النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الكتب د عناصر الموضوع مفهوم الكسب ٢٧٠ الكسب في الاستعمال القرآني ٢٧١ الألفاظ ذات الصلة ٢٧٢ إحاطة علم الله تعالى بكسب العباد ٢٧٤ ٢٧٧ أنواع الكسب في القرآن وصور منه ٢٨٤ جزاء الكسب ٢٩٢ عاقبة الكسب المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ حرفالكاف مفهوم الكسب أولًا: المعنى اللغوي: كسب: الكاف والسين والباء: أصلٌ صحيحٌ، وهو يدل على ابتغاءٍ وطلبٍ وإصابةٍ. ويقال: كسب أهله خيرًا، وكسبت الرجل مالًا فكسبه. وهذا مما جاء على فعلته ففعل (١). والكسب: ما یتحراه الإنسان مما فیه اجتلاب نفع، وتحصیل حظ، ککسب المال، وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة، ثم استجلب به مضرة. والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره (٢)، وكسب: أصاب، واكتسب: تصرف واجتهد(٣)، وتكسب، واكتسب: طلب الرزق، وأصله الجمع(٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الجرجاني: ((الكسب: هو المفضي إلى اجتلاب نفع أو دفع ضرر، ولا يوصف فعل الله بأنه کسب؛ لكونه منزها عن جلب نفع أو دفع ضرر)»(٥). وقال أبو حيان: ((والكسب: أصله اجتلاب النفع، وقد جاء في اجتلاب الضر)) (٦)، وقال الطبري: «وأصل الكسب: العمل. فكل عامل عملًا بمباشرة منه لما عمل ومعاناة باحتراف، فهو كاسب لما عمل))(٧). وبهذا يظهر أن الكسب هو جلب النفع، وقد يستخدم في الشر، وفي هذه الحالة يكون من باب التحقير والسخرية والاستهزاء، كما قال تعالى: ﴿بَلَ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ [البقرة: ٨١]. والكسب يقال فيما أخذه لنفسه ولغيره، والاكتساب لا يقال إلا فيما استفاده لنفسه. و کل اکتساب کسب، ولیس کل کسب اكتسابًا (٨). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٧٩/٥. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ٣١٥/٥، تهذيب اللغة، الأزهري ٤٨/١٠، الصحاح، الجوهري ٢١٢/١. (٣) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص ١٣٠. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤ / ١٤٤. (٥) التعريفات ص١٨٤. وانظر: المفردات، الراغب الأصبهاني، ص ٧٠٩، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٨١، الكليات، الكفوي ص ٧٧٠. (٦) البحر المحيط، ٤٣٦/١. (٧) جامع البيان، الطبري ٢/ ٢٧٣. (٨) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٣٤٩/٤. ٢٧٠ مَوَسُ حَرَا القرآن الكريمِ الکسب الكسب في الاستعمال القرآني وردت مادة (كسب) في القرآن الكريم (٦٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٤٣ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَاكَسَبَ ﴾ [المسد: ٢] الفعل المضارع ٢٤ ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِنْمَّا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء: ١١١] وجاء الكسب في القرآن على أربعة أوجه(٢): أحدها: الرشوة: ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِمَّا مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. يعني: يرتشون. الثاني: الولد: ومنه قوله تعالى: ﴿مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ, وَمَاكَسَبَ﴾ [المسد: ٢]. يعني: وما ولد؛ قاله مجاهد. الثالث: الجمع: ومنه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. أي: مما جمعتم. الرابع: العمل: ومنه قوله تعالى: ﴿لَهَا مَاكَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. أي: عملت. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي ص ٦٠٤- ٦٠٥. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٠٠. www. modoee.com ٢٧١ حرفالكاف الألفاظ ذات الصلة الكدح: ١ الكدح لغةً: (كلح) الكاف والدال والحاء: أصلٌ صحيحٌ يدل على تأثيرٍ في شيءٍ. يقال: كَدَحَهُ وگَدِحَهُ: إذا خدشه. ومن هذا القیاس کدح إذا کسب، یکدُ گذحًا فهو كادحٌ(١)، والكدح: عمل الإنسان من الخير والشر. ويكدح لنفسه، أي: يسعى(٢). الکَدْحُ اصطلاحًا: سعي الإنسان وجهده في الأمر من الخير والشر حتى يؤثر فيه (٣). الصلة بين الكسب والكدح: الكسب يكون بجهد وبغير جهد، وأما الكدح فلا يكون إلا بجهد (٤). الخسران: ٢ الخسران لغة: خسر: الخَسْرُ: النقصان، والخُسْرإِنُ كذلك، والفعل: خَسِرَ يَخْسَرُ خسرانًا، والخاسر: الذي وضع في تجارته، ومصدره: الخَسارَةُ والخَسْرُ. كِلَّتُهُ ووَزَنْتُهُ فَأَخْسَرْتُهُ، أي: نقصته، وقوله عز وجل: ﴿وَكَانَ عَقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ [الطلاق: ٩]. أي: نقصًا. وصفقة خاسرةٌ، أي: غير مربحة(٥). الخسران اصطلاحًا: هو فقدان الأعمال والأموال والأهل والأجر والثواب في الدنيا والآخرة، بسبب ضلال السعي والانحراف عن دین الله. