النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الكِتَابَةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الكتابة
٧٠
الكتابة في الاستعمال القرآني
٧١
الألفاظ ذات الصلة
٧٢
إسناد الكتابة لله تعالى
٧٤
مقاصد الكتابة
٨٦
ضوابط الكتابة
٩٨
١٠٧
أساليب القرآن في الحث على الكتابة
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ

حرفالكاف
مفهوم الكتابة
أولًا: المعنى اللغوي:
(ك ت ب) الكاف والتاء والباء أصل صحيح واحد، يدل على جمع شيء إلى شيء(١).
والكتابة لغة: الضم والجمع (٢). يقال: كتبت الكتاب أكتبه كتبًا(٣). ومن ذلك الكتيبة: وهي
الطائفة من الجيش العظيم (٤). وتکتبت الخيل، أي: تجمعت.
وتكتبوا: تجمعوا. ومنه: الكتب لجمع الحروف في الخط(٥). ومنه: المكاتبة: وهي أن
يكاتب الرجل عبده أو أمته على مالٍ ينجمه عليه، ويكتب عليه أنه إذا أدى نجومه في كل
نجمٍ كذا وكذا فهو حرِّ(٦). وإنما سمي هذا العقد بالكتابة لأنها بمعنى الجمع، ففي المكاتبة
ضم حرية اليد إلى حرية الرقبة، أو لأن فيه جمعًا بين نجمين فصاعدًا، أو لأن كل واحد من
العاقدين - أي: المولى والمملوك- يكتب الوثيقة عادة، وهو أظهر (٧).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الكفوي الكتابة بقوله: جمع الحروف المنظومة وتأليفها بالقلم (٨).
وجاء في معجم لغة الفقهاء: الكتابة: بکسر الکاف مصدر، (کتب) الکتاب خطه، ما
يكتب في القرطاس من الكلام(٩). وهذه التعاريف للكتابة كصناعة وعلم.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٨/٥.
(٢) أنيس الفقهاء، القونوي ص ٦١.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٨/٥.
(٤) أنيس الفقهاء، القونوي ص ٦١.
(٥) أنيس الفقهاء، القونوي ص٦١.
(٦) لسان العرب، ابن منظور ١/ ٧٠٠.
(٧) دستور العلماء، الأحمد نكري ٨٣/٣-٨٤.
(٨) الكليات ص ٧٦٧.
(٩) معجم لغة الفقهاء، قلعجي ص ٣٧٧.
٧٠
القرآن الكريمِ

الكتابة
الكتابة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كتب) في القرآن الكريم (٣١٩) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
فَأَلْكَنَ بَشِرُوهُنَّ وَأَبْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ أَ
٣٠
[البقرة: ١٨٧]
﴿وَلَا تَسْمُوْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيْرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾
[البقرة: ٢٨٢]
فعل الأمر
هُدْنَآ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: ١٥٦]
اسم الفاعل
٦
﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]
المصدر
٢٥٥
﴿يَوْمَ نَطْوِى السَّمَآءَ كَطَيّ السَّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾
الجمع
٦
[الأنبياء: ١٠٤]
اسم المفعول
١
﴿الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَكَةِ
[الأعراف: ١٥٧]
وجاءت الكتابة في القرآن على أربعة أوجه(٢):
الأول: الفرض: ومنه قوله تعالى: ﴿كُلِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة: ١٧٨]، أي: قُرِض.
الثاني: القضاء: ومنه قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللّهُ لَأَعْلِيَنَ﴾ [المجادلة: ٢١]، أي: قضى الله.
﴾ [المجادلة:٢٢]، أي: جعل.
«آلْإِيمَنَ
كَتَبَ فِي قَلَويهِمْ!
الثالث: الجعل: ومنه قوله:
الرابع: الأمر: ومنه قوله تعالى: ﴿يَقَوْمِ أَدْخُلُواْ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَعَبَ اَللَّهُ لَكُمْ﴾
[المائدة: ٢١]، أي: أمر کم بدخولها.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن، عبد الله جلغوم، ص ١٠٠٤- ١٠١٠.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٣٩٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٥١٤.
www. modoee.com
٧١
المثال
الفعل الماضي
الفعل المضارع
١٦
﴿ وَأَكْتُبْ لَنَا فِى هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا
ذَلِكَ الْسِكَتَبُ لَا رَيْبُ فِيهِ هُدَى لِلْتَّقِينَ ﴾ [البقرة: ٢]

حرفالكاف
الألفاظ ذات الصلة
١
القراءة :
القراءة لغة:
القراءة: مصدر قرأت الكتاب قراءةً(١). وفي الصحاح: (قرأ) الكتاب (قراءةً) و(قرآنًا)
بالضم، و(قرأ) الشيء (قرآنًا) بالضم أيضًا جمعه وضمه، ومنه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور
ويضمها(٢). وقد تقرأ فلان: تنسك، واقرأ سلامي على فلان، وأقرأت المرأة: حاضت(٣).
القراءة اصطلاحًا:
لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة.
الصلة بين القراءة والكتابة:
الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة
باللسان والنطق، ويعبر بكل منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه.
السطر:
٢
السطر لغة:
(سطر) السين والطاء والراء أصل مطرد يدل على اصطفاف الشيء، كالكتاب والشجر،
وكل شيءٍ اصطف (٤). يقال: سطرت الكتاب سطرًا -من باب (قتل) - كتبته (٥).
فالأصل في السطر: الخط والكتابة، قال الله تعالى: ﴿تّ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾
١
[القلم: ١]. أي: وما يكتبون (٦).
السطر اصطلاحًا:
لا يختلف معنى السطر في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبٍ مَسْطُورٍ ﴾ [الطور: ٢].
وصف الكتاب بأنه مسطور إشارة إلى أنه مكتوب كتابة في أسطر على نحو ما يكتب
(١) أنيس الفقهاء، القونوي ص ٢٤.
(٢) مختار الصحاح، الرازي ص ٢٤٩.
(٣) أساس البلاغة، الزمخشري ٦٣/٢.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٢/٣-٧٣.
(٥) المصباح المنير، الفيومي ٢٧٦/١.
(٦) تاج العروس، الزبيدي ٢٤/١٢.
وانظر: تفسير عبد الرزاق ٣٢٩/٣.
٧٢
عَرُ النَّفِيَّ
جوبيه
القرآن الكريم

