النص المفهرس

صفحات 21-29

الکسب
عمله على قدر استحقاقه، غير مظلوم فيه؛ ثالثًا: الجزاء على الكسب المتعمد:
لأنه لا يعاقب فيه إلا على ما اجترم، ولا
یؤاخذ إلا بما عمل، لا يخاف أحدٌ من خلقه
منه يومئذ ظلمًا ولا هضمًا (١).
ويؤكد المولى على هذه الحقيقة في آخر
آية نزلت من القرآن، فقال تعالى: ﴿وَأَثَّقُواْ
يَوْمًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ نَفْسِ مَّا
كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].
أي: واحذروا أيها الناس يومًا ترجعون
فیه إلى الله بسيئات تهلككم، أو بمخزيات
تخزيكم، أو بفاضحات تفضحكم، فتهتك
أستاركم، أو بموبقات توبقكم، فتوجب لكم
من عقاب الله ما لا قبل لكم به، وإنه يوم
مجازاة الأعمال، لا يوم استعتاب، ولا يوم
استقالة وتوبة وإنابة، ولكنه يوم جزاء وثواب
ومحاسبة، تُوَنَّى فيه كلُّ نفس أجرها على
ما قدمت واكتسبت من سيئ وصالح، لا
تغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من خير وشر إلا
أحضرت، فوفيت جزاءها بالعدل من ربها،
وهم لا يظلمون. وكيف يظلم من جوزي
بالإساءة مثلها، وبالحسنة عشر أمثالها؟!(٢).
يستفاد من الآية: أن اجتناب ما حرم
الله من المكاسب الربوية، تكميل للإيمان
وحقوقه من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعمل
الصالحات.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٦/ ٢٩٤.
(٢) انظر: المصدر السابق، ٤١/٦-٤٢.
من عدل الله ورحمته بالعباد أنه لا
يؤاخذهم إلا بما تعمدوه من الأعمال، دون
تلك التي تحدث من غير قصد، أو إرادة كما
بينه النبي عليه السلام بقوله: (رفع القلم عن
ثلاثةٍ: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي
حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)(٣).
قال تعالى: ﴿لَّ يُؤَاخِذُ كُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَنِّكُمْ
وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورُ
﴾ [البقرة: ٢٢٥].
بين المولى عز وجل أن هذه الألفاظ التي
تسبق إلى اللسان عادة ولا يقصد بها عقد
اليمين لغو من القول، لا تعد أيمانًا حقيقية،
فلا يؤاخذكم الله تعالى بها بفرض الكفارة
عليها، ولا بالعقاب، ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم ◌ِمَا
كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بأن تقصدوا جعل اسمه
الكريم عرضة للابتذال، أو مانعًا لصالح
الأعمال، فالقول الحشو الذي لا أثر له في
القلب، ولا شأن له في العمل، مما یعفو عنه،
ولا يعاقب عليه، ولا يتعجل بالعقوبة على
هذا اللمم الذي يضعف العبد عن التوقي
منه؛ ولذلك لم يكلف عباده ما يشق عليهم
فيما لم تقصده قلوبهم ولم تتعمده نفوسهم؛
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، باب في المجنون
يسرق، ٤ / ١٤١، ٤٤٠٣.
وصححه الألباني في الثمر المستطاب
٥٤/١.
www. modoee.com
٢٨٩

حرفالكاف
لأنه مما لا يدخل تحت سلطة الاختيار (١). به، ومن يحمل راية الدين ويدافع عنه، وقد
يستفاد من الآية مدى حلم الله وعفوه حدث هذا كثيرًا في تاريخ الإسلام، فمن
مما يوجب على العبد شكره عليها.
ظهر أبي جهل جاء عكرمة، وأمهل الله خالد
بن الوليد، فكان أعظم قائد في الإسلام(٢).
رابعًا: عدم المعاجلة بالعقوبة:
إن الله سبحانه وتعالى بحلمه ومغفرته
وسعة رحمته يمهل الكفرة والظلمة والعصاة
والمجرمين ولا يعاجلهم بالعذاب، ولو
عاجلهم به لأهلکهم جميعًا، حتى لا يبقى
على وجه الأرض أحد، ومن الحكمة في
عدم المعاجلة بالعقوبة أن الكفرة قديؤمنون،
وأن عصاة المؤمنين قد يتوبون ويستغفرون،
ولکنه جعل لهم أجلا لا مهرب لهم منه ولا
محيد لهم عنه، فهو سبحانه وتعالى يملي
للظلمة ويمهلهم ولكنه لا يهملهم، ويغفر
للمؤمنين ما شاء أن يغفر.
قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ
لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَّ
بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّنْ يَجِدُواْ مِن دُونِهِ، مَوْبِلًا﴾
[الكهف: ٥٨].
فمن رحمة الله بالكفار أنه لم يعاجلهم
بعذاب يستأصلهم، بل أمهلهم وتركهم؛
لأن لهم موعدًا لن يهربوا منه، ولن يفلتوا،
ولن يكون لهم ملجأ يحميهم منه، ولا شك
أن في إمهالهم في الدنيا حكمة لله بالغة،
ولعل الله يخرج من ظهور هؤلاء من يؤمن
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٩٢/٢.
قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ
اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى
ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى
أَجَلٍ مُسَنَّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ [فاطر: ٤٥].
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ بِمَا
أي:
كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن
دَابَةٍ﴾ ولو أنه عجل العقاب وأخذ الناس
بجميع ذنوبهم، لأهلك جميع أهل السموات
والأرض، وما يملكونه من دواب وأرزاق،
لشؤم معاصيهم؛ ولكن يؤجل عقابهم
ومؤاخذتهم بذنوبهم إلى وقت محدد وهو
يوم القيامة، فیحاسبهم يومئذ، ویوفي كل
عامل بعمله، فيجازي بالثواب أهل الطاعة،
وبالعقاب أهل المعصية، والله بصير بمن
يستحق منهم الثواب، ومن يستحق منهم
العقاب، لا يخفى عليه شيء من أمرهم (٣).
خامسًا: عفو الله عن كثير من الكسب:
من رحمة الله بعباده أنه لا يحاسب العباد
بكل ما عملوا، بل يعفو عن كثير، قال تعالى:
﴿ وَمَآ أَصَبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَّبِمَا كَسَبَتْ
(٢) انظر: تفسير الشعراوي ٨٩٤٥/١٤.
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٨٤/٢٢.
٢٩٠
جَوَبُورَة التَّقَبـ
القرآن الكريم

الکسب
أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠].
حيث بين المولى عز وجل في هذه الآية
سواء كان في الأنفس أو الأهل أو الأموال
فإنما يكون ذلك عقوبة من الله بما اجترحوه
من الآثام مع عفو الله عن كثير منها(١).
قال الزحيلي: «أي: وما أصابكم أيها
الناس من المصائب -وهي الأحوال
المكروهة كالآلام والأسقام والقحط
والغرق والصواعق والزلازل ونحوها-
فإنما هي بسبب سيئات اقترفتموها،
ومعاصٍ اقتحمتموها، فهي عقوبات
الذنوب وكفاراتها، ويعفو الله عن كثير من
معاصى العباد، فلا يعاقب عليها، وقد يكون
المصاب لغير ذنب، وإنما لزيادة الأجر
ورفع الدرجة»(٢).
عن أبي هريرة أنه قال: قال النبي صلى
الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم، من
نصب ولا وصبٍ، ولا همِّ ولا حزنٍ ولا أُذّی
ولا غُمِّ، حتى الشوكة يشاكها، إلاَ كَفَّرَ الله
بها من خطاياه)(٣).
وأكد المولى سبحانه وتعالى على هذه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٣٨/٢١،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٧/٧.
(٢) التفسير المنير ٧٢/٢٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب ما جاء في كفارة المرض،
٧/ ١١٤، رقم ٥٦٤١.
الحقيقة في آية أخرى، حيث يقول تعالى:
﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ اَلْرِيحَ فَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَ ظَهْرِوهُ
أنه ما تقع من مصيبة في الناس في هذه الدنيا إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ، أَوْ يُوِقْهُنَّ
بِمَاكَسَبُواْ وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٣-٣٤].
أي: وإن يشأ يجعل الرياح عواصف
فيهلك تلك السفن ويغرقها بمن فيها، بسبب
ذنوب أصحابها، وهو على ذلك قدير،
ويعفو عن كثير من الذنوب والخطايا، فلا
يؤاخذ بها؛ إذ لو آخذ بكل ذنب ما بقي أحد
على وجه الأرض لقلة من لا يذنب فيها (٤).
