النص المفهرس
صفحات 41-48
الكتابة إذا أقسم الأبطال يومًا بسيفهم وعدوه مما يكسب المجد والكرم کفی قلم الكتاب عزًّا ورفعة مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم وفي القسم بما يسطر الكاتبون بالقلم إشارة إلى أن هذه الأداة المكرمة ينبغي ألا يكتب بها إلا ما كان من الحق والخير، وإلا ما کان دعوة إلى هدی وتوجیھا إلی خیر. إنه أداة تسجيل العلوم والمعارف وحفظها، وهو ينقل عن الإنسان نتاج تفكيره، وثمرات عقله، ويقيم له بهذا ذكرًا خالدًا في الحياة، بقدر ما يحمل القلم عنه من خیر، وما ینشر من نفع، فكان لهذا جدیرًا بأن يصان من أن يخط باطلًا، أو يسجل لغوًا(١). قال ابن عاشور: وأكد ذلك بالقسم بما هو من مظاهر حكمة الله تعالى في تعليم الإنسان الكتابة، فتضمن تشريف حروف الهجاء والكتابة والعلم؛ لتهيئة الأمة لخلع دثار الأمية عنهم، وإقبالهم على الكتابة والعلم؛ لتكون الكتابة والعلم سببًا لحفظ القرآن، ومن فوائد هذا القسم أن هذا القرآن کتاب الإسلام، وأنه سيكون مكتوبًا مقروءًا بين المسلمين؛ ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أصحابه بكتابة ما يوحى به إليه، وتعريف القلم تعريف الجنس، (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٠٧٨/١٥. فالقسم بالقلم لشرفه بأنه يكتب به القرآن، وكتبت به الكتب المقدسة، وتكتب به كتب التربية ومکارم الأخلاق والعلوم، و کل ذلك مما له حظ شرف عند الله تعالى (٢). ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْطُورِ ) وَكِنَبٍ مَّسْطُورٍ ﴾ فِ رَقْ مَّنشُورٍ ﴾ [الطور: ١- ٣]. فأقسم الله تعالی ها هنا فقال: ﴿ وَكتَبٍ مَّسْطُورٍ﴾ والمسطور: المكتوب (٣). و﴿فيِ رَقِ﴾ متعلق بمسطور، أي: مكتوب في رق، والرق: الجلد الرقيق، يكتب فيه، وقال الراغب: الرق ما يكتب فيه، شبه الكاغد (٤). فهو أعم من كونه جلدًا وغيره ﴿مَنشُورٍ﴾ أي: مبسوط، مهيأ للقراءة (٥). والمراد بالمسطور أيضًا أنه: متقن الكتابة بسطور مصفوفة، في حروف مرتبة، جامعة لكلمات متفقة (٦). وفي وصف الكتاب بأنه مسطور أيضًا إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما یکتب الکاتبون. وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة (٢) التحرير والتنوير ٥٨/٢٩. (٣) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٥٤. (٤) المفردات ص ٣٦١. والكاغد: القرطاس، معربٌ. انظر: القاموس المحيط ص ٣١٥. (٥) السراج المنير، الشربيني ٤ / ١١٠. (٦) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ١٠٩ حرفالكاف أخرى إلى أنه خفيف الحمل، سهل التداول، هو من جلود الحيوان (٢). وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم. وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة. وليس هذا بالأمر المستغرب من رسالة افتتحت بهذا الأمر من رب العالمين إلى النبي الأمي في قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ، أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُمُ الَّذِى عَلَّم بِالْقَلَمِ ن عَلَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعْلَمَ ه [العلق ١ - ٥]. ثم تلا هذا الأمر قَسَمٌ بالكتابة، وأدواتها من حروف وأقلام، فقال تعالى: ﴿نَّ وَالْقَلَّمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: ١]. فالكتابة نعمة من نعم الله العظمى على الإنسان، تکمل بها نعمة الكلمة التي وضعها سبحانه وتعالى في فم الإنسان، فلا عجب إذن أن یقسم الله سبحانه وتعالی بالکتاب من حيث هو جنس عام لكل ما يكتب، وأن ينظمه في نسق واحد، مع هذه المعالم المباركة التي أقامها الله سبحانه هدى ورحمة للناس، كالطور، والبيت