الكتابة
الکاتبون، وفي وصفه بأنه في رق منشور إشارة أخری إلی أنه خفیف الحمل، سهل التداول،
وأنه منشور، أي: مفتوح للقارئين، غير مطوي عنهم، وفي هذا كله تنويه بالكتابة، ورفع
لقدرها، وأنها باب واسع من أبواب العلم، وطريق فسيح من طرق المعرفة(١).
الصلة بين السطر والكتابة:
(السطر) الصف من كل شيء، يقال: سطر من الكتابة وسطر من الشجر، فهو على هذا
أعم من الكتابة بمعناها الاصطلاحي الذي سبق القول إنها: ضم وجمع الحروف بعضها إلى
بعض.
الخط :
٣
الخط لغة:
(خ ط ط) خط الشيء بيده يخطه خطًا إذا خطه بقلم أو غيره(٢). وخط الكتاب يخطه،
وكتاب مخطوط، واختط لنفسه دارًا إذا ضرب لها حدودًا؛ ليعلم أنها له(٣).
الخط اصطلاحًا:
الخط: تصوير اللفظ بحروف هجائية، وعند الحكماء: هو الذي يقبل الانقسام طولًا لا
عرضًا ولا عمقًا، ونهايته النقطة (٤).
وقد وردت هذه المادة (خ ط ط) في القرآن الكريم مرة واحدة في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ نَتْلُواْ
مِن قَبْلِهِ، مِن كِثَبٍ وَلَا تَخْطُّهُ بِيَمِنِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨].
وهي هنا بمعنى: الكتابة.
الصلة بين الخط والكتابة:
الخط: الكتابة والشق(٥). فهو أعم من الكتابة، فقد يكون خطًا مقروءًا، وقد يكون غير
ذلك، وقد يكون على قرطاس، أو على أرض، أو رمل، بينما الكتابة خلافه.
وفي القاموس: الخط: الطريقة المستطيلة في الشيء، أو الطريق الخفيف في السهل،
والكتب بالقلم وغيره(٦).
(١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٥٤٣/١٤.
(٢) جمهرة اللغة، ابن دريد ١٠٥/١.
(٣) أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ٢٥٦.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ٩٩.
(٥) دستور العلماء، الأحمد نكري ٥٨/٢.
(٦) القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص ٦٦٥.
www. modoee.com
٧٣

حرفالكاف
إسناد الكتابة لله تعالى
أسند الله تعالى في القرآن الكريم الكتابة
لنفسه في عدة آيات، بصيغ مختلفة (كتبنا،
سنکتب، نکتب، کتب الله، كتبناها، كاتبون،
إنا كنا نستنسخ، والله يكتب ما يبيتون،
واكتب لنا، فاكتبنا).
وفي آيات أخرى جعلها من فعل
الملائكة، كما قال: ﴿بَ وَرُسُلْنَاَ لَدَيْهِمْ
يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف: ٨٠].
وقوله: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْثُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾
[يونس: ٢١].
وقوله: ﴿كِرَامًاكَنِينَ ﴾ [الانفطار:
١١].
وفي آيات أخرى أطلق الكتابة ولم
يسندها لأحد، كما في قوله: ﴿سَتُكْنَبُ
شَهَدَ تُهُمْ وَيُسْتَلُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
وقوله: ﴿لَبَرَزَّ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ
[آل عمران: ١٥٤].
وقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ اَلْفِنَالُ﴾ [النساء:
٧٧].
وعلى هذا فالكتابة صفة من صفات الله
الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة (١)، وهي صفة
تليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، فهي
من صفات الكمال والجلال، فهو سبحانه
یکتب ما شاء، متى شاء، كما يليق بجلاله
(١) انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب
والسنة، علوي السقاف ص ٢٨٩.
وعظیم شأنه.
وهذه الكتابة المنسوبة إلى الله تحتمل
عدة معانٍ، منها:
يجوز أن يكون المعنى: أن الله أمر القلم
أو غيره أن یکتب، فکتب ما أراد سبحانه كما
قال الحافظ ابن حجر (٢).
ويجوز أن یکون علی ظاهره بأنه کتب
سبحانه وتعالى بدون واسطة، ويجوز أن
يكون قال: كن فكانت الكتابة، ولا محذور
في ذلك كله(٣).
ويستثنى من ذلك ما جاء النص فيه
أنه کتبه بیده، کما في حدیث احتجاج آدم
وموسى عليهما السلام أن آدم قال لموسى:
(أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه،
وخط لك التوراة بيده) (٤).
فهذا ليس له إلا معنیّ واحدٌ، وهو حمله
على ظاهره، وهو أن الله تعالی کتب ذلك
بنفسه.
ومما يكتبه الله تعالى:
١. كتابة القدر.
كتب الله سبحانه وتعالى مقادير الأشياء
في اللوح المحفوظ، بعد علمه بها سبحانه
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٢٩١/٦.
(٣) صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب
والسنة، علوي السقاف ص ٢٨٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر،
باب حجاج آدم وموسى، عليهما السلام
٢٠٤٢/٤، رقم ٢٦٥٢.
٧٤
القرآن الكريمِ

الكتابة
وتعالى أزلًا، ومما يدل على هذا النوع
من الكتابة قوله تعالى: ﴿قُل لَّنِ يُصِيبَنَا
إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَنْنَأْ وَعَلَى اللَّهِ
فَلْيَتَوَ كَلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: ٥١].
ف(کتب) هنا بمعنی قضی وقدر، وأصل
الكتابة هنا ما كتبه الله تعالى في اللوح
المحفوظ، قال الطبري: ﴿إِلَّ مَا كَتَبَ
اللَّهُ لَنَا﴾ أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه
علينا (١). من خير أو شر، أو خوف أو رجاء،
أو شدة أو رخاء، وفائدته أنه إذا علم الإنسان
أن الذي وقع امتنع أن لا يقع - لأن خلاف
معلوم الله ومقدوره محال- زالت عنه
منازعة النفس، وهانت عليه المصائب،
فيكون المقصود أن أحوال المسلمين وإن
كانت مختلفة في الغم والسرور والمحنة إلا
أن العاقبة والدولة تكون لهم، والظفر يقع
في جانبهم، فلا معنى لفرح المنافقين في
الحال (٢).
وعبر بقوله: ﴿لَنَا﴾ ولم يقل: (علينا)
لنکتة بلاغية، أي: أن ما کتبه الله فهو خيرٌ،
وإن كان في ظاهره مصيبة أو شرًا، لما فيه من
الأجر لمن صبر، وجزيل الثواب لمن رضي
بقضاء الله سبحانه.
والحاصل: أن مما يكتبه الله تعالى
القدر، فالأقدار مكتوبة في الأزل، فلا راد
(١) جامع البيان، الطبري ١٤ / ٢٩٠.
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري ٣/ ٤٨٢.
لقضاء الله، ولا مبدل لكلماته.
فالقلم جف بما هو كائن إلى يوم القيامة،
من خیر وشر، فلا يقدر أحد أن يدفع عن
نفسه مکروهًا نزل به، أو یجلب لنفسه نفعًا
أراده لم يقدر له (٣). ولا يستطيع أحد أن
يمحو شيئًا مما كتبه الله في اللوح المحفوظ،
ولا يمكن أن يحصل هذا، كما في الحديث:
(رفعت الأقلام، وجفت الصحف) (٤) فلا
یمکن أن يغير فيها شيء.
ومن الآيات الدالة على أن الله كتب
المقادير كلها قوله: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى
اْأَرْضِ وَلَا فِيَّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن
قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَآَ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ))
[الحديد: ٢٢].
فقوله تعالى: ﴿إِلَّ فِ كِتَبٍ﴾ أي:
إلا في أم الكتاب (٥). أي: اللوح المحفوظ.
قال ابن العثيمين: هذا الكتاب هو اللوح
المحفوظ، كتب الله فيه مقادير كل شيء؛
لما خلق الله سبحانه وتعالی القلم قال له:
اکتب قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب
ما هو كائن إلى يوم القيامة(٦)، فکتب ما
(٣) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٣٧٠.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة
والرقائق والورع، ٦٦٧/٤، رقم ٢٥١٦،
وأحمد في مسنده، ٤٠٩/٤، رقم ٢٦٦٩.
وصححه الألباني في مشكاة المصابيح،
١٤٥٩/٣، رقم ٥٣٠٢.
(٥) جامع البيان، الطبري ١٩٥/٢٣.
(٦) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
www. modoee.com
٧٥