سادسًا: الجزاء العاجل والآجل:
من حكمة الله في خلقه أنه يمهل ولا
يهمل، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِ بَعْضَ
اُلََّلِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:
١٢٩].
بين المولى عز وجل في هذه الآية أنه
سلط الجن المردة على أوليائهم من الإنس،
وعقد بينهم عقد الموالاة والموافقة، بسبب
كسبهم وسعيهم بذلك، وبيَّنَ کیف أنه ولَّی
على كل ظالمٍ ظالمًا مثله، يَؤُزُّهُ إلى الشر
ويحثه عليه، ويزهده في الخير وينفره عنه،
وذلك من عقوبات الله العظيمة، الشنيع
أثرها، البليغ خطرها، والذنب ذنب الظالم،
فهو الذي أدخل الضرر على نفسه، وعلى
غيره، فالعباد إذا كثر ظلمهم وفسادهم،
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٦١٣/٤.
www. modoee.com
٢٩١

حرفالكاف
ومنعهم الحقوق الواجبة، ولی علیھم ظلمة،
يسومونهم سوء العذاب، ويأخذون منهم
بالظلم والجور أضعاف ما منعوا من حقوق
الله، وحقوق عباده، على وجه غير مأجورين
فیه ولا محتسبین.
كما أن العباد إذا صلحوا واستقاموا،
أصلح الله رعاتهم، وجعلهم أئمة عدل
وإنصاف، لا ولاة ظلم واعتساف (١).
قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِ نَفْسِ بِمَا
كَسَبَتُّ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَّكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُلُِّونَهُ.
بِمَا لَا يَعْلَمُ فِى الْأَرْضِ أَمْ يِظَهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْأُمَّةٍ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَِّيلِّ
وَمَن يُصْلِلِ اللَّهُ هَا لَهُ مِنْ هَارٍ﴾ [الرعد: ٣٣].
أي: أیکون الله الذي هو قائم رقیب على
كل نفس صالحة أو طالحة بما كسبت، يعلم
خيره وشره، ویعد لکل جزاءه، کمن لیس
کذلك. اجعلتم له شرکاء فسموهم له من هم
ونبئوه بأسمائهم، أتنبئونه بشركاء لا يعلمهم
في الأرض، وهو العالم بما في السموات
والأرض، فإذا لم يعلمهم علم أنهم ليسوا
بشيء یتعلق به العلم، والمراد نفی أن یکون
له شركاء، وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة
التي ورد عليها تدلل على أنه ليس من كلام
البشر لمن عرف وأنصف من نفسه، فتبارك
الله أحسن الخالقين"
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٢٧٣.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٣١.
عاقبة الكسب
لا شك أن للأعمال الصالحة عند الله
ثوابًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، أما الأعمال
غير الصالحة فلها عقاب من عند الله، إما
عقاب مستعجل في الدنيا، أو عقاب مؤجل
إلى يوم القيامة.
أولًا: عاقبة كسب الصالحات في الدنيا
والآخرة:
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ
ءَائِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَّةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً
وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿ أُوْلَبِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ
مِمَاكَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١ -
٢٠٢].
جمعت هذه الدعوة کلَّ خیر في الدنيا،
وصرفت كلَّ شرِّ فإن الحسنة في الدنيا
تشمل کل مطلوب دنیوي، من عافية، ودار
رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم
نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء
جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه
عبارات المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها
كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا. وأما
الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول
الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر
في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك
من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من
النار فهو يقتضي تیسیر أسبابه في الدنیا،
٢٩٢
جوية
القرآن الكريم

الكسب
من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات الأرض الذين يكسبون السيئات بالعذاب
والحرام(١).
قال الطبري: ((والصواب من القول في
ذلك عندي أن يقال: إن الله -جل ثناؤه-
أخبر عن قوم من أهل الإيمان به وبرسوله،
ممن حج بيته، يسألون ربهم الحسنة في
الدنيا، والحسنة في الآخرة، وأن يقيهم
عذاب النار. وقد تَجْمَعُ الحسنة من الله عز
وجل العافية في الجسم والمعاش والرزق
وغير ذلك، والعلم والعبادة. وأما في
الآخرة، فلا شك أنها الجنة؛ لأن من لم ينلها
يومئذ فقد حرم جميع الحسنات، وفارق
جميع معاني العافية.
