النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآنِ الْكِرِيْمِ الْكُرْب عناصر الموضوع مفهوم الكذب ٢٠٦ الكذب في الاستعمال القرآني ٢٠٧ الألفاظ ذات الصلة ٢٠٨ التنفير من الكذب ٢١٠ مظاهر الكذب وميادينه ٢١٨ ٢٣٣ عواقب الكذب وآثاره المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ حرفالكاف مفهوم الكذب أولًا: المعنى اللغوي: مادة كذب: الكاف والذال والباء أصلٌ صحيحٌ يدل على خلاف الصدق. وتلخيصه أنه لا يبلغ نهاية الكلام في الصدق، كذب يكذب كذبًا. وكذبت فلانًا: نسبته إلى الكذب، وأكذبته: وجدته كاذبًا. ورجلٌ كذابٌ وکذبةٌ، وأكذب نفسه وكذبها بمعنی اعترف بأنه كذب(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الجرجاني: ((هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول، أو بالإشارة، أو بالسكوت))(٢). وقال الكفوي: ((الكذب: كل خبر مخبره على خلاف ما أخبره فهو كذب)» (٣). ولما كان الصدق والكذب مما توصف به الأقوال، فإن كل دلالة مقصودة إما أن تكون دلالته صادقة، وإما أن تكون دلالته كاذبة، فالصدق ما وافق الحقيقة، والكذب ما خالف الحقيقة، وكذلك الحركات التعبيرية الكاذبة، كإشارات اليد والعين والحاجب والرأس، هي التي تكون دلالتها مخالفة للحقيقة والواقع، فكم من إشارة فعلية تقوم مقام القول في دلالتها(٤). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ١٦٨/٥، المصباح المنير، الفيومي، ٥٢٨/٢. (٢) التعريفات، ص٧٤، وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٩٥٢. (٣) الكليات، ص٧٤٢. (٤) انظر: الأخلاق الإسلامية وأسسها، الميداني ١/ ٥٣٠. ٢٠٦ ◌َ البَشَـ جوية القرآن الكريمِ الكذب الكذب في الاستعمال القرآني وردت مادة (كذب) في القرآن الكريم (٢٨٢) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٢٧ ١٠,٠٠ مسودة ﴾ [ الزمر: ٦٠] ﴿أَلَمّ تَكُنْ ءَايَتِى تُثْلَ عَلَيْكُمْ فَكُتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ ١٠٥ المصدر ٣٦ وَجَآءُو عَلَى قَمِصِهِ، بِدَرِ كَذِبٍ﴾ [يوسف: ١٨] ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ اَلْكَذِبِينَ ٣ اسم الفاعل ٣٥ [العنكبوت: ٣] ﴿أَلْقِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ ٥ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الأَشِرُ ﴾ [القمر: ٢٥-٢٦] اسم المفعول ١ ٦٥ ٢ [هود: ٦٥] ﴿ذَلِكَ وَعْدُّ غَيْرُ مَكْذُوبٍ وجاء الكذب في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: الإخبار بالأمر على غير ما هو عليه، نقيض الصدق، ولا يكون بالقصد الأول إلا في القول، ويكون أيضًا في غيره، ويلزم منه الإنكار والجحود وخلف الوعد والنفاق وغيرها من لوازم الكذب (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٩٨ -٦٠٢، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص١٠١٤- ١٠١٩. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٧٠٤/١-٧١١، الوجوه والنظائر، الدامغاني، ص ٤٠١، بصائر ذوي التمییز، الفيروزآبادي، ٣٣٨/٤-٣٤٠. www. modoee.com ٢٠٧ ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم الفعل المضارع ٦٠ [المؤمنون: ١٠٥] صيغة المبالغة ٥ حرفالكاف الألفاظ ذات الصلة ١ الزور: الزور لغةً: قال ابن فارس: «الزاء والواو والراء: أصلٌ واحدٌ يدل على الميل والعدول. من ذلك الزور: الكذب؛ لأنه مائلٌ عن طريقة الحق. ويقال: زور فلانٌ الشيء تزویرًا. حتى يقولون :زور الشيء في نفسه: هيأه؛ لأنه يعدل به عن طريقةٍ تكون أقرب إلى قبول السامع))(١). الزور اصطلاحًا: هو تحسین الشيء، ووصفه بخلاف صفته، حتی یخیل إلی من يسمعه أو يراه أنه خلاف ما هو به(٢) . الصلة بين الزور والكذب: أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، أما الزور فهو الكذب الذي قد سوي وحسن في الظاهر؛ ليحسب السامع أنه قد صدق(٣). الافتراء: ٢ الافتراء لغةً: الفرية: الكذب. فرى كذبًا فريًا وافتراه: اختلقه. ورجلٌ فريٌّ ومفرَى وإنه لقبيح الفرية (٤). الافتراء اصطلاحًا: هو: اختراع قضية لا أصل لها، أو هو ((العظيم من الكذب))(٥). الصلة بين الكذب والافتراء: الكذب: الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة. والافتراء: أخص منه؛ لأنه الكذب في حق الغیر بما لا يرتضیه، بخلاف الكذب فإنه قد یکون في حق المتكلم نفسه، وأيضًا قد يحسن الكذب في بعض الوجوه، بخلاف الافتراء (٦). (١) مقاييس اللغة، ٢٦/٣. (٢) جامع البيان ٣١٤/١٩. (٣) الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص٤٧. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٥/ ١٥٤. (٥) انظر: مقاليد العلوم، السيوطي ص ٢٠٧، الكليات، أبو البقاء الكفوي، ص ١٥٤. (٦) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص ٤٥٠. ٢٠٨ جَوَسُولَةُ النَّقتي القرآن الكريم الكذب الإفك: ٣ الإفك لغةً: أفك إفكّا وأفوكا: كذب، وأفك فلانًا: جعله يكذب، وحرمه مراده(١). الإفك اصطلاحًا: أعظم الكذب، وكل شيء في القرآن إفك فهو كذب(٢). الصلة بين الكذب والإفك: أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، والإفك هو الكذب الفاحش القبح مثل: الكذب على الله تعالى ورسوله صلی الله عليه وسلم، أو على القرآن، ومنه أيضًا قذف المحصنة، وغير ذلك مما یفحش قبحه(٣). البهتان: ٤ البهتان لغة: مشتقٌ من بهت الرجل يبهته بهتًا وبهتانًا فهو بهات، أي: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوتٌ، والبهتان: افتراءٌ(٤). البهتان اصطلاحًا: هو الافتراء على الغير، وهو: الخبر المكذوب الذي لا شبهة لکاذبه فيه؛ لأنه یبهت من ينقل عنه (٥). وقيل: هو كذب يبهت سامعه ويدهشه ويحيره؛ لفظاعته، وقال أبو البقاء: ((سمي به؛ لأنه يبهت أي: يسكت؛ لتخيل صحته، ثم ينكشف عند التأمل)) (٦). الصلة بين الكذب والبهتان: أن الكذب هو الإخبار عن الشيء على خلاف الواقع، سواء بالقول أو بالإشارة، أما البهتان فهو مواجهة الإنسان بما لم يحبه، وعلى وجه المكابرة له (٧). (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي ص٩٣١. (٢) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٥٣. (٣) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري ص٤٥١. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٠٠/٨. (٥) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٨/٢٨. (٦) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٨٤، الكليات، الكفوي ص ٢٢٦. (٧) انظر: الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ص ٤٥٠. www. modoee.com ٢٠٩ حرفالكاف التنفير من الكذب نفر القرآن الكريم من الكذب حيث قرنه بأوصاف تحمل أكبر معاني القبح، وهذا ما سنتناوله فيما يأتي: وأخبر سبحانه أن الذين جحدوا وحدانيته أولًا: التلازم بين الكذب والكفر، وكذبوا رسوله وأنكروا آيات القرآن، لهم والنفاق، والظلم، والاستكبار: ١. التلازم بين الكذب والكفر. قرن سبحانه وتعالى بين الكذب والكفر في مواضع من كتابه الكريم مما يدل على أن سجية الكافرين الكذب والتكذيب، ومخالفة الحق، قال تعالى: ﴿بَلِ اَلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِ تَكْذِيبٍ﴾ [البروج: ١٩]. واختلفت هذه الآية عن سابقتها حيث ذكرت أن التكذيب عمهم حتى صار كالوعاء لهم ((وفيها إشارةٌ إلى أن إحاطة التكذيب بهم إحاطة الظرف بالمظروف لا يترك لتذكر ما حل بأمثالهم من الأمم مسلكًا لعقولهم»(١). وذکر سبحانه أن الذين جمعوا بين الكفر والكذب يلازمون النار، هم فيها خالدون لا يخرجون منها، قال تعالى: ﴿وَاْلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَّبُواْ بِثَايَتِنَا أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِّ هُمْ فِهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُوا ◌ِئَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [المائدة: ١٠]. عذاب يخزيهم ويهينهم في جهنم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِتَّايَتِنَا فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [الحج: ٥٧]. وأخبر سبحانه أن الذين كفروا بالله وكذبوا بما جاءت به الرسل وأنكروا البعث بعد الموت في العذاب مقيمون؛ جزاء ما كذبوا به في الدنيا، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا وَلِقَآيٍ الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]. ٢. التلازم بين الكذب والنفاق. أخبر سبحانه عن التلازم بين الكذب والنفاق، مما يدل على أن سجية المنافقين الكذب والتكذيب: قال تعالى: ﴿وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُو ◌َاللَّهَ وَرَسُولَهُ. سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٠]. ((وهم منافقو الأعراب الذين ما جاءوا وما اعتذروا، وظهر بذلك أنهم كذبوا الله ورسوله في ادعائهم الإيمان. وقرأ أبيٌّ: ﴿كَذَّبُواْ﴾ بالتشديد ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور: ٢٥٢/٣٠. جَوَسُوعَر النفسية القرآن الكريمِ ٢١٠ الكذب في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بالنار، وإنما قال: ﴿مِنْهُمْ﴾؛ لأنه تعالى كان عالمًا بأن بعضهم سيؤمن ويتخلص عن هذا العقاب، فذكر لفظة (من) الدالة على التبعيض))(١). وقد أخبر سبحانه أن إخلاف الوعد والكذب هما سبب تمكن النفاق من قلوب المنافقين، قال تعالى: ﴿ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِی قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمٍ يَلْقَوْنَهُ بِمَآ أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْيَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. فليحذر المؤمن من هذا الوصف الشنيع، أن يعاهد ربه، إن حصل مقصوده الفلاني لیفعلن كذا وكذا، ثم لا یفي بذلك، فإنه ربما عاقبه الله بالنفاق كما عاقب هؤلاء. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان)(٢). والنفاق المقصود هنا: هو نفاق العمل، وليس نفاق اعتقادي، كما قال أهل العلم(٣). وقال تعالى: ﴿أَلَمْ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْ قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم مَّاهُمْ مِنَكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَعْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ (١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ١٢٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة المنافق، رقم ٣٣. (٣) نقل النووي في شرحه على مسلم ٤٧/٢ عن الترمذي قوله: إنما معنى هذا عند أهل العلم نفاق العمل. وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة: ١٤]. ولقد شهد الله سبحانه على المنافقين بالكذب وتكفي هذه الشهادة، قال تعالى - في سياق الحديث عن مسجد الضرار ومقصد المنافقين منه، أنهم ما أرادوا ببنائه إلا الخير والرفق بالمسلمين والتوسعة على الضعفاء العاجزين عن السير إلى مسجد (قباء)، والله يشهد إنهم لكاذبون فيما يحلفون عليه -: ﴿وَالَّذِينَ أَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلَّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْناً إِلَّا الْحُسْنَىِّ وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧]. وقال تعالى في سياق إخبار الله عما تكنه صدور المنافقين للرسول أنهم كاذبون فيما أظهروه من شهادتهم لك بالرسالة، وحلفوا عليه بألسنتهم، وأضمروا الكفر به، قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]. ٣. التلازم بين الكذب والظلم. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنِ آَفْتَرَ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُ( أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِّلْكَفِرِينَ ﴾ [العنكبوت: ٦٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ سَأَنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اَللَّهُ وَلَوْ تَرَىَّ إِ الظَّالِمُونَ فِىِ www. modoee.com ٢١١ حرفالكاف غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوّا أَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ أَلْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ، تَسْتَكْيُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًاْ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَقْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود: ١٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِّبًا أَوْ كَذَّبَ بَِايَتِّهِ إِنَُّ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٢١]. أي: («لا أظلم ممن تقول على الله، فادعى أن الله أرسله ولم يكن أرسله، ثم لا أظلم ممن كذب بآيات الله وحججه وبراهينه ودلالاته))(١). ثم قضى سبحانه في حكمه أن الظالمين لا يفلحون، أي: ((لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا والآخرة، بل يبقون في الحرمان والخذلان، ونفى الفلاح عن الظالم فدخل فيه الأظلم، والظالم غير الأظلم وإذا كان هذا لا يفلح فكيف يفلح الأظلم؟!)) (٢). ((والظلم هنا كناية عن الشرك. في صورة التفظيع له والتقبيح. وهو التعبير الغالب في السياق القرآني عن الشرك. وذلك حين يريد أن يبشع الشرك وينفر منه. ذلك أن (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٥/٣ (٢) البحر المحيط، أبو حيان ٤ / ٤٦٣. جوية القرآن الكريمِ الشرك ظلم للحق، وظلم للنفس، وظلم للناس. هو اعتداء على حق الله سبحانه في أن يوحد ويعبد بلا شريك. واعتداء على النفس بإيرادها موارد الخسارة والبوار. واعتداء على الناس بتعبيدهم لغير ربهم الحق، وإفساد حياتهم بالأحكام والأوضاع التي تقوم على أساس هذا الاعتداء، ومن ثم فالشرك ظلم عظيم، کما یقول عنه رب العالمين. ولن يفلح الشرك ولا المشركون. والله سبحانه يقرر الحقيقة الكلية ويصف الحصيلة النهائية للشرك والمشركين -أو الظلم والظالمين- فلا عبرة بما تراه العيون القصيرة النظر في الأمد القريب فلاحًا ونجاحًا، فهذا هو الاستدراج المؤدي إلى الخسار والبوار، ومن أصدق من الله حديثًا؟!))(٣). ثم أخبر سبحانه أنه لا یرشدهم إلى ما فیه فلا حهم؛ لعدم توجههم إليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٌ عَلَى اَللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَ إِلَى الْإِسْلَِ وَاللهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ اَللَّلمِينَ﴾ [الصف: ٧]. قال ابن عاشور رحمه الله: ((وإنما كانوا أظلم الناس؛ لأنهم ظلموا الرسول صلى الله عليه وسلم بنسبته إلى ما ليس فيه؛ إذ قالوا: هو ساحرٌ، وظلموا أنفسهم إذ لم يتوخوا لها النجاة، فيعرضوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم على النظر الصحيح (٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٠٦٣/٢. ٢١٢ الكذب ما جاءهم من هدیه وحجج رسوله صلی الله علیه وسلم إلى ما ليس منه فسموا الآيات والحجج سحرًا، وظلموا الناس بحملهم على التكذيب وظلموهم بإخفاء الأخبار التي جاءت في التوراة والإنجيل مثبتةً صدق رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وكمل لهم هذا الظلم بقوله تعالى: ﴿وَلَهُلا يَهْدِى الْقَوْمَ الَّلِينَ﴾ فيعلم أنه ظلمٌ مستمرٌ))(١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِتَايَلِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبْوَبُ اَلسَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّ بَلِجَ الْجَمَلُ فِى سَيِّالْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٠]. ((والاستكبار عن الآيات هو رفض قبولها كبرًا وعنادًا لمن جاء بها أن يكون إمامًا متبوعًا للمستكبرين؛ لأنهم يرون أنفسهم فوقه، أو أقوامهم فوق قومه، أو يحبون أن يروا الناس ويوهموهم ذلك، فرؤساء قريشٍ (١) التحرير والتنوير ١٨٨/٢٨. حتى يعلموا صدقه، وظلموا ربهم؛ إذ نسبوا المستكبرون منهم من كان يرى من الضعة والمهانة أن يكون مرءوسًا للنبى صلى الله عليه وسلم نفسه؛ لأنهم أكثر منه مالًا وأعز نفرًا أو أكبر سنًّا، فیرون أنهم أحق بالرياسة -وكان من هؤلاء بعض عشيرته بني هاشم- ومنهم من كان يستكبر أن يتبع رجلاً من بني هاشم کأبي جهل وأبي سفیان وآخرین، مات بعضهم على الكفر ودان بعضهم بالإسلام بعد ظهوره، ولم يكن في غير قريشٍ من العرب من يستكبر أن يتبع رجلاً منهم إلا ٤. التلازم بين الكذب والاستكبار. بالتبع؛ لعدم اتباعهم هم له، ولكن أحبار قرن سبحانه في كتابه بين الكذب والاستكبار في مواضع من آياته؛ لأن من كذب بالشيء نأى بنفسه عن اتباعه فهما متلازمان الكذب والاستكبار. اليهود استكبروا عن اتباعه؛ لأنه عربيٍّ، وهم يرون أن النبوة يجب حصرها فيهم، وكذلك أمراء المجوس ورؤساء دينهم؛ إذ كانوا يحتقرون العرب كافةً إلا من هدى ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَتِنَا قال تعالى: وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِهَا خَالِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٦]. الله من الفريقين، ولا يزال بعض الشعوب يأبى الاهتداء بالإسلام استكبارًا عن اتباع أهله))(٢). ثانيًا: الوعيد بالعذاب على الكاذب: اقتضت حكمة الله وعدله بین عباده أن يعاقب المكذب فى الدنيا والآخرة -إن لم یتب- وأخبر في مواضع من کتابه بوعید الكاذبين والذي منه: ١. الإقامة في العذاب. قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ (٢) تفسير المنار، محمد رشيد رضا ٣٦٥/٨. www. modoee.com ٢١٣ حرفالكاف ◌ِثَايَتِنَا وَلِقَآِي الْآَخِرَةِ فَأُوْلَكَ فِى الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [الروم: ١٦]. ((ومحضرون: يجوز أن يكون من الإحضار، أي: جعل الشيء حاضرًا، أي: لا یغیبون عنه، أي: لا يخرجون منه، وهو يفيد التأبيد بطريق الكناية؛ لأنه لما ذكر بعد قوله في العذاب ناسب أن لا يكون المقصود من وصفهم المحضرين أنهم كائنون في العذاب؛ لئلا یکون مجرد تأکید بمدلول في الظرفية، فإن التأسيس أوقع من التأکید. ويجوز أن يكون محضرون بمعنى: مأتيٌ بهم إلى العذاب فقد كثر في القرآن استعمال محضرٍ ونحوه، بمعنى: معاقبٍ)»(١). ٢. ملازمون للعذاب. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِعَايَتِنَآً أُوْلَبِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩]. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِنَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ خَلِينَ فِيَهَاً وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التغابن: ١٠]. ٣. العذاب في الجحيم. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِشَايَتِنَآ أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [الحديد: ١٩]. ٤. العذاب المهين. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١/ ٦٤. قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ تُهِينٌ﴾ [الحج: ٥٧]. ((أي: لهم عذابٌ مشتملٌ على ما فيه مذلتهم كالضرب بالمقامع ونحوه)» (٢). ثالثًا: اللعن على الكاذبين: أخبر سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: من جادلك -أيها الرسول- في المسيح عيسى ابن مريم من بعد ما جاءك من العلم في أمر عيسى عليه السلام، فقل لهم: تعالوا نحضر أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم، ثم نتجه إلى الله بالدعاء أن ينزل عقوبته ولعنته على الكاذبين في قولهم، المصرين على عنادهم. كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِمَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَ كُمْ وَنِسَ نَا وَنِسَآءُ كُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّمْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]. وأخبر سبحانه وتعالى أن الذين كذبوا علی ربهم في الدنيا قد سخط الله علیھم، ولعنهم لعنة لا تنقطع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَخْلَهُ مِمَّنِ افْتَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى (٢) المصدر السابق ١٧ /٣١٠. ٢١٤ مَوْسُورَةُ التَّقِينَ القرآن الكريم الكذب الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨ یبین تعالى حال المفترین علیه وفضیحتهم في الدار الآخرة على رءوس الخلائق من الملائكة، والرسل، والأنبياء، وسائر البشر والجان، روى البخاري بسنده عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذًا بید ابن عمر إذ عرض له رجلٌ قال: کیف سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول في النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: يقول: (إن الله عز وجل یدني المؤمن، فیضع علیه کنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب کذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول: ﴿الْأَشْهَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾﴾(١). رابعًا: نفي الفلاح عن المكذبين: أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر الذين يفترون على الله الكذب باتخاذ الولد وإضافة الشريك إليه، أنهم لا ينالون مطلوبهم في الدنيا ولا في (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم: باب قول الله تعالى: (ألا لعنة الله على الظالمين)، رقم ٢٤٤١. الآخرة ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ آ مَتَعُ فِ الدُّنْيَا ثُوَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْيَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٩ -٧٠]. ((والفلاح عبارةٌ عن الوصول إلى المقصود والمطلوب، فمعنی أنه لا يفلح هو أنه لا ينجح في سعيه ولا يفوز بمطلوبه بل خاب وخسر، ومن الناس من إذا فاز بشيءٍ من المطالب العاجلة والمقاصد الخسيسة، ظن أنه قد فاز بالمقصد الأقصى، والله سبحانه أزال هذا الخيال بأن قال: إن ذلك المقصود الخسيس ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا، ثم لا بد من الموت، وعند الموت لا بد من الرجوع إلى الله، وعند هذا الرجوع لا بد من أن يذيقه العذاب الشديد)»(٢). فالمكذبون: «لا یفلحون أي فلاح، لا يفلحون في شعب ولا طريق. لا يفلحون في الدنيا ولا في الأخرى. والفلاح الحقيقي هو الذي ينشأ من مسايرة سنن الله الصحيحة، المؤدية إلى الخير وارتقاء البشر وصلاح المجتمع، وتنمية الحياة، ودفعها إلى الأمام. وليس هو مجرد الإنتاج المادي مع تحطم القيم الإنسانية، ومع انتكاس البشر إلى مدارج الحيوانية، فذلك فلاح ظاهري موقوت، منحرف عن خط الرقي الذي يصل بالبشرية إلى أقصى ما تطيقه طبيعتها من (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٧ / ٢٨٢. www. modoee.com ٢١٥ حرفالكاف الاكتمال)»(١). وبعد أن أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بإخبار المشركين أنهم لا يفلحون، أعقب ذلك في سورة النحل بخطاب للمشركين؛ ليقرر أن الرسول صلى الله عليه وسلم يبلغ ما یأمره الله به فقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلُ وَهَذَا حَرَامٌ لِنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبِّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴾ [النحل: ١١٦]. ((نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك، مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَغْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعةً ليس له فيها مستندٌ شرعيٍّ، أو حلل شيئًا مما حرم الله، أو حرم شيئًا مما أباح الله بمجرد رأيه وتشهيه. و(ما) في قوله: ﴿لِمَا تَصِفُ﴾ مصدريةٌ، أي: ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتکم، ثم توعد على ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الكَذِبَ لَايُفْلِحُونَ﴾ أي: في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فمتاعٌ قليلٌ، وأما في (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٨٠٧. الآخرة فلهم عذابٌ أليمٌ)»(٢). وبعد هذا النص، كيف يجرؤ ناس على التشريع بغير إذن من الله، وبغير نص في شريعته يقوم عليه ما يشرعونه من القوانين؟ اوهل ينتظر هؤلاء أن يكون لهم فلاح في هذه الأرض أو عند الله؟ كلا بنص كتاب الله. خامسًا: الاعتبار بعاقبة المكذبين: أمر الله سبحانه بالنظر والتأمل في عاقبة المكذبين؛ للاعتبار والاتعاظ، وهذا الاعتبار والاتعاظ يحتاجه الرسول صلى الله عليه وسلم ليثبت فؤاده على طريق الدعوة، ويحتاجه المؤمنون كذلك، ويحتاجه المكذبون أنفسهم؛ ليرتدعوا وينزجروا عن تکذیب الرسول صلی الله عليه وسلم. فأمر الله عز وجل الرسول صلى الله عليه وسلم بـ﴿قُلّ﴾ التلقينية - الدالة على أنه صلی الله عليه وسلم مبلغ من قبل الله- أن يأمر المشركين بالسير في الأرض؛ للاعتبار بما حدث للمكذبين قبلهم، فقال تعالى: ﴿قُلّ سِيْرُواْ فِ اُلْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١]. ((يقول تعالى ذكره: قل يا محمد لهؤلاء العادلين بي الأوثان والأنداد المكذبين بك الجاحدين حقيقة ما جئتهم به من عندي: (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٣/٤. جَوْسُو ◌َة النفسية الْقُرْآن الكَرِيمِ ٢١٦ الكذب جولوا في بلاد المكذبين رسلهم الجاحدین آياتي من قبلهم من ضربائهم وأشكالهم من الناس ﴿ثُمَّ أَنْظُرُواْ كَيْفَ﴾ أعقبهم تكذيبهم ذلك الهلاك والعطب وخزي الدنيا وعارها، وما حل بهم من سخط الله علیهم من البوار وخراب الديار وعفو الآثار. فاعتبروا به، إن لم تنهکم حلومکم، ولم تزجرکم حجج الله عليكم، عما أنتم مقيمون عليه من التكذيب، فاحذروا مثل مصارعهم، واتقوا أن يحل بكم مثل الذي حل بهم)) (١). وأمر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن ينظر بتأمل وتفكر كيف كان عاقبة من كذبوا بآيات الله ورسله؟ ليحذر قومه أن يستمروا على تكذيبهم، فيصيبهم مثل ما أصاب من قبلهم، قال تعالى: ﴿فَأَنْتَقَمْنَا مِنْهُمّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اَلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: ٢٥]. ثم أمر سبحانه وتعالى المشركين بنفس ما أمرهم به الرسول صلی الله عليه وسلم -تأكيدًا على أنه مبلغ عن ربه- أن يمشوا في الأرض؛ ليبصروا بأعينهم كيف كان مآل المكذبين قبلهم؟ وماذا حل بهم من دمار؟ ليعتبروا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمِ مَنْ هَدَى اَللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ (١) جامع البيان، الطبري ٩/ ١٦٧. اُلْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]. ثم خاطب سبحانه وتعالى المؤمنين لما أصيبوا يوم أحد تعزية لهم بأنه قد مضت من قبلكم أمم، ابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين فكانت العاقبة لهم، فسيروا في الأرض معتبرين بما آل إليه أمر أولئك المكذبين بالله ورسله، فقال تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِى الْأَرْضِ فَأَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]. فإن قيل: ما الفرق بين قوله ﴿فَانْظُرُوا في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَّنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَأَنْفُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧]. وبين قوله: ﴿ثُمَّ أَنْظُرُوا ﴾؟ قال الرازي رحمه الله: ((قوله: ﴿فَانْظُرُوا ﴾ يدل على أنه تعالى جعل النظر سببًا عن السير، فكأنه قيل: سيروا لأجل النظر، ولا تسيروا سير الغافلين. وأما قوله: ﴿سِيرُواْ فِىِ الْأَرْضِ ثُمَّ أَنْظُرُواْ﴾ [الأنعام: ١١]. فمعناه: إباحة السير في الأرض للتجارة وغيرها من المنافع، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، ثم نبه الله تعالى على هذا الفرق لتباعد ما بين الواجب بكلمة ﴿ثَمـ والمباح))(٢). (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ /٤٨٨. www. modoee.com ٢١٧ حرفالكاف مظاهر الكذب وميادينه ذكر القرآن الكريم للكاذبين مظاهر إذا رآها الناس أشاروا إلى أصحابها وقالوا: هذا الذي حكى عنه القرآن فاحذروه، من هذه المظاهر ما يلي: الكذب على الله والتكذيب بآياته والتكذيب بکتبه ورسله واليوم الآخر: أولًا: الكذب على الله: قال تعالى: ﴿فَمَنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٤]. قال الراغب رحمه الله: ((الافتراء والاختلاق: افتعال للكذب الذي لا أصل له، من افتراء الأدیم واختلاقه. والكذب ضربان: اختراع قصة لا أصل لها وزيادة، أو تغيير فيما له أصل. والأول: أعظمهما، والمفترى عليه ضربان: رفيع ووضيع. فالمفتري على الرفيع أعظم ذنبًا، ثم المفتري له ضربان: عارف بالفرية. وجاهل بها، فالمفتري العارف بالفرية أوقحهما وجهًا، فبين الله تعالى بالآية أنهم اختلفوا الكذب على الله تعالى، الذي يعلم السر وأخفى، وفعلوا ذلك بعد أن أطلع الله الناس على کذبهم»(١). وبين سبحانه وتعالى أن متخذي ذلك في (١) تفسير الراغب الأصفهاني ٧٢٣/٢. نهاية الظلم في مواضع من کتابه: من أعظم صور الظلم الكذب على الله: أنه لم يبعث رسولا من البشر، أو ادعى كذبًا أن الله أوحی إلیه ولم يوح إليه شيء، أو ادعى أنه قادر على أن ينزل مثل ما أنزل الله من القرآن. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأَنْزِلُّ مِثْلَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَوْتَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِىِ غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوَّا أَنْفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَنِّهِ، تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]. وقد اختلف في سبب نزولها: فعن عكرمة رحمه الله: ((إنها نزلت في مسيلمة أخي بني عدي بن حنيفة فيما كان یسجع ویتکهن به»(٢). وعن السدي رحمه الله: ((نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح خاصة»(٣). ويرى الطبري رحمه الله: ((أنه لا تمانع بين علماء الأمة أن ابن أبي سرح كان ممن قال: إني قد قلت مثل ما قال محمد، وأنه ارتد عن إسلامه ولحق بالمشركين، فكان لا شك بذلك من قوله مفتریا کذبًا، و کذلك (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٣/٧، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢١١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٧٣، فتح القدير، الشوكاني ٢٠٢٠/٢. ٢١٨ القرآن الكريم الكذب لا خلاف بين الجميع أن مسيلمة والعنسي على الله عز وجل؛ لأنه وحده صاحب الكذابين ادعيا على الله كذبًا أنه بعثهما التحليل والتحريم، فإن انطلى كذبهم على بعض الناس فأخذوا من ورائه منفعة عاجلة، فعما قلیل سیفتضح أمرهم وینکشف کذبهم وتنقطع مصالحهم بين الخلق، وذلك أن الله أمرهم بخلاف ما قالوا فهم يكذبونه يحللون ويحرمون من غير تحليل الله وتحريمه، ويجعلون ذلك من الشرع(٢). نبیین وقال کل واحد منهما: إن الله أوحى إليه. وهو كاذب في قوله، فإذا كان كذلك فقد دخل في هذه الآية كل من كان مختلقًا على الله كذبًا، وقائلًا في ذلك الزمان وفي غيره أوحى الله إلي وهو في قوله كاذب لم يوح الله إليه شيئًا، فأما التنزيل فإنه جائز أن یکون نزل بسبب بعضهم وجائز أن يكون نزل بسبب جميعهم»(١). ومن صور الكذب التحليل والتحريم، بحسب الأهواء، لا بحسب الشرع المنزل من عند الله، ولهذا عنف الله عز وجل الكفار حين ادعوا أن ما شرعوه من عند أنفسهم هو الشرع الذي أوحى به الله عز وجل. قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَنُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّنَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَّ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَّذِبَ لَا يُفْلِحُونَ ﴿ مَتَعُ قَلِلٌ وَلَهُمْ عَذَابُ [النحل: ١١٦ - ١١٧]. فالآية خطاب للكفار الذين حرموا البحيرة والسائبة، وأحلوا ما في بطون الأنعام، فلیس کلامهم كذبًا فقط، بل يصفه، فمن لا يعرف الكذب فليعرفه من كلام هؤلاء، وتحليلهم وتحريمهم كذب وافتراء (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٧٤، روح المعاني، الألوسي ٧/ ٢٢٢. ويصف الله عز وجل ما يأخذه هؤلاء من دنياهم بالكذب والافتراء على الله ﴿مَتَحٌ قَلِيلٌ﴾ زائل، سيحرمون من المتاع الكثير الدائم الذي قال الله عنه: ﴿مَا عِندَكُمْ يَنْفَذْ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾ [النحل: ٩٦]. ليس هذا فقط بل ﴿وَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ والذين هادوا: هم اليهود، عاقبهم الله عز وجل بتحريم هذه الأشياء، مع أنها حلال في ذاتها، وهذا تحریم خاص بهم (٣). ((وقد كان السلف الصالح يتجنبون قول: هذا حلال وهذا حرام إذا كان باجتهاد، وإنما يقولون: أكره هذا أو يستحب هذا))(٤). ومن صور الكذب على الله: الافتراء على الله أنه حرم بعض الأنعام وحلل بعضها (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣٧٥/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ١٩٦. (٣) انظر: تفسير مجاهد ٣٥٤/١، الدر المنثور، السيوطي ١٧٥/٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠ / ١٩٦. وانظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٣٢٥/٢. www. modoee.com ٢١٩ حرفالكاف تقولًا عليه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنُّ قُلْ ءَ الذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ اَلْأُنْشَيَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَبَيْنِّ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ وَصَّمَكُمُ اللَّهُ بِهَذَاً فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الفَّْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٤]. ومن صور التكذيب على الله: نسبة الشريك إليه في عبادته. قال تعالى: ﴿هَنَؤُلاءِ قَوْمُنَا أَخَذُواْ مِن دُونِ» ءَالِهَةٌ لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانِ بَيْنٍّ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف: ١٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدّعَّ إِلَى الْإِسْلَمِّ وَاللَّهُ لَ يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الصف: ٧]. ثانيًا: التكذيب بآيات الله: قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِكَايَتِنَا وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيَهَا خَلِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٦]. أي: والذين كذبوا منكم بآياتنا التي تقص ﴿وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا﴾ ولم يقبلوها، أولئك هم الخالدون في النار؛ لتكذيبهم واستكبارهم (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا تَأْنِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِّنْ (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٨/٣، روح المعاني، السيوطي ٨/ ١١٥. ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُواْ بِأَلْحَقِّ لَمَّا جَآءَ هُمْ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبَوَأْ مَا كَانُواْ بِه يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ٤-٥]. أي: إن المشركين المكذبين المعاندين مهما أتتهم من دلالة ومعجزة وحجة من الدلالات على وحدانية الله وصدق رسله الکرام فإنھم یعرضون عنھا فلا ینظرون إلیھا ولا يبالون بها (٢) . ((وإنهم لما أعرضوا عن القرآن وكذبوا به فكيف لا يعرضون عن غيره؟!))(٣) مع أنه أعظم آية وأكبرها، بدليل أنهم تحدوا به فعجزوا عنه حين جاءهم، وتكذيبهم فيه دلالة على قلة خوفهم وتقديرهم للعواقب (٤). وسوف يعاقبون علی تكذيبھم وما وقع منهم من الاستهزاء، وفي لفظ الأنباء: إيذان بغاية العظم لما أن النبأ لا يطلق إلا على خبر عظيم الوقع، أي: سيظهر لهم ما كانوا به يستهزئون عند نزول العذاب بهم في الدنيا والآخرة(٥). وهذه رتب ثلاث صدرت من هؤلاء الكفار: الإعراض عن تأمل الدلائل، ثم (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٩/٢، أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٩٢/١. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٩٢/٢، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ١١٠. (٤) انظر: الأساس في التفسير، سعيد حوى ١٥٧٨/٣. (٥) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٣٩٢/٢. جَوَسُولَة التقنية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٢٠ الكذب أعقب الإعراض التكذيب، وهو أزيد من في الحق والباطل، كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال، وكذبوا بالقرآن أو بجنس الكتب السماوية وبما أرسلنا به رسلنا من سائر الكتب أو الوحي والشرائع. الإعراض، إذ المعرض قد يكون غافلًا عن الشيء، ثم أعقب التكذيب الاستهزاء، وهو أزید من التكذيب، إذ المکذب قد لا يبلغ إلى حد الاستهزاء، وهذه هي المبالغة في الإنكار(١). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلى اللّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهٌُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوَّى لِلْكَافِرِينَ﴾ [الزمر: ٣٢]. أي: لا أحد أظلم ممن کذب على الله عز وجل بأن له ولدًا وشریگًا، أو كذب بالتوحيد والقرآن، فلا أحد أظلم من هذا؛ لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذب بالقرآن؛ ولهذا جاء الوعيد لهم سريعًا(٢). ثالثًا: التكذيب بالكتب: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِالْكِتَبِ وَبِمَآ أَرْسَلْنَا بِهِ، رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ٧٠ إِذِ الْأَغْلَلُ فِى أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ يُسْحَبُونَ ٦ في الْحَمِيدِ ثُمَّفِى النَّارِ يُسْجُونَ ﴾ [غافر: ٧٠ - ٧٢]. يقول تعالى: لا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله، ويجادلون (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٦/٢، المحرر الوجيز، ابن عطية ١٢٨/٥. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ١٢٧/٤، اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل، ٥١٢/١٦- ٥١٣، التفسير الإسلامي للتاريخ، عماد الدين خليل ص١١٦. هذا تهديد شديد، فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ. ووعید أكید من الرب جل جلاله لهؤلاء(٣)، كما قال تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [الطور: ١١]. ﴿إِذِ الْأَغْلَلُ فِىَ أَعْنَقِهِمْ وَالسَّلَسِلُ فِ لَلْحَمِيمِ ثُرَّ فِ أُلنَّارِ يُسْحَبُونَ يُسْجَرُونَ﴾ كقوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهََمُ أَّتِى يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ( يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءَانٍ﴾ [الرحمن: ٤٣ - ٤٤]. يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ، والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم(٤). (٤) ثم توعد من كذب بالقرآن فقال تعالى: ﴿قَذَرْنِ وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِّ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم: ٤٤]. يعني: القرآن، وهذا تهديدٌ شديدٌ أي: دعني وإياه مني ومنه أنا أعلم به منه كيف أستدرجه وأمده في غیه وأنظر ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر (٥). ((وهو تهديد مزلزل، والجبار القهار (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٣/٤، أنوار التنزيل، البيضاوي ٥/ ١٠١. (٤) انظر: إعجاز القرآن، الباقلاني ١/ ١١، أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠١/٥. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٧/٨. www. modoee.com ٢٢١ حرفالكاف القوي المتين يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: خل بيني وبين من يكذب بهذا الحدیث. وذرني لحربه فأنا به کفیل، ومن هو هذا الذي يكذب بهذا الحديث؟ إنه ذلك المخلوق الصغير الهزيل المسكين الضعيف! هذه النملة المضعوفة. بل هذه الهباءة المنثورة، بل هذا العدم الذي لا يعني شيئًا أمام جبروت الجبار القهار العظيم فيا محمد خل بيني وبين هذا المخلوق. واسترح أنت ومن معك من المؤمنين. فالحرب معي لا معك ولا مع المؤمنين. الحرب معي. وهذا المخلوق عدوي، وأنا سأتولى أمره فدعه لي، وذرني معه، واذهب أنت ومن معك فاستريحوااأي هول مزلزل للمكذبين؟! وأي طمأنينة للنبي والمؤمنين المستضعفين؟!))(١). رابعًا: تكذيب الرسل: ١. تكذيب قوم نوح. أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم نوح كذبوه، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. ومن صور تکذیبھم. (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٦٦٨/٦. جوسي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ أنهم قالوا: إنه افترى هذا الكلام من عند نفسه قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ قُلْ إِنْ أَفْتَرَّتُهُ، فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَّا تُحْرِمُونَ﴾ [هود: ٣٥]. اتهموه بالجنون - حاشاه -: قال تعالى حكاية عن قومه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّرَجُلٌ بِهِ. جِنَّةٌ فَتَرَتَّصُواْبِ حَقَّ حِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٥]. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوجِ مَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ﴾ [القمر: ٩]. الاستكبار وعدم طاعته والصد عن الإيمان لما يدعوا له: قال تعالى: ﴿وَأَصَرُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا﴾﴾ [نوح: ٧]. إن دعوته ليست صادقة وإنما يريد الرئاسة والتسلط عليهم، وأنهم لم يسمعوا بمثل هذه الدعوة من قبل: قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَوّ ◌َلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ قَوْمِهِ، مَا مَّا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْيُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَّ شَآءَ اللّهُ لَأَنْزَلَ مَلَئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَيْنَا الْأَوَّلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٤]. الأنفة والتعالي عن الدخول في دعوته؛ لأن أول الذين آمنوا بدعوته هم من الفقراء والضعفاء، وقد جعلوه مانعًا من الإيمان، قال تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ مَا نَرَنِكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَكَ أَتَبَعَكَ إِلَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَِلْنَا بَادِىَ الَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ ٢٢٢ الكذب عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَّ نَظُنُّكُمْ كَذِينَ﴾ [هود: ٢٧]. وهم يعنون بالأرذلين الفقراء، وهم السابقون إلى إجابة الرسل والرسالات، وإلى الإيمان والاستسلام، لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغ ولا خوف على مصلحة أو مكانة، والكبراء دائما يقولون عن الفقراء: إن عاداتهم وأخلاقهم لا ترضي العلية من القوم، ولا تطاق في أوساط الطبقة الراقية، فنوح یقول لهم: إنه لا یطلب إلى الناس شيئًا إلا الإيمان، وقد آمنوا، فأما عملهم فموكول إلى الله، وهو الذي يزنه ويقدره ويجزيهم على الحسنات والسيئات، وتقدير الله هو الصحیح(١). ٢. تكذيب قوم هود. أخبر سبحانه وتعالى في كتابه أن قوم نوح كذبوه، فكانوا بهذا مكذبين لجميع الرسل؛ لأن كل رسول يأمر بتصديق جميع الرسل؛ ولاتحاد دعوتهم في أصولها وغايتها، قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]. ومن صور تکذیب قوم هود: تكذيب الرسول فيما يدعي واتهامه قَالَ الْمَلَّأَ بالسفاهة والافتراء: الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ: إِنَّا لَتَرَنِكَ فِىِ سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَذِبِنَ﴾ (١) انظر: المصدر السابق ٤/ ٢٦٠٧ - ٢٦٠٨. [الأعراف: ٦٦]. وإنما وصف الملأ بالكفر، إذ لم يكن كلهم على الكفر كملأ قوم نوح، بل كان منهم من آمن به عليه السلام، ولکن کان یکتم إيمانه كمرثد بن سعد ﴿فِى سَفَاهَةِ﴾ أي: متمكنًا في خفة عقل راسخًا فيها، حیث فارقت دین آبائك فیما ادعیت من الرسالة (٢). جحود آيات الله وعصيانهم لرسله؛ لأن من كذب برسول من الرسل فقد كفر بجميع الرسل (٣)، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِئَايَتِ رَيْهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ﴾ [هود: ٥٩]. التمسك بالآلهة التي تعبد من دون الله عز وجل والدفاع عنها والمجادلة عنها بالباطل قال تعالى: ﴿ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُنَا فَأَنْنَا بِمَا تَعِدُّنَا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. وقوله ﴿أَتُجَدِلُونَنِى فِى أَسْمَآءِ تعالى: سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَّا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾ [الأعراف: ٧١]. * انغماسهم في الملذات والركون إلى الحياة الدنيا وإنكارهم لما بعد الموت (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١٦/٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٧/٣ - ٢٣٨. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٩/٩، روح المعاني، الألوسي ١٥٥/٨. www. modoee.com ٢٢٣ حرفالكاف قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ الْآَخِرَةِ وَأَفْنَهُمْ فِي اْحَيَوَةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٣]. أي: أنتم مغبونون بترككم آلهتكم من غير فضيلة له علیکم؛ فإنه يأكل ويشرب كما تأكلون وتشربون(١). إتباعهم المجرمين العتاة المتكبرين، وارتكابهم الجرائم والبطش بالضعفاء وضربهم بالسياط (٢)، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَكُلِجَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩]. والمعنى: ((إنكم قساة غلاظ إذا سلطتم على من هو دونكم في القوة كان بطشكم بهم بطش جبابرة، لا ترعون له عهدًا ولا تعملون لجواره حسابًا، وما أقرب ذلك الوصف الذي يصف الله به نبي الله هود قومه عاد إلى غلاة المستعمرين، ودول الحضارة اليوم إذا سلطهم الله على شعب من الشعوب بطشوا به بطش الجبابرة، وأذاقوه العذاب ألوانًا فيتموا الأطفال وسبوا النساء، وهتكوا الحرمات، ومزقوا المصاحف وقتلوا (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤٧١/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٢/١٢. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣٨/٣. الأبرياء»(٣). ٣. تكذيب قوم فرعون لموسى وهارون عليهما السلام. أخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل موسى وهارون إلى فرعون وقومه، فكذبوهما فيما جاء به، فكانوا من المهلكين بالغرق في البحر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَرُونَ بِشَايَدِّنَا وَسُلْطَانٍ ◌ُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ، فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْأَوْنَا عَالِينَ ) فَقَالُواْ أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَيِدُونَ () فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٥ - ٤٨]. ومن صور تکذیب قوم فرعون: # الافتراء على الله الكذب: قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اُللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ اُفْتَرَى﴾ [طه: ٦١]. ومعنى يسحتكم: يستأصلكم(٤)، أي: لا تفتروا على الله الكذب فیبیدکم، ولن ينفعكم الكذب؛ لأن عاقبته خيبةٌ وخسران(٥). جحود الآيات ظلما وتكبرًا مع العلم بصدق ما جاء به موسى عليه السلام (٣) دعوة الرسل إلى الله تعالى، محمد العدوي ص٢٥. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤١/١. (٥) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ٢٥، اليهود في القرآن، عبد الفتاح طبارة ص١٩٢. جَوَسُولَة التَّفي القرآن الكريمِ ٢٢٤