النص المفهرس

صفحات 21-40

الكتابة
ثم قال سابعًا: ﴿وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾
وهذا كالمستفاد من قوله: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ
رَبَّهُ﴾.
ثم قال ثامنًا: ﴿وَلَا تْقُوْ أَنْ تَكْثُبُوهُ
صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ وهو أيضًا تأكيد
لما مضى.
ثم قال تاسعًا: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلََّّتَرْتَابُواْ﴾.
فذكر هذه الفوائد التالية لتلك التأکیدات
السالفة، وكل ذلك يدل على المبالغة، في
التوصية بحفظ المال الحلال، وصونه عن
الهلاك؛ ليتمكن الإنسان بواسطته من الإنفاق
في سبيل الله، والإعراض عن مساخط الله
تعالى من الربا وغيره، والمواظبة على تقوى
الله(١).
ومن الآيات الدالة على توثيق الدین،
{ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ
قوله تعالى:
تَجِدُواْ كَلِبًا فَرِهَنُ مَّقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم
بَعْضَا فَلْيُؤَدِ الَّذِى أَوْتُمِنَ أَمَنَتَهُ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾
[البقرة: ٢٨٣].
فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ بعيدًا
أو قريبًا ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاِبًا﴾ أو آلة الكتابة،
أو ما یکتب علیه، ویکتب به، وأردتم أن
تتعاقدوا أو تتداينوا ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾
لتثقوا على أموالكم، وليس الغرض جواز
الرهن في السفر، وإنما الغرض التوثق
(١) السراج المنير، الشربيني ١٨٩/١.
من الدين في حالة عدم وجود الكاتب
والشهود، وإلا فالرهن جائز سفرًا وحضرًا؛
لأن الرسول صلى الله عليه وسلم رهن
درعه عند أبي الشحم اليهودي، على طعام
أخذه منه لأجل(٢).
وإنما أشار الله إليه مبالغة في تحفظ
الناس على أموالها من أن يأخذها من لا
يؤديها، فتسبب الأحقاد والأضغان بينهم؛
لأن المال عديل الروح، وكثيرًا ما يقتل
الرجل عند ماله، أو من أجله(٣).
ولعل مما يدل أيضًا على التوثيق بالكتابة
لحفظ الحقوق ما جاء في قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِنَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ
فَكَائِبُهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ
اللَّهِ الَّذِىّ ءَاتَنَّكُمْ﴾ [النور: ٣٣].
ففي اشتقاق لفظ الكتابة هنا وجوه:
أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب، وهو
الضم والجمع، ومنه سميت الكتابة؛ لأنها
تضم النجوم بعضها إلى بعض، وتضم ماله
إلى ماله.
وثانيها: مأخوذ من الكتاب، ومعناه:
كتبت لك على نفسي: أن تعتق إذا وفيت
بمالي، وكتبت لي على نفسي أن تفي لي
بذلك، أو کتبت علیك الوفاء بالمال، و کتبت
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرهن،
باب من رهن درعه، ١٤٢/٣، رقم ٢٥٠٩
دون ذكر اسم الیهودي.
(٣) بيان المعاني، العاني ٥/ ٢٦٣ بتصرف.
www. modoee.com
٨٩

حرفالكاف
علي العتق، قاله الأزهري.
وثالثها: سمي بذلك لما يقع فيه من
التأجيل بالمال المعقود عليه؛ لأنه لا يجوز
أن يقع على مال هو في يد العبد حین یکاتب؛
لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت
يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز
لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالًا، بل يقع
مؤجلًا؛ ليكون متمكنًا من الاكتساب، ثم من
آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال
المؤجل كتاب؛ فلهذا المعنى سمي هذا
العقد كتابًا لما فيه من الأجل، قال تعالى:
﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ [الرعد: ٣٨](١).
وقال الشوكاني: قيل: الكتاب ها هنا اسم
عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء؛ وذلك
لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى
أنفسهم بذلك كتابًا، فيكون المعنى الذين
يطلبون كتاب المكاتبة، ومعنى المكاتبة
في الشرع: أن يكاتب الرجل عبده على مال
یؤدیه منجما، فإذا أداه فهو حر، وظاهر قوله:
﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ أن العبد إذا طلب الكتابة من
سيده وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور
بعده، وهو إن علمتم فيهم خيرًا.
والخير هو القدرة على أداء ما كوتب
علیه، وإن لم يكن له مال، وقيل: هو المال
فقط، وقال النخعي: إن الخير الدين والأمانة،
وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة(٢).
وكتابة عقد المكاتبة فيه خير للسيد
والعبد معًا، فالسيد يضمن أموال نجوم
المكاتبة كاملة في أوقاتها، والعبد حتى لا
ینکر السید مكاتبته، فیبقی عبدًا، ويضيع عليه
ما قدمه من مال.
والمقصود أن من مقاصد الكتابة، الكتابة
لتوثيق الحقوق، وقد جاء منصوصًا على
ذلك في القرآن في آية الدين، والأمر بالكتابة
ليس خاصًا بكتابة الدين فقط، وإنما يشمل
غيرها من المعاملات، وإن لم يذكرها
القرآن فقد ذكرت السنة ذلك وفصلته.
ثانيًا: حفظ العلم وتدوينه:
ومن مقاصد الكتابة العظيمة كتابة العلم
وتدوينه، فما دونت العلوم، ولا قيدت
الحكم إلا بالكتابة، وقد ذكر الله من نعمه
على خلقه أنه ﴿الَّذِى عَلَّمَ بِالْقَلِ عَلَّمَ الْإِنسَنَ
مَا لَوْ يَعَ ن﴾ [العلق: ٤-٥].
وقد قيل: إن من كرامات الآدمي أن آتاه
الله الخط، وتحقيق الكلام في هذا الباب:
أن العلم الذي يقدر الإنسان على استنباطه
يكون قليلًا، أما إذا استنبط الإنسان علمًا
وأودعه في الكتاب، وجاء الإنسان الثاني
واستعان بذلك الكتاب، وضم إليه من عند
نفسه أشياء أخرى، ثم لا يزالون يتعاقبون،
(١) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٣٧٠/١٤. (٢) فتح القدير، الشوكاني ٤ /٣٤.
بَرُ النَِّّيـ
جوبيبو
٩٠
القرآن الكريم

