النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْ تُوبَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الكَفَارَات
عناصر الموضوع
مفهوم الكفارات
٣٠٠
الكفارات في الاستعمال القرآني
٣٠١
الألفاظ ذات الصلة
٣٠٢
أنواع الكفارات
٣٠٤
موجبات الكفارات
٣٠٧
صور من الكفارات في القرآن وأحكامها
٣٠٨
المكفر به
٣٢١
٣٢٥
حكم ومقاصد الكفارات
٣٢٨
أثر الكفارات على الفرد والمجتمع
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ
حرفالكاف
مفهوم الكفارات
أولًا: المعنى اللغوي:
الكفارة لغة: من الكَفْرِ وهو التغطية والستر، وسميت الكفارات كفارات؛ لأنها تُكَفِّرُ
الذنوب، أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار والقتل الخطأ (١).
قال ابن فارس: «(کفر)، الکاف والفاء والراء أصل صحیح یدل على معنى واحد، وهو
الستر والتغطية، يقال لمن غطى درعه بثوب: قد كَفَّرَ دِرْعَهُ، والمُكَّفَّرُ: الرجل المتغطي
بسلاحه»(٢).
وخلاصة التعريف اللغوي: أن الكفارة هي الستر والتغطية، سواء كانت مادية كتغطية
الدرع بالثوب، أو معنوية، كتغطية الذنوب، وقد استعمل القرآن الكريم هذا المعنى اللغوي
للكفارة، وعلى ذلك وردت أقوال المفسرين في بيان هذه اللفظة كما سيأتي.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
والكفارة اصطلاحًا: ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك؛ وسميت الكفارات
كفارات؛ لأنها تكفر الذنوب، أي: تسترها (٣).
وعرف المناوي الكفارة بأنها: ((ما وجب على الجاني جبرًا لما منه وقع، وزجرًا عن
مثله)) (٤).
وخلاصة التعريف الاصطلاحي: أن الكفارة تطلق على ما يشمل المعنى اللغوي، وهو:
الستر بعوض، وما يكون جبرًا لخطأ، أو محوًا لإثم أو تقصير، والتعريف الثاني يشمل ذلك.
والمتدبر في المعنيين يجد اتصالًا بينهما، حيث إن المعنى الاصطلاحي يعني: ما كفر به
من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، وهذا مرتبط بمعنى الكفارة في اللغة، والتي تدل على الستر
والتغطية، والذي يترتب عليه محو الذنوب وإزالتها وتغطيتها في الدنيا والآخرة، حتى تصير
کأن لم تکن.
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٢٧١، الكليات، الكفوي ص ٧٦٣، تاج العروس، الزبيدي
٠٥٠/١٤
(٢) مقاييس اللغة ١٩١/٥.
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥ /١٤٨، تاج العروس، الزبيدي ١٤ / ٦٢.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٢٨٢.
٣٠٠
جوبيع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الكفارات
الكفارات في الاستعمال القرآني
وردت مادة (كفر) المضعف في الاستعمال القرآني (١٨) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
[المائدة: ٦٥]
سَيَاتِهِمْ
الفعل المضارع
١١
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ بُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِ﴾ [الطلاق: ٥]
[آل
﴿رَبَّنَا فَأَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا
فعل
الأمر (دعائي)
١
عمران: ١٩٣]
صيغة المبالغة
٤
﴿فَمَن تَصَدَّفَ بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ [المائدة: ٤٥]
وجاءت مادة (كفر) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو الستر والتغطية(٢)، ومنه
الكفارة، وهي: ((ما كفر به من صدقة أو صوم أو نحو ذلك، قال بعضهم: كأنه غُطِّيَ عليه
بالكفارة؛ وسميت الكفارات كفاراتٍ؛ لأنها تُكَفِّرُ الذنوب، أي: تسترها، مثل كفارة الأيمان،
وكفارة الظهار، والقتل الخطأ))(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦١٠ - ٦١٣.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٩١/٥.
(٣) لسان العرب، ابن منظور ١٤٤/٥ بتصرف يسير.
www. modoee.com
٣٠١
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَبِ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ
٢
حرفالكاف
الألفاظ ذات الصلة
الفدية:
١
الفدية لغة:
اسم للمال الذي يدفع لاستنقاذ الأسير، وجمعها فدّى وفدياتٌ، يقال: فَدَتِ المَرْأَةُ نفسها
من زوجها تفدي، وَافْتَدَتْ، أعطته مالا حتى تخلصت منه بالطلاق، وقيل: هو إقامة شيء
مقام شيء في دفع المكروه(١).
الفدية اصطلاحًا:
وهي: ما يقي الإنسان به نفسه في عبادة يُقَصِّرُ فيها(٢).
الصلة بين الكفارة والفدية:
أن كلَّا من الكفارة والفدية إنما شرعتا لفداء النفس من المخالفة أو للتكفير عن الذنب (٣).
الدية :
٢
الدية لغة:
اسم مصدر من وَدَى يَدِي، وأصلها (ودية) على وزن فعلة، والدية واحدة الديات، والهاء
عوض عن الواو، ووَدْيُت القتيلَ أَدِيْةِ دية: أعطيت ديته، وَانَّدَيْتُ: أخذت ديته، وإذا أمرت منه
قلت: دِفلانًا، وللاثنين دِيًا، وللجماعة دوا فلانًا (٤).
الدية اصطلاحًا:
اسم للضمان المالي الذي يجب بالجناية على الآدمي أو على طرف منه، وقد سمي هذا
الضمان بالدية؛ لأنها تؤدى عادة إلى المجني عليه أو وليه، وقلما يرجى فيها العفو لعظم
حرمة الآدمي(٥).
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٤٥٣/٦، مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٨٣/٤، تاج العروس، الزبيدي
٢٢٣/٣٩.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٢٧، بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٤/ ١٧٧،
التعريفات، الجرجاني ص ١٦٥، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٥٨.
(٣) انظر: الشرح الممتع على زاد المستقنع، ابن عثيمين ٢٠٠/٧.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٥٢١/٦، لسان العرب، ابن منظور ٣٨٣/١٥، تاج العروس، الزبيدي
٤٠ /١٧٨.
(٥) انظر: الجنايات في الفقه الإسلامي، عبد القادر عودة ص ٣٣٧.
٣٠٢
مَوَسُولَةُ الَّ
القرآن الكريمِ
الكفارات
الصلة بين الكفارة والدية:
أن كليهما جزاء، لكن الكفارة حق لله تعالى، والدية حق للآدميين(١).
التعزير:
٣
التعزير لغة:
التعظيم والتوقير، ومنه قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُواْ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ
[الفتح: ٩]، والتعزير أيضا: التأديب، ومنه سمى الضرب دون الحد
بُكْرَةً وَأَصِيلًاً
تعزيرا(٢).
