النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
وهـ
الْكَرَة
عناصر الموضوع
مفهوم الكره
٢٤٤
الكره في الاستعمال القرآني
٢٤٥
الألفاظ ذات الصلة
٢٤٦
إثبات صفة الكره لله جل جلاله
٢٤٨
٢٥٠
الكره الطبعي
٢٥٦
أنواع الكره
٢٥٩
دوافع الكره
٢٦٦
أثر الكره على السلوك الإنساني
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ

حرفالكاف
مفهوم الكره
أولا: المعنى اللغوي:
(«كره)) الكاف والراء والهاء أصلٌ صحيحٌ واحد، يدل على خلاف الرضا والمحبة)(١).
(وقيل: الكره: المشقة التي تنال الإنسان من خارج فيما يحمل عليه بإكراهٍ، والكره: ما
يناله من ذاته وهو يعافه)(٢)، (المكروه جمع مكاره، والمرأة مستكرهة أي: غصبت نفسها
فأكرهت على ذلك، وحمل أمرا وهو له كاره، هو نقيض الحب، شيء كريه ومكروه وأكرهه
علیه فتكارهه وتکره الأمر کرهه وأكرهته حملته على أمر هو له كاره وجمع المكروه مكاره
وامرأة مستكرهة غصبت نفسها فأكرهت على ذلك وکره إليه الأمر تکریها صيره کریها إليه،
نقيض حببه إليه، وما كان كريها ولقد كره كراهة، وأمر کریه: مكروه. ووجه كره و کریه:
قبيح).(٣)
وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إسباغ الوضوء
علی المکاره)(٤)، جمع مکره وهو ما یکرهه الإنسان ویشق عليه.
ومن خلال ما سبق تبين أن الكره يتمركز معناه اللغوي حول خلاف المحبة والرضا،
والمشقة.
ثانيا: المعنى الاصطلاحي:
هو نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه(٥).
والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني نفار النفس
عن الشيء الذي ترغب فيه، وهذا مرتبط بالمعنى اللغوي وهو عدم المحبة والرضا، فلا تنفر
النفس عن شيء إلا لعدم محبتها ورضاها.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٧٢/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٧٠٧.
(٣) لسان العرب، ابن منظور، ١٣/ ٥٣٤.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم ٢٥١.
(٥) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص١٣٦.
٢٤٤
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الكره في الاستعمال القرآني
ووردت مادة (كره) في القرآن الكريم (٤١) مرة(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٧
[محمد: ٩]
الفعل المضارع
٦
﴿وَعَسَىّ أَنْ تَكْرَهُواْشَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦]
المصدر
١٠
﴿بَلّ جَآءَهُم ◌ِلْحَقِّ وَأَكْثَرُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ
٧٠
اسم الفاعل
٧
[المؤمنون: ٧٠]
اسم المفعول
١
﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِكَ مَكْرُوهًا
[الإسراء: ٣٨]
٢٣٨
الكره في اللغة بمعنى: المشقة، يدل على خلاف الرضا والمحبة(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٠٣ - ٦٠٤، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الكاف ص ١٠٢٠-١٠٢١.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٧٢/٥-١٧٣، الصحاح، الجوهري، ٢٢٤٧/٦، لسان العرب، ابن
منظور، ١٣/ ٥٣٤ -٥٣٦، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٣٤٦/٤-٣٤٧.
www. modoee.com
٢٤٥
﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُواْ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ
حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥]

حرفالكاف
الألفاظ ذات الصلة
البغض:
١
البغض لغة:
البغض والبغضة نقيض الحب، والتباغض ضد التحاب ورجل بغيض، وقد بغض بغاضة
وبغض فهو بغیض ورجل مبغض یبغض کثیرا، ويقال هو محبوب غیر مبغض، وقد بغض
إليه الأمر وما أبغضه إلي ولا يقال ما أبغضني له ولا ما أبغضه لي (١).
البغض اصطلاحًا:
البغض: نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه، وهو ضد الحب، فإن الحب انجذاب
النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه (٢).
الصلة بين الكره والبغض:
البغض من الألفاظ المقاربة لمعنى الكره، ولكن البغض أوسع، ويعبر عن شدة الكراهية،
(٣)
وتستعمل الكراهة فيما لا يستعمل في البغض
٠
الإباء:
٢
الإباء لغة:
مصدر من أبى يأبى، أي: امتنع، أبى الشيء يأباه إباء وإباءة (٤).
الإباء اصطلاحًا:
شدة الامتناع (٥).
الصلة بين الكره والإباء:
الإباء بمعنى شدة الامتناع، وهو من المعاني المقاربة للكره، فمن یکره شيئًا يأباه، فيمتنع
عنه بشدة، ولكن من يأبى شيئا فليس من الضرورة أن يكرهه، كمن يمتنع عن أكل شيء
معین، ولکن لا یکرهه(٦).
(١) لسان العرب، ابن منظور، ٧/ ١٢١.
(٢) المفردات، الراغب، ص١٣٦.
(٣) انظر الفروق اللغوية، العسكري، ص١٢٩.
(٤) لسان العرب، ابن منظور، ١٥/ ٤١٧.
(٥) التوقيف على مهمات التعريف، المناوي، ص٢٧.
(٦) انظر الفروق اللغوية، العسكري، ص١٢٩.
٢٤٦
جَوَبُوعـ
القرآن الكريم

الإكراه:
٣
الإكراه لغةً:
يقال: أكرهته، أي: حملته على أمرٍ هو له كارهٌ، والكره (بالفتح): المشقة، وبالضم: القهر،
وقیل العكس، وأکرهته على الأمر إكراهًا: حملته علیه قهرًا. يقال: فعلته کرهًا «بالفتح» أي
إکراھًا»(١).
الإكراه اصطلاحًا:
الإكراه حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد(٢).
الصلة بين الكره والإكراه:
الإكراه من الألفاظ المقاربة للكره، فالكره والإكراه بمعنى: الإجبار على فعل الشيء،
ولكن إن كان الإجبار من الغير فيكون إكراها، وإن كان من الداخل فیکون کرها.
الحب:
٤
الحب لغة:
(الحاء والباء، أصول ثلاثة، أحدهما اللزوم والثبات، والآخر الحبة من الشيء ذي الحب،
والثالث وصف القصر)(٣).
الحب اصطلاحًا:
(انجذاب النفس إلى الشيء الذي ترغب فيه)(٤).
الصلة بين الحب والكره:
الحب من الألفاظ المقابلة للكره، فهما نقيضان، فالحب انجذاب النفس إلى الشيء
المرغوب، والكره نفار النفس عن الشيء الذي ترغب عنه.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٥٣/١٣، المصباح المنير، الفيومي ٥٣٢/٢.
(٢) التوقيف على مهمات التعريف، المناوي، ص٨٤.
(٣) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٦/٢.
(٤) المفردات، الراغب، ص١٣٦.
www. modoee.com
٢٤٧