الكتابة
ويضم كل متأخر مباحث كثيرة إلى علم ومنظره لا يحتاج إلى تصوير الرسوم،
وتشكيل العلوم بآلات جسمانية؛ لأن
المتقدمین، کثرت العلوم، وقویت الفضائل
والمعارف، وانتهت المباحث العقلية،
والمطالب الشرعية إلى أقصى الغايات،
وأكمل النهايات، ومعلوم أن هذا الباب لا
يتأتى إلا بواسطة الخط والكتابة؛ ولهذه
الفضيلة الكاملة قال تعالى: (١) ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ
آلْأَكْمُ نْ الَّذِى عَلَّمُ بِالْقَلَمِ ن عَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْيَعْلَم
[العلق: ٣-٥].
الخط صنعة ذهنية، وقوة طبيعية، صدرت
بالآلة الجسمانية، وفيه إشارة بديعة إلى أن
أمته بين الأمم هم الروحانيون، وصفهم
سبحانه في الإنجيل: أمة محمد أناجيلهم
في صدورهم (٣)، لو لم يكن رسم الخطوط
لكانوا يحفظون شرائعه - عليه الصلاة
السلام- بقلوبهم؛ لكمال قوتهم، وظهور
(٤)
ففي قوله: ﴿الَّذِى عَلَّمُ بِالْقَلَمِ﴾ أي: علم
الخط والكتابة بالقلم.
وتخصيص هذه الصفة بالذكر -وهي
التعليم بالقلم - للإيماء إلى إزالة ما قد يخطر
بياله صلى الله عليه وسلم من تعذر القراءة
بالنسبة له لعدم معرفته بالكتابة، فكأنه تعالى
يقول له: إن من علم غيرك القراءة والكتابة
بالقلم قادر على تعليمك القراءة وأنت لا
تعرف الكتابة؛ ليكون ذلك من معجزاتك
استعداداتهم
٠
وفي قوله: ﴿عَلَّم پآلْقَلْمِ﴾ وجهان:
أحدهما: أن المراد من القلم الكتابة التي
تعرف بها الأمور الغائبة، وجعل القلم كناية
عنها.
والثاني: أن المراد علم الإنسان الكتابة
بالقلم، وكلا القولين متقارب؛ إذ المراد
التنبيه على فضيلة الكتابة (٥).
فيكون في قوله: ﴿الَّذِى عَّمُ بِالْقَلَمِ﴾ إشارة
الدالة على صدقك، وكفاك بالعلم في الأمي إلى الأحكام المكتوبة التي لا سبيل إلى
معجزة (٢).
فإن قلت: فإذا كان القلم والخط من
المنن الإلهية فما باله -عليه الصلاة السلام-
لم يكتب؟ فالجواب: لأنه لو كتب لقيل: قرأ
القرآن من صحف الأولين، ومن كان القلم
الأعلى يخدمه، واللوح المحفوظ مصحفه
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٣٧٣ بتصرف.
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٥٤/١٥.
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير، ٨٩/١٠،
رقم ١٠٠٤٦.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع ص
٥٠٨، رقم ٣٤٧٣.
(٤) روح البيان، إسماعيل حقي ١٠/ ٤٧٤.
(٥) هذا الأثر ذكره الرازي في تفسيره ٢١٨/٣٢
وابن عادل في اللباب ٢٠/ ٤١٥ والنيسابوري
في غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٦/ ٥٣٠
والخطيب الشربيني في السراج المنير
٤ / ٥٦١ ولم نجده في كتب السنة.
www. modoee.com
٩١

حرفالكاف
معرفتها إلا بالسمع(١).
قال ابن القيم وهو يتكلم عن هذهالآيات،
وأهمية الكتابة في حفظ العلم وتدوينه: ثم
تأمل نعمة الله على الإنسان بالبيانين، البيان
النطقي، والبيان الخطي، وقد اعتد بهما
سبحانه في جملة من اعتد به من نعمه على
العبد، ثم قال: والتعليم بالقلم الذي هو من
أعظم نعمه على عباده؛ إذ به تخلد العلوم،
وتثبت الحقوق، وتعلم الوصايا، وتحفظ
الشهادات، ويضبط حساب المعاملات
الواقعة بين الناس، وبه تقيد أخبار الماضين
للباقين اللاحقين.
ولولا الكتابة لانقطعت أخبار بعض
الأزمنة عن بعض، ودرست السنن،
وتخبطت الأحكام، ولم يعرف الخلف
مذاهب السلف، وكان معظم الخلل الداخل
على الناس في دينهم ودنياهم إنما يعتریهم
من النسيان الذي يمحو صور العلم من
قلوبهم، فجعل لهم الكتاب وعاء حافظًا
للعلم من الضياع، كالأوعية التي تحفظ
الأمتعة من الذهاب والبطلان.
فنعمة الله عز وجل بتعليم القلم بعد
القرآن من أجل النعم، والتعلیم به وإن كان
مما يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحيلة،
فإنه الذي بلغ به ذلك، وأوصله إليه عطية
وهبها الله منه، وفضل أعطاه الله إياه، وزيادة
في خلقه وفضله، فهو الذي علمه الكتابة،
وإن كان هو المتعلم، ففعله فعل مطاوع
لتعليم الذي علم بالقلم، فإنه علمه فتعلم،
کما أنه علمه الكلام فتكلم.
هذا ومن أعطاه الذهن الذي يعي به،
واللسان الذي يترجم به، والبنان الذي يخط
به، ومن هيأ ذهنه لقبول هذا التعليم دون
سائر الحيوانات، ومن الذي انطق لسانه،
وحرك بنانه، ومن الذي دعم البنان بالكف،
ودعم الكف بالساعد، فکم لله من آیة نحن
غافلون عنها في التعلم بالقلم.
فقف وقفة في حال الكتابة، وتأمل
حالك! وقد أمسكت القلم وهو جماد
وضعته على القرطاس وهو جماد، فتولد
من بينهما أنواع الحكم، وأصناف العلوم،
وفنون المراسلات والخطب والنظم والنثر،
وجوابات المسائل، فمن الذي أجری فلك
المعاني على قلبك، ورسمها في ذهنك، ثم
أجرى العبارات الدالة عليها على لسانك.
ثم حرك بها بنانك حتى صارت نقشًا
عجيبًا معناه أعجب من صورته، فتقضى به
مآربك، وتبلغ به حاجة في صدرك، وترسله
إلى الأقطار النائية، والجهات المتباعدة،
فيقوم مقامك، ویترجم عنك، ويتكلم على
لسانك، ويقوم مقام رسولك، ويجدي
عليك ما لا يجدي من ترسله سوی من علم
بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، والتعليم
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٨/٣٢.
جَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ
٩٢

الكتابة
بالقلم يستلزم المراتب الثلاث، مرتبة الشاعر (٥):
الوجود الذهني، والوجود اللفظي، والوجود
الرسمي، فقد دل التعليم بالقلم على أنه
سبحانه هو المعطي لهذه المراتب(١).
والفؤاد، ويسر له أسباب العلم.
فعلمه القرآن، وعلمه الحكمة، وعلمه
بالقلم، الذي به تحفظ العلوم، وتضبط
الحقوق، وتكون رسلا للناس تنوب مناب
خطابهم، فلله الحمد والمنة، الذي أنعم
على عباده بهذه النعم التي لا يقدرون لها
على جزاء ولا شكور(٢).
والحاصل: أن الله تعالى جعل القلم
سببًا، به یحفظ العلم، وبه یثبت، وبه يوصل
إلى حفظ ما يخاف فوته ونسيانه، من أمر
دينهم ودنياهم، ما لو لم يكن القلم لم يستقم
أمر دينهم ولا دنياهم(٣).
والتعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع
عليه؛ إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، والقرآن
يكتب ويحفظ، والسنة تكتب وتحفظ،
وكلام العلماء يكتب ويحفظ (٤). وكما قال
(١) مفتاح دار السعادة ١/ ٢٧٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣٠.
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٥٧٨/١٠
بتصرف.
(٤) انظر: تفسير القرآن الكريم، ابن عثیمین، جزء
عم ص ٢٥٩.
العلم صيد والكتابة قيده
قيد صيودك بالحبال الواثقة
فمن الحماقة أن تصيد غزالة
وتفكها بين الخلائق طالقة.
فإن الله تعالى أخرج الإنسان من بطن
أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر ثالثًا: حفظ أعمال العباد لمحاسبتهم
عليها:
ومن مقاصد الكتابة حفظ أعمال العباد،
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ كِرَامًا
كَئِبِينَ ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١١].
فأخبر الله تعالى أن على العباد حافظين؛
کاتبین لأعمالهم، والحكمة من أن الله جعل
ملائكة تكتب أعمال بني آدم: أن المرء إذا
كان عليه حافظٌ أداه ذلك إلى المراقبة؛
فيرتدع عن تعاطي ما يؤخذ عليه، فجعل
عليه حافظين ليحتشم عنهم، ولا يأتي من
الأمور ما يسوؤهم، ووصف أنهم كرام
لیصحبهم صحبة الکرام، ومن صحبة الكرام
أن يحترمهم، ويتقي مخالفتهم، ولا يتعاطى
ما يسوؤهم، وفي ذكر الكرام فائدة أخرى؛
وذلك أن قوله: ﴿كِرَامًا كَئِينَ﴾ أي: كرام
على الله تعالى، والكريم على الله تعالى هو
المتقي؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ
اَللَّهِ أَنَقْنَكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
فیکون فيه أمان منهم: أنهم لا يزيدون
(٥) البيتان نسبهما في إعانة الطالبين ٤ /٥ للإمام
مالك.
www. modoee.com
٩٣