وإنما قلنا: إن ذلك أولى التأويلات
بالآية؛ لأن الله عز وجل لم يخصص
من معاني الحسنة شيئًا، ولا نصب على
خصوصه دلالة دالةً علی أن المراد من ذلك
بعض دون بعض، فالواجب من القول فيه
ما قلنا: من أنه لا يجوز أن يُخَصَّ من معاني
ذلك شيء، وأن يحكم له بعمومه على ما
عمه الله))(٢).
ثانيًا: عاقبة كسب السيئات في الدنيا
والآخر:
لقد توعد الله الظالمين المفسدين في
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تعالى قطعه لهم به، ولكن أين العهد؟ إنما
٥٥٨/١.
(٢) جامع البيان ٤/ ٢٠٥.
الأليم في الدنيا والآخرة كما قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً
ضَنكًا وَنَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ قَالَ
رَبِّ لِمَ حَتَرْتَفِّ أَعْمَى وَقَدْكُنْتُ بَصِيرًا ) قَالَ
كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَها وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى
١٢
وَكَذَلِكَ نَجْزِى مَنْ أَشْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بَِّايَتِ رَبِّهِ،
وَلَعَذَابُ الْآَخِرَوْ أَشَدُّ وَأَبْقَ﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٧].
قال تعالى: ﴿بَلَّ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةٌ
وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِينَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ
النَّارِّ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١].
يتوعد الله تبارك وتعالى بالعذاب الأليم
أولئك المضللين من اليهود الذين يحرفون
كلام الله، ويكتبون أمورًا من الباطل،
وينسبونها إلى الله تعالى؛ ليتوصلوا بها إلى
أغراض دنيوية سافلة، كما قال تعالى في
آية أخرى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِنَبَ
بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَّرُواْ
بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلًاٌ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ
أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة:
٧٩].
ينكر عليهم تبجحهم الفارغ بأنهم لا
يعذبون بالنار مهما كانت ذنوبهم ما داموا
علی ملة اليهود إلا أربعين يومًا ثم يخرجون،
وجائز أن يتم هذا لو كان هناك عهد من الله
هو الادعاء الكاذب فقط، ثم يقرر العليم
www. modoee.com
٢٩٣

حرفالكاف
الحكيم سبحانه وتعالى حكمه في مصير إنما يدرك الإنسان هذه المسام بوضع
الحجر تحت المجهر. وعندما يكون الشيء
الإنسان بدخول النار أو الجنة، ذلك الحکم
القائم على العدل والرحمة، البعيد عن التأثير
بالأنساب والأحساب، فيرد عليهم بأن
الأمر ليس كما تدعون، وإنما هي الخطايا
والحسنات فمن كسب سيئة وأحاطت به
خطيئته فخبثت نفسه ولوثتها، فهذا لا يلائم
خبث نفسه إلا النار، أما الحسب والنسب
والادعاءات الكاذبة فلا تأثير لها البتة (١).
ناعمًا قد يأتي عليه تراب، ثم يأتي المطر
فينزل على التراب وينزلق التراب من على
الشيء الأملس، فالذي ينفق ماله رئاء الناس،
کالصفوان یتراكم عليه التراب، وينزل المطر
على التراب فيزيله، كله فيفقدوا القدرة على
امتلاك أي شيء؛ لأن الله جعل ما لهم من
عمل هباءً منثورًا.
وفي هذا رد على ادعاء اليهود بأنهم
شعب الله المختار، وأنهم إنما خلقوا
لیکونوا سادة، و کل من لیس علی دینهم فهم
عبيد لهم، بل ويتهمون كل من اعترض على
أفعالهم الخبيثة بأنهم معادين للسامية.
ومن عاقبة كسب السيئات في الدنيا
والآخرة ضياع الأعمال التي لا يبتغى بها
وجه الله فيقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَانُبْطِلُواْ صَدَقَتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىْ كَلَّذِى
يُنفِقُّ مَالَهُ رِشَآءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
الَآَخِرِّ فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ.
وَابِلٌ فَتَرَكَةُ صَلَّدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ
مَِّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾
[البقرة: ٢٦٤].
والصفوان: هو الحجر الأملس، الذي
لا مسام له يمكن أن تدركها العين المدركة،
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٩٩/١، أيسر التفاسير، الجزائري، ٧٦/١.