حرفالكاف
إثبات صفة الكره لله جل جلاله
إن لله تعالى أسماء وصفات ثبتت في
القرآن الکریم أو في سنة رسوله محمد صلى
الله عليه وسلم؛ والكره أحد هذه الصفات
التي أثبتها الله في أكثر من آية، وكذلك
أثبتها رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام،
فعلينا أن نثبت ما أثبته الله ورسوله بلا
تعطيل ولا تثميل ولا تأويل، في دائرة قوله
تعالى: ﴿لَيَّسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
وردت صفة الكره في القرآن الكريم في
ثلاثة مواضع:
١. ﴿﴿ وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لَأَعَدُواْ
لَهُ عُدَّةٌ وَلَكِن كَرِهَ اَللَّهُ أَنْبِعَاثَهُمْ
فَشَبَّطَّهُمْ وَقِيلَ أَقْعُدُواْ مَعَ الْقَعِدِينَ
٦﴾ [التوبة: ٤٦].
٢. ﴿كُلِّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا
﴾ [الإسراء: ٣٨].
٣٨
٣. ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ اَلْإِيمَنَ وَزَيَّنَهُ،
فِ قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ
وَأَلْعِصْيَانَ﴾ [الحجرات: ٧].
وهناك أحاديث عدة أثبتت صفة الكره
نذكر منها:
عن عبادة بن الصامت، عن النبي صلى
الله عليه وسلم قال: (من أحب لقاء الله
أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله
لقاءه)(١).
وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة أن
اكتب إلي بشيء سمعته من النبي صلى
الله عليه وسلم فكتب إليه سمعت النبي
صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله كره
لكم ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة
السؤال)(٢).
وانطلاقًا من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[الشورى: ١١].
فإننا نثبت لله عز وجل صفة الكره كما
يليق بجلاله وعظمته، إثباتا لما أثبته لنفسه،
ولما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من
غير تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل، وهذا هو
مذهب السلف الصالح.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله: (ومن الإيمان بالله الإيمان
بما وصف به نفسه في كتابه وبما وصفه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، رقم
٦١٤٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب من أحب
لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره
الله لقاءه، رقم ٢٦٨٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب ما يكره من قيل وقال، رقم ٦١٠٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب
النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة والنهي
عن منع وهات وهو الامتناع من أداء حق لزمه
أو طلب ما لا يستحقه، رقم ٥٩٣.
٢٤٨
جوبيـ
القرآن الكريمِ

به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن النصوص فنقول: إن لله تعالى قدرة حقيقة
غیر تکییف ولا تمثیل، بل يؤمنون بأن
الله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولكنها ليست كقدرة البشر، وإن له رحمة
ليست كرحمة البشر، وهكذا نقول في جميع
ما أطلق عليه تعالى جمعا بين النصوص،
ولا ندعي أن إطلاق بعضها حقيقي وإطلاق
فلا ينفون عنه ما وصف به نفسه ولا
يحرفون الكلم عن مواضعه ولا يلحدون
في أسماء الله وآياته ولا یکیفون ولا يمثلون
صفاته بصفات خلقه)(١).
البعض الآخر مجازي، فكما أن القدرة شأن
من شئونه لا يعرف كنهه ولا يجهل أثره،
كذلك الرحمة شأن من شئونه لا يعرف كنهه
ولا يخفى أثره، وهذا هو مذهب السلف فهم
لا يقولون إن هذه الألفاظ لا يفهم لها معنى
بالمرة، ولا يقولون إنها على ظاهرها، بمعنى
أن رحمة الله كرحمة الإنسان ويده كيده،
وإن ظن ذلك في الحنابلة بعض الجاهلين،
ومحققو الصوفية لا يفرقون بين صفات الله
تعالى، ولا يجعلون بعضها محكما إطلاق
اللفظ عليه حقيقي، وبعضها متشابها إطلاقه
عليه مجازي، بل كل ما أطلق عليه تعالى
ومثل هذه الصفات التي هي في الحادث
انفعالات نفسية كالمحبة والرحمة والرضا
والغضب والكراهة، فالسلف يجرونها على
ظاهرها مع تنزيه الله تعالى عن انفعالات
المخلوقين، فيقولون: إن لله تعالى محبة
تلیق بشأنه لیست انفعالا نفسیا کمحبةالناس،
والخلف يؤولون ما ورد من النصوص في
ذلك فيرجعونه إلى القدرة أو إلى الإرادة
فيقولون: الرحمة هي الإحسان بالفعل أو
إرادة الإحسان، ومنهم من لا يسمي هذا فهو مجاز(٢).
تأويلا بل يقولون: إن الرحمة تدل على
الانفعال الذي هو رقة القلب المخصوصة
على الفعل الذي يترتب على ذلك الانفعال،
وقالوا: إن هذه الألفاظ إذا أطلقت على
البارئ تعالى يراد بها غايتها التي هي أفعال
دون مباديها التي هي انفعالات، ولما
كان العقل والنقل متفقين على تنزيه الله
تعالى عن مشابهة البشر تعين أن نجمع بين
(١) شرح العقيدة الواسطية، محمد هراس، ص٨. (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ١٦٧/٣.
www. modoee.com
٢٤٩