حرفالكاف
هو كائن إلى يوم القيامة، سبحان الله! ما السماوات والأرض بخمسين ألف سنة (١).
واسم الإشارة في قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾
يعود إلى الكتابة في الكتاب.
أعظم هذا اللوح الذي يسع كل شيء إلى
يوم القيامة!
ولكن ليس هذا بغريب على قدرة الله عز
وجل؛ لأن أمر الله تعالی إذا أراد شيئًا يقول
له: کن فیکون؛ ولقد كان الإنسان یتعجب
من قبل، ولكن لا يستبعد أن یکتب في هذا
اللوح مقادير كل شيء، فقد ظهر الآن من
صنع الآدمي قطعة صغيرة يسجل فيها آلاف
الكلمات، وهي عبارة عن لوحة صغيرة
کالقرص تسجل فيها آلاف الكلمات، وقد
يسجل فيها جميع كتب الحديث المؤلفة،
أو جميع التفاسير، أو جميع كتب الفقهاء،
وهي من صنع الآدمي، فكيف بصنع من
یقول للشيء كن فیکون؟!
ولما قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم
القيامة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة،
فالمصائب التي تصيب الناس هي في أمر
سابق؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّ فِي كِتَبِمِّن قَبْلِ
أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ وقوله: ﴿نبرامَا﴾ قیل: إنها
تعود على المصيبة. وقيل: على الأرض.
وقيل: على النفس. وقيل: على الجميع.
والصحيح أنها على الجميع، أي: من قبل أن
نبرأ كل هذه الأشياء، أي: أن نخلقها؛ وذلك
لأن الله كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق
في القدر، ٢٢٥/٤، رقم ٤٧٠٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٤٠٥/١، رقم ٢٠١٨.
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يعني: إن
كتابة هذه المصائب يسير على الله عز
وجل؛ لأنه قال للقلم: اكتب فكتب، وهذا
يسير، كلمة واحدة، حصل بها كل شيء(٢).
قال الرازي في قوله: ﴿وَمَا تَسْقُطُ
مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ◌ُلُمَتِ
اُلْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِ إِلَّا فِ كِنَبٍ مُِّيٍ﴾
[الأنعام: ٥٩].
فائدة هذا الكتاب أمور:
أحدها: أنه تعالى إنما كتب هذه الأحوال
في اللوح المحفوظ لتقف الملائكة على
نفاذ علم الله تعالى في المعلومات، وأنه
لا يغيب عنه مما في السموات والأرض
شيء، فیکون في ذلك عبرة تامة كاملة
للملائكة الموكلين باللوح المحفوظ؛ لأنهم
يقابلون به ما يحدث في صحيفة هذا العالم،
فیجدونه موافقًا له.
وثانيها: يجوز أن يقال: إنه تعالی ذکر ما
ذكر من الورقة والحبة تنبيهًا للمكلفين على
أمر الحساب، وإعلامًا بأنه لا يفوته من كل
ما يصنعون في الدنيا شيء؛ لأنه إذا كان لا
(١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات
- الحديد ص ٤١٢ - ٤١٣.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات
- الحديد ص ٤١٢ - ٤١٣.
٧٦
القرآن الكريم

الكتابة
يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا وهذا من مقتضى الإيمان بالقدر الذي
معناه: أن تؤمن بالقدر خيره وشره من الله،
عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال
المشتملة على الثواب والعقاب أولى.
وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن
ما أخطأك لم يكن ليصيبك.
وثالثها: أنه تعالى علم أحوال جميع
الموجودات فيمتنع تغييرها عن مقتضى
ذلك العلم وإلا لزم الجهل، فإذا كتب
أحوال جميع الموجودات في ذلك الكتاب
على التفصيل التام امتنع أيضًا تغييرها، وإلا
لزم الكذب، فتصير كتبة جملة الأحوال في
ذلك الكتاب موجبًا تامًا، وسببًا كاملًا في أنه
يمتنع تقدم ما تأخر، وتأخر ما تقدم، كما قال
صلوات الله علیه: (جف القلم بما هو كائن
إلى يوم القيامة)(١) (٢). أي: فرغ من الكتابة
التي أمر بها حین خلقه وأمره أن یکتب ما هو
كائن إلى يوم القيامة.
ثم علل الله تعالی بعد ذلك سبب هذه
الكتابة وهذا الإخبار بقوله: ﴿ ◌ِّكَتْلَاتَأْسَواْ
عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُواْ بِمَّآ ءَاتَنكُمْ﴾
[الحديد: ٢٣].
والمعنى: فعل الله ذلك، وأخبركم به؛
لكيلا تتأسفوا على ما فاتكم، ومعنى لا
تأسوا: لا تحزنوا، أي: فلا تحزنوا على ما
فاتكم منها، ولا تفرحوا فيها (٣).
(١) أخرجه البخاري معلقًا ١٢٢/٨ عن أبي
هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:
جف القلم بما أنت لاق.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣ / ١٢.
(٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٤٨/٢.
ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير
قوله تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ
وَعِنْدَهُوَأُمُّ الْكِتَبِ ﴾ [الرعد:٣٩].
وللمفسرين في معنى هذه الآية كلام
طويل، لخصه الإمام الشوكاني تلخيصًا
حسنًا، فقال: ((وظاهر النظم القرآني العموم
في كل شيء مما في الكتاب، فيمحو ما يشاء
محوه من شقاوة أو سعادة، أو رزق أو عمر،
أو خير أو شر، ويبدل هذا بهذا، ويجعل
هذا مكان هذا، ولا يسأل عما يفعل، وهم
يسألون.
وقيل: الآية خاصة بالسعادة والشقاوة.
وقيل: يمحو ما يشاء من ديوان الحفظة،
وهو ما ليس فيه ثواب ولا عقاب، ويثبت ما
فيه الثواب والعقاب.
وقيل: يمحو ما يشاء من الرزق.
وقيل: يمحو من الأجل.
وقيل: يمحو ما يشاء من الشرائع فينسخه،
ويثبت ما يشاء فلا ینسخه.
وقيل: يمحو ما يشاء من الذنوب بالتوبة،
ويترك ما يشاء منها مع عدم التوبة (٤).
فالمحو والإثبات على هذا يكون في
(٤) فتح القدير، الشوكاني ١٠٥/٣.
www. modoee.com
٧٧