المعمور، والسقف المرفوع، والبحر المسجور (١). ومما يستفاد أيضًا من تسميته رقًّا: أنه مرقق، وقد غلب الاستعمال على هذا الذي (١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥٤٣/١٤. ومما يفيده وصف الكتاب بالمسطور أيضًا: أنه متسق الكتابة، منتظم الحروف، مرتب المعاني، فالمراد بالكتاب المكتوب، وبالمسطور: الذي سطرت حروفه وكلماته تسطيرًا جميلًا حسنًا، والأظهر أن المقصود به القرآن الكريم؛ لأن الله تعالی قد أقسم به کثیرًا. فوصف الکتاب بثلاث صفات: * أنه مسطور: أي: مكتوب على وجه الانتظام، فإن السطر ترتيب الحروف المكتوبة (٣) أنه في رقٍ: والرق کل ما یکتب فیه من ألواح وغيرها، وأصله: الجلد الرقيق الذي یکتب عليه. أنه منشور: والمنشور: المبسوط، أي: أن هذا الكتاب المسطور، كائن في صحائف مبسوطة ظاهرة لكل من ينظر إليها (٤). والمقصود: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة: أنه أقسم بأداتها، وهي القلم، وما يكتبه ويسطره من كتابات، فقال: ﴿نَّ وَالْقَلَّمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴾ [القلم: ١]. فالآية لفتت إلى سر القلم من حيث هو أداة الكتابة التي يدون بها العلم ويحفظ، (٢) روح البيان ٩/ ١٨٥. (٣) روح المعاني، الألوسي ٢٨/١٤. (٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٣٨/١٤. ١١٠ جَوَسُولَة النفسي لِلْقُرآن الكَرِيمِ الكتابة وينتقل على امتداد الزمان والمكان، وتتابع الأجيال، ولا يتسع المقام لكل ما عده المفسرون من شرف القلم، وفوائد الكتابة، على أن يظل للبيان القرآني دلالته في لفت النبي الأمي والعرب الأمیین إلى جلال القلم، آية من آيات الخالق الذي خلق الإنسان من علق، وعلمه ما لم يكن يعلم، بما تعني من اختصاص الإنسان دون سائر الكائنات بالقلم، وكسب العلم، وهذا من الخصائص الإنسانية التي يضيف إليها الوحي من بعد ذلك ما يجلوها ويزيدها بيانًا؛ إذ يجعل العلم مناط تکریم آدم الإنسان الأول، وحقه في الخلافة في الأرض، ويسوق الآيات، ويضرب الأمثال للذين يعلمون، ويقصر خشيته تعالى على العلماء(١). ثانيًا: الأمر بالكتابة: ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة الأمر بها، وقد سبق الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْن إِلَى أَجَلٍ تُسَمَى فَاكْتُبُوَةٌ وَلْيَكْتُب بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ففي قوله: ﴿فَكْتُبُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَلْيَكْتُب﴾ أمران اثنان بالكتابة، وفي ذلك حث على تعلم الكتابة؛ إذ لا يتم امتثال الأمر بالكتابة إلا بتعلمها. (١) انظر: التفسير البياني، بنت الشاطئ ٢/ ٢٣. فشرعت الكتابة لحفظ ما يقع بين المتعاقدين إلى حلول الأجل؛ لأن النسيان یقع کثیرًا في المدة التي بين العقد، وحلول الأجل، وقد تطرأ عوارض من موت أو غيره، فشرع الله الكتابة لحفظ المال، وضبط الواقع، كما أنها شرعت لحفظ العلم وتقییده، ونقل العلوم من جيل إلى جيل. وقد ذکر السعدي رحمه الله من فوائد آية الدين: أن فيها مشروعية كون الإنسان یتعلم الأمور التي یتوثق بها المتداینون كل واحد من صاحبه؛ لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع. وفيها: أن تعلم الكتابة مشروع، بل هو فرض كفاية؛ لأن الله أمر بكتابة الديون وغيرها، ولا يحصل ذلك إلا بالتعلم(٢). وظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب؛ ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَلِبًا فَرِمَنٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية؛ لأن الرهن لا يجب إجماعًا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبًا، وصرح