حرفالكاف
الكره الطبعي
إن أساس التفريق بين الكره الطبعي
والكره العقلي أو الشرعي كان في مفردات
القرآن للراغب ومن بعده جاء عالة عليه،
وذلك حينما قال: على ضربين -الكره -:
أحدهما: ما يعاف من حيث الطبع.
والثاني: ما يعاف من حيث العقل أو
الشرع.
ولهذا يصح أن يقول الإنسان في الشيء
الواحد إني أريده وأكرهه بمعنى إني أريده
من حیث الطبع وأکرهه من حیث الشرع، أو
أريده من حيث العقل أو الشرع وأكرهه من
حیث الطبع(١).
فالكره الطبعي هو النفور الطبعي الجبلي
عن الشيء، فكما أن الإنسان يحب أشياء
بطبعه، كذلك یکره أشياء بطبعه، والله عز
وجل هو الذي جبل البشر على الحب
الطبعي والکره الطبعي، فلا تکتسب اكتسابا
كالكره العقلي أو الشرعي، إذ العقل أو
الشرع هو الذي يحدد ما يضره في الدنيا
والآخرة، وذلك مثل كره الرجل القيام من
نومه لصلاة الفجر أو قيام الليل، وكرهه
الجهاد للتعرض للقتل أو الجرح أو القطع
أو الضرب أو السجن، وكرهه إخراج شيء
من ماله للغير، وكرهه الامتناع عن الطعام
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٧٠٧.
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ
والشراب والجماع، فهذه الأمور كلها
یکرهها الإنسان بطبعه، ولكن بما أن الله أمر
بها فيتحول هذا الکرہ إلی عکسهن إرضاء
لله عز وجل، لذلك عن أنس بن مالك
أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(وحفت الجنة بالمكاره)(٢).
والكره الطبعي غير محاسب عليه
الإنسان، أما العقلي أو الشرعي فمنه الكره
المحمود والمذموم، فالذي لأجل الله هو
کړه محمود والذي لأجل الدنيا فهو كره
مذموم، وسنفرق بإذن الله بينهما مع الأمثلة
في مبحث خاص.
ومن خلال النظر والتدبر في الآيات التي
تحدثت عن الكره، رأيت أنها فرقت بين
الكره الطبعي والكره العقلي أو الشرعي:
أولا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَكُرْهُ
لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمّ
وَعَسَقٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاَللّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: ٢١٦].
الكره هنا كره طبعي؛ فالقتال مطبوع على
كرهه وعدم حبه، وذلك لما فيه من المشقة
على الجسم بما يحتمل تعرضه للجرح وبتر
الأعضاء، والمشقة على النفس بذهابها،
والمشقة بمفارقة الأهل والمال، فالنفس
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب حجبت النار بالشهوات، رقم ٦١٢٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، واللفظ له، رقم ٢٨٢٢.
٢٥٠

كرة
بطبعها تكرهه، ومع ذلك فالمسلم يحب والكراهة؟ وهما ضدان، والصواب: أنه لا
تناقض بينهما، وأن وجود التألم وكراهة
حکم الله ولا یکرهه، وهذا أيضا مثل کره
الزوجة من أن يتزوج عليها زوجها امرأة
غيرها، وهي مع ذلك تحب حكم الله
بالتعدد ولا تكرهه.
النفس له لا ینافي الرضى، کرضى المريض
بشرب الدواء الكريه، ورضى الصائم في
اليوم الشديد الحر بما يناله من ألم الجوع
والظمأ، ورضى المجاهد بما يحصل له في
سبيل الله من ألم الجراح وغيرها (٣).
يقول د.صلاح الخالدي: تكليف
القتال شاق على النفس، وقد تكرهه بعض
النفوس وبخاصة ضعاف الإيمان، وقد
تتباطأ وتتثاقل بعض النفوس وتتخلى عنه،
ولكن النفس المؤمنة تنفر إلیه وتقوم به رغم
مشقته وصعوبته، فوصف القتال بالكره أي:
أنه ثقيل وشاق لكنه مطلوب مراد من قبل
المجاهدين الصادقين(١).
وقال الزجاج: ومعنى كراهيتهم القتال
أنهم إنما كرهوه على جنس غلظه عليهم
ومشقته لا أن المؤمنین یکرهون فرض الله؛
لأن الله تعالى لا يفعل إلا ما فيه الحكمة
والصلاح(٢).
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه
القيم مدارج السالكين: وليس من شرط
الرضى ألا يحس بالألم والمكاره، بل ألا
يعترض على الحكم ولا يتسخطه، ولهذا
أشكل علی بعض الناس الرضى بالمكروه،
وطعنوا فيه: وقالوا: هذا ممتنع على الطبيعة،
وإنما هو الصبر، وإلا فكيف يجتمع الرضى
(١) لطائف قرآنية، الخالدي ٨٢ - ٨٣.
(٢) لسان العرب، ابن منظور، ٥٣٤/١٣.
ويعرض سيد قطب في ظلال القرآن
لحكمة الله من إيجاب القتال رغم مشقته
وثقله إلى حکمة تهون هذه المشقة، فيقول:
إن القتال في سبيل الله فريضة شاقة ولكنها
فريضة واجبة الأداء، واجبة الأداء لأن فيها
خيرا كثيرا للفرد المسلم وللجماعة المسلمة
وللبشرية كلها وللحق والخير والصلاح،
والإسلام يحسب حساب الفطرة فلا ينكر
مشقة هذه الفريضة، ولا يهون من أمرها،
ولا ينكر على النفس البشرية إحساسها
الفطري بكراهيتها وثقلها ولكنه يعالج الأمر
من جانب آخر ويسلط عليه نوراً جديدا، إنه
يقرر أن من الفرائض ما هو شاق مرير كريه
المذاق، ولکن وراءه حکمة تهون مشقته،
وتسیغ مرارته (٤).
لذا فثمة فرق بين من يكره القتال في
سبيل الله ومن يقول القتال في سبيل الله
هو أمر كريه، فالأول كره طبعي؛ فهو يكره
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم، ١٧٥/٢.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٢٣/١.
www. modoee.com
٢٥١