التعزير اصطلاحًا:
هو تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، أي: هو عقوبة على جرائم لم تضع الشريعة
لها عقوبة مقدرة(٣).
الصلة بين الكفارة والتعزير:
أن كلَّا منهما زواجر؛ لما فيهما من مَشَاق تحمل الأموال وغيرها (٤).
الحد:
٤
الحدلغة:
المنع والحاجز بين شيئين، وتأديب المذنب، والنهاية التي ينتهي إليها تمام المعنى، وما
يوصل إلى التصور المطلوب، وهو الحد المرادف للمعرف عند الأصوليين(٥).
الحد اصطلاحًا:
العقوبة المقدرة من الشارع، وجبت حقًّا لله تعالى(٦).
الصلة بين الكفارة والحد:
أن كلَّا منهما زواجر؛ لما فيهما من مَشَاقٌّ تحمل الأموال وغيرها(٧).
(١) انظر: المنتقى شرح الموطأ، الباجي ٧/ ١٠٧.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري ٧٤٤/٢، مقاييس اللغة، ابن فارس ٣١١/٤، الكليات، الكفوي ص ٣١٤.
(٣) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي، عبد القادر عودة ٦٨٥/١.
(٤) انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق، القرافي ٢٠٦/٢.
(٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ٣٩١، تاج العروس، الزبيدي ٦/٨.
(٦) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٨٣، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣٧.
(٧) انظر: أنوار البروق في أنواء الفروق، القرافي ٢٠٦/٢.
www. modoee.com
٣٠٣
حرفالكاف
أنواع الكفارات
تظهر أنواع الكفارات من خلال ما يلي:
أولًا: كفارات على التخيير:
التخيير: تفويض الأمر إلى اختيار
المكلف في انتقاء خصلة من خصال معينة
شرعًا، ويوكل إليه تعيين أحدها، بشروط
معلومة، كتخييره بين خصال الكفارة،
وتخييره بين القصاص والعفو، وتخييره
في فدية الحج، وتخييره في التصرف في
الأسرى، وتخييره في حد المحارب،
وغيرها من الأحكام(١).
والتخيير في الكفارات دليل على سماحة
الشريعة ويسرها ومراعاتها لمصالح العباد
فیما فوضت إليهم اختياره، مما يجلب النفع
لهم ويدفع الضر عنهم، والتخيير قد يكون
على سبيل الإباحة، أي: بين فعل المباح
وتركه، وقد يكون بين الواجبات بعضها على
بعض، وهي واجبات ليست على التعيين،
كما في خصال الكفارة، وحكم الواجب
المخير: أن المكلف تبرأ ذمته بفعل أي
واحد من أفراده، فإن تركها جميعًا أثم، فإذا
خير الله تعالى بين أشياء، مثل كفارة اليمين
خير فيها بين العتق والإطعام والكسوة،
فالواجب منها واحد غير معين فأيها فعل
(١) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب ص
١٢٥.
فقد فعل الواجب، وإن فعل الجميع سقط
الفرض عنه بواحد منها والباقي تطوع(٢).
وقد ذكر القرآن الكريم كفارات على
التخيير وهي:
١. التخيير في كفارة اليمين.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِّ
أَيْمَنْكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ
فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامٌ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْكِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُرُ رَقَبَةٍ فَمَن
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةٍ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنِّكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
[المائدة :
٨٩
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
٨٩].
فقد طلب الشارع من المكلف أن يكفر
عن يمينه بخصلة واحدة من خصال الكفارة
الثلاث وهي: الإطعام، أو الكسوةً، أو العتق،
فإن لم يجد ما یکفر به من هذه الثلاثة - بأن
عجز عن الإطعام والكسوة والعتق - صام
ثلاثة أيام، فهي كفارة على التخيير في الثلاثة
الأول، وعلى الترتيب بينها وبين الخصلة
الرابعة (٣).
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٣٦/٧،
اللمع في أصول الفقه، الشيرازي ص ١٨،
المهذب في علم أصول الفقه المقارن،
النملة ١/ ١٦٢، الموسوعة الفقهية الكويتية
١٢٨/١.
(٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٥٩٥/٢،
أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ١٥٧.
٣٠٤
جويتين
القرآن الكريم
الكفارات
٢. التخيير في جزاء الصيد.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءُ
مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَاً
بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسْكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهُ عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَّ وَمَنْ
عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ عَزِيزُ ذُو أَنْتِقَامٍ {
[المائدة: ٩٥].
فقد طلب الشارع من المكلف أن يكفر
عن قتله الصيد في الحرم بخصلة واحدة من
خصال الكفارة الثلاث وهي: إما أن يهدي
مثل ما قتله من النعم لفقراء الحرم، إن كان
الصيد له مثل من الإبل أو البقر أو الغنم،
أو أن يقومه بالمال، ويقوم المال طعاما،
ويتصدق بالطعام على الفقراء، والخصلة
الثالثة التي يخير فيها قاتل الصيد أن يصوم
عن كل مد من الطعام يوماً (١).
٣. التخيير في فدية الأذى.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَتَّى يَتْلُغَ
الْخَدْىُّ ◌َحِلَهُ، فَن كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِهِ: أَذَّى مِّن
زَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِّنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة:
١٩٦]، فقد أباح الشارع للمحرم أن يحلق
رأسه إذا حصل الضرر بأن کان به أذى من
مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو
قمل ونحو ذلك، ولكن يكون عليه فدية
من صیام، أو صدقة، أو نسك ما يجزئ في
أضحية، فهو مخير في الخصال الثلاث(٢).
ثانيًا: كفارات على الترتيب:
الترتيب: جعل الأشياء الكثيرة بحيث
يطلق عليها اسم الواحد، ويكون لبعض
أجزائه نسبة إلى البعض بالتقدم والتأخر(٣).
فإذا أمر الشارع بالكفارة على الترتيب
كالمظاهر أمر بالعتق عند وجود الرقبة،
وبالصيام عند عدمها، وبالإطعام عند العجز
عن الجميع، فالواجب من ذلك واحد معين
على حسب حاله، فإن كان موسرًا ففرضه
العتق، وإن كان معسرًا ففرضه الصيام، وإن
كان عاجزًا ففرضه الإطعام، فإن جمع من
فرضه العتق بين الجميع سقط الفرض عنه
بالعتق وما عداه تطوع، وإن جمع من فرضه
الصیام، بین الجمیع ففرضه أحد الأمرین من
العتق أو الصيام والإطعام تطوع، وإن جمع
من فرضه الإطعام بين الجميع ففرضه واحد
من الثلاثة كالكفارة المخيرة (٤).
وقد ذكر القرآن الكريم كفارات على
الترتيب وهي:
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩١.