بعدم الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَوْ تُمِنَ أَمَنَتَهُ,﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١١٨. www. modoee.com ١١١ حفالكاف فالتحقيق أن الأمر في قوله: بإجماع، فکیف یجب عليه أن یکتبه، وإنما هو ندب للاحتياط(٢). للندب والإرشاد؛ لأن طرب كْتَبُوهُ الدَّيْن أن يهبه ويتركه إجماعًا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس(١). ورجح ابن عاشور أن الأمر بالكتابة هنا للوجوب، فقال: والقصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق، وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة، والأرجح أن الأمر للوجوب، فإنه الأصل في الأمر، وقد تأكد بهذه المؤكدات. وأن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية، رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين، فإن حالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام؛ لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى، فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة؛ لئلا يتساهلوا ابتداء، ثم يُفْضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أن في الوجوب نفيًا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب؛ حتى لا يَعُدَّ المدين ذلك من سوء الظن به، فإن في القوانين معذرة للمتعاملين. وقال ابن عطية: الصحيح عدم الوجوب؛ لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه (١) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ١٨٤. قال ابن عاشور: وهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي؛ ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التبرع، ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق حتى لا يتساهلوا، ثم يندموا، وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضًا، كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثق دائنه إذا علم أنه بأمر من الله، ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام(٣). والمقصود: أن في هذا الأمر الإلهي بالكتابة دعوة إلى تعلمها، سواء كان أمرًا على الوجوب، أو على الندب، فالقدر المشترك بينهما طلب حصول الفعل، وهو الكتابة، وفي هذا حثٌ عليها، وطلبٌ لها. ثالثًا: الثناء على أهل الكتابة: ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، الثناء على أهلها، فقد وصف الله تعالى الملائكة بأنهم كاتبون، فقال: ﴿كِرَامًا كَثِبِينَ ﴿ ١١﴾ [الانفطار: ١١]. والمراد بكونهم كاتبين، أي: أنهم قائمون على كتابة أعمال العباد، بأمر الله لهم. (٢) وعبارته: وهذا هو القول الصحيح، ولا يترتب نسخ في هذا، لأن الله تعالى ندب إلى الكتب فيما للمرء أن یهبه ویتر کە بإجماع، فندبه إنما هو على جهة الحيطة للناس. المحرر الوجيز ٣٧٩/١. (٣) التحرير والتنوير ١٠٠/٣-١٠١. ١١٢ بَرُ النَِّّيَّـ جوي القرآن الكريم الكتابة ومما تجدر الإشارة إليه أن في وصف الحفظة هنا بهذه الصفات من كونهم حافظین، کرامًا، كاتبين، يعلمون، دليلًا على أنه اجتمع لهم كل صفات التأهيل، من حفظٍ، وعلو منزلةٍ، وعلم بما يكتبون؛ وكأنه توجيه لما ينبغي لولاة الأمور مراعاته في استکتاب الكُتّاب والأمناء؛ ولذا قالوا: على القاضي أن يتخیر کاتبًا أمينًا، حسن الخط، فاهمًا، ومن هذا الوصف یعلم أنه لا يختلط عليهم عمل یعمل، و کونهم حفظة لا يضيعون شيئًا، ولو كان مثقال ذرة(١). وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم الأمر الجزاء، وأنه عند الله من جلائل الأمور؛ ولولا ذلك لما وكل بضبط ما يحاسب عليه، ويجازي به الملائكة الكرام الحفظة الکتبة، وفیه إنذار