حرفالكاف
ما يلحق بالقتال من الجرح والقطع والقتل،
وهذه الكراهة كراهة طبعية جبلية، غير
محاسب عليه، أما الثاني فالكره شرعي غير
طبعي، لأنه يكره أمر الله عز وجل بغض
النظر عن وجود أذى أو عدمه.
وفي قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ
شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ
﴾ [البقرة: ٢١٦].
وكذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنَ كَرِهْتُمُوهُنَّ
فَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا
كَثِيرًا﴾ [النساء: ١٩].
قاعدة إيمانية عظيمة في هدایتها وآثارها،
مرتبطة بركن من أركان الإيمان الستة الذي
لا یکتمل إیمان مسلم إلا به، ألا هو الإيمان
بالقدر خيره وشره، فالمؤمن لا يجزع
ولا يفزع إذا أصابه شر من المصائب أو
الأحزان، فربما هي منحة بلباس المحنة، فلا
يدري أحدنا ما الخير الذي سيأتي الله لنا،
والعكس صحيح فأحدنا يبحث عن الخير
ويطلبه بإصرار، ظنا بأن الخير في هذا الأمر
لا في غيره، ولكن تكون الحقيقة مخالفة.
ومثل هذا من القرآن الكريم حينما ألقت
أم موسى ولدها في البحر بأمر من الله عز
وجل، وفي هذا الأمر شر ظاهر فهو البحر
الذي لا يأمن الكبير على نفسه فما ظنك
بطفل رضيع، ولكن الله يعلم أين الخير،
فحفظ الله موسى في البحر ليبعده عن ظلم
فرعون وجنوده.
ثانيًا: ﴿وَوَصَّنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ إِحْسَنَّاً حَتْهُ
أُكُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُّهَا وَحَمْلُهُ، وَفِصَلُهُ ثَثُونَ
شَهْرَأْ حَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى
وَلِدَىَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَلِحًا تَرْضَنُهُ وَأَصْلِحْ لِ فِى
ذُرِّيَِّىٌّ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ
١٥
[الأحقاف: ١٥].
إن حمل المرأة بجنينها شاق صعب
يضعف جسمها وقد يصيبها بالأمراض، وقد
يودي بحياتها، وقل هذا في آلام المخاض
وأوجاع الطلق ومشقة الوضع، لكن ألا
ترغب المرأة في الحمل والإنجاب؟ ألا
تتلذذ به وتستعذبه وتشتاق إليه، لهذا عبر
القرآن عن حملها ووضعها بأنه كره أي: أنه
فيه مشقة وصعوبة، وثقل، فیه آلام وأوجاع
وأخطار، لكنه مع ذلك مرغوب عند المرأة
ومطلوب ومراد (١).
فكره المرأة للحمل والولادة لما فيه
من التعب والمشقة، هو كره طبعي مجبولة
عليه المرأة، ومع ذلك فإنها تحب الإنجاب
والأطفال، وهذا حب طبعي، وقد يجتمع
الحب الطبعي مع الكره الطبعي.
ويصور سيد قطب العناء الذي تعانيه الأم
في صورة حسية فيقول: وتركيب الألفاظ
وجرسها يكاد يجسم العناء والجهد والضنى
(١) لطائف قرآنية، الخالدي ص ٨٣.
جَوَسُو
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٥٢

كرة
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ قلبها وأعصابها في الرعاية، وهي مع هذا
والكلال:
کژهًا﴾، لكأنها آهة مجهد مکروب ينوء
بعبء ویتنفس بجهد، ویلھٹ بالأنفاس!
إنها صورة الحمل وبخاصة في أواخر أيامه،
وصورة الوضع وطلقه وآلامه!
ويتقدم علم الأجنة فإذا به يكشف لنا في
عملية الحمل عن جسامة التضحية ونبلها
في صورة حسية مؤثرة، إن البويضة بمجرد
تلقيحها بالخلية المنوية تسعى للالتصاق
بجدار الرحم، وهي مزودة بخاصية أكالة،
تمزق جدار الرحم الذي تلتصق به وتأكله
فيتوارد دم الأم إلى موضعها، حيث تسبح
هذه البويضة الملقحة دائمًا في بركة من دم
الأم الغني بکل ما في جسمها من خلاصات
و تمتصه لتحيا به وتنمو.
وهي دائمة الأكلان لجدار الرحم، دائمة
الامتصاص لمادة الحياة، والأم المسكينة
تأكل وتشرب وتهضم وتمتص، لتصب هذا
كله دما نقيا غنياً لهذه البويضة الشرهة النهمة
الأكول!
ثم الوضع، وهو عملية شاقة، ممزقة،
ولكن آلامها الهائلة كلها لا تقف في وجه
الفطرة ولا تنسي الأم حلاوة الثمرة، ثمرة
التلبية للفطرة، ومنح الحياة نبتة جديدة
تعیش، وتمتد، بينما هي تذوي وتموت!
ثم الرضاع والرعاية، حيث تعطي الأم
عصارة لحمها وعظمها في اللبن، وعصارة
وذلك فرحة سعيدة رحيمة ودود، لا تمل
أبدا ولا تكره تعب هذا الوليد، وأکبر ما
تتطلع إليه من جزاء أن تراه يسلم وينمو (١).
وفي آية أخرى يقول تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا
اُلْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ
وَفِصَلُهُ فِ عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِيِ وَلِوَ لِدَيْكَ إِلَىّ
الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: ١٤].
فهنا حمل المرأة وهنا على وهن، وفي
الآية الأولى: حملته كرها ووضعته كرها،
والسر في ذلك هو أن في فترة الحمل
تضعف المرأة وتزداد ضعفا كلما حملت
أكثر من حمل، فاختار لفظة:
بمعنى: المشقة
بمعنى: ضعفا، أما:
والتعب وهذا ليس خاصا في فترة الحمل
فقط ولكن في الحمل والولادة، فالمشقة
مرتبطة بالأم طول فترة الحمل، وفي وقت
الولادة.
ومن مفهوم هاتين الآيتين فقد فهم
العلماء أن أقل مدة الحمل هي ستة أشهر،
وذلك حينما تنقص العامين من الثلاثين
شهرا، يبقى ستة أشهر، فقالوا هي أقل مدة
للحمل فإذا ولد الطفل قبل هذه الفترة فلن
يبقى على قيد الحياة.
وقد اختلف القراء في لفظة: ((كرها)»
بالفتح أو بالضم، الواردة في الآيات: ٢١٦،
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦٢/٦.
www. modoee.com
٢٥٣