حرفالكاف
الصحف التي بأيدي الملائكة، وأما اللوح هو من جملة ما قضاه سبحانه(٢).
المحفوظ فلا يقبل المحو، كما قال تعالى:
﴿وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَبِ﴾ [الرعد: ٣٩].
أي: الذي لا يقبل بعد ذلك محوّا ولا
إثباتًا.
ومنهم من يقول: إن هذا المحو والإثبات
في الكتابة لا يمنع أن يكون مما في اللوح
المحفوظ من الكتابة الأصلية.
والمحو والإثبات إذا كان في الكتابة
الأصلية فهو راجع إلى قدرة الله عز وجل
وتقديره، وأن الله يعلم أن هذا سیکون، فلا
یتعارض مع کتابته وتقديره وخلقه.
والقول الثاني أولى؛ لما تفيده (ما) في
قوله: ﴿مَا يَشَآءُ ﴾ من العموم، مع تقدم ذكر
الكتاب في قوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ ڪِتَابٌ ﴾
[الرعد: ٣٨].
ومع قوله: ﴿وَعِندَهُ: أُمُّ الْكِتَبِ ﴾
[الرعد: ٣٩].
أي: أصله، وهو اللوح المحفوظ.
فالمراد من الآية أنه يمحو ما يشاء مما
في اللوح المحفوظ، فيكون كالعدم، ويثبت
ما يشاء مما فيه، فيجري فيه قضاؤه وقدره
علی حسب ما تقتضيه مشيئته، وهذا لا ينافي
ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله:
(جف القلم) (١) وذلك لأن المحو والإثبات
(١) أخرجه البخاري معلقًا ٨/ ١٢٢ عن أبي
هريرة قال لي النبي صلى الله عليه وسلم:
جف القلم بما أنت لاق.
وهذا هو الظاهر، كما سبق من كلام
الشوكاني رحمه الله.
ومن الآيات الدالة على كتابة المقادير
قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى
بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
وَالْمُهَجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُواْ إِلَى أَوْلِيَا بِكُم مَّعْرُوفَاً
كَانَ ذَلِكَ فِىِ الْكِتَبِ مَسْطُورًا﴾
[الأحزاب: ٦].
﴿كَانَ ذَلِكَ فِىِ
فقوله:
الْكِتَبِ﴾ أي: في اللوح المحفوظ
﴿مَسْطُورًا ﴾ مكتوبًا (٣).
قال ابن كثير: أي: هذا الحكم، وهو أن
أولي الأرحام بعضهم أولى ببعض حكم من
الله مقدر مكتوب في الكتاب الأول، الذي
لا یبدل ولا یغیر، قاله مجاهد وغیر واحد،
وإن کان قد یقال: قد شرع خلافه في وقت؛
لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهو يعلم
أنه سینسخه إلى ما هو جار في قدره الأزلي،
وقضائه القدري الشرعي (٤).
ومن الآيات الدالة على الكتابة القدرية
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
﴾ [الأنفال: ٦٨].
٦٨
فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمُ وا
يقول: لولا قضاء من الله سبق لكم أهل
بدر في اللوح المحفوظ بأن الله محلٌ لكم
(٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ٧ / ٤٩٥.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ١٠١/٥.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٢/٦.
٧٨
القرآن الكريم

الكتابة
الغنيمة، وأن الله قضی فیما قضی أنه لا
یضل قومًا بعد إذ هداهم حتی یبین لهم ما
يتقون، وأنه لا یعذب أحدًا شهد المشهد
الذي شهدتموه بیدر مع رسول الله صلی
الله علیه وسلم ناصرًا دین الله؛ لنالکم من
الله بأخذكم الغنيمة والفداء عذاب عظيم (١).
وقال في اللباب: فقوله: ﴿لَّوْلَا كِنَبُ
مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لولا أنه تعالى حكم في
الأزل بالعفو عن هذه الواقعة لمسهم عذاب
عظيم، وهذا هو المراد من قوله: ﴿كَتَّبَ
رَبُّكُمْ عَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ﴾ [الأنعام: ٥٤].
وقوله: (سبقت رحمتي غضبي)(٢) (٣).
ومن الآيات الدالة على كتابة القدر قوله
تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَ أَنَّاً وَرُسُلِّ﴾
[المجادلة: ٢١].
والمعنى: قضی الله وخط في أم الكتاب
لأغلبن أنا ورسلي من حادني وشاقني (٤).
وهذا نظير قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمِنْنَا لِعِبَادِنَا
وَإِنَّ جُنْدَنَا
إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَنْصُورُونَ (٧)
١٧٩
الْمُرْسَلِينَ
﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
◌َمُ الْفَلْبُونَ
(١) جامع البيان، الطبري ١٤/ ٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول الله تعالى: (بل هو قرآن مجيد
في لوح محفوظ)، ٩/ ١٦٠، رقم ٧٥٥٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في
سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه
٢١٠٨/٤، رقم ٢٧٥١.
(٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٩/ ٥٧٣.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٤٩٣.
وهذا الوعد لهم بالنصر والغلبة لا ينافيه
انهزامهم في بعض المواطن، وغلبة الكفار
لهم، فإن الغالب في كل موطن هو انتصارهم
على الأعداء، وغلبتهم لهم، فخرج الكلام
مخرج الغالب، على أن العاقبة المحمودة
لهم علی کل حال، وفي كل موطن، كما
قال سبحانه: ﴿وَالْعَقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
[الأعراف: ١٢٨](٥).
والمقصود بعد هذا: أن من أنواع الكتابة
المسندة إلى الله تعالى كتابة مقادير الخلق
في كتاب مبين، وهو الإمام المبين، وأم
الكتاب، والذكر، والزبر، واللوح المحفوظ.
وقد ورد في هذا المعنى آيات كثيرة، ففي
سورة يونس: ﴿وَمَا يَعْزُّبُ عَن رَّيِّكَ مِن مِثْقَالِ
ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ
وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِ كِتَبِمُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].
وفي سورة هود بعد بيان علمه بما
يسرون وما يعلنون، وما في الصدور
وَمَا مِن دَابَةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَُّ
مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلّ فِ كِتَبٍ تُّبِينٍ
[هود: ٦].
وفي سورة النمل: ﴿وَمَا مِنْ غَنِبَةٍ فِي السَّمَآءِ
[النمل: ٧٥].
٧
وَالْأَرْضِ إِلَّا فِ كِنَبٍ تُبِينٍ (
وفي سبأ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّوْ فِ
السَّمَوَتِ وَلَا فِى الْأَرْضِ وَلَّ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ
وَلَآَ أَكْبَرُ إِلَّ فِي كِتَبٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٣].
(٥) فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٤٧٧.
www. modoee.com
٧٩

