ [الحجر: ٣١]. السَّجِدِينَ ( والمعنی: لا شك أن إلیس کان مأمورًا بالسجود إنما منعه من ذلك الاستكبار (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٩٥/٦ - ٢٩٦. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية، ٧٩/٢، ٣٢/٩. ٣٣٨ جَوَسُو القرآن الكريم الكفي والاستعظام(١). ٣. كفر الشك. وهذا يعد من أشد أنواع الكفر، لاسيما وهذا النوع أيضًا يقوم على عداوة أهل وقد أعد الله تعالى للمنافقين عذابًا في الکفر للرسل، وتشکیك الناس في الله تعالی، وعلى عدم الإيمان بالعقيدة، کإنكار البعث. كما قال تعالى حكاية عن صاحب الجنتين: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ، وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِهِ أَبَدًّا ، وَمَآ أَظُنُّ الشَّاعَةَ قَآيِمَةٌ وَلَيْنِ زُّدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا ﴾ قَالَ لَّهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ مُهَاوِرُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوََّكَ رَجُلًا ، لَكِنَّا هُوَ اَللَّهُ رَبِ وَلَّ أُشْرِكُ بِرَقِّ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٣٥-٣٨]. يقول: الشنقيطيوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ﴾، بعد قوله: ﴿ وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةٌ ﴾، يدل على أن الشك في البعث كفرٌ بالله تعالی. وقد صرح بذلك في أول سورة ((الرعد)) في قوله تعالى: ﴿وَإِن تَمْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْهُمْ أَوِذَا كُنَّا تُرَبًا أَوْنَا لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِهِمٌ وَأُوْلَكَ اْأَغْلَلُ فِيّ أَعْنَاقِهِمٌ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [الرعد:٥](٢) . (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠/ ٢٥. (٢) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢٧٧/٣. ٤. كفر النفاق. الدرك الأسفل من النار، ولقد بينت سورة البقرة فضائح أهل النفاق. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنًا بِاللَّهِ وَ بَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ) يُخَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [البقرة: ٨- ٩]. وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطْبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ) [المنافقون: ٣]. ثانيًا: الكفر الأصغر اوهو كل معصية ورد في الشرع تسميتها كفرًا، ولم يصل إلى حد الكفر الأكبر المخرج عن ملة الإسلام، والذي يخلد صاحبه في النار، والكفر الأصغر لا يخرج صاحبه من الملة، لا یکون صاحبه کافرا یترتب عليه ما يترتب على الكافر الجاحد أو أحكام الكفر الأكبر، بل هذا النوع من الكفر يعمل على نقص الإيمان عند صاحبه وضعفه، والذي جاء بشيء من الكفر الأصغر له ما للمسلمين من حقوق، وعليه ما عليهم من واجبات. ولذا قيل في تعريفه: وهو ما لا يناقض أصل الإيمان؛ بل ينقصه ويضعفه، وهو المشهور عند العلماء بقولهم: كفر دون كفر www. modoee.com ٣٣٩ حرفالكاف ویکون صاحبه على خطر عظيم من غضب الله عز وجل إذا لم يتب منه؛ وقد أطلقه الشارع على بعض المعاصي والذنوب علی سبيل الزجر والتهديد؛ لأنها من خصال الکفر، وهي لا تصل إلى حد الكفر الأكبر، وما كان من هذا النوع فمن كبائر الذنوب(١). ومنه قول الله تعالى: ﴿وَاَللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُوْ عَلَى بَعْضٍ فِىِ الْرِزْقِّ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُواْ بِّذِى رِزْقِهِمْ عَلَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ) [النحل: ٧١]. