النص المفهرس
صفحات 41-44
القوة سبحانه عن نفسه في مقام الانتقام والتدمیر، إظهارا لغضبه ولجبروته في هذا المقام. فيقول: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا﴾ أي: أغضبونا أشد الغضب ﴿أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَمْعِين ﴾ يعني فرعون وملأه وجنده(١). ٢. تكذيب الرسل. قال تعالى: ﴿فَمَّا عَادٌ فَاسْتَكبرُوا فِي اْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ بَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ تَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِ الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْأَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥-١٦]. وهذا الاستكبار فيه وجهان، الأول: اُللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَأَشَدُّ إظهار النخوة والكبر، وعدم الالتفات إلى الغير والثاني: الاستعلاء على الغير. واستخدامهم، ثم ذكر تعالى سبب ذلك الاستكبار وهو أنهم قالوا: من أشد منا قوةً وكانوا مخصوصين بكبر الأجسام وشدة القوة، ثم إنه تعالى ذكر ما يدل على أنه لا يجوز لهم أن يغتروا بشدة قوتهم، فقال: ﴿أَوْلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾ يعني: إنهم وإن كانوا أقوى من غيرهم، فالله الذي خلقهم هو أشد منهم قوةً، فإن كانت الزيادة في القوة توجب كون الناقص في طاعة الكامل، فهذه المعاملة توجب (١) في ظلال القرآن ٣١٩٤/٥. عليهم كونهم منقادين لله تعالى، خاضعين لأوامره ونواهيه(٢). فلما طغوا وتجبروا أخذهم الله تعالى، وأخذه أليم شديد. ٣. البغي والتكبر. قال تعالى: ﴿إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّ إِنَّ مَفَاتِحَهُ. لَثَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ، قَوْمُهُ لَا تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ) وَأَبْتَغْ فِيمَآً ءَاتَّنِكَ اللَّهُ الَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الذُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكٌ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ أَقَالَ إِنَّمَا أُوِيْتُهُ, عَلَى عِلْمٍ عِندِىُّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جْعَاً وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ، فِ زِينَيْهٌ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَآ أُوتِي قَرُونُ إِنَّهُ لَذُوحَظٍ عَظِيمٍ لَ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ وَيَلَكُمْ ثَّوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا وَلَا يُلَقَّنهَا إِلَّا الصَّكِرُونَ (٥ ◌َسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنِ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴿ وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْ مَكَانَهُ. بِاَلْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَيَقْدِرٌّ لَوْلً أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَفِرُونَ ( تِلْكَ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٥٢/٢٧. www. modoee.com ٦٥ حرف القاف الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِدُونَ هُوَّا فِ اُلْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَقِبَةُ لِلْمُنَّقِينَ﴾ [القصص: ٧٦-٨٢]. فلما أحس قارون بأن معه المال الذي يستتبع القوة والسلطان = بغی وتجبر، وتکبر على الله ثم على خلقه، فكانت عاقبته خُسْرًا. ٤. الاستخفاف بالأعداء. قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّقُوَّةً وَءَاثَارًا فِى الْأَرْضِ فَمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [غافر: ٨٢]. وقال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُم مُدْرِينَ (٥) ثُمَّ أَنَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَ رَسُولِهِ. وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ ﴾ [التوبة: ٢٥-٢٦]. فلا ينبغى للإنسان المسلم ولا الجماعة المسلمة أن تركن إلى القوة المادية فحسب، بل عليها أن تُحَصِّلَ القوتين معًا المادية والمعنوية، بالإيمان بالله وحده سبحانه وتعالى. ٥. التکېر على الخلق. فمن أسباب الكبر القوة البدنية وشدة البطش والأخذ بالعنف، والتكبر بها جهلٌ أيضًا؛ إذ الحمار والبقر والجمل والفيل كل ذلك أقوى من الإنسان، ولو صلح ذلك لذلك لحريٌ تلك البهائم أن تتكبر على الكل، وأما ذلها للإنسان فلقوله تعالى: ﴿وَذَلَّلْتَهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧٢] الآية. فمن نعمه تعالى التي توجب التواضع للشکر، وأي افتخارٍ في صفةٍ يسبقك البهائم فیھا، ثم إنها تزول بحمی یوم ونحوها، فلا تنجبر في مدةٍ، بل لو توجع عرقٌ واحدٌ في يدك لصرت أعجز من كل عاجز، وأذل من كل ذليلٍ وأنه لو سلب الذباب منك شيئًا لا تستنقذه، وإن بقةٌ لو دخلت أنفك أو نملةٌ دخلت أذنك لقتلتك، وإن شوكةٌ لو دخلت رجلك لأعجزتك، فمن لا يطيق دفع أمثال هذه، فکیف ينبغي له أن يفتخر بقوته كما في الإحياء: (فلا تقدر على حفظها) أي: القوة. وقد قيل: حمی یومٍ تذهب نعيم سنةٍ (ولا علی تحصيلها) بعد الزوال بأدنى علةٍ (بل هي كظلٍ زائلٍ) بالوصف (ونوم نائمٍ) في سرعة التقضي وعدم الحفظ (١). ٦. الإفساد في الأرض. قال تعالى عن نبيه صالح عليه السلام: ﴿وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدٍ عَادٍ وَبَوَّاكُمْ فِى الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَنَنْحِنُونَ الْجِبَالَ بُوتًا فَأَذْكُرُوّا (١) بريقة محمودية، أبو سعيد الخادمي الحنفي ٢١٩/٢. ٦٦ جوي لِلْقُرْآن الكَرِيمِ القوة ءَالَآءَ اللَّهِ وَلَا نَعْثَوْاْ فِىِ الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤]. وقال عن هودينصح قومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيع مَآَيَّةٌ تَعْبَثُونَ (٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) فَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: ١٢٨ -١٣١]. فها هم أنبياء الله مَخَّضوا النصح لأقوامهم أن لا يغتروا بقوتهم، إذ هناك من هو أقوى منهم وأشد، وأن لا يستخدموا هذه القوة في الإفساد في الأرض، بل عليهم أن يتقوا الله تعالى. ٧. الاغترار بالقوة، وبالعدد والعدة. قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاِنَ كَثِيرَةٌ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَيْتُم مُدْبِينَ ﴿٥ ثُمَّ أَلَ اللّهُ سَكِينَتَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّوْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَآءُ اَلْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥-٢٦]. فبين الله تعالى أن الاغترار بالكثرة مهلكة؛ ولذلك أكد على نصر الفئة القليلة إن كانت مؤمنة صابرة، فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِّ إِلَّا مَنِ أَغْتَرَفَ غُرْفَةٌ بِيَدِهِ، فَشَرِيُواْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ قَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ. قَالُواْلَا طَاقَةَ لَنَا أَلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ. قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلَقُواْ اللَّهِ كَم يِّن فِتَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا ◌ِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِعْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾ فَهَزَمُوهُم بِلأِنِ اللّهِ وَقَّتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَأَلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ، مِمَا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩-٢٥١]. فهذه هي القاعدة في حس الذین يوقنون أنهم ملاقو الله. القاعدة: أن تكون الفئة المؤمنة قليلة؛ لأنها هي التي ترتقي الدرج الشاق حتى تنتهي إلى مرتبة الاصطفاء والاختيار، ولكنها تكون الغالبة؛ لأنها تتصل بمصدر القوى، ولأنها تمثل القوة الغالبة، قوة الله الغالب على أمره، القاهر فوق عباده، محطم الجبارين، ومخزي الظالمين وقاهر المتكبرين (١). إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ویکذبون وینحر فون عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة - (١) في ظلال القرآن ٢٦٩/١. www. modoee.com ٦٧ حرف القاف ولو قل عددها - قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف. وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة، وتثق في ذلك الوعد، وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة، وتصبر حتى يأذن الله، ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة (١). موضوعات ذات صلة: الاستكبار، التمكين، الحرب، الضعف، العزة، النصر، الوهن (١) المصدر السابق ١/ ٣٧٢. جَوَسُو ◌َرَ النَّفِيَّة الْقُرآن الكَرِيمِ ٦٨