(٣) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٥٥، الحدود
الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا الأنصاري
ص ٦٩.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٤/٣، (٤) انظر: اللمع في أصول الفقه، الشيرازي ص
١٨.
تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٧/ ٨٨.
www. modoee.com
٣٠٥
حرفالكاف
١. الترتيب في كفارة الظهار.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ ثُّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآْسَا
ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ،ّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَآَا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ، وَبَلْكَ حُدُودُ اَلَهُ
وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
إن الله تعالى أمر بكفارة الظهار مرتبة،
فلا سبيل إلى الصيام إلا عند العجز عن
الإعتاق، وكذلك لا سبيل إلى الإطعام إلا
عند عدم الاستطاعة على الصيام، فمن لم
يطق الصيام وجب عليه إطعام ستين مسكينًا
لكل مسكين مد من طعام بمد النبي صلى
الله عليه وسلم (١).
٢. الترتيب في كفارة التمتع.
قال سبحانه: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ
إِلَى الْحَّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ أْهَدْئَّ فَنَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ
أَيَّامٍ فِي الْمَّ وَسَبْعَةِ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ
لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِىِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَأَتَّقُواْ
اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦]،
بينت الآية أن دم التمتع الشامل للقران على
الترتيب؛ لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله:
﴿فَ تَمَنَّعَ بِلْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ ◌َمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ أَلْهَدْ﴾،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
٤١/٨، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٥٢٨/١٨.
ثم قال مبينا الترتيب: ﴿فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ
أَيَّامٍ فِي ◌َلْيَجِ وَسَبْعَةَإِذَا رَجَعْتُمْ﴾ (٢).
٣. الترتيب في كفارة القتل.
قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ
يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَشَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطًَا
فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِ:
إِلَّ أَن يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَقٌّ
فَدِيَةٌ تُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةٌ مِنَ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٩٢].
وجعل الحق جل جلاله كفارة القتل
مرتبة، فعلى القاتل تحرير رقبة، فمن لم يجد
علیه صيام شهرين متتابعين(٣).
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢٥٠، أضواء
البيان، الشنقيطي ١٢١/٥.
(٣) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣٣٦/٧.
٣٠٦
جوسين
الْقُرآن الكَرِيمِ
الكفارات
موجبات الكفارات
تحدث القرآن الكريم عن مجموعة من
الأعمال، يجب على فعلها الكفارة، وهي:
أولًا: ترك واجب:
ذكر القرآن الكريم أن الكفارات تجب
بترك واجب من الواجبات الشرعية، وذلك
تعويض عن التقصير في بعض العبادات،
أو استعمال الرخص، أو العجز الكامل
عن أداء الفرض، ومن هذا القبيل رخصة
الإفطار للمريض بمرض مزمن، والشيخ
الفاني والشيخة إذا عجزا عن الصيام، أو كانا
لا يصومان إلا بمشقة فوق الطاقة، وقد ثبتت
هذه الفدية بالقرآن الكريم.
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ
طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
أي: الذين يبلغون في صومهم أقصى
الطاقة التي لا يمكن المداومة على تحملها،
ولذا قال ابن عباس: «إنها نزلت في الشيخ
والشيخة إذا شق عليهما الصوم» (١).
ومن الفدية التي تعد كفارة لبعض
التقصيرات في العبادات، ترك الهدي في
حج التمتع، والتي تعد من الواجبات في
الحج، قال تعالى: ﴿فَنَ تَمَنَّعَ بِلْهُمْرَةِ إِلَى الحَجْ
نَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ أْهَدْيِّ فَنَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَكَةِ أَيَّامٍ فِي
(١) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
٣١٢.
لْتَجِ وَسَبْعَتِإِذَا رَجَمْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة:
١٩٦]، بينت الآية أن الواجب على المتمتع
الدم، فإن لم يجد الهدي فعليه صيام ثلاثة
أيام في الحج وسبعة عند رجوعه إلى بلاده؛
لتركه الهدي الواجب عليه.
ثانيًا : فعل محظور.
ومن الكفارات التي تعد كفارة لعمل
بعض المحظورات والتقصيرات في
العبادات، كفارة الصيد في الأشهر الحرم.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَقْتُلُواْ
الضَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرٌ وَمَنْ قَهُ مِنكُم مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءُ
مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيَاً
بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدَّلُ
ذَلِكَ صِيَامًا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اللّهُ عَنَّا سَلَفَّ
وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الَّهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ عَزٌِ ذُو أَنِقَامٍ
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ، مَتَعًا لَّكُمْ
وَلِسَيَّارَةِ وَحُرِمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًاً
٩٦
وَأَتَّقُواْ اللّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
[المائدة: ٩٥ - ٩٦].
لما كان صيد الحرم محظورًا شرعًا فقد
وجبت الكفارة على من اعتدى على صيد
الحرم عقوبة له، وهكذا نرى أن الكفارات
هنا ثابتة بالقرآن الكريم، وهي سد لنقص، أو
لاعتداء في عمل ما نهى الله تعالى عنه(٢).
(٢) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة ص
٣١٢.
www. modoee.com
٣٠٧
حرفالكاف
صور من الكفارات في القرآن وأحكامها
تظهر صور الكفارات وأحكامها في
القرآن الكريم من خلال النقاط الآتية:
أولًا: كفارات العبادات:
الحج من العبادات البدنية، وهي فريضة
من الفرائض الإسلامية التي أمر الشرع
بأدائها على أكمل وجه، وهناك محظورات
في الحج توجب الكفارة وهي:
١. كفارة الصيد للمحرم.
ذكر القرآن الكريم كفارة الصيد للمحرم،
قال تعالى: ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ
وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَثَلَهُ مِنكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَآءٌ مِثْلُ مَا
قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَلِغَ
اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَامُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ
صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ، عَفَا اللّهُ عَنَّا سَلَفَّ وَمَنْ
عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوْ أَنِقَاءٍ
[المائدة: ٩٥].
بينت الآية أن الله تعالى حرم الصيد في
حال الإحرام، والصيد عامٌّ في كل ما شأنه
أن يصاد ويقتل من الدواب والطير لأكله أو
الانتفاع ببعضه، ويلحق بالصيد الوحوش
كلها، وخص من عمومه ما هو مضر، وهي
السباع المؤذية وذوات السموم والفأر
وسباع الطير، ودليل التخصيص السنة،
﴿وَأَنْتُمْ حٌُ﴾، جمع حرام، بمعنى محرم،
مثل جمع قذالٍ على قذلٍ، والمحرم أصله
المتلبس بالإحرام بحج أو عمرة، ويطلق
المحرم على الكائن في الحرم، فأما الإحرام
بالحج والعمرة فهو معلوم، وأما الحصول
في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من
مكة أو المدينة، فأما حرم مكة فيحرم صيده
بالاتفاق، وفي صيده الجزاء، وأما حرم
المدينة فيحرم صيده ولا جزاء فيه، وحرم
مكة معلوم بحدود من قبل الإسلام، وهو
الحرم الذي حرمه إبراهيم عليه السلام.