حرفالكاف
ولا ينقصون في الكتابة، وإنما يكتبون على الله صلى الله عليه وسلم: (الطهور شطر
الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان) (٤)
الحدیث.
قدر أعمالهم، کما ذکر في وصف جبريل
عليه السلام بالقوة والأمانة (١).
والحكمة فى كتابة الأعمال وحفظها
على العالمين أن المكلف إذا علم أن أعماله
تحفظ عليه، وتعرض على رؤوس الأشهاد
كان ذلك أزجر له عن الفواحش والمنكرات،
وأبعث له على عمل الصالحات، فإن المرء
إن لم يصل إلى مقام العلم الراسخ الذي
يثمر الخشية لله والمعرفة الكاملة التي
تثمر الحياء، ربما غلب عليه الغرور بالكرم
الإلهي، والرجاء في المغفرة والرحمة، فلا
يكون لديه من الخشية والحياء ما يزجره
عن المعصية، كما يزجره توقع الفضيحة
في موقف الحساب على أعين الخلائق
(٢)
.
وأسماعهم
وزاد الرازي احتمال أن تكون الفائدة
في الكتابة أن توزن تلك الصحائف يوم
القيامة؛ لأن وزن الأعمال غير ممكن،
أما وزن الصحائف فممكن أن توزن تلك
الصحف(٣). کذا قال.
والصحيح: أن وزن الأعمال ممكنٌ
أيضًا؛ لأن الأمور المعنوية يمكن أن توزن،
كما جاء في صحيح مسلم قال رسول
(١) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي
١٠/ ٤٤٨.
(٢) تفسير المراغي ١٤٨/٧.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ /١٥.
وفي الصحيحين قوله صلى الله عليه
وسلم: (كلمتان خفيفتان على اللسان،
حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان،
سبحان الله وبحمده، سبحان الله
العظيم) (٥).
وإما أن يكون ذلك على طريقة من يقول:
إن المراد بكتابة الأعمال حفظ صورها
وآثارها في النفس، فهي أنها تكون المظهر
الأتم الأجلى لحجة الله البالغة، فإذا وضع
كتاب كل أحد يوم الحساب، ونشرت
صحفه المطوية في سريرة نفسه، تعرض
عليه أعماله فيها بصورها ومعانيها، فتتمثل
لذاکر ته و لحسه الظاهر والباطن، کما عملها
في الدنيا، لا يفوته شيء من صفاتها الحسية
ولا المعنوية - كاللذة والألم - فیکون حسیبًا
على نفسه، وعلى عين اليقين من عدل الله
وفضله ﴿وَكُلَّ إِنْسَنِ أَلْزَّمْنَهُ طَيْرَهُ فِ عُنُقِهِ.
وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبَّا يَلْقَنَّهُ مَنشُورًا
١٣
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب فضل الوضوء، ١/ ٢٠٣، رقم ٢٢٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب فضل التسبيح، ٨٦/٨،
٦٤٠٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل
التهليل والتسبيح والدعاء، ٢٠٧٢/٤، رقم
٢٦٩٤.
٩٤
جوية
القرآن الكريم

الكتابة
١٤
أَقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِبًّا لَ
[الإسراء: ١٣ -١٤].
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ
مِمَا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَوَيِلَثَنَا مَالِ هَذَا اُلْكِتَبِ
لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَأْ وَوَجَدُواْ
مَا عَمِلُواْ حَاضِرًاً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )﴾
[الكهف: ٤٩](١).
ومن الآيات التي تدل على أن من مقاصد
الكتابة حفظ أعمال العباد قوله تعالى: ﴿قُلِ
اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾
[يونس: ٢١].
فقوله: ﴿إنَّ رُسُلَنَا ﴾ أي: الذین یحفظون
أعمالكم، والإضافة للتشريف.
﴿يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ أي: مكركم،
أو ما تمكرونه، وهو تحقيقٌ للانتقام منهم،
وتنبيهٌ علی أن ما دبروا في إخفائه غیر خافٍ
على الحفظة فضلًا عن العليم الخبير،
وصيغة الاستقبال في الفعلين للدلالة على
(٢)
الاستمرار التجددي
وفي الآية تصريح بأن للكفار حفظة، فإن
قيل: فالذي یکتب عن يمينه أي شيء یکتب
ولم يكن لهم حسنة؟ يقال: إن الذي عن
شماله یکتب بإذن صاحبه، ویکون شاهدًا
على ذلك؛ وإن لم يكتب(٣).
(١) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٧/ ٤٠٣.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ١٣٣.
(٣) أخرجه أبو الشيخ في العظمة ٩٩٩/٣، رقم
فثبت بهذا أن أفعال الناس وأقوالهم
سواء كانوا مؤمنين أو كافرين مضبوطة
مكتوبة للإلزام عليهم يوم القيامة، وأن
المكر والحيلة لا مدخل له في تخليص
الإنسان من مكروه، بل قد قالوا: إذا أدبر
الأمر كان العطب في الحيلة، فمن ظن نجاته
في المكر كان کثعلب ظن نجاته في تحريك
ذنبه، وإنما المنجي هو القدم، وهو ها هنا
العمل الصالح بعد الإيمان الكامل، والعاقل
يتدارك حاله قبل وقوع القضاء، وقد قيل:
وليس العاقل الذي يحتال للأمر إذا وقع فيه،
ولكن العاقل الذي يحتال للأمور حذرًا أن
يقع فيها (٤).
ونظير الآية السابقة قوله تعالى:
يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وََّتَّوَنُهُمْ بَلَ وَرُسُلْناَ
لَدَيْهِمْ يَكْثُبُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٠].
وعطف ﴿وَرُسُلْنَا لَدَتِهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ على
﴿أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَجْوَنُهُمْ﴾ ليعلموا أن
علم الله بما يسرون علم يترتب عليه أثر
فيهم، وهو مؤاخذتهم بما يسرون؛ لأن
كتابة الأعمال تؤذن بأنها ستحسب لهم يوم
الجزاء، والكتابة يجوز أن تكون حقيقة،
وأن تكون مجازًا، أو كناية عن الإحصاء
والاحتفاظ، والرسل: هم الحفظة من
الملائكة؛ لأنهم مرسلون لتقصي أعمال
٥١٩.
وانظر: الدر المنثور، السيوطي ٧/ ٥٩٤.
(٤) انظر: روح البيان، حقي ٣٠/٤.
www. modoee.com
٩٥