حرفالكاف
من سور البقرة، والآية: ١٩، من سورة والكسائي: ((أن ترثوا النساء كرها» بالضم،
النساء، والآية: ١٥، من سورة الأحقاف،
فنقل ابن منظور هذا الخلاف عن أحمد بن
یحیی، فقال:
١. قرأ نافع وأهل المدينة في: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾
[البقرة: ٢١٦]. بالضم في هذا الحرف
خاصة وسائر القرآن بالفتح.
٢. عاصم وابن ذكوان بضم ((كره)) التي
في البقرة، واللذين في الأحقاف
﴿حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾
[الأحقاف: ١٥]. ويقرأ سائرهن بالفتح.
٣. والأعمش وحمزة والكسائي، وكذا
خلف، يضمون ما ضمه عاصم أي:
التي في البقرة واللذين في الأحقاف،
ويزيدون التي في النساء: ﴿لَا يَحِلُّ
لَكُمْ أَنْ تَرِثُواْ النِّسَآءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩].
بالضم، وما سواها بالفتح.
٤. أهل الحجاز يقرؤون جميع ما في
القرآن بالفتح، إلا ما ورد في البقرة
خاصة فهو على الضم(١).
وفي توجيه هذه القراءات الواردة في
((كرها)) يقول العلامة ابن زنجلة: (قرأ حمزة
(١) لسان العرب، ابن منظور، ٥٣٤/١٣.
وانظر: الإتحاف، البناء، ص ٢٣٩، ٥٠٤،
المبسوط في القراءات العشر، ابن مهران،
ص١٧٧، حجة القراءات، ابن زنجلة،
٦٦٣/١-٦٤٦.
وقرأ الباقون بالنصب، واختلف الناس في
الضم والفتح، قال ابن عباس: من قرأ: کرها
بالضم أي: بمشقة، ومن قرأ: كرها بالفتح
أي: إجبارا أي: أجبر علیه، جعل ابن عباس
الكره فعل الإنسان والكره ما أكره عليه
صاحبه، تقول كرهت الشيء کرها وأكرهت
على الشيء کرها، قال أبو عمرو: والكره ما
كرهته والكره ما استكرهت عليه، ويحتج في
ذلك بقول الله جل وعز: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ
اَلْقِتَالُ وَهُوَكُرُهُ لَّكُمْ﴾، وقال الأخفش:
هما لغتان مثل: الضعف والضعف والفقر
والفقر، وقال قوم: الكره المصدر تقول
كرهته كرها مثل شربته شربا، والكره اسم
ذلك الشيء)(٢).
ثالثًا: ﴿بَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَِّبُواْ كَثِيرًا مِنَ النَِّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الَّنِ إِنْرٌ وَلَا تَتَسُواْ وَلَا يَغْتَب ◌َّعْضُكُم
بَعْضَأَ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ
مَيْنَا فَكَرِ هْتُمُوَةٌ وَأَنَّقُواْ اله إِنَّ اللّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ))﴾
[الحجرات: ١٢].
الآية الكريمة تشبه الغيبة بأكل لحم
الإنسان لأخيه الإنسان المكروه أكله طبعا،
وذلك لاجتماع الكره الطبعي بينهما، فمن
يغتاب أخیه کمن أكل لحمه ميتا، (فيه تنبيه
على أن لحم الأخ شيء جبلت الأنفس على
(٢) حجة القراءات، ابن زنجلة، ١ / ١٩٦.
موسوعة النفسية
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
٢٥٤

كراهته وإن تعاطته)(١).
ولو نظرنا إلى مجالس المسلمين،
يقول الشوكاني في معنى الآية: (مثل
سبحانه الغيبة بأكل الميتة؛ لأن الميت لا أو حتى في مواقع التواصل الاجتماعي
يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة على الشبكة العنكبوتية، لوجدناها مليئة
بالمنكرات، والغيبة أكثرها، فيتكلم الناس
عن بعضهم البعض، دون أدنى نظرة إلى
مدی بشاعة تشبيه الله للغيبة، فھل یحب
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا؟
وللأسف لم ينج من هذه المعصية إلا
من رحم ربه، فقد فشت الغيبة وانتشرت
بين الرجال والنساء، العالم والجاهل، البر
والفاجر.
فالواجب أن نبتعد كل البعد عن الغيبة،
وننصح المسلمين بالبعد، وأن لا نستمع
لمن يغتاب، بل وترك المجلس الذي فيه
غيبة، فسماعك وسكوتك هو غيبة، حتى لو
لم تنطق بكلمة.
رابعًا: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِأَلْحَقٍّ
وَإِنَّ فَرِبْقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ
[الأنفال: ٥].
كما أخرجك ربك من المدينة، وإن فريقا
من المؤمنين لكارهون الخروج معك كراهة
الطبع لاحتمال المشقة.
فكره المسلم للقتال، وكره المرأة للحمل
فإنه وإن كان مضعفًا لم يتعد إلا لواحدٍ والولادة، وكذلك كره المسلم أكل لحم أخيه
ميتا، كل هذه الأمور تكرهها طبيعة النفس
(٤) الدر المصون، السمين الحلبي، ١٠/ ١١.
www. modoee.com
٢٥٥
من اغتابه، ذکر معناه الزجاج، وفيه إشارة
إلى أن عرض الإنسان كلحمه، وأنه كما
يحرم أكل لحمه يحرم الاستطالة في عرضه،
وفي هذا من التنفير عن الغيبة، والتوبيخ
لها، والتوبيخ لفاعلها، والتشنيع عليه ما لا
یخفی، فإن لحم الإنسان مما تنفر عن أكله
الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية،
فضلا عن كونه محرما شرعًا)(٢).
ويقول ابن عاشور: (الكراهة هنا
للاشمئزاز والتقذر والمعنى: فتعين إقراركم
بما ستلتم عنه من الممثل به (إذ لا يستطاع
جحده) تحققت کراهتكم له وتقذرکم منه،
فليتحقق أن تكرهوا نظير الممثل وهو الغيبة،
فكأنه قيل: فاكرهوا الممثل كما كرهتم
الممثل به)(٣)
.
وفي الآية قراءة أخرى: (وقرأ أبو حيوة
والجحدري: ((فكرهتموه)» بضم الكاف
وتشديد الراء عدي بالتضعيف إلى ثانٍ،
بخلاف قوله أولًا: ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ﴾
[الحجرات: ٧].
(١) عمدة الحفاظ،، السمين الحلبي ٣٩٣/٣.
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٧٧/٥.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٣/٢٦.
لتضمنه معنى بغض) (٤).

حرفالكاف
البشرية، وهذا مثل كره المسلم للوضوء
بالماء البارد في الطقس الشديد البرودة،
وليس هذا من باب کره حكم الله بإيجاب
الوضوء، لذلك عن أبي هريرة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال: (إسباغ الوضوء
على المكاره)(١).
ومن باب التفريق بين الكره الطبعي
والكره الشرعي، أسوق مثالا يجمع بينهما
وهو کره الرجل زوجته الكتابية، فالله أمرنا
أن نكره الكفر، وهذا كره شرعي، وفي الوقت
ذاته لم يحرم حبهم الطبعي، فمن الطبيعي
أن يحب الرجل زوجته حتى لو كانت على
الكفر، وذلك مثل حب رسول الله صلى الله
عليه وسلم لعمه أبي طالب الذي مات على
غير الإيمان، فحبهم حب طبعي غير مؤاخذ
عليه، وکرههم کره شرعي، مجزي علیه،
لأنه کره لأجل الله، ولیس لأمر دنيوي.
أنواع الكره
من خلال التأمل في القرآن الكريم
نستنتج أنواع الكره، وهما الكره المحمود
والكره المذموم، فما كان لأجل الله فهو
محمود، وما كان لأجل الدنيا فهو مذموم،
والمحمود یثاب فاعله، أما المذموم فيعاقب
فاعله، وسنفصل في هذا بما يأتي:
أولًا: الكره المحمود:
الكره المحمود هو الكره الذي يكون
لأجل الله تعالی، وهذا واجب مأمور به،
فيثاب فاعله، ويعاقب تاركه، وذلك مثل
كره الكافر لكفره، وكره العاصي لمعصيته،
والفاسق لفسقه، والمنافق لنفاقه، والدليل
على هذا النوع من الكره: قول الله تعالى:
قَالَ أَلْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِه
لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَاً
أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاً قَالَ أَوَلَوْكُنَّا كَثِمِينَ (هـ
[الأعراف: ٨٨].
فهنا کره شعیب ومن آمن معه للعودة إلى
الكفر هو كره محمود، فالمستكبرون خيروه
والذين آمنوا معه، إما الخروج من القرية،
وإما أن يعودوا إلى ملتهم أي: ملة الكفر،
فرد شعيب عليه السلام بقوله: ﴿أَوَلَوْكُنَا
گمينَ﴾ أي: نخرج من دیارنا أو نعود إلى
الکفر حتی ولو کنا کارهین! فالاستفهام هنا
للإنكار.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره، رقم
٢٥١.
٢٥٦
جَوَسُورُ
القرآن الكريمِ