ووضعت بحدوده علامات في زمن عمر
بن الخطاب رضى الله عنه، وحدود الحرم
الغربية والشرقية تبعد عن البيت قرابة،
(٢٠) كم أما الجنوبية فأقل من ذلك، إذ
تقع الحدود الجنوبية على الآكام التي تحف
بوادي عرنة علی قرابة (١٣) کم، جنوبا،
أما من جهة الشمال، فالحد مسجد عائشة
رضي الله عنها على رأس وادي التنعيم،
وعنده ينقسم الماء إلى وادي التنعيم شمالًا
في الحل، وتلعة ذات الحنظل جنوبا في
الحرم، ويبعد هذا المسجد قرابة (٨) كم،
عن المسجد الحرام شمالا، أي: إن حرم
مكة يبلغ (٨٨٢) (كم مربع)، بالتقريب.
وأما حرم المدينة فقال النبي صلى الله
عليه وسلم: (المدينة حرم ما بين عير أو عائر
٣٠٨
جوية
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الكفارات
(جبل) إلى ثور)(١) (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَهُ مِنكُم مُتَعَيِّدًا
فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، أي: ومن قتل
شيئا من الصيد وهو محرم قاصد لقتله
فجزاؤه، أو فعليه جزاء من الأنعام مماثل
لما قتله في هيئته وصورته إن وجد، وإلا
ففي قيمته، وقيل: في قيمته مطلقًا، وتعليق
حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن
الجزاء لا يجب إلا إذا قتل الصيد، فأما لو
جرحه أو قطع منه عضوًا ولم یقتله فليس
فيه جزاء، ويدل على أن الحكم سواء أكل
القاتل الصید أو لم یأکله؛ لأن مناط الحکم
هو القتل.
وقوله: ﴿مُتَعَيِّدًا﴾، قيد أخرج المخطئ
والناسي، والفرق بينهما: أن الناسي: هو من
يقصد قتل الصيد ناسيا إحرامه، والمخطئ:
هو من يرمي غیر الصيد، کما لو رمی غرضا
فيقتل الصيد من غير قصد لقتله، ولا خلاف
بين العلماء أنهما لا إثم عليهما، لقوله
تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم
[الأحزاب: ٥].
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، رقم
٦٧٥٩، ١٥٤/٨، ومسلم في صحيحه،
كتاب الحج، باب فضل المدينة، رقم ١٣٧٠،
٩٩٥/٢.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٤٢،
معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية
عاتق الحربي ص ٥١.
وجمهور فقهاء الأمصار أن العمد
والخطأ في ذلك سواء، وقد غلب مالك فيه
معنى الغرم أي: قاسه على الغرم، والعمد
والخطأ في الغرم؛ سواء فلذلك سوى
بينهما، ومضى بذلك عمل الصحابة، وقال
أحمد بن حنبل، وداود الظاهري: لا شيء
على الناسي، وقال مجاهد، والحسن، وابن
زید، وابن جريج: إن كان متعمدًا للقتل ناسيًا
إحرامه فهو مورد الآية، فعليه الجزاء، وأما
المتعمد للقتل وهو ذاكر لإحرامه فهذا أعظم
من أن يكفر، وقد بطل حجه، وصيده جيفة
لا یؤکل(٣).
وقول الجمهور أقرب إلى الصواب؛ لأن
تخصيص العمد بالذكر في الآية، لأجل أن
يرتب عليه الانتقام عند العود؛ لأن العمد
هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ،
ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي
قررت التسوية في ضمان المتلفات، إذ
من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدًا
أو خطأً في غير الحرم فعليه جزاؤه، فهذا
حكم عام في جميع المتلفات، ومادام الأمر
كذلك كان الجزاء ثابتًا على المحرم متى قتل
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢ / ٦٧،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٣٠٧،
تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨٦/٧،
تفسير المراغي ٣٢/٧، التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٧/ ٤٢، أضواء البيان، الشنقيطي
٤٣٨/١.
www. modoee.com
٣٠٩
حرفالكاف
الصيد، سواء أكان قتله له عمدا أم خطأً(١). لكل مسكين، وهو قول الأكثر من العلماء.
وقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾،
أي: يحكم بالجزاء من النعم وكونه مثل
المقتول من الصيد رجلان من أهل العدالة
والمعرفة من المؤمنين، ووجه الحاجة إلى
حكم العدلين أن المماثلة بين النعم والصيد
مما يخفى على أكثر الناس، وما لا مثل له
بوجه من الوجوه يحكمان فيه بالقيمة،
والهدي: ما يذبح أو ينحر في منحر مكة،
والمنحر: منى والمروة، ولما سماه الله
تعالی هدیًا فله سائر أحکام الهدي المعروفة.
ومعنى: ﴿بلغ الكعبةِ﴾، أنه يذبح أو
ینحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنه ینحر
أو يذبح حول الكعبة(٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَاكِينَ﴾،
أو ما يعادل ذلك من الطعام، وسمى
الإطعام كفارة؛ لأنه ليس بجزاء، إذ الجزاء
هو العوض، وهو مأخوذ فيه المماثلة، وأما
الإطعام فلا يماثل الصيد، وإنما هو كفارة
تكفر به الجريمة، وقد أجمل الكفارة فلم
یبین مقدار الطعام ولا عدد المساکین، فأما
مقدار الطعام فهو موكول إلى الحكمين،
وقد شاع عن العرب أن المد من الطعام هو
طعام رجل واحد؛ فلذلك قدره مالك بمد
(١) انظر: التفسير الوسيط، طنطاوي ٢٩٥/٤.
(٢) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨٨/٧،
تفسير المراغي ٧/ ٣٢، التحرير والتنوير، ابن
عاشور ٤٢/٧.
وعن ابن عباس: تقدير الإطعام أن يُقَوَّمَ
الجزاء من النعم بقيمته دراهم، ثم تُقَوَّمَ
الدراهم طعامًا، وأما عدد المساكين فهو
ملازم لعدد الأمداد، قال مالك: ((أحسن
ما سمعت فيه أنه يقوم الصيد الذي أصاب
وينظر كم ثمن ذلك من الطعام، فيطعم مدًّا
لكل مسکین، والأحسن أن ذلك مو کول إلى
الحكمين) (٣) (٤)
وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾،
أي: عليه مثل ذلك الطعام صيامًا يصومه ،
وأجملت الآية الصيام كما أجملت الطعام،
وهو موکول إلی حکم الحکمین، وقال أبو
حنيفة: يصوم عن كل مدَّين من الطعام يومًا.