حرفالكاف
لذلك قال: ﴿لَهِمْ يَكْتُبُونَ﴾
كقوله: ﴿مَّا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِبُ عِدٌ
﴾ [ق:١٨].
١٨
أي: رقيب(١). متهيئ متجهز للكتابة.
ومن الآيات کذلك قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ
طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولٌ وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا
يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].
أي: يعلمه ويحفظه، فيجازيهم به،
والكتابة ها هنا كالاستنساخ في قوله: ﴿إِنَّا
كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩].
ونسب الله تعالى ذلك إلى نفسه هنا،
وإلى ملائكته في قوله: ﴿بَ وَرُسُلْنَاَ لَدَيِّهِمْ
يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
قوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا
وفي
تَمْكُرُونَ﴾ [يونس: ٢١].
فعلى كلام الراغب السابق يكون
الاستنساخ بمعنى الكتابة، وفي (زاد المسير)
لابن الجوزي يقول: قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّاً
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٣/٢٥.
(٢) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ١٣٤٦/٣.
نَسْتَنْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: نأمر الملائكة
بنسخ أعمالکم، أي: بکتبها وإثباتها، وأکثر
المفسرين على أن هذا الاستنساخ من
اللوح المحفوظ، تستنسخ الملائكة كل
عام ما يكون من أعمال بني آدم، فيجدون
ذلك موافقًا ما يعملونه، قالوا: والاستنساخ
لا يكون إلا من أصل، قال الفراء: يرفع
الملكان العمل كله فيثبت الله منه ما فيه
ثواب أو عقاب، ويطرح منه اللغو، وقال
الزجاج: نستنسخ ما تكتبه الحفظة، ويثبت
عند الله عز وجل
(٣) انتهى كلامه.
ومن الآيات الدالة على هذا المقصد،
قوله تعالى: ﴿ وَكُلَّ إِنسَنْ أَلْزَّمْنَهُ طَهِرَهُ، فِ
عُنُقِهِ، وَغُخْرِجُ لَهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبَّا يَلْقَنُهُ مَنشُورًا
﴾ [الإسراء: ١٣].
والمعنى: أن كل إنسان یعامل بعمله، من
والله تعالى قد ينسب فعل أوليائه إلى
نفسه تنبيهًا على ارتضائه، وكونه آمرًا، نحو
قوله: ﴿قُلْ يَتَوَقََّكُمْ مَّلَكُ اَلْمَوْتِ الَّذِى ◌ُِّلَ
بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١].
خير أو شر، لا ينقص له منه شيء، وهذا غير
كتابة الأعمال التي ذكرت عقب هذا بقوله:
﴿وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًّا يَلْقَنتُ مَنْشُورًا﴾
وقوله:
﴿ اللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ وعطف جملة: ﴿وَتُخْرِجُ لَهُ, يَوْمَ الْقِيَمَةِ
مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢](٢). انتهى من كلام ڪِتَبًا﴾ إخبار عن كون تلك الأعمال
المعبر عنها بالطائر تظهر يوم القيامة مفصلة
الراغب مختصرًا.
معينة، لا تغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا
أحصيت للجزاء عليها (٤).
ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى:
(٣) زاد المسير ٤ / ١٠٠-١٠١.
(٤) التحرير والتنوير ٤٨/١٥.
٩٦
القرآن الكريمِ

الكتابة
١٧ مَا
﴿إِذْيَتَلَقَّ الْمُتَلَقِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِالشَّمَالِ فَعِيدٌوَ
[ق:١٧-
يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَِدُ الـ
١٨].
قال الزمخشري: والتلقي: التلقن بالحفظ
والكتبة(١).
والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى
عمل الإنسان عند صدوره منه، فيكتبه
علیه، والمتلقيان هما الملكان اللذان یکتبان
أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على
أن مقعد أحدهما عن یمینه، ومقعد الآخر
عن شماله.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَّا
يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ﴾ أي: ما ينطق بنطق، ولا يتكلم
بكلام إلا لديه، أي: إلا والحال أن عنده
رقيبًا، أي: ملكًا مراقبًا لأعماله، حافظًا لها،
شاهدًا عليها، لا يفوته منها شيء.
عتید، أي: حاضر لیس بغائب، یکتب
عليه ما يقول من خير وشر، وما تضمنته
هذه الآية الكريمة من أن الإنسان علیه حفظة
من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا
في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله في
سورة مريم: ﴿كَلََّّ سَنَكْنُبُ مَا يَقُولُ﴾
[مريم: ٧٩].
سَتُكتبُ
وفي سورة الزخرف قال:
شَهَدَ تُهُمّ وَيُسْتَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وقوله: ﴿وَغَمْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِمِنْ حَبْلِ الْوِيدِ﴾
(١) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٣٨٤.
ق: ١٦].
أي: نحن أقرب إليه من حبل الوريد
في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع
ما يصدر منه، والمراد أن الله الذي خلق
الإنسان ویعلم ما توسوس به نفسه هو أقرب
إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة
أعماله، فهو غني عن كتب الأعمال؛ لأنه
أقرب إليه من حبل الوريد، والله غني عن أن
يدون الملكان هذه الأشياء؛ لأن الله سبحانه
وتعالى عالم بما كان وبما سيكون، وما لم
یکن لو کان کیف یکون، لا یغیب عنه شيء.
فالله تعالى لا حاجة له بكتابة الأعمال؛
لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما
أمر بكتابة الحفظة للأعمال لِحِكمٍ منها:
إقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما
أوضحه الله بقوله: ﴿وَكُلّ إِنسَنِ أَلْزَّمْنَهُ
طَِّرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ كِتَبًا
آقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ
يَلْقَتُهُ مَشُورًا )
عَلَيْكَ حَسِيبًا ( ١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
اقرأ بنفسك كتابك حتى تقوم عليك
﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَّوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾
الحجة
[الإسراء: ١٤].
والمقصود أن من مقاصد الكتابة حفظ
أعمال العباد وإحصاءها، وفي الآيات
السابقة تقرير عقيدة كتابة الأعمال حسنها
وسيئها، والحساب بمقتضاها يوم القيامة،
ويشهد لهذا الحديث الصحيح: (يتعاقبون
www. modoee.com
٩٧

حرفالكاف
فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار) (١)
الحديث.
فالحفظة أو الكتبة من الملائكة الكرام
یکتبون جمیع ما يفعله العباد ویدبرونه، أو
يخططون له، ويحصونه عليهم، ثم يعرضونه
على الله عالم الغيب والشهادة، فيجازي
كلّا منهم على الجليل والحقير، وفي هذا
دلالة على تمام الحفظ والعناية، وعدم خفاء
أعمالهم على الله تعالی.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
مواقيت الصلاة، باب فضل صلاة العصر،
١١٥/١، رقم ٥٥٥، ومسلم في صحيحه،
كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل
صلاتي الصبح والعصر، والمحافظة عليهما،
٤٣٩/١، رقم ٠٦٣٢
ضوابط الكتابة
لما كانت الكتابة إحدى الصنائع، وعلمًا
من العلوم، ونعمة من النعم التي من الله
بها على الإنسان، والتي يشرف بها، وتعلو
منزلته بتعلمها، كان لا بد لها من ضوابط،
ولا بد لمن يزاولها من آداب، وقد أشار
القرآن الكريم إلى ما ينبغي أن يكون عليه
الكاتب والكتابة، فذكر بعضًا من هذه
الآداب والضوابط، منها:
أولًا: العدل
من ضوابط الكتابة العدل، وهو أن يكون
الکاتب عدلًا فیما یکتب، فقد قال الله تعالى
في آية الدين: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاِبُ
بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال أبو جعفر: بالعدل، يعني: بالحق
والإنصاف في الكتاب الذي یکتبه بينهما،
بما لا یحیف ذا الحق حقه ولا يبخسه، ولا
یوجب له حجة على من عليه دينه فيه بباطل،
ولا يلزمه ما ليس عليه(٢).
وعن قتادة في قوله: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ
كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ قال: ((اتقى الله كاتب
في كتابه، فلا يدعن منه حقًّا، ولا يزيدن فيه
باطلًا)»(٣). وبالعدل جار ومجرور متعلقان
بـ﴿كَائِبُ﴾ بمثابة الصفة له، أي: بكاتب
(٢) جامع البيان، الطبري ٦/ ٥١.
(٣) المصدر السابق ٧٦/٥.
٩٨
جوسين
القرآن الكريم