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَىُّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: ١٢]. والمعنى هنا كفران النعمة، قال مقاتل: الله غني عن عبادة خلقه حميد»(٢)، وللكفر الأصغر عدة أنواع من أبرزها ما يلي: ١. كفر النعمة. معناه: جحودها وعدم شكرها، ولقد دلل القرآن على هذا النوع. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَيِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَبِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِ لَشَدِيدٌ ﴾ [إبراهيم: ٧]. والمعنى: لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها، ولئن كفرتم، أي: كفرتم (١) الإيمان، عبدالله بن عبدالحميد ص ٢٤٩. (٢) تفسير مقاتل بن سليمان، ٣/ ٤٣٤. النعم وسترتموها وجحدتموها(٣). فكفرهم ليس كفر ملة بل كفر نعمة لم یشکروا ربهم، و كفر النعمة فيه خمس مسائل كما ذكر الفوزان في شرحه لكتاب التوحید فقال ما نصه: المسألة الأولى: أن إضافة النعم إلى الله سبحانه وتعالى من الإيمان بالله. المسألة الثانية: أن إضافة النعم إلى غير الله من الكفر بالله سبحانه وتعالى. المسألة الثالثة: في الآية وأقوال السلف دليلٌ على عدم جواز نسبة الأشياء إلى أسبابها، وأن ذلك من كفر النعمة، لأنه معلومٌ أن الريح الطيبة سببٌ لجريان السفينة، وأن حذق الملاح سبب لجريان السفينة، ولكن صار ذلك من الكفر بنعمة الله. ((ومن كفر النعم فلم يوحد ربه عز وجل فإن إذا أضاف النتيجة الطيبة إلى هذين السببين المسألة الرابعة: فيها اجتماع الضدين في القلب؛ الكفر والإيمان أخذًا من قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اَللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]. ففيها: اجتماع الإقرار والإنكار، والكفر والإيمان في القلب، فأيهما غلب على صاحبه صار من أصحابه. المسألة الخامسة: أن كفر النعمة يكثر وقوعه في الناس، وهو ما يجري على ألسنة (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٧٩/٤. ٣٤٠ جَوْسُو ◌َرَ النَّفِيَّة القرآن الكريم الكفي الناس، فهذا مما يوجب الحذر منه، وأن الإنسان لا يجري على العوائد المخالفة للشرع(١). ٢. قتال المسلم. فيقتل المسلم أخاه بغير حق، ويدلل على ذلك ما جاء في القرآن الكريم. قال تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩]. وفي الحديث عن زبيدٍ، قال: سألت أبا وائلٍ عن المرجئة، فقال: حدثني عبد الله أن النبي صلی الله علیه وسلم قال: (سباب المسلم فسوقٌ، وقتاله كفرٌ)(٢). وبالجمع بين الحديث والآية يتضح أن قتال المسلم لا يخرج من الإيمان، كما أن قتال المسلم يعد من الكفر الأصغر، وليس من الكفر المخرج من الملة، فلم يتصفوا بخلاف الإيمان مع اقتتالهم. ٣. الطعان في الأنساب. ففي القرآن الكريم جاءت سورة تذم هذا الصنف من الناس وهي سورة الهمزة قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَقٍ لُّمَزَوْن) (١) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، ١٥٣/٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ١٩/١، رقم ٤٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفرٌ)، ١ / ٨١، رقم ٦٤. [الهمزة: ١]. والمعنى: ويل لكل طعان قبوح عياب في الناس، ومنه قول مقاتل بن سليمان: (يعني الطعان المغتاب الذي إذا غاب عنه الرجل اعتابه من خلفه، لمزةٍ، يعني: الطاغي إذا رآه طغى عليه في وجهه(٣). وبَيَّنْتِ السُّنةُ كفر الطعان كما في الحديث عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اثنتان في الناس هما بهم كفرٌ: الطعن في النسب، والنياحة على الميت) (٤). قال النووي معلقًا على الحديث: ((وفيه أقوالٌ: أصحها أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية، والثاني أنه يؤدي إلى الكفر، والثالث أنه كفر النعمة والإحسان، والرابع أن ذلك في المستحل، وفي هذا الحديث تغليظ تحريم الطعن في النسب والنياحة)) (٥). ٤. من ادعى إلى غير أبيه. قال تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَابِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]. الإسلام جاء لينظم علاقات الأسرة على (٣) تفسير مقاتل بن سليمان، ٨٣٧/٤. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة على الميت، ٨٢/١، رقم ٦٧. (٥) المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج، النووي، ٢/ ٥٧. www. modoee.com ٣٤١ حرفالكاف الأساس الطبيعي لها، ويحكم روابطها، ويجعلها صريحة لا خلط فيها ولا تشويه أبطل عادة التبني، ورد علاقة النسب إلى أسبابها الحقيقية(١). وهناك أنواع كثيرة من الكفر الأصغر زيادة على ما سبق، لا يتسع المقام لذكرها. وأسبابها الحقيقة تقوم على البنوة الحقيقة من نحو الزواج والتناسل، فجاء الإسلام ليقضي على عادة التبني كما كان شائعًا في الجاهلية، فكان كل من أعجب بولد نسبه لنفسه، وكل من أعجب بواحد ينسب نفسه إليه ويقول: والدي، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه العادة. كما في الحديث عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفرٌ)(٢). والمعنى وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يَخْلُدُ صاحبها في النار(٣). وعلى ذلك فإنه لا يلزم من قيام شعبة من شعب الكفر -بالعبد- أن يسمى كافرًا، وإن كان ما قام به كفر، وأما الشعبة نفسها فيطلق عليها اسم الكفر (٤). (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٨٢٥/٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب من ادعى إلى غير أبيه، ٨/ ١٥٦، رقم ٦٧٦٨، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، ١ / ٨٠، رقم ٦٢. (٣) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ١٢/ ٥٥. (٤) انظر ضوابط وأصول في التكفير، عبداللطيف آل الشيخ، ص ٤٥. ٣٤٢ جوبي القرآن الكريمِ الكفي أسباب الكفر تعددت أسباب الكفر فمنها ما هو نابع من داخل صاحبه، وهي تتعلق بالقلب وتسمى بالأسباب الاعتقادية، أو أسباب شكية، وتتمثل في إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، وأيضًا جحود الأنبياء، وعدم الإيمان بالكتب المنزلة، ولقد حمل على ذلك عدة أسباب منها التقليد، والاستكبار، والحسد والجهل. أولًا: التقليد: عرفه ابن تيمية فقال: هو قبول قول الغير بغير حُجَّةٍ، كالذين ذكر الله عنهم أنهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَّآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنًا﴾ [البقرة: ١٧٠]. قال تعالى: ﴿أَوَّلَوْ كَانَ ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٠]. فَهُمْ وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْ ءَابَآءَ هُمْ ضَآلِّينَ ﴾ ﴾ [الصافات: ٦٩-٧٠]. ٧٠ عَلَىْ ءَاتَِهِمْ يُرَعُونَ ونظائر هذا في القرآن کثیرٌ، فمن اتبع دین آبائه وأسلافه لأجل العادة التي تعودها وترك اتباع الحق الذي يجب اتباعه فهذا هو المقلد المذموم، وهذه حال اليهود والنصارى؛ بل أهل البدع والأهواء في هذه الأمة الذين اتبعوا شيوخهم ورؤساءهم في غير الحق(١). ومن خلال التعريف يتضح أن التقليد (١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٩٧/٤ - ١٩٨. يقوم على اتباع الغير دون علم، وهذا النوع كان سببًا لاستمرار أهل الكفر على كفرهم، بدعوی اتباع من سبقهم حتى وإن کانوا علی ضلال، فأدى بهم الأمر إلى الركون إلى الكفر، والمقلد الكافر هو الذي قال عنه الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِ ءَ ابَّاءَنَاً أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: ١٧٠]. (١٧٠ ومعنى ﴿أَلْفَيَّنَا﴾ ﴿ صادفنا، فعنفهم الله وعاب عليهم تقليدهم آباءهم(٢). وبسبب تقليدهم اتبعوا من أضلهم، فكان عاقبتهم الخسران في يوم القيامة، وأن خُلِّدوا في النار، وأصبحت أمنيتُهم أن لو أطاعوا الله والرسول صلى الله عليه وسلم كما أخبرنا القرآن بذلك: قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَعَنَ اَلْكَفِرِينَ وَأَعَدَّلَمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًاٌ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا ٦٤ يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِ النَّارِ يَقُولُونَ نَصِيرًا يَلَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا * وَقَالُواْ رَبَّنَآَ إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّمِيلاً. ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَآلْعَنْهُمْ لَعْنَا كَبِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٦٤ - ٦٨]. والمُقَلِّدُ مذموم؛ لأنه انصرف من الحق إلى الباطل، ولم يفسح لعقله مجرد التفكير، فإذا سئل عن سبب كفره كان رده: ﴿ قَالُواْ (٢) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٤١/١. www. modoee.com ٣٤٣ حرفالكاف ٥٣# [الأنبياء: ٥٣]. وَجَدْنَاْ ءَابَآَ نَالَمَا عَيِدِينَ وقال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاْ ءَابَآَمَنَا كَذَلِكَ (٧)﴾ [الشعراء: ٧٤]. يَفْعَلُونَ وأمثال ذلك مما فيه بيان أن من أطاع مخلوقًا في معصية الله: کان له نصيبٌ من هذا الذم والعقاب. والمطيع للمخلوق في معصية الله ورسوله: إما أن يتبع الظن؛ وإما أن يتبع ما یھواه و کثیرٌ یتبعهما. وهذه حال كل من عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين وأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن أهل البدع والفجور من هذه الأمة. كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَيَّ إِن يَتَّعُونَ إِلَّاّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُّ وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّتِهِمُ الْمُدَىَ﴾(١) [النجم: ٢٣]. ثانيًا: الاستكبار الاستكبار هو الركون للهوى، ومنه قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِنَ ﴿ فَلَمَّا جَآءَ هُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ ) قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ كُمْ أَسِحْرُّ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِثَنَا عَمَّا وَجَدْنَا السَّحُرُونَ () عَلَيْهِ مَابَءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَّءُ فِ الْأَرْضِ وَمَا (١) مجموع فتاوى ابن تيمية، ١٩٨/٤. جوسين القرآن الكريم ٧٨﴾ [يونس: ٧٥ - ٧٨]. نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ والاستكبار ینتج عنه کفر الإباء، وأول من تزعم وتسريل بهذا الاستكبار كان إبليس، يقول ابن القيم: ((وأما كفر الإباء والاستكبار فنحو کفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءً واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل، كما حكى الله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿فَقَالُواْ أَنُوْيِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَيِدُونَ ﴾ [المؤمنون: ٤٧]))(٢). والاستكبار أو التكبر من أشد الصفات ذمَّا، طُرِدَ إبليس بسببه وأصبح من الصاغرين. قال تعالى: ﴿قَالَ فَأَهْيِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ ١٣ [الأعراف: ١٣]. وبه خالف أمر ربه، ومن وقتها ناصب العداء لبني آدم، يقول البغوي: ﴿فأهّبِطَ مِنْهَا﴾ أي: من الجنة، وقيل: من السماء إلى الأرض قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ﴾، بمخالفة الأمر، ﴿نِهَا﴾، أي: في الجنة، ولا ينبغي أن يسكن الجنة ولا السماء متكبرٌ مخالفٌ لأمر الله، ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّغِرِينَ﴾، من الأذلاء، والصَّغَاُر: الذل (٢) مدارج السالكين، ابن القيم ٣٤٦/١. ٣٤٤ الكفي والمهانة)) (١). ومن آفات الاستكبار الصد ومحاربة دين الله تعالى، واستحلال المحرمات، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِىِ الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُذَيِّحُ أَبْنَاءَ هُمْ وَيَسْتَخِيءَ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤]. والمعنى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ﴾ أي: تكبر وتجبر وطغى. ﴿وَجَعَلَ أَهْلَهَا شيعًا ﴾أي: أصنافًا، قد صرف كل صنفٍ فيما يريد من أمور دولته. وقوله: ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يعني: بني إسرائيل. وكانوا في ذلك الوقت خيار أهل زمانهم. هذا وقد سلط عليهم هذا الملك الجبار العنيد يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلا ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، إهانةً لهم واحتقارًا(٢)، والله تعالى أعد لمن يَتْكَبَّرُ عذابًا أليمًا قال تعالى: ﴿قِيلَ أُدْخُلُواْ أَبْوَبَ جَهَنَّمَ خَلِينَ فِيهَا فِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِرِينَ ﴾ [الزمر: ٧٢]. ثالثًا: الحسد والحسد هو تمني زوال نعمة الغير، لعن إبليس بسبب حسده؛ لأنه عندما أمر بالسجود لآدم عليه السلام حسده، قال (١) معالم التنزيل، البغوي، ٢/ ١٨٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٦/ ٢٢٠. تعالى: ﴿قَالَ بَإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ اُلسَّجِدِينَ ﴾ قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ: مِن صَلْصَلٍ مِنْ حَلٍ مَسْئُونٍ ﴾ قَالَ فَأَخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَحِيمٌ ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكَ اَللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٥)﴾ [الحجر: ٣٢ - ٣٥]. والمعنی: یذکر تعالی تنويهه بذكر آدم في ملائکته قبل خلقه له، وتشريفه إياه بأمره الملائكة بالسجود له. ويذكر تخلف عدوه إبليس عن السجود له من بين سائر الملائكة، حسدًا وكفرًا، وعنادًا واستكبارًا، وافتخارًا بالباطل، ولهذا قال: ﴿لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَلٍ مِّنْ حَإِمَّسْنُونٍ﴾، كما قال في الآية الأخرى: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]. ﴿أَرَءَيْنَكَ هَذَا الَّذِى كَرَّمْتَ وقوله: عَلَ لَيْنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّنَهُ إِلَّا قَلِلًا ﴾ [الإسراء: ٦٢](٣). وتوارث هذا الحسد من بعده أهل الكفر، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيَمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا ثَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. يخبر تعالى المؤمنين بنفسية كثير من أهل الكتاب، وهي الرغبة الملحة في أن يتخلى المسلمون عن دينهم الحق ليصبحوا كافرين، ومنشأ هذه الرغبة الحسد الناجم عن (٣) المصدر السابق، ٥٣٤/٤. www. modoee.com ٣٤٥ حرفالكاف نفسية لا ترغب أن ترى المسلمين يعيشون للكفر بسبب أضغان قلوبهم. رابعًا: الجهل في نور الإيمان بدل ظلمات الكفر)(١). ويبين ابن القيم سبب عداء اليهود الدائم للمسلمين، فيقول: ((فحملهم الحسد والبغى على الكفر به وتكذيبه))(٢). ويذكر ابن القيم أركان الكفر فيقول: ((أركان الكفر أربعة: الكبر والحسد والغضب والشهوة، فالكبر يمنعه الانقياد، والحسد يمنعه قبول النصيحة وبذلها، والغضب يمنعه العدل، والشهوة تمنعه التفرغ للعبادة))(٣). قال تعالى أيضًا مدللا على حسد أهل الكفر: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَآءَاتَنَّهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ [النساء: ٥٤]. وسبب هذا الحسد الدائم فيهم أنهم يعتقدون أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم اختصوا بالنبوة دون غيرهم من الناس، وقد بين الله سبحانه أن ذلك وهم، فقال تعالت كلماته: ﴿فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَهِيَمَ اَلْكِنَبَ وَاَلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُمْ مُلْكَّا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤]. أي: إذا كنتم تحسدون الناس لما توهمتم أن النبوة فيكم، وأنكم أهل الوحي دون غيركم، فقد كذبتم على أنفسكم) (٤). فكان وقوع الحسد منهم هو طريقهم (١) انظر أيسر التفاسير، الجزائري، ٩٨/١. (٢) إغاثة اللهفان، ابن القيم، ٢/ ٣٦٦. (٣) الفوائد، ابن القيم، ص ١٥٧. (٤) زهرة التفاسير، أبو زهرة، ١٧١٨/٤. كفر الجهل يقوم على عدم التصديق بسبب جهل صاحبه، ولذلك قال الله تعالى: ﴿بَلَ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِهِ﴾ [يونس: ٣٩]. والمعنى: بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه وهو القرآن الكريم؛ والناس دائمًا أعداء لما جهلوا (٥). والمعنى أنهم سارعوا إلى التكذيب بالقرآن في بديهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا كنه أمره وقبل أن يتدبروه. وإنما يكون مثل هذا التكذيب عن مكابرةٍ وعداوة لا عن اعتقاد كونه مكذوبًا. ثم إن عدم الإحاطة بعلمه متفاوتٌ: فمنه عدمٌ بحتٌ وهو حال الدهماء، ومنه عدمٌ في الجملة وهو ما يكون بضرب من الشبهة والتردد أو یکون مع رجحان صدقه، ولكن لا يحيط بما يؤدي إليه التكذيب من شديد العقاب(٦). أمر الله تعالى أن يوضح الرسول صلى الله عليه وسلم للمشركين حقيقة الإسلام، الذين طلبوا الأمن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لأنهم لا يعلمون عنه شيئًا، فإذا علموا فقد أقيمت عليهم الحجة. قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (٥) انظر: أوضح التفاسير، محمد عبداللطيف الخطيب، ٢٥٢. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١/ ١٧٢. ٣٤٦ لِلْقُرآن الكَرِيمِ الكفر أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَثْلِغَهُ مَأْمَنَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لََّ يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: ٦]. ومعنى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ الذين أمرتك بقتلهم ﴿أَسْتَجَارَكَ ﴾ طلب منك الأمان من القتل ﴿فَأَجِرْهُ﴾ فاجعله في أمنٍ ﴿حَّ يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ﴾ القرآن فتقيم عليه حجة الله وتبين له دين الله ﴿ثُمَّ أَلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ إذا لم يرجع عن الشرك لينظر في أمره ﴿ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يفعلون كل هذا؛ لأنهم قومٌ جهلةٌ لا يعلمون دين الله وتوحيده(١). ومن آفات کفر الجهل في الدنيا أنه یزین لصاحبه أنه يفعل خيرًا، وهو في حقيقة الأمر لا يُقَدِّمُ إلا شرًّا، ومن هذه الشرور الإفساد في الأرض، والتهكم على المؤمنين. قال تعالى مبيناً حال الكافرين المفسدين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَاءُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَدُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ [البقرة: ١١ - ١٣]. وقد بين اللهُ حالَ هؤلاء الجهلة في يوم القيامة، فكان عقابهم أن يحشروا أفواجًا، ثم يساقون كالأنعام. (١) الوجيز، الواحدي ص ٤٥٤. قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِن كُلِّ أُمَِّقَوْمًا حَقَّى إِذَا مِمَّن يُكَذِّبُ بِشَايَئِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ ) جَاءُو قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِئَايَتِ وَلَمْ تُحِيطُواْ بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَاَ كُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النمل: ٨٣-٨٤]. والمعنى على ذلك: كذبتم بآياتي غير عالمین بها. يعني: ولم تتفكروا في صحتها بل کذبتم بها جاهلین غیر مستدلین، لا عن خبرة ولا عن معرفة ببطلانها، أماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها ولم تتفكروا فیھا؟