وقال مالك والشافعي: يصوم عن كل
مدِّ يومًا، واختلفوا في أقصى ما يصام،
فقال مالك والجمهور: لا ينقص عن أعداد
الأمداد أياما ولو تجاوز شهرين، وقال بعض
أهل العلم: لا يزيد على شهرين؛ لأن ذلك
أعلى الكفارات، وعن ابن عباس: يصوم
ثلاثة أيام إلى عشرة (٥).
(٣) موطأ مالك، كتاب الحج، باب الحكم في
الصيد، ٣٥٦/١.
(٤) انظر: لباب التأويل، الخازن ٧٩/٢، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٤/٣، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٤٢.
(٥) انظر: التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي
٢٤٤/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٩٤/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور
٣١٠
جوبية
الْقُرْآن الكَرِيمِ
الكفارات
و﴿أَوَ﴾، في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاءُ
مَسَكِينَ أَوْ عَدَلُ ذَلِكَ صِيَامًا ﴾، هو تخییر فیما
يجبر به هذا الذنب، ويقع كفارة له، فالكفارة
إما أن تكون هديًا يساق إلى الكعبة، أي:
البيت الحرام، مقدرًا قيمته بقيمة الحيوان
الذي قتل، وإما أن يكون بإطعام مساكين
بقدر هذه القيمة، وإما بصیام یعدل ما كان
يمكن أن يطعم من مساكين، من قيمة هذا
الصيد المقتول، والقول بالتخيير هو قول
الجمهور، ثم قیل: الخیار للمحکوم علیه لا
للحكمين، وهو قول الجمهور من القائلين
بالتخيير، وقيل: الخيار للحكمين (١).
وقوله تعالى: ﴿لَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾﴾،
الوبال: هو الشيء الثقيل الذي يخاف ضرره
وعاقبتة، وسمي وبالًا؛ لأن الإنسان حين
يدفع من ماله ثمن شراء المثل لما قتل سيعز
عليه ماله، وأيضًا إن أطعم مساكين فهو
سيشتري الطعام بمال يعز عليه، وكذلك
يسبب له الصيام الإرهاق، إن هذا اللون من
الكفارة يذيق الإنسان وبال ما فعل، وأراد
الحق بذلك ألا يجعل الإحساس مجرد أمر
شكلي، أو أن تظل الإساءة أمرًا شكليًّا، وشاء
٧/ ٤٢.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ١٩٤/٣،
تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٨٨/٧،
تفسير المراغي ٣٢/٧ التحرير والتنوير،
ابن عاشور ٧/ ٤٢، التفسير القرآني للقرآن،
الخطيب ٤ / ٤٠.
سبحانه أن يرتب النفع للإحسان والضر
للإساءة، حتى تستقيم الأمور في الكون (٢).
وقوله تعالى: ﴿عَفَا اُللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾، أي:
من قتل الصيد قبل التحريم، ﴿وَمَنْ عَادَ
فَيَنْتَقِمُ اللّهُ مِنْهُ﴾، أي: ومن عاد إلى قتل
الصيد وهو محرم فينتقم الله منه في الآخرة،
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُوْ أَنِقَاءٍ ﴾، أي: غالب في أمره
منتقم ممن عصاه(٣).
وأجمع العلماء على وجوب الجزاء في
قتل الصيد.
وذلك لقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَهُ مِنكُمْ مُتَعَيِّدًا
فَجَزَآءُ مِثْلُ مَا قَثَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ، ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ
هَدْيَا بَلِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّرَةٌ طَعَاهُ مَسَكِينَ أَوْ عَدْلُ
ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْيِّه عَفَا اللهُ عَمَّا سَلَفَّ
وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو أَنتِقَاءٍ
[المائدة: ٩٥].
واختلفوا في قتل الصيد خطأً هل فيه
جزاء أم لا؟ فالجمهور على أن فيه الجزاء،
وقيل: لا جزاء عليه (٤).
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٧٩/٢، التحرير
والتنوير، ابن عاشور ٧/ ٤٢، تفسير الشعراوي
٣٤٠٢/٦.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢ /٧٩، صفوة
التفاسير، الصابوني ١/ ٣٣٧.
(٤) انظر: الإجماع، ابن المنذر ص ٥٣، اختلاف
الأئمة العلماء، ابن هبيرة ٣٠٦/١، بداية
المجتهد ونهاية المقتصد، ابن رشد ٢/ ١٢٣،
المجموع شرح المهذب، النووي ٣٢٠/٧،
المغني، ابن قدامة ٣/ ٤٣٧.
www. modoee.com
٣١١
حرفالكاف
٢. كفارة الحلق للمحرم.
من الكفارات التي ذكرها القرآن الكريم
في العبادات كفارة حلق الرأس للمحرم.
قال سبحانه: ﴿وَيِقُواْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهَّ فَإِنْ
أُخْصِرْتُمْ فَمَا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِّ وَلَا تَخْلِّقُواْ رُءُوسَكُمْ
حَّ ◌َلْغَ الْهَدْىُ مِلَّهُ، فَنْ كَانَ مِنْكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِ= أَذَّى
مِن ◌َّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا
أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الَّْ فَمَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْئِّ
فَ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ تََّثَةِ أَيَّامٍ فِ لَْحِ وَسَبْعَتِ إِذَا رَجَعْتُمُ
تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِى
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعِقَابِ ﴾ [البقرة: ١٩٦].
أمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة لمن
بدأ بالشروع فيهما، ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمُ﴾، أي:
صُدِدْتُمْ عن الوصول إلى البيت ومنعتم من
إتمامهما، بمرض أو عدو ونحوهما، ﴿فَا
أُسْتَيْسَرَ مِنَ آلهدي﴾، أي: فاذبحوا ما استيسر
من الهدي، وهو سبع بدنة، أو سبع بقرة،
أو شاة يذبحها المحصر، ويحلق ويحل
من إحرامه بسبب الحصر، كما فعل النبي
صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لما صدهم
المشركون عام الحديبية، فإن لم يجد
الهدي، فليصم بدله عشرة أيام كما سيأتي
في المتمتع ثم يحل (١).
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩٦/٥، أنوار
التنزيل، البيضاوي ١٢٩/١، تفسير القرآن
العظيم، ابن كثير ٥٣٠/١، تيسير الكريم
الرحمن، السعدي ص ٩٠.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُ وسَكُمْ حَى بَتْلُغَ
اَلْهَدْىُ مَجِلَّهُ، فَبَن كَانَ مِنَكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِدِهِ أَذَّى مِّن
زَّأْسِهِ، فَفِدْيَةٌ مِنِ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ نُكٍ﴾.