الكتابة
مأمون على ما يكتب بالسوية والتحوط، لا ما ليس له، ولا يميل عن الآخر فيبخسه
يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص"
(١)
.
فیکون في قوله: ﴿یالعدلِ﴾ وجوه:
من حقه شيئًا، فقوله تعالى: ﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾
أمر عام للمتعاملين، وفيهم الأميُّ الذي لا
يكتب؛ ولذلك احتيج إلى هذه الجملة.
الأول: أن یکتب بحیث لا یزید في الدین
ولا ينقص منه، ويكتبه بحيث يصلح أن
يكون حجة له عند الحاجة إليه.
الثاني: إذا كان فقيها وجب أن يكتب
بحیث لا يخص أحدهما بالاحتياط دون
الآخر، بل لا بد وأن یکتبه بحیث یکون کل
واحد من الخصمين آمنًا من تمكن الآخر
من إبطال حقه.
الثالث: قال بعض الفقهاء: العدل أن
یکون ما يكتبه متفقًا عليه بين أهل العلم،
ولا يكون بحيث يجد قاضٍ من قضاة
المسلمين سبيلاً إلى إبطاله على مذهب
بعض المجتهدین.
الرابع: أن يحترز عن الألفاظ المجملة
التي يقع النزاع في المراد بها، وهذه الأمور
لا یمکن رعایتها إلا إذا كان الكاتب فقيهًا
عارفًا بمذاهب المجتهدين، وأن یکون أديبًا
مميزًا بين الألفاظ المتشابهة(٢).
وفي هذا الأمر ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاِبُ
بِالْعَدْلِ﴾ أي: ليكن فيكم كاتب للديون
عادل في کتابته، يساوي بين المتعاملین،
لا يميل إلى أحدهما، فيجعل له من الحق
(١) انظر: إعراب القرآن وبيانه، درويش ٤٣٦/١.
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ٩٢.
وقد ذكروا أن العدل في الكاتب يستلزم
العلم بشروط المعاملات التي تحفظ
الحقوق؛ لأن الكاتب الجاهل قد يترك
بعض الشروط أو يزيد فيها، أو بيهم في
الكتابة بجهله، فيلتبس بذلك الحق بالباطل،
ويضيع حق أحد المتعاملين، كما يضيع
بتعمد الترك أو الزيادة، أو الإبهام إذا لم يكن
عادلًا(٣).
بِالْعَدْلِ
قال ابن عاشور: وقوله:
أي: بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة
التي يوصف بها الشاهد، فيقال: رجل
عدل؛ لأن وجود الباء يصرف عن ذلك،
ونظيره قوله الآتي: ﴿فَلْيُمْلِلٌ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾
[البقرة: ٢٨٢].
ولذلك قصر المفسرون قوله:
﴿فَأَكْتُبُوهُ﴾ على أن يكتبه كاتب غير
المتداينين؛ لأنه الغالب ولتعقيبه بقوله:
﴿وَلْيَكْتُبُ بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ فإنه
كالبيان لكيفية: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ على أن كتابة
المتعاقدین إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن
الخطاب أو فحواه؛ ولذلك كانت الآية
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
١٠٠/٣.
www. modoee.com
٩٩

حرفالكاف
حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج
بالخط، فإن استكتاب الكاتب إنما ينفع
بقراءة خطه (١).
ومن فوائد السعدي على هذه الآية قوله:
ومنها: أن الكاتب لا بد أن يكون عارفًا
بالعدل، معروفًا بالعدل؛ لأنه إذا لم يكن
عارفًا بالعدل لم یتمکن منه، وإذا لم یکن
معتبرًا عدلًا عند الناس رضيًا لم تكن كتابته
معتبرة، ولا حاصلًا بها المقصود الذي هو
حفظ الحقوق (٢).
ومن مستلزمات العدل في الكتابة:
ألا یکون في قلبه، ولا في قلمه هوادة
لأحدهما على الآخر.
وألا يزيد ولا ينقص في الدين الذي
يكتبه، ولا يقيد أحد العاقدين بشروط
شديدة، ويحل الآخر من كل القيود
والشروط، بل يكون مراعيًا العدل في
كتابة أصل الدين، ومراعيًا العدل في
الالتزامات بين الفريقين.
ثم إن العدل يقتضي مع هذا أيضًا أن
یکون الکاتب خبيرًا بمعاملات الناس،
وما يقع بينهم، وما يمكن تنفيذه من
الشروط وما لا يمكن، وهكذا فالكاتب
الذي يتولى ميزان العدل بين العاقدين
يمنعهما من الشطط، ويمنعهما من
(١) التحرير والتنوير ١٠١/٣.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٥٩.
التجانف لإثم(٣).
ومن العدل: التحرز من العبارات
المحتملة للمعاني، وتجنب الألفاظ
المشتركة، وتحري تحقيق المعاني
بألفاظ مبينة، خارجة عن حد الشركة
والاحتمال والتحرز من خلاف الفقهاء
ما أمكن، حتی یحصل للمتداینین معنی
الوثيقة والاحتياط المأمور بهما في
الآية (٤).
والمقصود أن من الصفات المطلوبة في
الکاتب الذي یتولی کتابة الوثائق بین الناس
أن یکتبها بالعدل، وأن یکتب برعاية حقوق
الطرفين، ولا يميل مع أحد الطرفين، ولا
ینقص أو يزيد في النصوص.
ثانيًا: العلم
ومن ضوابط الكتابة العلم بقواعد
الكتابة وأصولها، وقد قال الله تعالى:
﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُّ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللّهُ
[البقرة: ٢٨٢].
ففي قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ دليل
على أن الكتابة علم من العلوم؛ فإذا كانت
علمًا کان لها ضوابطها وقواعدها، ولا بدمن
العلم بهذه الضوابط والقواعد.
ولهذا بعد أن شرط الله في الكاتب
العدالة شرط فيه العلم بالأحكام والفقه في
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ١٠٦٧.
(٤) أحكام القرآن، الجصاص ٥٨٧/١.
١٠٠
جَوَسُولَةُ النَّفتي
القرآن الكريم

الكتابة
كتابة الدين؛ إذ الكتابة لا تكون ضمانًا تامًّا المتعاقدين - وإن كانا يحسنان الكتابة- لئلا
يغالط أحدُهما الآخر أو يغشه، وكأن هذا
أمر حتم، وعليه العمل الآن، فإن للعقود
الرسمية كُتَّابا يختصون بها.
إلا إذا كان الكاتب عالمًا بالأحكام الشرعية،
والشروط المرعية عرفًا وقانونًا، وكان عادلًا
حسن السیرة، لا غرض له إلا بيان الحق بلا
محاباة.
وقدم صفة العدالة على صفة العلم؛
لأن العادل يسهل عليه أن يتعلم ما ينبغى
أن يعلمه لكتابة الوثائق، ولكن من كان
عالمًا غیر عادل فالعلم بهذا وحده لا يهديه
للعدالة، وقلما رأينا فسادًا من عدل ناقص
العلم، ولكن أكثر الفساد من العلماء الذين
فقدوا ملكة العدالة (١).
فكاتب العقود والوثائق بمنزلة المحكمة
الفاصلة بين الناس، وليس كل من يخط
بالقلم أهلاً لذلك، وإنما أهله من يصح أن
یکون قاضي العدل والإنصاف.
فما ذکر في وصف الكاتب إرشاد
من الله تعالى لتلك الأمة الأمية إلى نظام
معروف، وهو أن يكون كاتب الديون
عادلًا، عارفًا بالحقوق والأحكام فيها حتى
لا یقع التنازع بعد ذلك فیما یکتبه، وإرشاد
للمسلمین إلی أنه ينبغي أن یکون فیھم هذا
الصنف من الكتاب، فهذه قاعدة شرعية
لإیجاد المقتدرین علی کتابة العقود، وهو ما
يسمونه اليوم: العقود الرسمية.
(١) تفسير المراغي ٧٣/٣.
وفي قوله: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاِبُ﴾ الخ،
دليل على أن العالم بما فيه مصلحة الناس
یجب علیه إذا دعي إلى القيام بها أن يجيب
الدعوة؛ ولذلك لم يكتف بالنهي عن الإباء
عن الكتابة، بل أمر بها أمرًا صريحًا، فقال:
﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وهذا ظاهر لا سيما على
قول من قال من أهل الأصول: إن النهي عن
الشيء ليس أمرًا بضده(٢).
قال ابن عاشور: وفي قوله: ﴿كَمَا
عَلَّمَهُ اللهُ﴾ أي: كتابة تشابه الذي علمه الله
أن يكتبها، والمراد بالمشابهة المطابقة لا
المقاربة، فهي مثل قوله: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ
مَآءَا مَنْتُم بِهِ﴾ [البقرة:١٣٧
ومعنى: ما علمه الله أنه یکتب ما يعتقده،
ولا يجحف أو يوارب؛ لأن الله ما عَلَّم
إلا الحق، وهو المستقر في فطرة الإنسان،
وإنما ینصرف الناس عنه بالهوی، فیبدلون
ويغيرون؛ وليس ذلك التبديل بالذي علمهم
الله تعالى، ويجوز أن تكون الكاف لمقابلة
الشيء بمکافئه، والعوض بمعوضه، أي: أن
يكتب كتابة تكافئ تعليم الله إياه الكتابة،
وفیه أيضًا أن الكاتب ينبغي أن یکون غير بأن ينفع الناس بها شكرًا علی تیسیر الله له
(٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٠١/٣.
www. modoee.com
١٠١