وهؤلاء كالحجر الصفوان الذي عليه
تراب فنزل علیه وابل، أي: مطر شديد فتركه
صلدًا. تلك هي صفات من قصدوا بالإنفاق
رثاء الناس، فيبطل الله جزاءهم؛ لأن الله لا
يوفقهم إلى الخير والثواب (٢).
وقال تعالى في آية أخرى: ﴿مَثَلُ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَلُهُمْ كَرَمَادِ آَشْتَدَّتْ
بِ الْرِيحُ فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ لََّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا
عَلَى شَىْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّالَّلُ الْبَعِيدُ ﴾ [إبراهيم:
١٨].
هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار
الذین عبدوا مع الله غيره، وكذبوا رسله،
وبنوا أعمالهم على على غير أساس صحيح؛
فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها (٣).
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة ما توعد الله به المنافقين
(٢) انظر: تفسير الشعراوي، ١١٥٥/٢.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٤ /٤٨٦.
٢٩٤
القرآن الكريم

الکسب
بالتحقير في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة
كما قال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا
أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنَّهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَهُمْ
رِجْسٌ وَمَأْوَنَّهُمْ جَهَنَّمُ جَزَّاءُ بِمَا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٩٥].
أي: سيؤكدون لكم اعتذارهم بما
يحلفون به من كاذب الأيمان إذا انقلبتم
من سفركم ورجعتم إليهم؛ لتعرضوا عن
العتب عليهم، والتوبيخ لهم على قعودهم
مع الخالفين من العجزة والنساء والأطفال،
وعلى البخل بالنفقة والمال، فأعرضوا
عنهم إعراض الإهانة والتحقير، لا إعراض
الصفح وقبول العذر؛ لأن فى نفوسهم قذرًا
معنويًّا یجب الاحتراس منه خوف سریان
عدواه، وميل النفوس إليه، كما يحترز
صاحب الثوب النظيف من الأقذار الحسية
التي ربما تصيبه إذا لم يحتط لها. وملجؤهم
الأخير نار جهنم جزاء لهم بما كسبوا فى
الدنیا من أعمال النفاق وغيرها، مما دنس
نفوسهم، وزادهم رجسًا على رجسهم(١).
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة عقوبة السارق والسارقة في
الدنيا بقطع الأيدي، مع ما أعده الله لهم
في الآخرة من العذاب المهين فقال تعالى:
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا
جَزَآءُ بِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللّهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
(١) انظر: تفسير المراغي ٥/١١-٦.
[المائدة: ٣٨].
أي: اقطعوا أيديهما جزاء لهما بعملهما
وكسبهما السيِّئ نكالا وعبرة لغيرهما،
ولا عبرة أعظم من قطع اليد، فهو الذي
يفضح صاحبه طول حياته ويَسِمُهُ بميسم
العار والخزي، ولا شك أن هذه العقوبة
أجدر بمنع السرقة وتأمين الناس على
أموالهم وأرواحهم، فالأرواح كثيرًا ما تتبع
الأموال إذا قاوم أهلها السراق، وحاولوا
منعهم من أخذها، والله عزيز فى انتقامه
من هذا السارق والسارقة وغيرهما من
أهل المعاصي، حكيم فى صنعه فهو يضع
الحدود والعقوبات بحسب الحكمة التي
توافق المصلحة، فما أمر بأمر إلا وهو
صلاح، ولا نهى عن أمر إلا وهو فساد(٢).
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة عدم نزول البركات وقلة
الخصب وكثرة الجدب، كما قال تعالى:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا
عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ
فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:
٩٦].
لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل
يبتلون بالضراء موعظة وإنذارًا، وبالسراء
استدراجًا ومكرّا، ذكر أن أهل القرى، لو
آمنوا بقلوبهم إیمانًا صادقًا صدقته الأعمال،
(٢) انظر: المصدر السابق، ٦/ ١١٤ - ١١٥.
www. modoee.com
٢٩٥

حفالكاف
واستعملوا تقوى الله تعالى ظاهرًا وباطنًا
بترك جميع ما حرم الله، لفتح عليهم بركات
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة وقوع التلاعن والتبري
السماء والأرض، فأرسل السماء عليهم والعداوة بين أهل النار مع بعضهم البعض
بين السادة والعبيد، بين الأتباع والمتبوعين
وتعيش بهائمهم، في أخصب عيش وأغزر فقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ أُولَمُهُمْ لِأَخْزَنُهُمْ فَمَا
كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا
كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩].