كرة
وعن أنس عن النبي صلی الله علیه
وسلم قال: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة
الإيمان؛ أن یکون الله ورسوله أحب إليه
مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا
لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن
يقذف في النار)(١).
وقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ
وَإِخْوَتَكُمْ أَوْلِيَآءَ إِنِ أُسْتَحَبُّوْ اُلْكُفْرَ
عَلَى الْإِيمَنَّ وَمَن يَنَّوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ
الظَّالِمُونَ﴾ [التوبة: ٢٣].
والكره المحمود ينبني عليه عقيدة البراء
الذي يعتبر شرطا من شروط الإيمان؛ والبراء
هو: (بغض الطواغيت التي تعبد من دون
الله تعالى: (من الأصنام المادية والمعنوية:
كالأهواء والآراء)، وبغض الكفر (بجميع
ملله) وأتباعه الكافرين، ومعاداة ذلك كله،
لقول الله تعالى: ﴿لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَلَيْسَ مِنَ اللّهِ فِي شَقْءٍ إِلَّ أَنْ تَتَّقُواْ مِنْهُمْ ثُقَمَةً
وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٥)﴾
[آل عمران: ٢٨])(٢).
حسبنا الله في هذا الزمان الذي يتخذ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب حلاوة الإيمان، رقم ١٦، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من
اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم ١٧٤ .
(٢) الولاء والبراء بين الغلو والجفاء، حاتم
العوني، ص٥.
المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنین،
فلا تجد العزة عند بعض المسلمين بل
الذلة والمهانة، فمنهم من يخجل من
هويته الإسلامية، وآخر يخجل من لغته،
وآخر يتباهى برفع صوت الأغاني باللغة
الأجنبية أو حتى بلغة العدو، فنرى في بلاد
فلسطين الكثير من هؤلاء نتيجة الضعف،
وسيطرة الأعداء، والبعد عن الله، ولكن
في المقابل وحتى لا نكون مجحفین، فإن
هذه قلة قليلة دخيلة، أسأل الله لهم الهداية،
فالكثير من المسلمين عندهم العزة في
أقوالهم وأفعالهم، تطبيقا لقول الله تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨].
وقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَهِّ وَالَّذِينَ
مَعَدُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَّهُمْ رُكْمًا
سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩].
ثانيًا: الكره المذموم:
هو الکره الذي یکون لأجل الدنيا، وهذا
حرام منهي عنه، فيعاقب فاعله، ويثاب
تاركه، مثل كرههم للموحدين لا لشيء إلا
لتوحيدهم لله تعالى، وكرههم أهل الطاعة
لطاعتهم لله تعالی.
والكره المذموم ينقسم إلى قسمين:
أولًا: كره مخرج من الملة، يتضمن
الكراهية لأمر الله ورسوله، وذلك مثل
www. modoee.com
٢٥٧

حرفالكاف
كراهية شيء معلوم من دين الله، وكراهية
وجوب أو تحريم شيء من دين الله، مع
فعلها! وكراهية تطبيق حكم الله، بدليل
قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللهُ
فَأَحْبَطَ أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٩].
فالله عزوجل أحبط أعمالهم بعدما
کرهوا ما أنزل الله على رسوله وهو القرآن،
فهذا الكره هو الکره العقلي المذموم ولیس
کرھًا طبعیًا.
وقد كره الكافرون والمشركون
والمجرمون للحق، سواء كان الحق هو
القرآن الذي أنزله الله أو أي حق كان، لذلك
قال الله عنهم في أكثر من آية؛ منها: قوله
تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ
مَا نَزَّكَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِى بَعْضٍ الْأَمْرِّ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٦].
القائلون هم المنافقون؛ والكارهون هم
اليهود؛ فاليهود كرهوا ما نزل الله، فكرههم
هو كره مذموم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ أُتَّبَعُواْ
مَآ أَسْخَطَ اَللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضْوَنَهُ، فَأَحْبَطَ
أَعْمَلَهُمْ ﴾ [محمد: ٢٨].
أحبط الله أعمالهم؛ لأنهم كرهوا
رضوانه واتبعوا ما أسخطه، وکرههم کره
مذموم، لهذا أحبط الله أعمالهم.
وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلّ
جَآءُهُم بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَزِهُونَ
[المؤمنون: ٧٠].
ومع أنه حق إلا أنهم کرهوه، فکرههم
هذا هو کره عقلي مذموم ولیس کرها طبعیًا،
فسیحاسبهم الله علیه، وسيعذبهم به.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِتْنَكُم بِالْحَقّ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَِمُونَ (٦)﴾ [الزخرف: ٧٨].
جاء الله بالحق عن طريق الأنبياء
والرسل، ولكن الأكثر يكرهونه، والنتيجة
الطبيعية لمن يكره الحق هي العذاب الأليم
في النار، فالكره هنا هو كره عقلي مذموم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَوَةَ
إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ
كَرِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٤].
فهنا كرههم للإنفاق هو كره عقلي
مذموم، ولیس کرها طبعيا، فسيحاسبهم الله
على هذه الكراهية؛ لأنهم كرهوا أمر الله
لمصالحهم في الدنيا.
وقوله تعالى:
﴿فَرِعَ الْمُخَلَّقُونَ
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَمْوَاِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١].
وهذه من خصل المنافقين الكثيرة؛
وهي تخلفهم عن الجهاد بسبب كراهيتهم
له، وهذه الكراهية ليست كراهية لما يلحق
بالجهاد من نتائج بل لكرههم أوامر الله،
فهذا الكره ليس كرها طبعيا وإنما هو كره
عقلي، لذلك يحاسبهم الله على هذا الكره
أشد الحساب.
٢٥٨
القرآن الكريمِ