حرفالكاف
أسباب علمها، وإنما يحصل هذا الشكر بأن وإن الكتابة لطلابها من التعاون على البر
والتقوى، فهي صناعة، وهي علم، وواجب
يكتب ما فيه حفظ الحق، ولا يقصر، ولا
يدلس، وينشأ عن هذا المعنى من التشبيه
معنى التعليل، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ
كَمَآ أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].
علی الصانع أن یعین من لا یحسن، فقد عد
النبي صلى الله عليه وسلم من أعمال الخير
أن (تعين صانعًا، أو تصنع لأخرق)(٢).
وقوله: ﴿وَأَذْكُرُوهُ كَمَا هَدَنَكُمْ﴾
[البقرة: ١٩٨](١).
والمقصود: أن من ضوابط الكتابة التي
أشار الله إليها في هذه الآية العلم بها، وبما
يتعلق بها، فإذا كان عالمًا بذلك ودعي
للكتابة فلیجب؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاِبُ
أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ وهذا نهي لمن
كان قادرًا على الكتابة من أن يمتنع عن
الكتابة، فلا يصح لمن يحسن الكتابة من
حيث جودة الخط واستبانته، ومن حيث
العلم بفقه العقود، والقدرة على تحقيق
العدالة بين العاقدين في وثيقة العقد؛ لا
یصح له أن يمتنع عن الكتابة إذا دعي إليها،
وإنه لیآثم إن تعین للكتابة، ولم يوجد موثوق
به فيها سواه، وامتنع عن الكتابة؛ ولقد قال
الفقهاء: إن الكتابة فرض كفاية بمعنى أنه إذا
امتنع كُتَّابُ أهل قرية عن الكتابة أثموا، بل
إنه يجب على أهل كل قرية أن يخصصوا
ناسًا لکتابة الوثائق فيها.
وإنه على هذا يجب أن تعمل الدولة
على تهيئة ناس لتوثيق العقود وكتابتها،
(١) التحرير والتنوير ١٠٢/٣.
والامتناع عن الكتابة ككتمان العلم، وقد
قال صلی الله عليه وسلم: (من سئل عن علم
فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار)(٣).
والكاف في قوله تعالى: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ
اللّهُ﴾ للتشبيه، لكن ما المعنى الذي يفيده
هذا التشبيه؟
ذکر الزمخشري: أن معناه: إما أن يكون
تشبيهًا بين علم الكتابة والواجب على
الكاتب (٤)، إي: أنه كما أن الله علمه الكتابة،
ويسرها له، وجعله أهل خبرة، علیه واجب
المعاونة بالكتابة لغيره، فالتشبيه تشبيه بين
نعمة الكتابة والواجب المتعلق بها، فما من
نعمة إلا تتولد عنها واجبات مساوية لها،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل
الأعمال، ٨٩/١، رقم ٨٤.
(٣) أخرجه الترمذي في أبواب العلم، باب ما جاء
في كتمان العلم، ٣٢٦/٤، رقم ٢٦٤٩، وابن
ماجه في افتتاح الكتاب في الإيمان وفضائل
الصحابة والعلم، باب من سئل عن علم
فکتمه، ٩٨/١، رقم ٢٦٦.
قال الترمذي: حديث حسن.
وصححه الألباني في تعليقه على مشكاة
المصابيح، ٧٧/١، رقم ٢٢٣.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٣٢٥/١.
١٠٢
القرآن الكريم

الكتابة
فنعمة الكتابة يقابلها ويشابهها ويماثلها الثابتة الجائزة؛ لكي يحصل لكل واحد
واجب معاونة غيره بها، وهو بقدرها، ویآثم
عند الترك بمقدار علمه، هذا أحد وجهي
التشبيه.
من المتداينين ما قصد من تصحيح عقد
المداینة؛ ولأن الکاتب بذلك إذا كان جاهلاً
بالحكم لا یأمن أن یکتب ما یفسد عليهما ما
قصداه، ويبطل ما تعاقداه.
أما الوجه الآخر: فهو أن التماثل بين
ما يكتب على القرطاس وما آتى الله
الكاتب من فقه وعلم بالعقود والالتزامات؛
والمعنى على ذلك: لتكن كتابة وثيقة الدَّيْنِ
على مقتضى العلم والفقه الذي فَقَّةَ الله به
الكاتب، أي: تكون الكتابة على مقتضى
أحكام الشرع، فلا تكون فيها شروط ليست
في كتاب الله، أو لا يسوغها الشرع، أو لا
يمكن تنفيذها(١).
والحاصل: أن في هذه الجملة بيان صفة
الکاتب، وأن الذي یکتب شخص یجید
الكتابة، وعنده فقهها وعلمها، بأن يكون
على علم بشروط العقود وتوثيقها، وما
يكون من الشروط سائغًا في الشرع، وما
یکون غیر سائغ، وقد ذكر في النص الكريم
بوصف ﴿كَاتِبُ﴾ للدلالة على مهارته في
الكتابة، وكونها له كالمَلَكَة(٢).
قال الجصاص: ولذلك قال تعالى عقيب
الأمر بالكتابة: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ يعني -والله أعلم -: ما
بينه من أحكام العقود الصحيحة والمداينات
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢/ ١٠٦٩.
(٢) انظ: المصدر السابق ٢ / ١٠٦٧.
والكتاب وإن لم يكن حتمًا وكان
ندبًا وإرشادًا إلى الأحوط، فإنه متى كتب
فواجب أن یکون على هذه الشريطة، كما
قال عز وجل: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ؟
[المائدة: ٦].
فانتظم ذلك صلاة الفرض والنفل
جميعًا، ومعلومٌ أن النفل غير واجب عليه؛
ولكنه متى قصد فعلها وهو محدث فعليه
أن لا يفعلها إلا بشرائطها من الطهارة وسائر
أركانها، وكما قال النبي صلى الله عليه
وسلم: (من أسلم فليسلم في كيلٍ معلومٍ،
ووزنٍ معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ)(٣).
والسلم ليس بواجب؛ ولكنه متی أراد
أن يسلم فعليه استيفاء الشرائط؛ فكذلك
كتاب الدين والإشهاد ليسا بواجبين؛ ولكنه
متى كتب فعلى الكاتب أن يكتبه على الوجه
الذي أمره الله تعالى به، وأن يستوفي فيه
شروط صحته؛ ليحصل المعنى المقصود
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم،
باب السلم في وزن معلوم، ٨٥/٣، رقم
٢٢٤٠، ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة،
باب السلم، ١٢٢٦/٣، رقم ١٦٠٤.
www. modoee.com
١٠٣