حرفالكاف
وفي سورة طه: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى الكتابة في صحائف الأعمال ﴿وَقَتْلَهُمُ
الْأَنْبِيَاءَ﴾ بالنصب، أي: ونكتب قتلهم
الأنبياء، فالكتابة هنا على ظاهرها.
٥١
﴾ قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبٍ فِ كِتَبِّ لَا يَضِلُّ رَبِّ
وَلَا يَنْسَى ®)
﴾ [طه: ٥١ - ٥٢].
وفي سورة الأنبياء: ﴿ وَلَقَدْكَتَنَافِى
الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ
الصَّمَلِحُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٠٥].
ولهذا كان الإيمان بالكتابة من الأركان
الأساسية في الإيمان بالقدر، فيجب الإيمان
بأن الله عز وجل کتب مقادير كل شيء قبل
خلق السماوات والأرض بخمسين ألف
سنة، وقد ذكر العلماء أن للقدر درجتین:
الدرجة الأولى: أن الله تعالى علم
الأشياء قبل وجودها، ثم كتبها في اللوح
المحفوظ.
والدرجة الثانية: أن الله تعالى أراد
الأشياء الموجودة، ثم خلقها.
فالدرجة الأولى: تتضمن العلم والكتابة،
والدرجة الثانية تتضمن الإرادة والخلق (١).
٢. كتابة أقوال وأفعال العباد.
ومما يكتبه الله تعالى ويحصيه أقوال
العباد وأفعالهم، ومما يدل على ذلك قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ
فَقِيْرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ
الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ
الْحَرِيقِ ﴾ [آل عمران: ١٨١].
هو
﴿سَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾
فقوله:
(١) شرح كتاب الإبانة من أصول الديانة ٤٢/ ٢.
جوسين
القرآن الكريمِ
وقيل: سنجازيهم عليه، وقيل: مقصود
الكتابة الحفظ، أي: سنحفظ ما قالوا
لنجازيهم(٢).
ولفظ الكتابة آكد من لفظ الحفظ؛ لما
فيه من معنى الاستتباب، وأمن النسيان،
وإنما ضم قتل الأنبياء، وهو أفظع جرائم
هذا الشعب إلى الجريمة التي سبق الوعيد
لأجلها؛ لبيان أن مثل هذا الكفر والتهور
لیس بدءًا من أمرهم، فإنه سبق لهم أن قتلوا
الهداة المرشدين بعدما جاءوهم بالبينات،
فهم یجرون في هذا علی عرقٍ، وليس هو
بأول كبائرهم؛ وللإيذان بأن الجريمتين
سیان في العظم، واستحقاق العقاب(٣).
فإن قيل: لماذا يكتب الله ما قالوا مع
أن علمه أزلي لا ينسى؟ ﴿لَايَضِلُّ رَِ وَلَا
يَنسَى﴾ [طه: ٥٢].
والجواب: أن كلمة (سَنَكْتُبُ﴾
جاءت حتى لا يؤاخذهم سبحانه وتعالى
يوم القيامة بما يقول هو إنهم فعلوه، ولكن
بما کتب علیھم لیقرؤوه بأنفسهم؛ ولیکون
حجة عليهم، كأن الكتابة ليست كما نظن
فقط؛ ولكنها تسجيل للصوت وللأنفاس،
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ٢٩٤.
(٣) تفسير المنار، محمد رشيد رضاً ٢١٦/٤.
٨٠

الكتابة
ويأتي يوم القيامة ليجد كل إنسان ما فعله مَا قَالُواْ﴾ والتعبير بـ﴿مَا قَالُواْ﴾ فيه إشارة
إلى ما فيه من تجرؤ على الله تعالى، وتهجم
مسطورًا ﴿اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَكَ
حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
على مقامه الأعلى سبحانه (٢).
وهذا القول يدل على أنه ساعة يرى
الإنسان ما كتب في الكتاب سيعرف أنه
منه، وإذا كنا نحن الآن نسجل على خصومنا
أنفاسهم وكلماتهم أتستبعد على من علمنا
ذلك أن يسجل الأنفاس والأصوات
والحركات، بحيث إذا قرأها الإنسان
ورآها لا يستطيع أن یکابر فيها أو ينكرها
﴿وَسَتَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾ وهم قالوا: ﴿إِنَّ اللّهَ
فَقِيِرٌ وَتَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ وهذه معصية في القمة،
وتبجح على الذات العلية، ولم يكتفوا
بذلك بل قتلوا الأنبياء الذين أرسلهم الله
لهدایتهم؛ لذلك يقول الحق: ﴿سنگتُبُ مَا
قَالُواْ وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ بِغَيْرِ حَقٍ﴾(١).
وفي هذا الكلام تهدید شدید لهم؛ وذلك
لأن المعنى: سنثبت عليهم في سجل الله
تعالی قولهم هذا، وتجرؤهم علیه سبحانه،
وليس المراد مجرد الكتابة، بل المراد
نتيجتها وهو الحساب عليها، والجزاء من
العذاب الأليم، والتعبير بالكتابة كناية عن
العلم المستتر الثابت الذي تترتب عليه
نتائجه وثمراته؛ ولما تضمنته الكتابة من
معنى العقاب الرادع الذي لا مناص منه
عبر بالمضارع، فقال سبحانه: ﴿سنگتُبُ
(١) تفسير الشعراوي ١٩١١/٣ بتصرف.
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ
مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِى تَقُولُ
وَاَللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ [النساء: ٨١].
فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾
فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبتها
الملائكة، قاله مقاتل في آخرین.
والثاني: ينزله إليك في كتابه.
والثالث: يحفظه عليهم؛ ليجازوا به، ذكر
القولين الزجاج (٣).
والحاصل: أنه يعلمه ويكتبه عليهم بما
يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون
بالعباد، يعلمون ما يفعلون، والمعنى في
هذا التهديد أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما
يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون
عليه ليلاً من مخالفة الرسول وعصيانه،
وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة،
وسيجزيهم على ذلك (٤).
ومن الآيات أيضًا الدالة على كتابة
الأعمال قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِي
الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّعُواْ وَءَاثَرَهُمْ وَكُلَّ
(٢) زهرة التفاسير ١٥٢٨/٣.
(٣) زاد المسير ٤٣٨/١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٦٤/٢.
www. modoee.com
٨١