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٦٧/٥. وانظر: لسان العرب، ابن منظور ٢/ ٥٦٩. (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٥٩/٣. وانظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٧٧٩/٢. (٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢٢٨/٥. (٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص ١٣٨. (٥) انظر: العين، الفراهيدي، ١٩٥/٤، مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٨٢/٢، لسان العرب، ابن منظور، ٢٣٨/٤، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢٣٣/١. ٢٧٢ القرآن الكريم الکسب الصلة بين الكسب والخسران: الكسب في الأصل يكون بالزيادة، والخسران بالنقص. الإضاعة: ٣ الإضاعة لغة: (ضيع) الضاد والياء والعين: أصلٌ صحيحٌ يدل على فوت الشيء وذهابه وهلاكه، يقال: ضاع الشيء يَضِيُع ضياعًا وضيعةً، وأضعته أنا إضاعةً (١). الإضاعة اصطلاحًا: الإهمال، تقول: أضعت الشيء، أي: أهملته فلم أحفظه(٢). الصلة بين الكسب والإضاعة: الكسب يقوم على الحصول على الشيء، والاضاعة على إتلافه. (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣/ ٣٨٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٥٤٧/١، لسان العرب، ابن منظور، ٢٣١/٨. (٢) انظر: الدر المصون، الحلبي ١٥٨/٢. www. modoee.com ٢٧٣ حرفالكاف إحاطة علم الله تعالى بكسب العباد إن علم الله عز وجل محيط بكل شيء، لا يخفى عليه شيء؛ فهو عالم بما كان وما یکون، وما لو كان كيف يكون، ومن هذا العلم کسب الإنسان خيرًا كان أم شرًّا، فجاء هذا البحث يتحدث حول مدى علم الله وإحاطته بکسب العباد من خير وشر. أولًا: علم الله بكسب العباد من خير وشر: قال تعالى: ﴿وَهُوَ اَللَّهُ فِ السَّمَوَتِ وَفِي اُلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ [الأنعام: ٣]. يقول تعالى ذكره: إن الذي له الألوهة التي لا تنبغي لغيره، المستحق عليكم إخلاص الحمد له بآلائه عندكم، أيها الناس، الذي یعدل به كفاركم من سواه، هو الله الذي هو في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهر کم، فلا يخفى عليه شيء(١)، فالله هو المألوه المعبود في السموات وفي الأرض، فأهل السماء والأرض متعبدون لربهم، خاضعون لعظمته، مستکینون لعزه وجلاله، والملائكة المقربون، والأنبياء والمرسلون، والصديقون، والشهداء والصالحون(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٦١/١١. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٢٥٠، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٥٠/٧. وقد ذكر المولى عز وجل في هذه الآية وصفين جليلين فيهما تذكير وتبشير وإنذار: أولهما: أنه ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ فإنه يعلم ما تظهره الجوارح وما تخفيه السرائر، يعلم ما يجري على الإنسان وما تخفي الصدور، فإن حاسب على ما يفعلون، فحسابه حساب اللطيف الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء أنى يكون، وهو مجاز على ذلك إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرٌّ، وهو من بَعْدُ الغفور الرحيم. الوصف الثاني: أنه ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ﴾ من خير أو شرِّ، ولكل ذلك حسابه من هنا إلى يوم القيامة(٣). يستفاد من الآية إثبات صفة العلم لله تعالى، وأنه تعالى: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَىءٌ فِي اَلْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَآءِ ﴾ [آل عمران: ٥]. ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]. فالحذر الحذر من مخالفته وعصيان أمره !! وفي آية ثانية يذكر المولى - سبحانه وتعالى القديم الأزلي بمكر الماكرين وتآمر المتأمرین- مبينًا لنبيه صلی الله عليه وسلم أنَّ مكر هؤلاء هو یبور، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَميعَا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسِ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّرُ لِمَنْ عُقْبَى النَّارِ﴾ (٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٤٣٥/٥. جَوْسُو ◌َرَ النَّقِبـ القرآن الكريمِ ٢٧٤ الکسب [الرعد: ٤٢]. ثانيًا: كسب العباد في المستقبل غيب أي: قد مكر الذين من قبل هؤلاء لا يعلمه إلا الله: المشركين من قريشٍ من الأمم التي سلفت بأنبياء الله ورسله، فلله أسباب المكر جمیعًا، وبيده وإلیه، لا یضر مکر من مکر منهم أحدًا إلا من أراد ضُرَّهُ به، يقول: فلم يضر الماكرون بمكرهم إلا من شاء الله أن يضره ذلك، وإنما ضروا به أنفسهم؛ لأنهم أسخطوا ربهم بذلك على أنفسهم حتى أهلكهم، ونَجَّی رسله، فكذلك هؤلاء المشركون من قریش یمکرون بك، يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحقٌ ضَرَّ مکرهم بهم دونك، فإن ربك یا محمد يعلم ما يعمل هؤلاء المشركون من قومك، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلق كلهم، لا يخفى عليه شيء منها، وسیعلمون إذا قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة الدار الآخرة حين يدخلون النار، ويدخل المؤمنون بالله ورسوله الجنة(١). وهذا وعيد شديد وتهديد لكل كافر ماكر، وتسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأمان له من مكرهم(٢). (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٩٩/١٦، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٤٧٣. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ١٣/ ١٩٤. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِى الْأَرْحَاِ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدٌَّ وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّاللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ٣٤]. هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها، فلا يعلمها أحد إلا بعد إعلامه تعالى بها؛ فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال تعالى: ﴿لَا يُحَلِّهَا لِوَقِهَاً إلّا هُـ [الأعراف: ١٨٧]. وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه الله تعالی سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكرا أو أنثى، أو شقيًّا أو سعيدًا، علم الملائكة الموكلون بذلك، ومن شاء الله من خلقه. وكذلك لا ﴿تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ في دنياها وأخراها، ﴿وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) في بلدها أو غيره من أي بلاد الله كان، لا علم لأحد بذلك. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس: مفاتيح الغيب (٣). ولما خصص هذه الأشياء، عمم علمه بجميع الأشياء فقال تعالى: ﴿إِنَّاللّهَ عَلِيمُ (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣٥٢/٦. www. modoee.com ٢٧٥ حرفالكاف خَبِيرٌ﴾، محيط بالظواهر والبواطن، يبذرها الخلق وغيرها من أصناف النباتات إلا في اللوح المحفوظ (٢). والخفايا والخبايا، والسرائر، ومن حكمته التامة، أن أخفى علم هذه الخمسة عن العباد؛ لأن في ذلك من المصالح ما لا يخفى على من تدبر ذلك(١). وفي آية ثانية بين المولى عز وجل علمه المطلق الشامل لعظائم الأشياء ودقيقها، فقال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَّ وَيَعْلُ مَا فِىِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِّ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ◌ُلُّمَتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَاِسٍ إِلََّّ فِ كِنَبِ تُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]. هذه الآية العظيمة، من أعظم الآيات تفصيلا لعلمه المحيط، وأنه شامل للغیوب كلها، التي يطلع منها ما شاء من خلقه. وكثير منها طوى علمه عن الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، فضلًا عن غيرهم من العالمين، وأنه يعلم ما في البراري والقفار من الحيوانات، والأشجار، والرمال والحصى، والتراب، وما في البحار من حيواناتها، ومعادنها، وصيدها، وغير ذلك مما تحتويه أرجاؤها ويشتمل عليه ماؤها. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ﴾ من أشجار البر والبحر، ﴿إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِ ظُلُمَتِ اْأَرْضِ﴾ من حبوب الثمار والزروع، وحبوب البذور التي (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦٥٣. يستفاد من الآية: أن كل مدَّعٍ لمعرفة الغیب من الجن والإنس فهو طاغوت يجب لعنه ومعاداته، وأما من ادعى اليوم من أنه بواسطة الآلات الحديثة قد عرف ما في رحم المرأة فهذه المعرفة ليست داخلة في معنى الآية؛ لأنها بمثابة من فتح البطن ونظر ما فيه فقال: هو كذا، وذلك لوجود أشعة عاكسة، أما المنفي عن كل أحد إلا الله أن يقول المرء: إن في بطن امرأة فلان ذكرًا أو أنثى، ولا یقرب منها ولا يجربها في ولادتها السابقة، ولا يحاول أن يعرف ما في بطنها بأية محاولة (٣). جاء في الصحيح: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله علیه وسلم (مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحدٌ ما يكون في غدٍ، ولا يعلم أحدٌ ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحدٌّ متى يجيء المطر)(٤). (٢) انظر: المصدر السابق، ص ٢٥٩. (٣) أيسر التفاسير، الجزائري ٤/ ٢٢٠ (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، أبواب الاستسقاء، باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله، ٣٣/٢، رقم ١٠٣٩. ٢٧٦ جوبيه القرآن الكريمِ الكسب أنواع الكسب في القرآن وصور منه لاشك أن أنواع الكسب كثيرة ومتعددة، وسيتم الاختصار في هذه السطور على صور من أنواع الكسب في القرآن الكريم من خلال كسب الصالحات، وكسب السيئات و کسب الأموال. أولًا: كسب الصالحات: قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلَتِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْنِىَ بَعْضُ ءَايَنْتِ رَيِّكَ يَوْمَ يَأْتِ بَعْضُ ءَايَتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيَمَنِهَا خَيْرَاً قُلِ أَنَظِرُ وَإِنَّا مُنْفَظِرُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]. يبين المولى عز وجل في هذه الآية أن كسب الصالحات متحقق ومقبول قبل طلوع الشمس من مغربها، أما بعد ذلك تصبح الأعمال اضطرارية لا اختيارية، فلا قيمة لها، حيث بين المولى عز وجل أنه في هذا اليوم يبطل التكليف الذي يترتب عليه الجزاء؛ لأنها حالة لا تمتنع نفس من الإقرار بالله، لعظيم الهول الوارد عليهم من أمر الله، فحکم إیمانهم، کحکم إیمانهم عند قيام الساعة، وتلك حال لا يمتنع الخلق من الإقرار بوحدانية الله؛ لمعاينتهم من أهوال ذلك اليوم ما ترتفع معه حاجتهم إلى الفكر والاستدلال والبحث والاعتبار، ولا ينفع من كان بالله وبرسله مصدقًا، ولفرائض الله مضيعًا، غير مكتسب بجوارحه لله طاعة؛ إذا هي طلعت من مغربها أعماله إن عمل، و کسبه إن اكتسب؛ لتفريطه الذي سلف قبل طلوعها في ذلك(١). يستفاد من هذه الآية: أن على الإنسان أن يبادر بالأعمال الصالحة والتوبة النصوحة قبل أن يفجأه الموت أو أن يُغْلَقَ بابُ التوبة. جاء في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا رآها الناس آمن من عليها، فذاك حين: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِمَتُهَالَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ﴾)(٢). وفي آية أخرى يبين المولى عز وجل حال المؤمن الذي يبتغي بعمله وجه الله، ويسعى لمرضات الله، فقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَيَّنَآ ءَاتِنَا فِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَفِى الْآَخِرَةِ حَسَنَّةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَا كَسَبُواْ وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [البقرة: ٢٠١-٢٠٢]. أي: ومنهم من یطلب خير الدنيا والآخرة (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٦٦/١٢ - ٢٦٧، تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٨٤/٨. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب لا ينفع نفس إيمانها، ٥٨/٦ رقم ٤٦٣٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان، ٩٥/١، رقم ٣١٣. www. modoee.com ٢٧٧ حرفالكاف جميعًا، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت الدارين على قدره(١). کالفريق الأول. يستفاد من الآية أن على الإنسان أن يأخذ وقد اختلف المفسرون في تعيين بالأسباب ولا ينافي ذلك التوكل على الله؛ الحسنة هل هي العافية، أو الكفاف، أو لأن التوكل الحقيقي على الله يكون بالأخذ المرأة الصالحة، أو الأولاد الأبرار، أو المال الصالح، أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة؟ والظاهر أن ﴿حَسَنَةً﴾ وصفٌ لمحذوف أي: حياة حسنة، وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدًا في الدنيا، فمن دعا الله تعالى دعاء إجماليًّا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة، والحياة الطيبة فيهما یکن مهتدیا بالآية. ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة فهو مهتد بها، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضًا فقيل: الجنة، وقيل: الرؤية، واختلفوا في عذاب النار، وقد بينت الآية صريحًا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص في معنى الدعاء، وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقًا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب، والسعي في الطرق التي مضت سنة الله تعالى؛ ولهذا قال: ﴿مِّمَاكَسَبُواْ﴾ ولم يقل: لهم ما طلبوا. والمعنى: أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في بالأسباب مع التوكل على مسبب الأسباب وهو الله تعالى، وأن الاعتماد على الأسباب بالكلية قدح في الشرع، كما أن ترك الأسباب بالكلية قدح في العقل، والأخذ بالأسباب جزء من حقيقة التوكل على الله. جاء في الصحيح عن أنسٍ، قال: كان أكثر دعاء النبي صلی الله عليه وسلم: (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار)(٢ . ثانيًا: كسب السيئات: قال تعالى: ﴿بَلَ مَنْ كَسَبَ سَيْنَةً وَأَخَطَتْ بِهِ خَطِينَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِّهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١]. في هذه الآية يبين لنا المولى سبحانه وتعالى صورة من صور كسب السيئات، وهو الشرك بالله تعالى، حيث ذكر الكسب وهو جلب النفع، واستعماله هنا في السيئة (١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٩٠/٢ - ١٩٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة)، ٨٣/٨، رقم ٦٣٨٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ٨/ ٦٨، رقم ٦٩٣٩. ٢٧٨ جوبي القرآن الكريم الکسب تفسير السيئة هنا هو الشرك؛ لأنه إذا أحاط بالإنسان فإنه يهلكه ولا مغفرة فيه، فهؤلاء لم يكونوا عصاة فقط، ولكنهم كانوا كافرين مشرکین. والدليل هو قوله تعالى: ﴿هُمْفِيهَا خَلِدُونَ﴾ وأصحاب الصغائر أو الكبائر الذين يتوبون منها لا يخلدون في النار؛ ولكن المشرك بالله والكافر به هم الخالدون في النار (١). ومن صور کسب السيئات اتخاذ الدين لهوًا ولعبًا، والاغترار بالدنيا الفانية، فقال تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ أَمَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهُوَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا وَذَكِرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسُ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اَللَّهِ وَإِىٌّ وَلَا شَفِيْعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَّا يُؤْخَذْ مِنْهَاً أُوْلَكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾ [الأنعام: ٧٠]. حيث بينت الآية الكريمة كيف أن الله تعالى سيحاسب المقصرين واللاهين المفتونين بالدنيا وزينتها بالافتضاح والمؤاخذة، والحبس يوم القيامة، حيث يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَذَرٍ﴾ هؤلاء ﴿الَّذِينَ أَّخَذُواْ﴾ دين الله وطاعتهم إياه ﴿لَعِبًا (١) انظر: تفسير الشعراوي، ٤٢٦/١، التفسير المنير، الزحيلي، ٢٠٥/١. هو من باب التهكم، وأنسب الأقوال في وَلَهُوَا﴾، فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إياه اللعب بآياته، واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم، فأعرض عنهم، فإني لهم بالمرصاد، وإني لهم من وراء الانتقام منهم والعقوبة لهم على ما يفعلون، وعلى اغترارهم بزينة الحياة الدنيا، ونسيانهم المعاد إلى الله تعالى ذكره، والمصير إليه بعد الممات (٢). يستفاد من الآية وجوب الإعراض عن المستهزئين المغرورين بالدنيا، والتحذير من مجالستهم والركون إليهم. ومن صور كسب السيئات الغلول من الغنيمة فقال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ يَغُلَّ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَلَى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦١]. القراءات: (((يغل) فقرأ ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو وعاصمٌ بفتح الياء وضم الغين. وقرأ الباقون بضم الياء وفتح الغين)»(٣)، (ومعنى القراءة بفتح الياء وضم الغين: ما كان النبي أن يخون أصحابه ويأخذ من الغنيمة خفية، وعلى القراءة الأخرى بضم الياء وفتح الغين يكون المعنى: ما كان لنبي أن يخون فيتهم (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٩/٣، جامع