حرفالكاف
بکتابته(١).
ثالثًا: الحفظ من التبديل والتحريف:
ومن ضوابط الكتابة حفظها من التبديل
والتحريف، وقد مدح الله تعالى الربانيين
والأحبار بكونهم استحفظوا كتاب الله
فحفظوه، والحفظ يشمل ناحية العمل،
وناحية حفظه، حفظ صدر، وحفظ كتاب،
فقال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَةَ فِيَهَا هُدَّى
وَنُورٌّ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ
هَادُواْ وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ
مِنْ كِتَبِ اللَّهِ ﴾ [المائدة: ٤٤].
فقوله: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ﴾ أي: بالذي
استحفظوه من جهة النبيين، وهو التوراة،
حيث سألوهم أن يحفظوها من التغيير
والتبديل على الإطلاق، ولا ريب في أن ذلك
منهم -عليهم السلام- استخلافٌ لهم في
إجراء أحكامها من غير إخلالٍ بشيء منها،
وفي إبهامها أولًا، ثم بيانها ثانيًا بقوله تعالى:
﴿مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ من تفخيمها وإجلالها ذاتًا
وإضافةً، وتأكيد إيجاب حفظها، والعمل بما
فيها ما لا يخفى.
وإيرادها بعنوان الكتاب للإيماء
إلى إيجاب حفظها عن التغيير من جهة
الكتابة (٢).
والأحبار: هم العلماء، جمع حبر، أو
(١) أحكام القرآن، الجصاص ١/ ٥٨٧.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤١/٣.
حبر، وهما لغتان، وهو مأخوذ من معنى
التزيين والتحسين؛ لأن الحبر هو الأثر
الحسن ذو الرونق، ويكون المعنى: الذين
يجمعون العلم ويدرسونه ويزينونه بالقول
الحسن، والتطبيق الجيد، أو هو مأخوذ من
الحبر مادة الكتابة لعنايتهم بتدوين علمهم،
وعرضه للناس، وإبقائه أثرًا خالدًا من
بعدهم.
والمفسرون على أن الربانيين والأحبار
نوعان، قد طبقوا حكم التوراة، فالأولون
صَفَتْ نفوسهم، وربوها بالعلم والعبادة،
والآخرون جمعوا العلم، ورتبوه وعرضوه،
وعلى هذا التفسير الذي يجعلهم نوعين
متغايرين، نوجه القول فيه: بأن الذين قاموا
على التوراة صنفان:
أحدهما: جمع علمها، واستخرج
ینابيعها، وأحاط بها.
وآخرون: طبقوها في الأقضية.
أي: إن الفقهاء وهم الأحبار قدموا
خلاصة ما علموا نقيًّا محبرًا تحبيرًا جيدًا،
والآخرون وهم الربانيون طبقوه مجردين
أنفسهم من كل شهوة وهوى، فالضعيف
عندهم قوي، حتى يأخذوا الحق له، والقوي
منهم ضعیف حتی یأخذوا الحق منه، كما
يفعل الربانیون من أمة محمد صلى الله عليه
وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم
رضي الله عنهم.
١٠٤
مَوسُو ◌َب النفسية
القرآن الكريمِ

الكتابة
وقُدِّمَ الربانيون على الأحبار لأنهم الذين وكان حفظهم مؤكدًا؛ لأنه استجابة لطلب
الله تعالى الخبير، وحفظ الكتاب بعلم ما
اشتمل عليه، ومنعه من الضياع والتحريف،
وتنفيذ الأحكام التي يأمر بها، وطاعته فيما
ینھی.
يطبقون العلم على العمل، والمقام في الآية
هو مقام التطبیق، فالعمل الواضح هو عمل
الربانيين؛ لأنهم الذين يحكمون بحكم
التوراة.
وقد خص الله تعالى الفريقين بقوله
تعالت كلماته: ﴿بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ
وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَآءَ ﴾ فالباء هنا متعلقة
بـ ﴿يَحَكُمُ﴾ أي: إن النبيين والربانيين
والأحبار يحكمون بما في التوراة؛ لأنهم
حملوا أمانة حفظ كتاب الله، بحيث لا
يضيعونه، ولا يهملون أحكامه، وقد يقال:
إنها متعلقة بالربانيين والأحبار، على معنى
أنهم أوتوا هاتين المنزلتين منزلة الربانية
والعلم، بسبب أنهم حملوا أمانة الكتابة.
و ﴿آسْتُحفِظُواْ﴾ بالبناء للمجهول فيه
بیان أنهم بمقتضى ما منحوا من صفات عهد
إليهم أمر المحافظة على كتاب الله المنزل
على نبيه، والمراد بكتاب الله هنا التوراة،
وعبر عنها بكتاب الله تعالى للإشارة إلى
منزلتها إبان نزولها قبل تحريفها، وإلى شرف
من يقومون بحفظها، وإلى مكان التكليفات
والأحكام التي اشتملت عليها.
والاستحفاظ هو الحفظ المطلوب؛ إذ إن
السين والتاء للطلب، والمعنى: إن الربانيين
والأحبار حفظوا كتاب الله تعالى بإلهامهم
طلب الحق والعلم، وتوجيههم نحو الخير،
وكان أولئك الربانيون والأحبار شهداء،
أي رقباء، يحافظون على نصوصه كاملة،
ويشهدون بصدق ما نزل من عند الله،
ويردون المحرف، وكانوا أيضًا رقباء على
تنفيذه، بحیث ینفذ من غير عوج(١).
وكذلك في تسمية القرآن بهذين
الاسمين: القرآن والكتاب إشارة إلى أن
من حقه العناية بحفظه في موضعين لا
في موضع واحد، أي: أنه يجب حفظه في
الصدور والسطور جميعًا، فلا ثقة لنا بحفظ
حافظ حتى يوافق الرسم المجمع عليه من
الأصحاب، المنقول إلينا جيلا بعد جيل،
على هيئته التي وضع عليها أول مرة، ولا
ثقة لنا بكتابة کاتب حتى يوافق ما هو عند
الحفاظ بالإسناد الصحيح المتواتر.
وبهذه العناية المزدوجة التي بعثها الله
في نفوس الأمة المحمدية؛ اقتداء بنبيها
بقي القرآن محفوظًا في حرز حريز، إنجازًا
لوعد الله الذي تكفل بحفظه، حيث يقول:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَفِظُونَ (
[الحجر: ٩].
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤ /٢٢٠١.
www. modoee.com
١٠٥