حرفالكاف
١٢ ﴾ [يس: ١٢].
شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِي إِمَاءِمُپیٍ
فقوله: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أي: من
الأعمال.
وفي قوله: ﴿وَءَانَرَهُمْ﴾ قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها
بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم،
فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير،
وإن شرًا فشر.
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار
خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
وهذا القول لا تنافي بینه وبین الأول، بل
في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى
والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تكتب
فلأن تكتب تلك التي فيها قدوة بهم من خیر
أو شر بطريق الأولى (١).
قال الزمخشري: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ ما
أسلفوا من الأعمال الصالحة وغيرها، وما
هلكوا عنه من أثر حسن، كعلم علموه،
أو کتاب صنفوه، أو حبیس حبسوه، أو
بناء بنوه: من مسجد أو رباط أو قنطرة أو
نحو ذلك، أو سيئع، كوظيفة وظفها بعض
الظلام على المسلمین، وسکة أحدث فيها
تخسيرهم، وشيء أحدث فیه صد عن ذکر
الله من ألحان وملاهٍ، وكذلك كل سنة حسنة
أو سيئة يستن بها(٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٦٥.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٤/ ٧.
جوبي
القرآن الكريم
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ فِيَ إِمَامِ
تُبِينٍ ﴾ أي: جمعناه في كتاب مبين، والإمام
المبين هو اللوح المحفوظ(٣).
وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ
أُنَاسٍِ بِإِ مَتِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١].
أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم
بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَحِقّةَ بِالنَّبْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾
[الزمر: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِنَبُ فَ
الْمُجْرِمِنَ مُشْفِقِينَ مِمَافِيهِ وَيَقُولُونَ یَوَيْلَنَّنَا مَالِ
هَذَا الْكِتَبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ
أَحْصَنَهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرَأُ وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ
أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٩].(٤).
وجعل علم الله إمامًا؛ لأنه يجري على
وفق تعلقات الإرادة الربانية والقدرة، فتكون
جملة ﴿وَكُلَّ شَىْءٍ أَحْصَيْنَهُ﴾ على هذا تذبيلا
مفيدًا أن الكتابة لا تختص بأعمال الناس
الجارية على وفق التكاليف أو ضدها، بل
تعم جميع الكائنات(٥).
ووصف هذا الكتاب بقوله: ﴿ُپینٍ
﴾
أي: لا يخفى فيه شيء من جميع الأحوال
والأقوال، فهو تعميم بعد تخصيص؛ لأنه
تعالى يكتب ما قدموا وآثارهم، وليست
الكتابة مقتصرة عليه، بل كل شيء محصي
(٣) تفسير السمعاني ٤ / ٣٧٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٦٨/٦.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٥٧/٢٢.
٨٢

الكتابة
في إمام مبين، وهذا يفيد أن شيئًا من الأقوال
والأفعال لا یعزب عن علم الله تعالی ولا
يفوته، كقوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُفِ
الزُّبُرِ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ﴾
[القمر: ٥٢ -٥٣].
يعني: ليس ما في الزبر منحصرًا فيما
فعلوه، بل كل شيء مكتوب لا يبدل، فإن
القلم جف بما هو كائن، فلما قال تعالى:
﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ بين أن قبل ذلك
کتابة أخرى، فإن الله تعالی کتب علیھم أنهم
سيفعلون كذا وكذا، ثم إذا فعلوا كتب عليهم
أنهم فعلوه، قيل: إن ذلك مؤكد لمعنى قوله
تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ﴾ لأن من یکتب شيئًا
في أوراق ويرميها قد لا يجدها، فكأنه لم
یکتب، فقال تعالى: نکتب ونحفظ ذلك في
إمام مبين، وهو كقوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا
عِندَ رَبِ فِ كِتَبٍ لَا يَضِلُّ رَبِ وَلَا يَنْسَىُ
٥٢
[طه: ٥٢](١).
وفي الآية الأخرى أضاف السمع إلى
نفسه والكتابة إلى ملائكته، فقال: ﴿أَمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَفَتَّوَنُهُمَّ بَ وَرُسُلْنَا
لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ ﴾ [الزخرف: ٨٠].
فهو يسمع ومن يشاء من ملائكته،
وأما الكتابة فرسله یکتبون، وأما في قوله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ اَلْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ
وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢].
(١) السراج المنير، الشربيني ٣٤٠/٣.
فأخبر بالكتابة (نحن) لأن جنده یکتبون
بأمره، وفصل في تلك الآية بين السماع
والكتابة؛ لأنه يسمع بنفسه، وأما كتابة
الأعمال فتكون بأمره، والملائكة يكتبون،
ولما كانت ملائكته متقربين إلى العبد بأمر
الله، کما کانوا کاتبین عمله بأمره، فإن ذلك
قربه من كل أحد بتوسط الملائكة، كتكليمه
عبده بتوسط الرسل، كما قال تعالى:
وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًّا أَوْ مِن وَرَآمٍ
◌ِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُّوحِىَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾
[الشورى: ٥١].
فهذا تكليمه لجميع عباده بواسطة
الرسل؛ وذاك قربه إليهم عند الاحتضار،
وعند الأقوال الباطنة في النفس والظاهرة(٢).
ولا ینفي هذا أنه یکلم بعض رسله من وراء
حجاب دون واسطة.
والحاصل أن في هذه الآية ﴿إِنَّا نَحْنُ
نُحْيِ الْمَوْقَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ﴾ أضاف
الله عز وجل الكتابة والإحصاء إلی نفسه،
ولما كان علم الله الشامل محيطًا بكل شيء،
ولا يخفى عليه شيء من أعمال خلقه، وهو
غني عن الاستعانة على ذلك بالراصدين
والرقباء والكتاب والشهود، وإبراز ذلك يوم
القيامة في صورة كتب توزع على الناس؛
ولما كان الناس قد اعتادوا في حياتهم
تسجيل الأعمال ورصدها والشهادة عليها
(٢) محاسن التأويل، القاسمي ١٦/٩ بتصرف.
www. modoee.com
٨٣

حرفالكاف
في مقام الاحتجاج على ما صدر منهم حتى مُسْتَطَرُّ﴾ تعميم للحكم، أي: ليست الكتابة
مقتصرة على ما فعلوه، بل ما فعله غيرهم
أيضًا مسطور، فلا يخرج عن الكتب صغيرة
ولا كبيرة.
لا یکون أي مجال للإنکار والمماراة؛ ولما
کانت حكمة الله قد اقتضت أن تکون صور
المشاهد الأخروية من مألوفات الناس في
الدنيا، فيتبادر أن هذا من هذا الباب، وأنه
قصد من ذكره بالأسلوب الذي ورد به
تحذیر الناس وتنبيههم إلی أن کل ما يفعلونه
محصي مسجل علیهم، لا یمکن أن یماروا
فیه حتی یظلوا مجتنبین ما فیه إثم وفاحشة،
مجتهدین في الأعمال الصالحة التي يرضى
الله عنها، وفي بعض الأحاديث ما يدعم هذا
التوجيه، ويتسق مع هذا القصد(١).
ومن الآيات الدالة على كتابة الأعمال
قوله تعالى: ﴿ وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ
٥٢
وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرُ ﴾
[القمر: ٥٢ - ٥٣].
فقوله: ﴿وَكُلُّ شَىْءٍ فَعَلُوهُ فِ الزُّبُرِ﴾
إشارة إلى أن الأمر غير مقتصر على
إهلاكهم، بل الإهلاك هو العاجل والعذاب
الآجل الذي هو معد لهم على ما فعلوه،
مكتوب عليهم، والزبر هي كتب الكتبة
الذين قال تعالى فيهم: ﴿كَلَّابَلْ تُكَذِبُونَ بِلِينِ
وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ كِرَامًا كَِينَ
٩
[الانفطار: ٩-١١].
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ
وقوله تعالى:
(١) التفسير الحديث، محمد عزت ٢٣٣/٢
بتصرف.
وكما في قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ
ذَرَّةٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ وَلَآَ أَصْغَرُ
مِن ذَلِكَ وَلَّ أَكْبَرُ إِلَّا فِ كِتَبٍ تُبِينٍ﴾
[سبأ:٣].
ففي قوله: ﴿أَكْبَرُ ﴾ فائدة عظيمة،
وهي أن من يكتب حساب إنسان فإنما يكتبه
في غالب الأمر لئلا ينسى، فإذا جاء بالجملة
العظيمة التي يأمن نسيانها ربما يترك كتابتها،
ويشتغل بكتابة ما يخاف نسيانه، فلما قال:
﴿وَلَّ أَكْبَرُ﴾ أشار إلى الأمور العظام
التي يؤمن من نسيانها أنها مكتوبة أي: ليست
کتابتنا مثل کتابتکم التي يكون المقصود منها
الأمن من النسيان، فكذلك نقول: ها هنا،
وفي قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا اَلْكِتَبِ
لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّ أَحْصَنَهَا﴾
[الكهف: ٤٩].
وفي جميع هذه المواضع قدم الصغيرة
لأنها ألیق بالتثبت عند الكتابة، فیبتدئ بها
حفظًا عن النسيان في عادة الخلق، فأجرى
الله الذكر على عادتهم(٢).
والحاصل أن كل ما فعله العباد، وما
فعلته الأمم السابقة، أو الأمم اللاحقة،
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٣٣٠ بتصرف.
٨٤
جوسيس
القرآن الكريمِ

الكتابة
فإنه مكتوب ﴿في الزُّبُرِ ﴾ أي: في الكتب،
وكتابة الأعمال كتابة سابقة، وكتابة لاحقة،
والكتابة السابقة كتابة على أن هذا سيفعل
کذا، وهذه الکتابة لا يترتب علیھا ثواب ولا
عقاب؛ لأن المرء لم يكلف بها بعد، وكتابة
لاحقة، وهي كتابة أنه فعل، فإذا فعل الإنسان
حسنة كتبها الله، وإذا فعل سيئة كتبها الله،
وهذه الكتابة اللاحقة هي التي يترتب عليها
الثواب والعقاب.
فسبحان الله بعد مئات السنين التي لا
يعلمها إلا الله يجدونه حاضرًا، لا يظلم ربك
أحدًا ﴿ وكلُّ صَغِيرٍ وَكبيرٍ﴾ کل صغير وكبير
مما يحدث في هذا الكون من المخلوقات
وأوصافها وأعمالها ﴿مُسْتَطَرُ﴾ أي: مسطر
في الكتاب العزيز، اللوح المحفوظ، كل
صغير وكبير حتى الشوكة يشاكها الإنسان
تكتب، حتى ما يزن مثقال ذرة من الأعمال
یکتب، کل صغیر و کبير، وإذا آمنت بذلك
-ویجب عليك أن تؤمن به- فإنه یجب
عليك الحذر من المخالفة، فإياك أن تخالف
بقولك أو فعلك أو تركك؛ لأن كل شيء
مكتوب، قال الله عز وجل: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ
إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَنِيدٌ ﴾ [ق: ١٨].
وما يفعل من فعل كذلك لديه رقيب
عتيد؛ لأنه إذا كانت الأقوال تكتب وهي أكثر
بآلاف المرات من الأفعال، فالأفعال من
باب أولى، فعليك أن تتقي الله عز وجل،
ولا تخالف الله، إذا سمعت الله يقول خبرًا،
فقل: آمنت به وصدقت، وإذا سمعت الله
یقول شيئًا أمرًا، فقل: آمنت به سمعًا وطاعة،
نهيًا آمنت به، وسمعًا وطاعة(١).
(١) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين، الحجرات
- الحدید ص٢٩٥.
www. modoee.com
٨٥

حرفالكاف
مقاصد الكتابة
أشاد القرآن بفضل الكتابة، وحث على
تعلمها وتعليمها، وأشار إلى مقاصدها
وفوائدها؛ وذلك لما لها من مرتبة رفيعة،
ومنزلة شريفة، ومما جاء في القرآن الكريم
من فوائد ومقاصد الكتابة ما يأتي:
أولًا: حفظ حقوق العباد من الضياع:
من مقاصد الكتابة التي ذكرت في القرآن
الكريم حفظ الحقوق من الضياع.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنْتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُواً
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِن كَانَ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ
سَفِيهَا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَ هُوَ
فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِّ وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ
مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ
وَأَمْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ أَنْ تَضِلَّ
إِحْدَثُهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَهُمَا الْأُخْرِىُّ وَلَا يَأْبَ
الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُواْ وَلَا تَسْتَمُواْ أَنْ تَكْثُبُوهُ صَغِيرًا
أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْنَ أَلَّا تَرْتَابُواْ إِلَّ أَن تَكُونَ
تِجَتَرَةٌ حَاضِرَةً تُدِيُرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُوْ
جُنَاعُ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوَأْ إِذَا تَبَا يَعْتُمَّ
وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ.
فُوقًا بِكُمْ وَأَتَّقُوا اللَّهُ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ
وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ [البقرة: ٢٨٢].
فهذه الآية تسمى آية الدين، وهي أطول
آية في القرآن الكريم، وقد ذكر الله فيها من
الأحكام العظيمة توثيق الدين بالكتابة.
حیث أمر الله تعالی بکتابة الدیون، وهذا
الأمر قد يجب إذا وجب حفظ الحق كالذي
للعبد عليه ولاية، كأموال اليتامى والأوقاف
والوكلاء والأمناء، وقد يقارب الوجوب
کما إذا كان الحق متمحضًا للعبد، فقد یقوى
الوجوب، وقد يقوى الاستحباب بحسب
الأحوال المقتضية لذلك.
وعلى كل حال فالكتابة من أعظم ما
تحفظ بها هذه المعاملات المؤجلة لكثرة
النسيان؛ ولوقوع المغالطات، وللاحتراز من
الخونة الذين لا يخشون الله تعالى(١). ومن
فوائد الآية التي تتعلق بحفظ الحقوق:
١. أمر الكاتب أن لا يكتب إلا ما أملاه من
عليه الحق.
٢. أن الذي يملي من المتعاقدين من عليه
الدین.
٣. أمره أن يبين جميع الحق الذي عليه،
ولا يبخس منه شيئًا.
٤. أن إقرار الإنسان على نفسه مقبول؛
لأن الله أمر من عليه الحق أن يمل
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩٥٩.
مُؤْشَو ◌َرَ النَفسِيرِ الوَصْوِي
القرآن الكريم
٨٦