مدرارًا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون
رزق، من غیر عناء ولا تعب، ولا کد ولا
نصب، ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا، فأخذوا
بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة
الآفات، وهي بعض جزاء أعمالهم، وإلا فلو
آخذهم بجمیع ما کسبوا، ما ترك علیھا من
دابة(١).
والناظر إلى واقع المسلمين اليوم يجدهم
يعيشون في أزمات وبلايا وفتن وفقر، على
الرغم مما تملكه الدول العربية والإسلامية
من خيرات، وكل ذلك بسبب بعدها عن
الدين، وعدم تطبيقها لشرعه الحنيف،
وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ
فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم
بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
أي: ظهرت المصائب والابتلاءات
مثل القحط، وقلة الأمطار، وكثرة الحرق
والغرق، ومحق البركات من كل شيء
بسبب معاصیهم وشرکهم؛ ليذيقهم وبال
بعض أعمالهم في الدنيا قبل أن يعاقبهم
بجمعها في الآخرة (٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٩٨.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٧٠٣/٢.
أي: یقول الرؤساء لأتباعهم: قد اشتركنا
جميعًا في الغي والضلال، وفي فعل أسباب
العذاب، فليس لكم علينا من فضل، ولكنه
من المعلوم أن عذاب الرؤساء وأئمة
الضلال أبلغ وأشنع من عذاب الأتباع،
كما أن نعيم أئمة الهدى ورؤسائه أعظم
من نعيم الأتباع، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ عَذَابًا فَوْقَ
الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ﴾ [النحل:
٨٨].
فهذه الآيات ونحوها، دلت على أنهم
متفاوتون في مقدار العذاب، بحسب
أعمالهم وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن
مودتهم التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب
يوم القيامة عداوة وملاعنة (٣).
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة، إلباس الكافرين لباس الذلة
والهوان، فهي مسودة كسواد الليل، قال
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٢٨٨.
٢٩٦
القرآن الكريمِ

الكسب
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةٍ
بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُّهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِرٍ كَأَنَّمَا
أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ الَّيْلِ مُظْلِمَا أُوْلَكَ
أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾ [يونس: ٢٧].
أي: الذين عملوا السيئات في الدنيا
فكفروا وعصوا الله، لهم جزاء أعمالهم
السيئة التي عملوها بمثلها من عقاب الله
في الآخرة، هؤلاء تغشاهم ذلة وهوان، لا
أحد يعصمهم من الله ویمنعهم من عقوبته،
كأنما ألبست وجوههم أجزاء من سواد الليل
المظلم. هؤلاء هم أهل النار ماكثون فيها
أبدًا(١).
ومن صور عقوبة كسب السيئات في
الدنيا والآخرة أن الله توعد المنافقين
المتخلفين عن رسول الله، الذين يضحكون
کثیرًا في الدنيا بالبكاء الدائم والمستمر في
نار جهنم، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًا
وَلْيَبَّكُوا كَثِيرًا جَزَآءُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة:
٨٢].
أي: فرح هؤلاء المخلفون بمقعدهم
خلاف رسول الله، فليضحكوا فرحين قليلًاً
في هذه الدنيا الفانية بمقعدهم خلاف رسول
الله ولهوهم عن طاعة ربهم، فإنهم سییکون
طويلًا في جهنم مكان ضحكهم القليل في
الدنيا؛ ثوابًا منا لهم على معصيتهم، بتركهم
(١) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
١/ ٢١٢.
النفر إذ استنفروا إلى عدوهم، وقعودهم في
منازلهم خلاف رسول الله (٢).
يستفاد من هذه الآيات أن الله سبحانه
وتعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته،
وأن الله يمهل ولا يهمل، وفي هذا تحذير
للظلمة والمفسدين أعداء الدين من كفرة
ومنافقين وحكام مفسدين من غضب الله
وبطشه؛ فلا يغتروا بقوتهم؛ لأن قوة الله
فوق قوتهم.
موضوعات ذات صلة:
الجزاء، الرزق، السعي، العطاء، العمل
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ /٤٠١.
www. modoee.com
٢٩٧