بينت الآية أن المتمتع إذا ساق الهدي، لم
يتحلل من عمرته قبل يوم النحر، فإذا طاف
وسعی للعمرة، أحرم بالحج، ولم يكن له
إحلال بسبب سوق الهدي، وإنما منع تبارك
وتعالى من ذلك، لما فيه من الذل والخضوع
لله والانكسار له، والتواضع الذي هو عين
مصلحة العبد، وليس عليه في ذلك من
ضرر، فإذا حصل الضرر بأن کان به أذى من
مرض، ينتفع بحلق رأسه له، أو قروح، أو
قمل ونحو ذلك فإنه يحل له أن يحلق رأسه،
ولکن یکون علیه فدية من صيام، أو صدقة،
أو نسك ما يجزئ في أضحية، فهو مخیر.
والنسك أفضل، فالصدقة، فالصيام،
ومثل هذا، كل ما كان في معنى ذلك،
من تقليم الأظفار، أو تغطية الرأس، أو
لبس المخيط، أو الطيب، فإنه يجوز عند
الضرورة، مع وجوب الفدية المذكورة؛
لأن القصد من الجميع إزالة ما به يَتَرَنَّهُ، وقد
بينت السنة ما أطلق هنا من الصيام والصدقة
والنسك.
فعن کعب بن عجرة رضي الله عنه قال:
(کان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول
الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على
وجهي، فقال: (ما كنت أرى أن الجهد قد
٣١٢
جوسين
القرآن الكريم
الكفارات
بلغ منك ما أرى، أتجد شاة) ؟ قلت: لا، الإحرام بالعمرة، وآخرها ثلاثة أيام بعد
فنزلت الآية: فقدية من صيام أو صدقة أو النحر، أيام رمي الجمار، والمبيت بمنى،
نسك، قال: (هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام
ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعاما
لكل مسكين)(١) (٢).
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَنَ تَمَنَّعَ بِلْمُمْرَوَ إِلَى
الَّ فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدِيِّ فَ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ
فِي الَّْ وَسَبْعَتِإِذَا رَجَمْتُمَّ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ
لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ، حَاضِرِىِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
بينت الآية حكم المتمتع، وهو الذي
أحرم بالعمرة في وقت الحج، ثم تحلل من
الإحرام واستمتع بما يستمتع به غير المحرم
من الطيب والنساء وغيرهما فعليه ما تيسر
من الهدي، وهو ما يجزئ في أضحية، وهذا
دم نسك، مقابلة لحصول النسكين له في
سفرة واحدة، ولإنعام الله عليه بحصول
الانتفاع بالمتعة بعد فراغ العمرة، وقبل
الشروع في الحج، ومثلها القران لحصول
النسکین له.
فمن لم يجد الهدي أو ثمنه فعليه صيام
ثلاثة أيام في الحج، أول جوازها من حين
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج،
باب الإطعام في الفدية نصف صاع، رقم
١٨١٦، ١٠/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
الحج، باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان
به أذى، رقم ٢،١٢٠١ / ٨٦١.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩١.
ولكن الأفضل منها، أن يصوم السابع،
والثامن، والتاسع، ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾،
أي: فرغتم من أعمال الحج، فيجوز فعلها
في مكة، وفي الطريق، وعند وصوله إلى
أهله(٣).
ثم بين سبحانه أن التمتع بالعمرة
مضمومة إلى وقت الإحرام بالحج وما يتبعه
من الأحكام خاصّ بالآفاقيين دون أهل
الحرم.
قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ،حَاضِرِى
اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، أي: إن أهل الآفاق هم
الذين يحتاجون إلى هذا التمتع، لما يلحقهم
من المشقة بالسفر إلى الحج وحده، ثم
السفر إلى العمرة وحدها، أما أهل الحرم
فليسوا في حاجة إلى ذلك، فلا متعة ولا
قران لحاضري المسجد الحرام.
﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَعْلَمُوْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾،
أي: اخشوا الله وحافظوا على امتثال أوامره
والانتهاء عن نواهيه، واحذروا أن تعتدوا في
ذلك، واعلموا أنه تعالى شديد العقاب لمن
انتهك حرماته، ور کب معاصيه(٤).
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٩١، التفسير الوسيط، طنطاوي ٤٢٣/١،
التصوير القرآني للقيم الخلقية والتشريعية،
علي صبح ص ١٠٦ .
(٤) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
www. modoee.com
٣١٣
حرفالكاف
وأجمع الفقهاء على وجوب الكفارة يستيقن أنه كذلك، ثم يوجد على غير ذلك
فهو اللغو)».
على من حلق رأسه کله وهو محرم، وهي
على التخيير من صيام أو صدقة أو نسك(١).
ثانيًا: كفارة اليمين:
ذكر القرآن الكريم كفارة اليمين بالله
تعالى إذا حنث فيها وهي منعقدة.
قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِ.
أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ
فَكَفَّرَتُّهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا
تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيُ رَقَبَةٍ فَمَنْ
لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَيِّكُمْ
إِذَا حَلَفْتُمْ وَأَحْفَظُواْ أَيْمَنَّكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ
[المائدة:
لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١)﴾
٨٩].
بينت الآية أن الله تعالى لا يؤاخذكم
بالأيمان التي تحلفونها بلا قصد، كما يقول
الرجل في كلامه بدون قصد لا والله، وبلی
والله، فلا مؤاخذة على مثل هذه بكفارة
في الدنيا، ولا عقوبة في الآخرة، ﴿وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَ﴾، أي: ولكن
يؤاخذكم باليمين المقصودة، التي يعقدها
القلب ويقصدها ويتعمدها، إذا أنتم حتثم
فيها، قال مالك: ((أحسن ما سمعت في
هذا، أن اللغو حلف الإنسان على الشيء،
٢/ ١٨٠، تفسير المراغي ٩٨/٢.
(١) انظر: الإجماع، ابن المنذر ص ٥٢، مراتب
الإجماع، ابن حزم ص ٤٤.
وقال مالك: ((وعقد اليمين، أن يحلف
الرجل أن لا يبيع ثوبه بعشرة دنانير، ثم
يبيعه بذلك، أو يحلف ليضربن غلامه،
ثم لا يضربه، ونحو هذا، فهذا الذي يكفر
صاحبه عن يمينه، وليس في اللغو كفارة)»،
وقال مالك: «فأما الذي يحلف على الشيء،
وهو يعلم أنه آثم، ويحلف على الكذب،
وهو یعلم، لیرضي به أحدًا، أو ليعتذر به إلى
معتذر إليه، أو ليقطع به مالًا، فهذا أعظم من
أن تكون فيه كفارة)»(٢) (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّرَتُهُ، إِطْعَامُ عَشَرَةِ
مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، أي:
إطعام عشرة مساكين، وجبة واحدة لكل
منهم من الطعام الغالب الذي يأكله أهلوكم
في بيوتكم، وفي تقديم الإطعام على العتق
مع أن العتق أفضل تنبيه على التخيير، وأن
الأمر مبني على التخفيف.