ولو نظرنا إلى حال المسلمين في عصرنا
هذا لوجدنا العجب العجاب، فكم ممن
يدعي الإسلام لكنه يكره الإسلام وتطبيقه،
ويكره أحكام الله كلها أو بعضها، وكم
منهم یکره الإسلاميين، وكل من يلتزم سنة
النبي عليه الصلاة والسلام باللحية، وكم
منهم يقول أن القرآن كله حق لولا وجود
آية الميراث، أو آية (تعدد الزوجات)، أو
الحجاب، أو الجهاد، وغير ذلك الكثير،
فهل هؤلاء مسلمون!
ثانيًا: كره غير مخرج من الملة، فصاحبه
عاص.
الكراهية التي تتعلق بأمر من أمور
الدنيا، والتي تؤدي إلى التباعد والتقاطع
بين المسلمين مع أن الأصل الذي ينبغي
أن يكون عليه المسلم هو المودة والمحبة،
والتسامح، إلا أن المسلم قد يجد في نفسه
شيئًا على أخيه المسلم، كالقريب الذي يكره
قريبه، والجار الذي يكره جاره، والزميل
یکره زمیله، کل ذلك لأسباب دنيوية، فهذه
معاص ينبغي للمسلم التوبة الصادقة للبعد
عنها.
وقد كره الله للمسلمين القيل والقال
وكثرة السؤال وإضاعة المال، فعن المغيرة
بن شعبة يقول: سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول: (إن الله کره لكم ثلاثًا: قيل
وقال وإضاعة المال وكثرة السؤال)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
دوافع الكره
إن لنوعي الكره - المحمود والمذموم-
دوافع كثيرة؛ تؤدي إلى حصول الكره، ثم
إلى الثواب أو العقاب، وسنذكر دوافع کل
منهما على حدة:
أولًا: دوافع الكره المحمود:
إن اختلاف الدين يؤدي إلى اختلاف
المشاعر فإن كان الدين واحد فالمشاعر
مبنية على الحب، وإن كان الدين مختلف
فالمشاعر مبنية على الكره، لذلك قال الله
تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَّكُمْ أُسْوَّةُ حَسَنَةٌ فِيَ إِّزْهِيمَ
وَالَّذِينَ مَعَهُ، إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِمْ إِنَّا بُرَؤُأُ مِنْكُمْ وَمِمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُرْ وَبَدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ
الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
[الممتحنة: ٤].
الآية تبين أن سبب العداوة والبغضاء
بين الناس هي مبنية على الدين، فإن اختلف
الدين صار العداوة والبغضاء، وإن اتفق
الدين كان الحب والود، وكذلك تبين الآية
أن المشاعر تتحول من البغض والكره إلى
المحبة بعد تحول الكفار إلى الإيمان.
أما فيما يتعلق في كره العاصي، فنحب
إيمانه ونكره معصيته، فنحبه بقدر إيمانه
باب ما يكره من قيل وقال، رقم ٦١٠٨،
ومسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب
النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة، رقم
٥٩٣.
www. modoee.com
٢٥٩

حرفالكاف
ونكرهه بقدر معصيته، لكن تبقى الأخوة ويقترفها، ولم يكفرهم أحد من أهل السنة،
وهذا الحب قد يكون كبيرة من كبائر
الإيمانية، ويجب عدم لعنهم وسبهم، فرجل
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
اسمه عبد الله و کان یجلده رسول الله في
الخمر، فأتى به يوما فأمر فجلده، فقال رجل
من القوم: اللهم العنه؛ ما أكثر ما يؤتى به،
فقال النبي: (لا تلعنوه، فو الله ما علمت إنه
یحب الله ورسوله)(١).
الذنوب، وقد لا یکون کذلك، بحسب حال
المحبوب ومعصيته، فمن أحب محبوبا
لارتكابه الكبائر، فهذا الحب كبيرة، ومن
أحبه لصغيرة يرتكبها، فلا يزيد إثمه على إثم
من ارتكبها، وهذا التقرير واضح الالتئام،
بین المأخذ، بحمد الله تعالى، وأما الحب
المباح فهو الحب الطبيعي، وهو الخارج
عما سبق، كحب الوالد لولده الكافر، أو
الولد لوالديه الكافرين، أو الرجل لزوجه
الكتابية، أو المرء لمن أحسن إليه، وأعانه
من الكفار، فهذا الحب مباح، ما دام لم يؤثر
في بغضه لكفر الكافرين، وفسق الفاسقين،
ومعصية العاصین، أما إذا أثر في بغضه، فإنه
يعود إلى أحد القسمين السابقين، بما فيهما
من تفصيل)(٢).
(ذلك أن الحب القلبي لغير المسلمين
ليس شيئا واحدا، فمنه ما ينقض (الولاء
والبراء) من أساسه، ويكفر صاحبه بمجرده،
ومنه ما ينقص من (الولاء والبراء) ولا
ينقضه، فيكون معصية تنقص الإيمان ولا
تنفیه، ومنه ما لا يؤثر في كمال الإيمان وفي
معتقد (الولاء والبراء)، لكونه مباحا من
المباحات، أما الحب القلبي الذي ينقض
(الولاء والبراء) وينفي أساس الإيمان:
فهو حب الكافر لكفره، وأما الحب القلبي
الذي لا يصل إلى حد النقض، لکنه ینقص
الإيمان، ويدل على ضعف في معتقد
(الولاء والبراء)، فهو محبة الشخص (كافرا
كان أو مسلما) لفسقه أو لمعصية يقترفها،
فهذا إثم ولا شك، ولكنه لا يصل إلى درجة
الكفر لكونه لا ينافي أصل الإيمان؛ إذ لا
يزال في المسلمين من يحب المعاصي
ثانيًا: دوافع الكره المذموم:
١. أمراض القلوب.
الحسد، وهو من أهم أسباب الكراهية
بين الناس، فإن الحاسد لم ولن يحب غيره
فتری البعض من الناس لا یکره الخیر لغيره،
فقط؛ بل ويتمنى له الزوال، وهذا يولد
الكراهية بين الناس، والحسد مرض من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس
بخارج من الملة، رقم ٦٣٩٨.
(٢) الولاء والبراء بين الغلو والجفاء، حاتم
العوني، ص١٨ - ١٩.
٢٦٠
الْقُرآن الكَرِيمِ