حرفالكاف
ولم يصبه ما أصاب الكتب الماضية الدائن والمَدين في كتابته؛ لأن الله تعالى
﴿وَلَا يَجْرِ مَنَّكُمْ شَنََّانُ قَوْمٍ
يقول:
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىُ﴾
[المائدة: ٨].
من التحريف والتبديل وانقطاع السند، فإن
الله لم يتكفل بحفظها، بل وكلها إلى حفظ
الناس، فقال تعالى: ﴿وَالرَّبَّنِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ
بِمَا أُسْتُحْفِظُواْ مِنْ كِتَبِ اللَّهِ﴾ [المائدة :٤٤].
أي: بما طلب إليهم حفظه(١).
والمقصود: إن في ذكر هذه الشروط في
الكاتب والكتابة إرشادًا من الله للمسلمين أن
یکون فیھم هذا الصنف من الكُتّاب القادرین
على الكتابة، فيما فيه مصلحة الناس؛ لأن
الموضوع هام لتعلقه بحفظ الحقوق، ولا
سیما لدی الأمیین الذین خوطبوا به أولًا.
ولهذا قال: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِ
بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ
اللَّهُ ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فالجملة الكريمة تحض المتعاملين
بالدين أن يختاروا لكتابته شخصًا تتوافر
فيه إجادة الكتابة، والخبرة بشروط العقود
وتوثيقها، كما تتوافر فيه الاستقامة، وتحري
الحق، ومفعول ﴿يَكْثُبَ﴾ محذوف ثقة
بانفهامه، أي: وليكتب بينكم الكتابة كاتب
بالعدل، والتقييد بالظرف ﴿بَيْنَكُمْ﴾
للإيذان بأنه ينبغي للكاتب ألا يسمح لنفسه
بأن ينفرد به أحد المتعاقدين؛ لأن في هذا
الانفراد تهمة يجب أن يرباً بنفسه عنها(٢).
ففي هذا النص بيان لكيفية الكتابة
المأمور بها، وتعيين من يتولاها، عقب الأمر
بها على سبيل الإجمال.
أي: عليكم أيها المؤمنون إذا تعاملتم
بالدين إلى أجل معين أن تكتبوا هذا الدين؛
وليتول الكتابة بينكم شخص يجيدها وعنده
فقهها وعلمها، بأن يكون على معرفة بشروط
العقود وتوثيقها، وما يكون من الشروط
موافقًا لشريعة الإسلام، وما يكون منها غير
موافق، وعلى هذا الكاتب أن يلتزم الحق مع
(١) انظر: علوم القرآن الكريم، نور الدين عتر ص
١٣.
(٢) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ٦٤٥.
١٠٦
جويتين
القرآن الكريم

الكتابة
أساليب القرآن في الحث على الكتابة
تظهر أهمية وقيمة الكتابة في اعتناء
القرآن الكريم بالحديث عنها، حيث
تنوعت أساليب القرآن الكريم في عرضه
لهذا الموضوع، والدعوة إليه، ومن هذه
الأساليب ما يأتي:
أولًا: القَسَمُ بالمكتوب والأداة:
من أساليب القرآن في الحث على
الكتابة القسم بالمكتوب، وأداة الكتابة التي
هي القلم، قال تعالى: ﴿تْ وَالْقَلِّ وَمَا يَسْطُرُونَ
[القلم : ١].
فأقسم تعالی بالقلم الذي یکتب الناس
به العلوم والمعارف، فإن القلم أخو اللسان،
ونعمة من الرحمن على عباده، والمعنى:
أقسم بالقلم، وما يكتبه الكاتبون على صدق
محمد وسلامته مما نسبه إليه المجرمون من
السفه والجنون.
وفي القسم بالقلم والكتابة إشادة بفضل
الكتابة والقراءة، فالإنسان من بين سائر
المخلوقات خصه الله بمعرفة الكتابة؛
ليفصح عما في ضميره.
وحسبك دليلًا على شرف القلم أن
الله أقسم به في هذه السورة تمجيدًا لشأن
الكاتبين، ورفعًا من قدر أهل العلم، ففي
القلم البيان كما في اللسان، وبه قوام العلوم
والمعارف (١).
قال ابن كثير: والظاهر من قوله تعالى:
﴿وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ أنه جنس من القلم
الذي يكتب به، وهو قَسَم منه تعالى لتنبيه
خلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة
التي بها تنال العلوم؛ ولهذا قال: ﴿
يَسْطُرُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة:
يعني: وما يكتبون (٢).
أما الطبري فقد قال: وأما القلم فهو القلم
المعروف، غير أن الذي أقسم به ربنا من
الأقلام القلم الذي خلقه الله تعالى ذكره،
فأمره فجرى بكتابة جميع ما هو كائن إلى
يوم القيامة (٣).
وقد أطال ابن القيم في شرح فوائد القلم،
وبيان عظمته، حيث قال: فأقسم بالكتاب
وآلته، وهو القلم الذي هو إحدى آياته، وأول
مخلوقاته الذي جرى به قدره وشرعه، و کتب
به الوحي، وقید به الدين، وأثبتت به الشريعة،
وحفظت به العلوم، وقامت به مصالح العباد
في المعاش والمعاد، فوطدت به الممالك،
وأمنت به السبل والمسالك، وأقام في الناس
أبلغ خطيب، وأفصحه وأنفعه لهم وأنصحه،
وواعظًا تشفي مواعظه القلوب من السقم،
وطبيبًا يبرئ بإذنه من أنواع الألم، يكسر
العساكر العظيمة على أنه الضعيف الوحيد،
(١) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٤٠١/٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ١٨٧.
(٣) جامع البيان، الطبري ٥٢٦/٢٣.
www. modoee.com
١٠٧

حرفالكاف
ويخاف سطوته وبأسه ذو البأس الشديد، المنام، وقلم التاريخ، وقلم اللغة، يشرح
معاني ألفاظها ونحوها وتصريفها، وأسرار
تراكيبها، ثم القلم الجامع، وهو قلم الرد
على المبطلين (٢).
بالأقلام تدبر الأقاليم، وتساس الممالك،
والعلم لسان الضمير يناجيه بما استتر عن
الأسماع، فينسج حلل المعاني في الطرفين،
فتعود أحسن من الوشي المرقوم، ويودعها
حكمه فتصير بوادر الفهوم والأقلام نظام
الأفهام، وكما أن اللسان بريد القلب، فالقلم
بريد اللسان، ويولد الحروف المسموعة
عن اللسان كتولد الحروف المكتوبة عن
القلم، والقلم بريد القلب ورسوله وترجمانه
ولسانه الصامت(١).
ثم عقد فصلا في مراتب الأقلام، فجعلها
اثني عشر قلمًا.
أولها: وأعلاها وأجلها قدرًا قلم القدر
السابق الذي كتب الله به مقادير الخلائق،
وقد أقسم به إعظامًا له.
ثانيها: قلم الوحي، یکتب به وحي الله
تعالى إلى رسله وأنبيائه.
ثالثها: قلم الفقهاء والمفتين، ويتلوه
على الترتيب التنازلي: قلم طب الأبدان،
وقلم التوقيع عن الملوك والساسة، وقلم
الحساب تضبط به الأموال، وقلم الحكم
تثبت به الحقوق، وتنفذ القضايا، وقلم
الشهادة تحفظ به الحقوق، وتصان عن
الإضاعة، وقلم تعبير الرؤيا، ووحي
(١) التبيان في أقسام القرآن، ابن القيم ص ٢٠٦-
٢٠٧.
وقد أكثر الحكماء والبلغاء في وصف
القلم ونفعه، فقال ابن الهيثم: من جلالة
القلم أنه لم یکتب الله تعالی كتابًا إلا به؛
لذلك أقسم الله تعالى به، وقيل: الأقلام
مطايا الفطن، ورسل الكرام، وقيل: البيان
اثنان: بيان لسان، وبيان بنان، وفضل بيان
البنان أن ما تثبته الأقلام باقٍ على الأيام،
وبيان اللسان تدرسه الأعوام، وقال بعض
الحكماء: قوام أمور الدين والدنيا شيئان:
القلم والسيف، والسيف تحت العلم، وفيه
یقول ابن الرومي(٣):
إن يخدم القلم السيف الذي خضعت
له الرقاب ودانت حذره الأمم
فالموت والموت لا شيء يغالبه
ما زال يتبع ما يجرى به القلم
کذا قضی الله للأقلام مذ بریت
إن السيوف لها مذ أرهفت خدم(٤)
ومنه قول أبي الفتح البستي(٥):
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٢٠٨.
(٣) الأبيات في ديوانه، شرح أحمد حسن بسج
٢٨٤/٣.
(٤) الكشف والبيان، الثعلبي ١٠/ ٧.
(٥) البيت في ديوانه ص١٩٨ - ١٩٩.
١٠٨
القرآن الكريم