الكتابة
على الكاتب، فإذا كتب إقراره بذلك حفظ المال من الجانبين؛ لأن صاحب الدين
ثبت موجبه ومضمونه، وهو ما أقر به إذا علم أن حقه مقيد بالكتابة تعذر عليه طلب
علی نفسه، ولو ادعى بعد ذلك غلطًا
أو سهوًا.
٥. أن من عليه حقٌ من الحقوق التي البيئة
على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة،
وتعجیل وتأجیل، أن قوله هو المقبول
دون قول من له الحق؛ لأنه تعالى لم
ینهه عن بخس الحق الذي علیه، إلا
أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار
الحق وصفته.
٦. أنه يحرم على من عليه حق من الحقوق
أُن یبخس، وینقص شيئًا من مقداره، أو
طيبه وحسنه، أو أجله أو غير ذلك من
توابعه ولواحقه.
٧. أن من لا يقدر على إملاء الحق لصغره
أو سفهه أو خرسه، أو نحو ذلك، فإنه
ينوب وليه منابه في الإملاء والإقرار(١).
وفي الأمر بكتابة الدين كما يقول ابن
عرفة: مصلحة دنيوية، وهي حفظ المال،
ومصلحة دينية، وهي السلامة من الخصومة
بين المتعاملين(٢).
وليست فائدة كتابة الدين مقصورة على
الدائن وحده، ولا المدین وحده، وإنما على
الجانبين، قال الخازن: إن فائدة الكتابة هي
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١١٨.
(٢) تفسير ابن عرفة ٢/ ٧٧٩.
زيادة، أو تقديم المطالبة قبل حلول الأجل،
ومن عليه الدين إذا عرف ذلك تعذر عليه
الجحود أو النقص من أصل الدين الذي
عليه، فلما كانت هذه الفائدة من الكتابة أمر
الله تعالى بها(٣).
وبعد ذلك يريد الحق سبحانه وتعالى
أن يحمي أيضًا الإنسان من نفسه؛ لأنه إن
علم أن الدين الذي عليه موثق، ولا وسيلة
لإنكاره حاول جاهدًا أن يتحرك في الحياة
لیؤدیه، وحین یتحرك الإنسان ليؤدي عن
نفسه الدين؛ فإن ذلك يزيد الحركة في الحياة
ويزداد النفع.
وهكذا نرى أن الله أراد بالتوثيق للدين
حماية المدين من نفسه؛ لأن المدين قد تطرأ
عليه ظروف فيماطل، وإذا ما ماطل فلن
تكون الخسارة فيه وحده، ولكنه سيصبح
أسوة عند جميع الناس، وسيقول كل من
عنده مال: لا أعطي أحدًا شيئًا؛ لأن فلانًا
الغني مثلي قد أعطى فلانًا الفقير وماطله
وأكله، وعند ذلك تتوقف حركة الحياة.
ولكن إذا كان الدين موثقًا ومكتوبًا فإن
المدین یکون حریصًا على أدائه، والله يريد
أن يضمن لحركة الحياة دوامًا واستمرارًا
شريفًا نظيفًا؛ ولذلك نجد في آية الدين
(٣) لباب التأويل، الخازن ٢١٤/١.
www. modoee.com
٨٧

حرفالكاف
أن كلمة (الكتابة) ومادتها (الكاف والتاء
والباء) تتكرر أكثر من مرة، بل مرات كثيرة.
وهذا التكرار في هذه الآية لعملية الكتابة
يؤصل العلاقة بين الناس؛ فالكتابة هي
عمدة التوثيق، وهي التي لا تغش؛ لأنك
إن سجلت شيئًا على ورقة فلن تأتي الورقة
لتنكر ما كتبته أنت فيها، ولكن الأمر في
الشهادة قد يختلف، فمن الجائز أن يخضع
الشاهد لتأثير ما فينكر الحقيقة؛ ولذلك فإن
الحق یعطینا قضية إيمانية جديدة حين يقول:
﴿أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ أي: أن يكتب
الكاتب على وفق ما علمه الله (١).
والحاصل أن الإسلام نظم شؤون
المعاملات والعقود بين الناس على أساس
من الحق والعدل والحكمة، وصان حقوق
الناس وحفظ أموالهم، وندبهم إلى توثيق
عقودهم ومعاملاتهم المؤجلة بالكتابة
والسندات، والشهادة والشهود، على سبيل
الاحتیاط للناس، وتجنبًا من احتمال إنكار
أصل الحق، أو عدم الاعتراف به، بسبب
قلة التدين، وضعف اليقين، وفساد الذمة،
واستبداد الطمع والجشع، جاء تنظيم
المعاملات في أطول آية في القرآن الكريم،
عناية بها، وحرصًا على المصالح، ومنع
المنازعات والخصومات بسبب المال (٢).
(١) تفسير الشعراوي ٢/ ١٢٢٢.
(٢) التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ١٦٢.
وقد حث سبحانه وتعالى فيها على
الاحتياط في أمر الأموال لكونها سببًا
لمصالح المعاش والمعاد، قال تعالى: ﴿وَلَا
تُؤْتُواْ السُّفَهَآَ أَمْوَلَكُمُ الَّتِى جَعَلَ اَللَّهُ لَكُمْ قِيَّمًا﴾
[النساء: ٥] الآية.
قال القفال -رحمه الله تعالى -: ويدل
على ذلك أن ألفاظ القرآن جارية في الأكثر
على الاختصار، وفي هذه الآية بسطٌ شديد،
ألا ترى أنه قال: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ
تُسَنَّ فَاكْتُبُوهُ﴾.
ثم قال ثانيًا: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَّيْنَكُمْ كَاِبُ
بِالْعَدْلِ﴾.
ثم قال ثالثًا: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاِبُّ أَنْ يَكْثُبَ
كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾.
فكان هذا كالتكرار لقوله: ﴿وَلْيَكْتُب
بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ لأن العدل هو ما
علمه الله.
ثم قال رابعًا: ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ وهذا إعادة
للأمر الأول.
ثم قال خامسًا: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ
الحقُّ﴾.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ
كَاتِبُ بِالْعَدْلِ﴾ كناية عن قوله: ﴿وَلْيُمْلِلِ
الَّذِى عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ لأن الكاتب بالعدل إنما
يكتب ما يملى عليه.
ثم قال سادسًا: ﴿وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ وهذا
تأکید.
٨٨
جَوَسُو ◌َرُ النَّقِينَ
القرآن الكريم