البيان، الطبري، ٤٤١/١١. (٣) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري، ٢٤٣/٢. www. modoee.com ٢٧٩ حرفالكاف بالخيانة)»(١). ففي هذه الآية ينفي المولى عز وجل عن أنبيائه صفة الغلول، وهي من الكبائر التي نهى الله عنها، وتوعد فاعلها بالعذاب الأليم، ثم ذكر تعالى جزاء وعقوبة من يفعل ذلك فأخبرهم تعالى أن من أغل شيئًا يأت به يوم القيامة يحمله حتى البقرة والشاة، ثم یحاسب عليه کغيره ویجزی به، کما تجزی كل نفس بما كسبت من خير أو شر ولا تظلم نفس شيئا لغنى الرب تعالى عن الظلم وعدله(٢). يستفاد من الآية: عصمة النبي من الصغائر والكبائر، ووجوب الدفاع عنه أمام الذین یسیئون إليه بأي شكل من الأشكال، وخاصة في زماننا من أعداء الإسلام الذين ينشرون الرسوم المسيئة له، فداك يا رسول الله بأبي وأمي! جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال: (لا ألفين أحدکم یجيء يوم القيامة على رقبته بعيرً له رغاءً، يقول: يا رسول الله، أغثني! فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك)(٣). (١) الحجة في القراءات السبع، ابن خالويه، ص ١١٦. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٥٤/٧، أيسر التفاسير، الجزائري، ١/ ٤٠٤. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، أبواب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول، ٦/ ١٠، رقم ٤٧٦٢. ومن صور كسب السيئات التولي يوم الزحف، فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَ الْجَمْعَانِ إِنَّمَا أُسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمُّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. تتحدث الآية عن الصحابة الكرام، الذين انهزموا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل منهم، وقد حملهم الشيطان على الزلل، وهي الخطيئة بشؤم ذنوبهم بتركهم مركزهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بعدم مغادرته، أو بقبولهم من الشيطان ما وسوس إليهم من الهزيمة (٤). ويعتبر التولي يوم الزحف من الكبائر بل هو من الموبقات السبع التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلی الله علیه وسلم قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات)(٥). ومن صور الکسب السِّع کسب الذنوب (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ١٣٢/٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الوصايا، باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى)، ١٠/٤، رقم ٢٧٦٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب ما جاء في الكبائر، ١/ ٦٤، رقم ١٧٥. ٢٨٠ جوبيبو القرآن الكريمِ الکسب والمعاصى عمومًا كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١١١]. أي: ومن يأت ذنبًا على عمدٍ منه له ومعرفة به، فإنما یجترح وبال ذلك الذنب وضره وخزيه وعاره على نفسه، دون غيره من سائر خلق الله (١). ومن صور کسب السيئات: اتهام الأبرياء والافتراء عليهم كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِمَّا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ، بَرِيْئًا فَقَدِ أَحْتَمَلَ بُهْتَنَا وَإِثْمَا مُّبِينًا ﴾ [النساء: ١١٢]. أي: من ارتکب خطیئة أو إثمًا ثم اتهم به بريئًا فقد ارتكب جريمة فظيعة، ونلاحظ من استخدام الحق هنا لكلمة (احتمل) وليس (حمل)، تؤكد لنا أن هناك علاجًا ومكابدة وشدة؛ ليحمل الإنسان هذا الشيء الثقيل؛ فالجريمة جريمتان وليست واحدة، لقد فعل الخطيئة ورمى بها بريئًا، وفاعل الخطيئة يندم على فعلها مرة، ويندم أيضًا على إلصاقها ببريء. إذن فهي حمل على أكتافه(٢). ومن هذا الإيذاء والافتراء إيذاء المؤمنين بغير ما اكتسبوا، كما قال تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ بِغَيْرِ مَا اُكْتَسَبُواْ فَقَدِ أَحْتَمَلُواْ بُهْتَنَّا وَإِنْمَا قُّبِينًا ﴾ [الأحزاب: ٥٨]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ١٩٦. (٢) انظر: تفسير الشعراوي ٢٦١٨/٥. أي: ينسبون إليهم ما هم برآء منه، لم يعملوه ولم يفعلوه، وهذا هو البهت البين، أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ویعیبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله، عز وجل، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين، ويمدحون المذمومين(٣). قيل: إنها نزلت في منافقین كانوا يؤذون عليًّا رضي الله عنه، وقيل: في أهل الإفك، وقيل: في زناة كانوا يتبعون النساء وهن کارهات (٤). جاء في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لم یکن فيه فقد (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤٨٠/٦ - ٤٨١. (٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ /٢٣٨. www. modoee.com ٢٨١ حرفالكاف بهته)(١). ثالثًا: كسب الأموال: الكسب الطيب والمال الحلال ينير القلب، ويشرح الصدر، ويورث الطمأنينة والسكينة والخشية من الله، ويعين الجوارح على العبادة والطاعة، ومن أسباب قبول العمل الصالح وإجابة الدعاء، أما الكسب الخبيث فإنه شؤم وبلاء على صاحبه، بسببه يقسو القلب، وينطفئ نور الإيمان، ويحل غضب الجبار، ويمنع إجابة الدعاء، المال الحرام مستخبث الأصول، ممحوق البركة والمحصول، إن صرفه صاحبه في برِّ لم يؤجر، وإن بذله في نفعٍ لم يشكر، ثم هو لأوزاره محتمل وعليه معاقب. ومن صور كسب الأموال قوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِّ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِفَاخِذِيهِ إِلَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهٍ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. يأمر