ويمكن أن يقال: الإطعام أفضل؛ لأن
الحر الفقير قد لا يجد الطعام أو لا يكون
هناك من يعطيه فيقع في الضر، أما العبد
فيجب على مولاه طعامه وكسوته، فالعتق
يحتمل التأخير، والإطعام قد لا يحتمل
ذلك، وقدره الحنفية بما يجب فى صدقة
(٢) موطأ مالك، ٢/ ٤٧٧، كتاب النذور والأيمان،
باب اللغو في اليمين.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٧/ ١٥.
٣١٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
الكفارات
[البلد: ١٣].
١٣
الفطر، نصف صاع من بر أو صاع من شعير تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ
أو تمر، وقدره مالك مدٌّ لكل مسكين إن كان
بالمدينة، وقدره الشافعية بمد لكل مسکین،
وأجاز أبو حنيفة إطعام مسكين واحد عشرة
أیام.
واشترط الفقهاء أن يكون العشرة
المساکین من المسلمین، وجوز أبو حنيفة
صرفها إلى أهل الذمة، وتجب كفارة
الإطعام على المستطيع، ولا يجوز أن يطعم
غنيًّا ولا ذا رحم تلزمه نفقته (١).
وأما الكسوة: فهي اللباس، وهي فوق
الإطعام ودون العتق، ولم يقل فيها مما
تكسون أهليكم أو من أوسطه، فيجزئ
إذن كل ما يسمى كسوة، وأدناه ما يلبسه
المساكين عادة، وهى تختلف باختلاف
البلاد والأزمنة کالطعام، يدفع لكل مسکین
ما يصح أن يصلي فيه إن كان رجلا أو امرأه
كل بحسبه، وقيل غير ذلك، وأقل الكسوة
القميص مع السروال(٢).
وأما تحرير الرقبة: فهي إعتاق رقيق،
وغلب استعمال الرقبة في المملوك والأسير،
وقد يعبر أحيانًا عن ذلك بفك الرقبة، كقوله
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٥٧٣/٢،
لباب التأويل، الخازن ٢/ ٧٤، غرائب القرآن،
النيسابوري ٣/ ١٠، تفسير المراغي ١٥/٧،
تفسیر آیات الأحکام، السایس ص ٣٨٨.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٤٧١، لباب
التأويل، الخازن ٢/ ٧٤، تفسير المنار، محمد
رشيد رضا ٧/ ٣٢، تفسير المراغي ٧/ ١٥.
ولا يشترط أبو حنيفة أن تكون الرقبة
مؤمنة، فيجزئ عنده عتق الكافرة، واشترط
الجمهور أن تكون الرقبة مؤمنة، ﴿فَمَنْ لَّمْ
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ آَيَّامٍ﴾، أي: فمن لم يستطع
واحدًا من الثلاثة المتقدمة فعليه أن يصوم
ثلاثة أيام متتابعات، واشترط التتابع الحنفية
والحنابلة، فإن عجز عن ذلك لمرض، صام
عند القدرة، فإن لم يقدر يرجى له عفو الله
ورحمته إذا صحت نيته وصدقت عزيمته(٣).
ثم إن هذه الثلاثة التي خير الله الناس
فيها مترتبة على طريقة الترقي، فالإطعام
أدناها، والكسوة أوسطها، والإعتاق أعلاها،
﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾، بالله
أو بأحد أسمائه وحتثتم، أو أردتم الحنث
باليمين، ﴿وَاحْفَظُواْآَيْمَنَكُمْ ﴾، فلا تبذلوها
في أتفه الأمور وأحقرها، ولا تكثروا من
الأيمان الصادقة، فضلًا عن الأيمان الكاذبة.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهُ عُرْضَةٌ
لِأَيْمَنِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤].
وإذا حلفتم فلا تنسوا ما حلفتم عليه ولا
تحتثوا فيه إلا لضرورة تعرض، أو مصلحة
تجعل الحنث رابحًا.
﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ ءَايَتِهِ، لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾، أي: وعلى هذا النحو الشافي
الواقي یبین الله لكم أعلام شريعته وأحكام
(٣) انظر: المصادر السابقة.
www. modoee.com
٣١٥
حرفالكاف
دينه، ليعدكم ويؤهلكم بذلك(١).
ولا ينعقد اليمين إلا باسم الله تعالى
أو بصفة من صفاته، فمن حلف باسم من
أسمائه أو بصفة من صفاته ولم يبر بيمينه
فعليه الكفارة، ومن حلف بغير ذلك فهو
آثم؛ لأنه عظم المخلوق به وهو غير معظم
تعظيم من يحلف به، ولهذا فلا كفارة عليه
إهانة للمحلوف به، روی ابن عمر أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر رضي
الله عنهما وهو يسير في ركب ويحلف بأبيه،
فقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله ينهاكم
أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف
.
بالله أو ليصمت)(٢) (٣)
واتفق الفقهاء في وجوب كفارة اليمين
بالله تعالى إذا حنث فيها، على التخيير بين
الإطعام وبين الكسوة وتحرير الرقبة، فإن
عجز فصيام ثلاثة أيام، ثم اختلفوا هل يجب
التتابع في الصوم؟ فقال أبو حنيفة وأحمد:
یجب، وقال مالك والشافعي: لا یجب،
وهو الأصح (٤).
(١) انظر: تفسير المراغي ١٦/٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا
أو جاهلا، رقم ٦٠٨، ٢٧/٨، ومسلم
في صحيحه، كتاب الأيمان، باب النهي
عن الحلف بغير الله تعالى، رقم ١٦٤٦،
١٢٦٦/٣.
(٣) انظر: بيان المعاني، العاني ١٨٦/٥.
(٤) انظر: اختلاف الأئمة العلماء، ابن هبيرة
٣٨٣/٢.
ثالثًا: كفارة الظهار:
ومن الكفارات التي ذكرت في القرآن
حفاظًا على الأسرة، ولمنع الظلم عن المرأة
كفارة الظهار.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَاءِهِمْ ثُمَّ
يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُ رَقَّبَةٍ مِّن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا
ذَلِكُنْ تُوعَظُونَ بِهِ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (
٣
فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَايِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَنْ
يَتَمَآَا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطَّعَامُ سِتِينَ مِسْكِينَاً
ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ
وَلِلْكَفِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: ٣-٤].