وتهويل، وتشوير العصاة (٢)، ولطف للمؤمنين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال: ما أشدها من آية على الغافلين(٣). فالكرم صفتهم النفسية الجامعة للكمال في المعاملة، وما يصدر عنهم من الأعمال، وأما صفة الكتابة فمراد بها ضبط ما وكلوا بحفظه ضبطًا لا يتعرض للنسيان، ولا للإجحاف ولا للزيادة. (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤٥١/٨. (٢) التشوير: التخجيل. انظر: العين، الفراهيدي ٦/ ٢٨١. (٣) الكشاف، الزمخشري ٧١٦/٤. وأما صفة العلم بما يفعله الناس فهو الإحاطة بما يصدر عن الناس من أعمال، وما یخطر ببالهم من تفکیر، مما يراد به عمل خير أو شر، وهو الهم. واعلم أنه ينتزع من هذه الآية أن هذه الصفات الأربع هي عماد الصفات المشروطة في كل من يقوم بعمل للأمة في الإسلام من الولاة وغيرهم، فإنهم حافظون لمصالح ما استحفظوا عليه، وأول الحفظ الأمانة، وعدم التفريط. فلا بد فيهم من الكرم، وهو زكاء الفطرة، أي: طهارة النفس، ومن الضبط فيما يجري على يديه، بحيث لا تضيع المصالح العامة ولا الخاصة، بأن یکون ما يصدره مکتوبًا، أو كالمكتوب مضبوطًا لا يستطاع تغييره، ويمكن لكل من يقوم بذلك العمل بعد القائم به، أو في مغيبه أن يعرف ماذا أجري فيه من الإعمال، وهذا أصل عظيم في وضع الملفات للنوازل والتراتيب، ومنه نشأت دواوين القضاة، ودفاتر الشهود، والخطاب على الرسوم، وإخراج نسخ الأحكام والأحباس وعقود النكاح. ومن إحاطة العلم بما يتعلق بالأحوال التي تسند إلى المؤتمن عليها، بحيث لا يستطيع أحد من المخالطين لوظيفة أن يموه عليه شيئًا، أو أن يلبس عليه حقيقة؛ بحيث ينتفي عنه الغلط والخطأ في تمييز الأمور www. modoee.com ١١٣ حرفالكاف بأقصى ما يمكن(١). وقيل: کریم مضمونه، وقيل: کریم حیث ومن الترغيب بالكتابة مدح الكتاب أتى به طير (٣). أو لأنه من عند ملك كريم(٤). المكتوب، وانظر إلى قول الله تعالى على لسان بلقيس: ﴿قَالَتْ يَيُّهَا الْمَلَوُاْ إِنْ أَلْفِىَ إِلَىَ كِتَبُ كَرِيمُ ﴾ [النمل: ٢٩]. فسليمان عليه السلام كتب كتابًا: من عبد الله سلیمان بن داود، إلی بلقيس ملكة سبأ: بسم الله الرحمن الرحيم، السلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فلا تعلوا علي، وأتوني مسلمین. قال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قص الله في كتابه -يعني أنه کان کتابًا مختصرًا- وقال قتادة: وكذلك كل الأنبياء کانت تکتب جملا، لا یطیلون، ولا یکثرون، فلما کتب الکتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه، فقال للهدهد: ﴿أَذْهَبِ يُّكِتَىهَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: ٢٨]. قال عطاء والضحاك: سمته كريمًا لأنه كان مختومًا، وقال قتادة ومقاتل: ﴿كِنُ كَرِمُ﴾ أي: حسن، وهو اختيار الزجاج، وقال: حسن ما فيه، وروي عن ابن عباس ﴿كم﴾ أي: شریف رضي الله عنهما: لشرف صاحبه، وقيل: سمته کریمًا؛ لأنه كان مصدرًا ببسم الله الرحمن الرحيم، ثم بينت ج (٢) ﴿ إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ. ممن الكتاب، فقالت: . (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨٠/٣٠- ١٨١. (٢) معالم التنزيل، البغوي ٥٠١/٣. والمقصود: وصفته بالكرم؛ لكرم مضمونه وشرفه، أو لكرم مرسله، وعلو منزلته، وعلمت ذلك بالسماع، أو بكون كتابه مختومًا باسمه على عادة الملوك والعظماء، أو بكون رسوله به الطير، أو لبداءته باسم الله عز وجل، أو لغرابة شأنه ووصوله إلیھا علی منھاج غير معتاد، وقيل: إن ذلك لظنها إياه بسبب أن الملقي له طير أنه كتاب سماوي، وليس ذلك بشيء(٥). انتھی من روح المعاني مختصرًا. أما: لم قدم سليمان اسمه على اسم الله؟ فالجواب: أنها لما وجدت الكتاب علی وسادتها، ولم يكن لأحد إليها طريق، ورأت الهدهد علمت أنه من سليمان، وحين فتحت الكتاب رأت التسمية؛ ولذلك قالت ما قالت، أو لعل سليمان كتب على عنوان الكتاب ﴿إِنَّهُ مِن سُلَيْمَنَ﴾ فقرأت عنوانه أولًا، ثم أخبرت بما في الكتاب، أو لعل سليمان قصد بذلك أنها لو شتمت لأجل كفرها، حصل الشتم لسليمان لا لله تعالى(٦). (٣) غرائب التفسير وعجائب التأويل، الكرماني ٨٤٨/٢. (٤) مدارك التنزيل، النسفي ٦٠٢/٢. (٥) روح المعاني، الألوسي ١٨٩/١٠. (٦) غرائب القرآن، النيسابوري ٣٠٣/٥. ١١٤ موسوعة النفسية القرآن الكريمِ الكتابة والمقصود: أنها مدحت کتاب سليمان عليه السلام بالكرم والشرف، وفي هذا ترغيب بالكتابة، وبخاصة إذا کانت ذا مضمون شريف، وهدف نبيل كهذا الكتاب الذي كان الهدف منه الدعوة إلى الله، ونشر دينه، وإعلاء كلمته. ومما يؤكد هذا المعنى أيضًا قول الله تعالى عن عيسى عليه السلام: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَةَ وَاَلْإِنجِيلَ ﴾ [المائدة: ١١٠]. فقوله: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَبَ﴾ أي: الإنجيل الذي أنزلته عليك بعد أن علمتك الكتابة والقراءة، تتلو عليهم، وقيل: إنه علمه كتب الأولين النازلة على الأنبياء قبله؛ لأن فيها التوراة، مع أن التوراة ستأتي بعد؛ ولهذا فالأحسن الإيراد بالكتاب هنا الكتابة بالقلم(١). ففي هذا امتنان من الله تعالى على عيسى عليه السلام بتعليمه الكتابة، وفي هذا ترغيب بها، و دعوة إليها. رابعًا: النهي عن الامتناع عن الكتابة: ومن أساليب القرآن في الحث على الكتابة، النهي عن الامتناع عنها لمن احتيج إلی کتابته، و کان قادرًا عالمًا بالكتابة، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ (١) بيان المعاني، العاني ٦/ ٣٩٠. اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وفي هذا نهي عن الامتناع عن الكتابة، وترغيب فيها. و﴿ كَاتِبُ﴾ نكرة في سياق النهي فتعم(٢). ثم النهي عن الامتناع عن الكتابة لكل كاتب إنما هو على سبيل الإرشاد والأولى؛ تحصيلًا لحاجة المسلم، وشكرًا لما علمه الله من كتابة الوثائق، فهو كقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]. وقيل: إنه على سبيل الإيجاب؛ ولكنه نسخ بقوله: ﴿وَلَا يُضَارُّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقیل: إنه فرض كفاية، فإن لم يجد إلا کاتبًا واحدًا وجبت الكتابة علیه، وإن وجد أشخاصًا فالواجب كتابة أحدهم، وقيل: متعلق الإيجاب هو أن يكتب كما علمه الله، يعني أنه بتقدير: أن يكتب، فالواجب أن يكتب كما علمه الله، وأن لا يخل بشرط من الشروط، كيلا يضيع مال المسلم بإهماله - وقد سبق الإشارة إلى هذه الأوجه -. والحاصل: أن من أساليب القرآن في الحث على الكتابة، والترغيب فيها، النهي لمن يعرف الكتابة أن يمتنع عن كتابة الدين أو غيره من مصالح المسلمين إذا دعي إلى كتابته، فقد أنعم الله عليه بأن علمه ما لم (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٢/ ٧٢٤. www. modoee.com ١١٥ حرفالكاف يكن يعلم، فلينفق من هذا الرزق الذي رزقه الله إياه في سبيل الخير، فذلك من زكاة هذه النعمة. وفي قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ أمر آخر بالکتابة، یتوجه إلى من يحسنها، ويؤكد الواجب المدعو إليه في تلك الحال، فإن تخلى عنه كان ذلك منه عصيانًا عن عمد، وتحديًا صريحًا لأمر الله الذي بلغه في أبلغ بیان وآكده، بالأمر به، ثم بالنهي عن مخالفته، ثم بالأمر به مرة أخرى. موضوعات ذات صلة: الأمية، الدَين، العلم، القدر، القرآن، القراءة ١١٦ ◌َالنَّسَبـ جوبيع القرآن الكريمِ قَضوري