(٢). (٢) التفسير البسيط، الواحدي ٣٠٧/١٧. www. modoee.com ٣٤٧ حرفالكاف مواقف أهل الكفر تعددت مواقف أهل الكفر من الله تعالى فجحدوا وجوده، وكذبوا بآياته، وكفروا برسله، وأنكروا كتبه المنزلة على أنبيائه، واتخذوا آيات الله مُزوًا، ولم يسلم رسل الله من محاربة أهل الكفر لهم، بل منهم من قتل، ومنهم من هاجر ومنهم من لحقه الأذى بسبب الدعوة، وأنكروا اليوم الآخر، والبعث والنشور، وتهكموا بقولهم: ﴿وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلَّا حَيَاتَنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَغَيَا وَمَا يُهْلِكُنَآ إِلَّا الدَّهْرُ وَمَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُونَ )﴾ [الجاثية: ٢٤]. كما سجل عليهم القرآن ذلك، وقتلوا وباروزا أهل الإيمان بالحرب الضروس إلى يوم الدين، واتبعوا الشياطين فزينوا لهم أعمالهم، كل هذا من أجل صدهم عن دين الله تعالى. أولًا: موقفهم من الله تعالى: من أشد مواقف الكفار موقفهم من الله تعالى خالقهم، ومن أبرز مواقفهم كما حكى القرآن ما يلي: ١ . الكفر. وأهل الكفر یصرون عليه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اَللَّهِ وَرُسُلِهِ، وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِينَ عَذَابًا مُهِينًا (٥)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١]. والمعنى: یریدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً طريقًا وسطًا بين الإيمان والكفر، ولا واسطة؛ إذ الحق لا يختلف فإن الإيمان بالله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بالإيمان برسله وتصديقهم فيما بَلَّغُوا عنه تفصيلاً أو إجمالًا، فالكافر ببعض ذلك كالكافر بالكل في الضلال(١). ٢. التكذيب. وهو افتراء الكذب على الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقد عبر القرآن عن كذب أهل الكفر بالظلم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بَايَتِيُّهُ إِنَّهُ لَا يُفْلِعُ الظَّالِمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢١]. والمعنى: من أَشَدُّ ظلمًا ممن اختلق على الله قول الباطل، أو جحد آیاته وأدلته، إنه لا يفلح الظالمون أي: لا ينجح القائلون على الله الباطل(٢). (١) أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٠٦/٢. (٢) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ١٩٨٢/٣-٠١٩٨٣ ٣٤٨ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة لِلْقُرْآن الكَرِيمِ الكفى ٣. اليأس من رحمة الله. القنوط صفة لازمة لأهل الكفر. قال تعالى: ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ= إِلَّا الضَّالُّونَ ﴾ [الحجر: ٥٦]. وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَأْيِّئَسُ مِن رَّوْجِ اللَّهِإلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧]. والمعنى ﴿إِنَّهُ، لَا يَأْيِكَسُ مِن رَّوْجِ اللّهِ﴾ يقول: لا يقنط من فَرَجِه ورحمته ويقطع رجاءه منه ﴿إِلَّ الْقَوْمُ اَلْكَفِرُونَ﴾، يعني: القوم الذين يجحدون قدرته على ما شاء(١)، ثم جعل اليأس من رحمة الله وتفريجه من صفة الكافرين؛ إذ فيه إما التكذيب بالربوبية، وإما الجهل بصفات الله تعالى (٢). ٤. جحود النعم. وهو إنكار نعم الله تعالى، وعدم مقابلتها بالشكر، ومقابلة الجحود بالإهلاك. قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْيَصْنَعُونَ (١)﴾ [النحل: ١١٢]. ثانيًا: موقفهم من الأنبياء والرسل: ١. التكذيب. اعتاد أهل الكفر على محاربة الأنبياء (١) جامع البيان، الطبري، ٢٣٢/١٦. (٢) الجواهر الحسان، الثعالبي، ٣٤٨/٣. والرسل بعدة أسلحة كان التكذيب أولها، فكانت عادتهم كلما جاءهم الأنبياء أو الرسل يقابلونهم بالتكذيب والأذى فأصبح التكذيب مطيتهم. قال تعالى: ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ جَاءُو بِالْبَيْنَتِ وَالزُّبْرِ وَالْكِتَبِ الْمُنِيرِ ﴾ [آل عمران: ١٨٤]. وقال تعالى مخبرًا عن قوم صالح - أصحاب الحجر: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَحْسَبُ الحِجْرِ ﴾ [الحجر: ٨٠]. ٨٠) الْمُرْسَلِينَ ٢. الاستهزاء. التهكم والسخرية من الأنبياء والمرسلين عادة من عادات الكفار. قال تعالى: ﴿يَحَسْرَةٌ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّ كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ )) [يس: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِن نَّبِّ فِى الْأَوَّلِينَ ﴾ وَمَا يَأْنِهِم مِّن نَّبِيّ إِلَّا كَانُواْ بِهِ. يَسْتَهْزِءُ ونَ ﴾ [الزخرف: ٦-٧]. والمعنى: وما يأتي شيعَ الأولين من رسول من الله يرسله إليهم بالدعاء إلى توحيده، والإذعان بطاعته، إلا كانوا به يستهزون: يقول: إلا كانوا يسخرون بالرسول الذي يرسله الله إليهم عتوًا منهم وتمردًا على ربهم(٣)، فإن الاستهزاء أو التقليل من شأن الأنبياء والرسل هو كفر (٣) جامع البيان، الطبري، ٦٩/١٧. www. modoee.com ٣٤٩ حرفالكاف مخرج عن الملة، قال السعدي: ((فإن والجنون (٢). الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر مخرج عن الدين؛ لأن أصل الدين مبني على تعظيم الله، وتعظيم دينه ورسله، والاستهزاء بشيء من ذلك منافٍ لهذا الأصل ومناقض له أشد المناقضة)»(١). ٣. إيذاء الرسل. ومن صور الإيذاء الاعتداء عليهم باللسان واليد، فما من نبي جاء إلا وآذاه قومه، ولعل الأذى قد جاءهم من أقرب الناس إليهم. لتُبْلُونَ وذلك قال تعالى: فِى أَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]. ولقد تنوعت صور الإيذاء بين وصفهم بالسحرة وإلصاق الجنون بهم، قال تعالى: ﴿وَبُوْأَنْ جََّ هُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمٌّ وَقَالَ الْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّكَذَابٌ ﴾ [ص: ٤]. قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَآ أَقَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَلِيمٌ أَوْ مَجُنُ )﴾ [الذاريات: ٥٢]. والمعنى: يصبر رسوله صلى الله عليه وسلم على أذاهم بنسبتهم إياه إلى السحر (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٤٢ - ٣٤٣. ٤. القتل. وهذا الأمر كان فاشيًا في الأمم السابقة وخاصة اليهود، ولقد سجل الله تعالى على اليهود ذلك فقال تعالى: ﴿وَصُّرِيَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّهُ وَالْمَسْكَنَّةُ وَبَاءُو بِفَضَرٍ مِنَ اللَّهِ ذَالِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِكَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبْتِنَ بِغَيْرِ الْحَقُّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَمْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيْتَقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِثَايَتِ اللَّهِ وَقَبْلِهِمُ الْأَنِيَآءَ بِغَيْرِ حَتٍّ﴾ [النساء: ١٥٥]. وتعددت صور القتل فقد شُقَّ زكريا بالمنشار نصفين، وقُطعت رأسُ يحيى، وتآمر النصارى على صلب عيسى فنجاه الله ورفعه(٣). ثالثًا: موقفهم من الكتب المنزلة: ١. التكذيب. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِّكُمْ نَبَوُا الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمٍ نُجِ وَعَادٍ وَثَمُودٌ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَآءَتَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَرَدُّواْ أَيْدِيَهُمْ فِيَ أَفْوَهِهِمْ وَقَالُواْ إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، وَإِنَّا لَفِى شَكٍّ مِّمَا (٢) تأويلات أهل السنة، أبو منصور الماتريدي، ٩/ ٣٩٢. (٣) انظر: تاريخ دمشق، ابن عساكر، ٥٦/١٩. ٣٥٠ جوسين القرآن الكريمِ