بينت الآية أن المظاهر من زوجته
يحرم عليه وطؤها، وإذا عزم على إصابتها
وإمساكها فقد وجبت عليه الكفارة، وهي
تحرير رقبة مؤمنة سليمة من العيوب، وهو
قول الجمهور، وقال أبو حنيفة: أي رقبة
كانت، ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسًا﴾، المرادبالتماس
هنا: الجماع، وبه قال الجمهور، فلا يجوز
للمظاهر الوطء حتى يكفر، وقيل: المراد
به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر
إلى الفرج بشهوة، وبه قال الحنفية ومالك،
وهو أحد قولي الشافعي، ﴿ذَلِكُمْ تُوعَفُونَ
يه،﴾، أي: ذلكم الحكم، أو ذلكم التغليظ
توعظون به؛ لأن الحكم بالکفارة دليل على
ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا
الحكم حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا
عقاب الله عليه، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، لا
٣١٦
جومبو
القرآن الكريم
تكفارات
يخفى عليه شيء من أعمالكم فهو مجازيكم أو تمر، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لكل
عليها (١).
ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة،
فقال: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ
مِن قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسًا﴾، أي: فمن لم يجد الرقبة
في ملکه ولم یتمکن من قيمتها، فعليه صيام
شهرين متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر
یستأنف إن کان الإفطار لغير عذر، وإن كان
لعذر من سفر أو مرض، فقال أبو حنيفة: إنه
يستأنف، وهو مروي عن الشافعي، وقال
مالك والشافعي: یپني ولا يستأنف، وهو
أصح، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا وطئ
ليلا أو نهارا عمدًا أو خطأ استأنف، وقال
الشافعي: لا یستأنف إذا وطئ ليلا؛ لأنه لیس
محلا للصوم، وهو أصح(٢).
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ
سِتِينَمِسْکینًا﴾، أي: فإن عجز عن الصوم،
لمرض، أو كبر، أو فرط شهوة لا تمكنه
من الصبر على الجماع، يجب عليه إطعام
ستين مسكينًا، كلٌّ مسكين مدٌّ من غالب
قوت البلد من حنطة أو شعير أو أرز أو ذرة
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٤٨٧، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩/٨، نيل المرام
من تفسير آيات الأحكام، محمد صديق ص
٤٣٣، تفسير آيات الأحكام، السايس ص
٧٣٥.
(٢) انظر: روح المعاني، الألوسي ٢٠٩/١٤،
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، محمد
صديق ص ٤٣٤.
مسكين مدان، وهما نصف صاع، وأجاز
أبو حنيفة دفع الستين صاعًا لمسكين واحد،
ولم يجزئ ذلك عند الجمهور لظاهر الآية،
والظاهر من الآية أنه يطعمهم حتى يشبعوا
مرة واحدة، أو يدفع إليهم ما يشبعهم، ولا
يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة، بل يجوز له
أن يطعم بعض الستين في يوم وبعضهم في
يوم آخر (٣).
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
وَرَسُولِهِ﴾، أي: ذلك الذي وصفناه
من التغليظ في الكفارة لتكونوا مطيعين
لله تعالى، واقفين عند حدود الشرع لا
تتعدونها، لئلا تعودوا للظهار الذي هو
منکر شرعًا وزور وبهتان؛ لأنه يؤدي إلى
انفصام عرى الزوجية، والشرع حريص
کل الحرص علیھا، وسمی التکفیر إيمانًا،
لأنه طاعة، وتلك حدود الله التي تبين
معصيته من طاعته، فالظهار معصية بلا
شك، والكفارة له طاعة، وللكافرين بأحكام
الشرع عذاب أليم في جهنم، ﴿وَتِلْكَ
حُدُودُ اللَّهِ﴾، فلا تجاوزوا حدوده التي حدها
لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن
كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة،
(٣) انظر: أحكام القرآن، الطحاوي ٤٠٣/٢،
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام، محمد
صديق ص ٤٣٤، الجدول في إعراب القرآن،
محمود صافي ٢٨/ ١٦٦.
www. modoee.com
٣١٧
حرفالكاف
﴿وَلِلْكَفِينَ﴾، الذين لا يقفون عند حدود ولا من خلقه أن يقتل أحدًا من المؤمنين، إذ
الله ولا يعملون بما حده الله لعباده وسماه
كفرًا تغليظًا وتشديدًا، ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، هو
عذاب جهنم (١).
واتفق الفقهاء على أنه إذا قال لزوجته:
أنت علي کظهر أمي، فإنه مظاهر لا يحل له
وطؤها حتى يقدم الكفارة، وهي عتق رقبة إن
وجد، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين،
فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (٢).
رابعًا: كفارة القتل:
ومن الكفارات التي نص عليها القرآن
الكريم كفارة القتل الخطأ.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْ مِنٍ أَنْ يَقْتُلَ
مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَشَأْ وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَنًا فَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى أَهْلِهِ: إِلَّ
أَنْ يَضَدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍ لَّكُمْ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِن
كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَقٌ
فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، وَتَّحْرِيرُ رَقَبَةٍ
مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ
مُتَتَّابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ٩٢].
أخبر الله تعالى أنه ليس من شأن المؤمن
(١) انظر: نيل المرام من تفسير آيات الأحكام،
محمد صديق ص ٤٣٤، التفسير الواضح،
محمد حجازي ٣/ ٦٣٠.
(٢) انظر: اختلاف الأئمة العلماء، ابن هبيرة
١٨٦/٢.
الإيمان وهو صاحب السلطان على
النفس، والحاكم على الإرادة، والمصرف
لها يمنعه أن يجترح هذه الكبيرة عمدًا، لكنه
قد یفعل ذلك خطأ، والخطأ ما لا يقارنه قصد
إلى الفعل أو الشخص أو لا يقصد به زهوق
الروح غالبًا، فهذا هو الاحتمال الوحيد في
الحس الإسلامي، وهو الاحتمال الحقيقي
في الواقع، فإن وجود مسلم إلى جوار مسلم
مسألة كبيرة، ونعمة عظيمة، ومن العسير
تصور أن يقدم مسلم على إزالة هذه النعمة
عن نفسه والإقدام على هذه الكبيرة عن عمد
وقصد(٣).
وقد ذكرت الآية ثلاث حالات من القتل
الخطأ وهي:
الحالة الأولى: أن يقع القتل على مؤمن
أهله مؤمنون في دار الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَمَن قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَنًا
فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى
أَهْلِهِ إِلَّّ أَن يَصَدَّقُواْ﴾ يعني: ويجب في
هذه الحالة تحرير رقبة مؤمنة، ودية تسلم
إلى أهله، فأما تحرير الرقبة المؤمنة، فهو
تعويض للمجتمع المسلم عن قتل نفس
مؤمنة باستحياء نفس مؤمنة، وهي في مال
القاتل، وأما الدية فتسكين الثائرة النفوس،
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
٢٧٠/٥، تفسير المراغي ١٢٠/٥، في ظلال
القرآن، سيد قطب ٧٣٥/٢.
٣١٨
جوسين
القرآن الكريمِ