تعالى عباده المؤمنين بالنفقة من طيبات ما يسر لهم من المكاسب، ومما أخرج لهم من الأرض، فكما مَنَّ عليكم بتسهیل تحصيله فأنفقوا منه شكرًا لله وأداء لبعض حقوق إخوانكم عليكم، وتطهیرًا (١) أخرجه مسلم، كتاب الآداب، باب تفسير الغيبة، ٢١/٨، رقم ٦٦٨٥. لأموالكم، واقصدوا في تلك النفقة الطيب الذي تحبونه لأنفسكم، ﴿وَلَا تَيَمِّمُواْ﴾ الرديء الذي لا ترغبونه ولا تأخذونه إلا على وجه الإغماض والمسامحة؛ فهو ﴿غُ﴾ عنكم، ونفع صدقاتكم وأعمالكم عائد إلیکم، ومع هذا فهو ﴿حَمِيدٌ﴾ على ما يأمركم به من الأوامر الحميدة والخصال السديدة، فعليكم أن تمتثلوا أوامره؛ لأنها قوت القلوب، وحياة النفوس، ونعيم الأرواح (٢). يستفاد من الآية: أن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، ومن هنا ينبغي على الإنسان أن يتخير النفقة الحلال ينفقها في سبيل الله. جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيها الناس، إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِّ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلـ [المؤمنون: ٥١]. وقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب، يا رب، ومطعمه حرامٌ، ومشربه حرامٌ، وملبسه حرامٌ، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك؟!)(٣). (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ١١٥. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، کتاب الزكاة، باب ٢٨٢ الْقُرْآن الكَرِيمِ الکسب وجاء في الصحیح أيضًا أنه (کان لأبي بکر غلامٌ یخرج له الخراج، و کان أبو بكرٍ يأكل من خراجه، فجاء يومًا بشيءٍ فأكل منه أبو بكرٍ، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: کنت تکهنت لإنسان في الجاهلية، وما أُحْسِنُ الكهانةَ، إلا أني خدعته، فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكرٍ يده، فقاء كلّ شيءٍ في بطنه)(١). ومن صور كسب الأموال قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنَا قَلِيلٌ فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. تتحدث الآية الكريمة عن تحريف اليهود لکتبهم، وزعمهم أنها من عند الله، طمعًا في عَرَضٍ زائل، فکان الوعيد والتهديد لأولئك العلماء الذين يكتبون الكتب بأيديهم، ويودعونها آراءهم، ويحملون الناس على التعبد بها قائلين: إن ما فيها من عند الله، ويمكن الاستغناء بها عن الكتاب الذي نفهم منه ما لا يفهم غيرنا، يخطبون بتلك الكتب ميل العامة وودهم، ويبتغون الجاه عندهم، قبول الصدقة من الكسب الطيب، ٨٥/٣، رقم ٢٣٠٩. (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب أيام الجاهلية، ٤٣/٥، رقم ٣٨٤٢. ويأكلون أموالهم بالدين؛ وهو مال حقير قليل، وكل ما يباع به الحق ويترك لأجله فهو قليل؛ لأن الحق أثمن الأشياء وأغلاها، وأرفعها، فالهلاك والويل محيط بهم من أقطارهم، ونازل بهم من جانب الوسيلة ومن جانب المقصد(٢). يستفاد من الآية: أنَّ الكتاب الذي بين یدي اليهود والنصارى لا سند له يمكن أن يعتمد عليه في صحة المعلومات الواردة فيه؛ فلهذا لا يمكن لليهود ولا للنصارى أن ينفوا إمكانية التحريف، والعبث فيه خاصة، وأن الذين استؤمنوا عليه وهم اليهود قد انحرفوا انحرافات خطيرة في الدين، وكفر كثير منهم، وأعرضوا عن دين الله، وتركوه رغبة عنه، وحبًّا للدنيا، وإيثارًا لها، وهذا ظاهر واضح لكل من طالع سجل تاريخهم وهو العهد القديم. فمع هذا الانحراف والفساد كيف يمكن أن تسلم التوراة من العبث والتحريف، هذا ما لا يقبله العقل السليم وواقع الإنسان (٣). (٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٢٩٩/١. (٣) انظر: دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية ص ٩٤. www. modoee.com ٢٨٣ حرفالكاف جزاء الكسب من صفات الله تبارك وتعالى العدل في محاسبة خلقه، فلا يحاسبهم إلا بما عملوا، ولا یعاجلهم بالعقوبة، ولا يؤاخذهم إلا بما تعمدت قلوبهم مع العفو عن الكثير، ومن هنا جاءت النقاط الآتية: أولًا: كلٍّ مرهون بکسبه: قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. من رحمة الله بعباده أنه لا يكلف نفسًا إلا وسعها، ولا يحاسبها إلا بما اجترحت وعملت من خير، فيكافئها عليه خيرًا، وبما عملت من شرِّ فيجازيها عليه شرًا(١). جاء في الصحيح عن أبي مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلةٍ كفتاه)(٢). ومن صور ارتهان العبد بكسبه والتي تبین فضل الله على المؤمنین برفع درجات ذرية الصالحين إليهم، وليس كذلك الأبناء الكفار فلا يزيد من عذابهم بفعل آبائهم، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣١/٦. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب فضل سورة البقرة، ١٨٨/٦، رقم ٥٠٠٨. يإِمَنِ اَلْقْنَا بِهِمْ ذُرِّيََّهُمْ وَمَا أَلَنَّتَهُم مِّنْ عَمَلِهِم ◌ِن شَّرَ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١]. وهذا من تمام نعيم أهل الجنة، أن ألحق الله بهم ذريتهم الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم، فهؤلاء المذكورون يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا، وحتى لا يتوهم متوهم أن أهل النار كذلك، يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم، بَيَّنَ تعالى أنَ كلَّ امرئ مرتهن بعمله، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا یحمل على أحد ذنب أحد(٣). ومن الآيات التي تدلل على أن الكافر مرتهن بكسبه مغلولة به عنقه، قوله تعالى: ﴿كُلُّنَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِنَةُ إِلَّ أَصْحَبَ الِيَِّينِ ) فِيجَنَّتِ يتَسَاءَلُونَ(ٹ) عَنِالمُجْرِمينَ﴾ [المدثر: ٣٨- ٤٠]. حیث یقول تعالى ذكره: إِنَّ كلَّ نفس مأمورة منهية بما عملت من معصية الله في الدنيا، رهينة في جهنم موثقة بسعيها، قد ألزم عنقها، وغل في رقبتها، واستوجبت به العذاب إلا المؤمنين فإنهم غير مرتهنين، (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨١٥. ٢٨٤ جوبيين لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الکسب ولكنهم في جنات النعيم مطمئنين يتساءلون المسلمین- لا تحسبوا قولهم شرًّا لکم، بل عن المجرمين (١). وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ, عَلَى نَفْسِهِ، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١)﴾ [النساء: ١١١]. وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيِّرَ اَللَّهِأَبِغِىِرَبَّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّنَفْسِ إِلَّا عَلَيَّهَاً وَلَا يَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُ مَّهْجِئُكُمْفَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٦٤]. في هذه الآيات تحديد المسئولية، حيث لا يؤخذ أحد بجرم غيره، ولن يخشى البريء أن يلقى عليه جرم المجرم، فإن أمر القضاء إلى عليم حكيم، يعلم عمل كل عامل من خير أو شر، فيجزى بالخير خيرًا، وبالشر شرًّا، کما یقضي بذلك عدله، وحكمته(٢). ومن حكمة الله أنه يجازي كلَّ عامل ـنَإنَّ بقدر عمله الذي عمله، فقال تعالى: الَّذِينَ جَهُ و بِآلْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرََّ لَّكُمْ بَّ هُوَ خَيْرٌ لَكُمَّ لِكُلِ آَمْرِيٍ مِنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ اْإِثْمِّ وَالَِّ تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. أي: إن الذین جاءوا بأشنع الكذب، وهو اتهام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بالفاحشة جماعة منتسبون إليكم -معشر (١) انظر: المصدر السابق، ص ٨٩٧. (٢) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب، ٨٩٣/٣، التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٣١/٥. هو خير لكم، لما تضمن ذلك من تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها والتنويه بذكرها، ورفع الدرجات، وتكفير السيئات، وتمحيص المؤمنين. لكل فرد تكلم بالإفك جزاء فعله من الذنب، والذي تحمل معظمه، وهو عبد الله بن أبي ابن سلول كبير المنافقين - لعنه الله- له عذاب عظيم في الآخرة، وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار (٣). يستفاد من الآية حرمة الطعن بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه من الكبائر التي توعد الله فاعلها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، ومن هنا كان لا بد للأمة أن تنهض من تخاذلها، وتدافع عن عرض رسولها صلى الله عليه وسلم من أولئك الذین یطعنون في عرضه ویسیئون إليه. و کما أن كل إنسان مرتهن بکسبه فكذلك الأمم، لا تؤاخذ أمة بجريرة أمة أخرى، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتٌّ لَهَامَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمٌّ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. حيث يخاطب المولى عز وجل اليهود والنصارى بقوله: يا معشر اليهود والنصارى، دعوا ذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والمسلمين من أولادهم (٣) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير ٣٥١/١. www. modoee.com ٢٨٥ حرفالكاف بغير ما هم أهله، ولا تنحلوهم كفر اليهودية شاء بمزيد عنايةٍ، فهذا فضله، وخذل من لیس بأهل لتوفیقه وفضله، وخَلَّی بینه وبین نفسه، ولم يرد سبحانه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله. والنصرانية، فتضيفونها إليهم، فإنهم أمة لها ما عملت من خير، ولكم يا معشر اليهود والنصارى مثل ذلك ما عملتم، ولا تؤاخذون أنتم بهم فتسألوا عما كانوا يعملون. فيكسبون من خير وشر؛ لأنَّ لكلِّ نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت. فدعوا انتحالهم وانتحال مللهم، فإن الدعاوی غیر مغنیتکم عند الله، وإنما يغني عنكم عنده ما سلف لكم من صالح أعمالكم، إن كنتم عملتموها(١). يستفاد من الآيات أَنَّ سنة الله في الخلق أن المرء يجزى بعمله، ولا يسأل عن عمل غيره. ثانيًا: العدل في الجزاء: يتجلى العدل الإلهي في سنة المسئولية والجزاء، فالإنسان مسؤول عن فعله ومجزی به؛ إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر. ولكنه ليس مسئولا عن فعل غيره، إلا في حدود تأثيره فیه. فكل أفعال الله وأحكامه عدل وسداد وصواب، وهو سبحانه قد أوضح السبل وأرسل الرسل، وأنزل الكتب وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله ووَفَّقَ من (١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٠٠/٣. وهنا لا بد من إبراز بعض المفاهيم المغلوطة فيما يتعلق بقضية التخيير والتسيير في كسب الإنسان، فذهبت فرقة الجبرية إلى أن الإنسان مسير مجبور على كل ما يعمله وليس لديه اختيار، وفي المقابل ذهبت فرقة القدرية وهم المنكرون للقدر إلى أن الإنسان مخير في كل ما يعمله، وأنكروا قدرة الله على كل شيء فجعلوه لم يخلق أفعال العباد، فأخرجوها عن قدرته وخلقه. والحق الذي عليه أهل السنة والجماعة أن الإنسان مخير في أشياء وهي الإرادية وعليها يكون الجزاء والحساب، ومسير في أشياء غير الإرادية كالمیل القلبي ونحوه فلا يحاسب عليها(٢). قال الطاهر بن عاشور عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ رَبُّ اٌلْعَلَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٩]: ((وفي هذه الآية وآية سورة الإنسان إفصاح عن شرف أهل الاستقامة بكونهم بمحل العناية من ربهم إذا شاء لهم الاستقامة وهيأهم لها، وهذه العناية معنى عظيم تحير أهل العلم في الكشف عنه، فمنهم من تطوح به إلى الجبر، ومنهم (٢) انظر: شرح الطحاوية، ابن أبي العز ٣٥٨/٢. فَضْو جَوَسُولَة التَّقِينَ القُرآن الكَرِيْمِ ٢٨٦ الکسب من ارتمى في وهدة القدر، ومنهم من اعتدل لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب، فجزم بقوة للعباد حادثة يكون بها اختيارهم فلو ترك الظالم الذي ظلم غيره في الدنيا، ولم يقتص منه في الآخرة، لما كان خلق السموات والأرض بالحق(٢). لسلوك الخير أو الشر، فسماها بعض هؤلاء قدرة حادثة، وبعضهم سماها کسبًا. وحملوا ما خالف ذلك من ظواهر الآيات والأخبار على مقام تعليم الله عباده التأدب مع جلاله، وهذا أقصى ما بلغت إليه الأفهام القويمة في مجامل متعارض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. ومن ورائه مسلك دقيق یشده قد تقصر عنه الأفهام»(١). قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٢]. يبين المولى عز وجل في هذه الاية الكريمة کمال قدرته وعدله من خلال خلق السموات والأرض بالحق، أي: إن الله أوجد وأبدع السموات والأرض بالحق المقتضي للعدل بین العباد، فلا یمکن أن یکون حال من اجترح السيئات، فعصاه وخالف أمره، كالذين آمنوا وعملوا الصالحات، في المحيا والممات، فلو لم يوجد البعث والحساب والجزاء، لما كان ذلك الخلق بالحق بل كان بالباطل، ومن العدل اختلاف الجزاء بين المحسن والمسيء؛ ليدل بهما على قدرته، ولکي تجزی کل نفس بما قدمت من عمل صالح أو سيِّي، وهم -أي: المخلوقون- (١) التحرير والتنوير ١٦٨/٣٠. قال الطبري: ((ليثيب الله كل عامل بما عمل من عمل المحسن بالإحسان، والمسيء بما هو أهله، لا لنبخس المحسن ثواب إحسانه، ونحمل عليه جرم غيره، فنعاقبه، أو نجعل للمسيء ثواب إحسان غيره فنکرمه، ولکن لنجزي كلّا بما كسبت يداه، وهم لا يظلمون جزاء أعمالهم)»(٣). ولقد بين المولى سبحانه وتعالى عدله وسرعة حسابه بقوله: ﴿لِيَجْزِىَ اللهُ كُلّ نَفْسِ مَّا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [إبراهيم: ٥١]. والجزاء أمر طبيعي في الوجود، وحتى الذين لا يؤمنون بإله؛ ويديرون حركة حياتهم بتقنينات من عندهم، قد وضعوا لأنفسهم قوانين جزاء تحدد كل جريمة والعقاب المناسب لها. وبطبيعة الحال لا يكون أمرًا غريبًا أن يضع خالق الكون نظامًا للجزاء ثوابًا وعقابًا، ولو لم يضع الحق سبحانه نظامًا للجزاء بالثواب والعقاب؛ لنال كل مفسد بغيته من فساده؛ ولأحس أهل القيم أنهم قد خدعوا (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٧٦/٢٥. (٣) جامع البيان ٢٢/ ٧٥. www. modoee.com ٢٨٧ حرفالكاف في هذه الحياة، وما دام الجزاء أمرًا طبيعيًّا؛ ثم يخلى بينه وبين الكلام، قا: فيقول: بعدًا لكن وسحقًا، فعنكن كنت أناضل)(٣). فلا ظلم فیه إذن؛ لأنه صادر عمن قال: ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. ومن عدل الله أنه لا يظلم أحدًا، كما قال ولا يجازي الحق سبحانه الجزاء العنيف تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ تُّجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَاُظُلْمَ الْيَوْمَّ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [غافر: ١٧]. إلا على الجريمة العنيفة (١). ومن عدل الله حين ينكر أصحاب الذنوب الأعمال التي ارتكبوها أنه يجعل من أعضائهم من تشهد عليهم كما قال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَّا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [يس: ٦٥]. هذا حال الكفار والمنافقين يوم القيامة، حين ينكرون ما اجترموه في الدنيا، ويحلفون ما فعلوه، فیختم الله على أفواههم، ويستنطق جوارحهم بما عملت (٢). عن أنس بن مالك، قال: (کنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضحك، فقال: (هل تدرون مم أضحك)؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: (من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: يقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني، قال: فيقول: کفی بنفسك اليوم عليك شهيدًا، وبالكرام الکاتبین شهودًا، قال: فيختم على فيه، فيقال لأركانه: انطقي، قال: فتنطق بأعماله، قال: (١) انظر: تفسير الشعراوي ١٢ / ٧٦١٧. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٥٨٥/٦. بَيَّنَ المولى عز وجل في هذه الآية أن کل نفس تجزی بما کسبت في الدنیا من خیر وشر، وأن الظلم مأمون منه؛ لأنه ليس بظلام للعبيد، وأن الحساب لا يبطئ؛ لأنه لا يشغله حساب عن حساب، فيحاسب الخلق كله في وقت واحد، وهو أسرع الحاسبين (٤). وأكد المولى عز وجل على هذه الحقيقة في آية أخرى، فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾ [آل عمران: ٢٥]. أي: كيف يكون حال هؤلاء القوم الذين قالوا هذا القول، وفعلوا ما فعلوا من إعراضهم عن كتاب الله، واغترارهم بربهم، وافترائهم الكذب؟ وذلك من الله عز وجل وعيدٌ لهم شديد، وتهديدٌ غليظٌ. فما أعظم ما يلقون من عقوبة الله وتنكيله بهم، إذا جمعهم لیوم یوفّی کلَّ عامل جزاء (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الرقائق، باب شهود الجوارح على الإنسان بما عمل، ٢١٦/٨، رقم ٧٥٤٩. (٤) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٢٠٤/٣. ٢٨٨ جوسين القرآن الكريمِ