كرة
أمراض القلوب، قلما یخلو جسد من حسد،
لكن على الكريم أن يخفيه، وهذا ما قاله
شيخ الإسلام ابن تيمية: (والحسد مرض
من أمراض النفس، وهو مرض غالب، فلا
يخلص منه إلا القليل من الناس، ولهذا
يقال: ما خلا جسد من حسد، لكن اللئيم
بیدیه، والکریم یخفيه)(١).
وقد قال تعالى في ذم الحسد والحاسدين
لأنه سيؤول إلى الكراهية والبغضاء بين
﴿هَأَنْتُمْ أُوْلَاءِ تُّونَهُمْ وَلَا
المسلمين:
يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِنَبِ كُلِهِ، وَإِذَا لَقُوكُمْ
قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ
الْغَيْفِظَّ قُلْ مُوتُواْ بِغَيْظِكُمُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَّةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُم
سَبِئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا
يَضُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
مُحِيطٌ ﴾ [آل عمران: ١١٩ -١٢٠].
﴿يَتَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّخِذُواْ
وقال:
بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُواْ مَا
عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِى
صُدُورُهُمْ أَكْبَرْ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن كُنُمْ
تَعْقِلُونَ (١٨)﴾ [آل عمران: ١١٨].
خبث النفس، وهذا من أكثر الأسباب
سوءا؛ لأن الكراهية الناتجة عنه سبب متجذر
في قلب صاحبه تكون معالجته صعبة للغاية،
أما الكراهية بسبب طارئ فسرعان ما تزول.
(١) أمراض القلب وشفاؤها، ابن تيمية، ص٢١.
وخبيث النفس منشغل بتتبع عورات
الناس وأخطائهم؛ لأنه يكره الخير لغيره،
ويحب لهم الشر والأذى؛ فهو سبب
للعداوات بين أفراد المجتمع، يقول
الغزالي: (خبث النفس وشحها بالخير
لعباد الله تعالى، فإنك تجد من لا يشتغل
برياسة وتكبر ولا طلب مال، إذا وصف
عنده حسن حال عبد من عباد الله تعالى
فيما أنعم الله به عليه يشق ذلك عليه، وإذا
وصف له اضطراب أمور الناس وإدبارهم
وفوات مقاصدهم وتنغص عيشهم فرح به
فهو أبدا يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة
الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه
وخزانته)(٢).
الغيبة والنميمة، قال بعض الحكماء:
(النميمة تهدي إلى القلوب البغضاء، ومن
واجهك فقد شتمك، ومن نقل إليك فقد نقل
عنك، والساعي بالنميمة كاذبٌ لمن يسعى
إلیه، وخائن لمن یسعی به)(٣).
وقد نهى الله عز وجل عن الغيبة
والنميمة، وبين رسولنا الكريم عذابهما
الذي يعذبان به في قبریھما.
قال تعالى: ﴿وَلَ يَغْتَبِ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً أَيُحِبُّ
أَحَدُ كُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْنًا فَكَرِهِتُمُوهُ
وَأَنَّقُواْ اللّهِ إِنَّاللّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾
[الحجرات: ١٢].
(٢) إحياء علوم الدين، الغزالي، ١٩٤/٣.
(٣) بحر الدموع، ابن الجوزي، ١/ ١٣٠.
www. modoee.com
٢٦١

حرفالكاف
فالله تعالى شبه الغيبة بأكل لحم المسلم صلى الله عليه وسلم: (الكبر بطر الحق
وغمط الناس)(٣).
لأخيه المسلم، وهل في ذلك أشد كراهة من
أن یأکل لحم أخيه المسلم وهو میت، فمن
يغتاب غیرہ کمن یأکل لحم الميت، وهذا
دليل على استقذار الغيبة، وقال: ﴿وَلَا تُطِعْ
كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ﴿ هَنَّازٍ مَّشَّكَ بِنَمِيمٍ ١ مَنَّاعِ
لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثٍِ ( عُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَئٍِ
١٣
[القلم: ١٠ - ١٣].
والهماز كما قال ابن عباس وقتادة:
يعني الاغتياب، والمشاء بنميم هو الذي
يمشي بين الناس ويحرش بينهم، وينقل
الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة،
وعن ابن عباس قال: مر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما ليعذبان
وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا
يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي
بالنميمة)(١).
وعن أبى هريرة أن رسول الله صلی
الله عليه وسلم قال: (أتدرون ما الغيبة)؟
قالوا : الله ورسوله أعلم، قال: (ذكرك أخاك
بما یکره)، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما
أقول، قال: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته،
وإن لم یکن فيه فقد بهته)(٢).
الإعجاب والكبر: كما قال رسول الله
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
١٩١/٨.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والأدب، باب تحريم الغيبة، رقم ٦٧٥٨.
وبطر الحق يعني: أن تَكَبُّرَهُ يَمْنَعُهُ من
قبول الحق، وغمط الناس أي: استحقارهم،
والمتكبر والمعجب بنفسه يكره الناس
ويكرهه الناس، فلا يحتمل أن يرى غيره
وغيره لا يحتملون لقاءه، وما سبب طرد
الله لإبليس من الجنة إلا تكبره واستعلائه،
وما سبب إغراق فرعون إلا الکبر، وما سبب
إهلاك النمرود إلا الکبر، و کذلك کره الكفار
رسول الله صلى الله عليه وسلم لتكبرهم،
وقد خص الله كل من تكبر بسوء العذاب،
فعن عبد الله بن مسعود، قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة من
كان في قبله مثقال ذرةٍ من كبر) (٤).
والفرق بين الكبر والإعجاب هو أن
الكبر في المنزلة، بينما الإعجاب في النفس،
وكلاهما منهي عنه، وكلاهما يولد الكراهية
للمتكبر والمعجب بنفسه.
الظلم، سواء بين الأبناء، أو بين
الزوجات، أو المعلم بين طلابه، أو الموظف
مع مراجعيه، وغير ذلك، فإنه يولد الكراهية
لا محالة، لذلك قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِّ وَلَا
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب تحریم الکبر وبیانه، رقم ٩١.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب تحريم الكبر وبيانه، رقم ٩١.
٢٦٢
القرآن الكريم