النص المفهرس

صفحات 21-40

القوة
طريق الشيطان، وإما هدى الله وإما غواية
الشيطان، وبمثل هذا الحسم ينبغي أن يدرك
المسلم موقفه، فلا یتلجلج ولا يتردد ولا
يتحیر بین شتى السبل وشتى الاتجاهات.
إنه ليست هنالك مناهج متعددة للمؤمن
ليختار واحدًا منها، أو يخلط واحدا منها
بواحد، كلا! إنه من لا يدخل في السلم
بکلیته، ومن لا يسلم نفسه خالصة لقيادة الله
وشریعته، ومن لا یتجرد من کل تصور آخر
ومن کل منھج آخر ومن کل شرع آخر، إن
هذا في سبيل الشيطان، سائر على خطوات
الشيطان.
ليس هنالك حل وسط، ولا منهج بين
بين، ولا خطة نصفها من هنا ونصفها من
هناك! إنما هناك حق وباطل، هدی وضلال،
إسلام وجاهلية، منهج الله أو غواية الشيطان،
والله يدعو المؤمنين في الأولى إلى الدخول
في السلم كافة ويحذرهم في الثانية من اتباع
خطوات الشيطان، ويستجيش ضمائرهم
ومشاعرهم، ويستثير مخاوفهم بتذكيرهم
بعداوة الشيطان لهم، تلك العداوة الواضحة
البيئة التي لا ينساها إلا غافل، والغفلة لا
تكون مع الإيمان (١).
إن الملاحظ في عامة أوساط الناس
انحصار مفهوم الحديث في القوة الظاهرة
المكتسبة في ظاهر بدن الإنسان، فتجد في
(١) في ظلال القرآن ١/ ٢١١.
الواقع أكثر الناس ممن لهم في ذلك الشأن
أقوياء في البدن ضعفاء في الروح، بل ربما
كانت هذه القوة مصدر شقاء هذه الأجساد
في كثير من الأحيان، ترى ذلك في الواقع
أکثر من أن تقدر علی حصره.
وثمة معنى عظيم الأثر في تحقيق أثر
الإنسان في الأرض، وأكبر حادٍ له إلى
صناعة المجد، وأقوى الأسباب في تحقيق
غايات الإنسان وبناء تاريخه في الدنيا،
هذا المعنى يغفل عنه الناس، ولا يأخذ
من حياتهم الحيز الذي شغله معنى القوة
الظاهرية في بناء أنفسهم، وهو لا يكلفهم
مالًا، ولا يتطلب منهم مجهودًا كما يتطلب
منهم المعنى الأول، ألا وهو معنى الصلة
بالله تعالی.
إن الصلة بالله تعالى تصنع في حياة
الإنسان من النشاط والحركة والقوة والتأثير
ما لا يصنعه بناء كمال الأجسام، ولا سبيل
للمقارنة بین المعنیین، وأضرب لك لتقریب
هذا المعنى الأمثلة التالية:
المثال الأول: حين أراد الله تعالى أن
يرسل نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
ليبلغ الناس هذا الدين أبلغه وصية نافعة
وأرشده إلى الطريق الذي يتحمل به أعباء
الدعوة، وشدد عليه فى اعتناق ذلك المعنى
بكل ما يملك، ﴿يَأَيُّهَا الْمُزَّمِلُ قُ الَّيْلَ إلَّاقَلِيلاً
نَّصْفَهُ، أَوِ أَنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا ( أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَتَّلِ
www. modoee.com
٤٥

حرف القاف
الْقُرْءَانَ تَرْتِلًا ) إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا تَقِيلًا (
إِنَّنَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوَّمُ قِيلًا ) إِنَّلَكَ فِى
اَلنَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ١ -٧].
وكل ذلك كان من أجل البلاغ، ﴿إِنَّاسَنُلْقِى
عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] كأن الله تعالى
يقول به: إنه لا سبيل لك للقيام بهذه المهمة
الشاقة الصعبة إلا بحسن الصلة ووطيد
العلاقة وقوة الحياة في قلبك واستمدادك
للقوة التي تحملك لبلاغ دين الله تعالى في
الأرض.
وكانت هذه الوصية فيما بعد هي زاد النبي
صلى الله عليه وسلم الروحي والمعنوي
الذي استوثق منه غاية وسعه، فاستقبل بعد
ذلك الدعوة وهو في أوج روحه وعطائه
وجهده، فذهب يعلي بها كلمة الله تعالى
في الأرض، وما رحل من الدنيا حتى سجل
أروع صور التاريخ أثرًا.
المثال الثاني: عن أبي هريرة، أن فاطمة
أتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادمًا
وشكت العمل، فقال: (ما ألفيتيه عندنا)
قال: (ألا أدلك على ما هو خيرٌ لك من
خادم؟ تسبحين ثلاثًا وثلاثين، وتحمدين
ثلاثاً وثلاثین، وتکبرین أربعًا وثلاثین، حین
تأخذين مضجعك)(١).
فتأمل هذه العلاقة بين شكوى فاطمة
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر
والدعاء والتوبة والاستغفار، باب التسبيح
أول النهار وعند النوم، رقم ٢٧٢٨.
من الإرهاق الجسدي الذي تتعرض له كل
يوم في بيتها وتأتي تسأل أباها عن ما يخفف
تلك الآلام التي تعتري جسدها فلا يجد لها
النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذه الوصية
المعنوية الروحية يسلي بها خاطرها، ويسل
بها أثر تعبها وخدمتها، ولولا أن لهذا الذكر
فائدة كبرى في تقوية الإنسان على عمله
وجهاده في الحياة لما كانت الوصية به في
هذا المقام.
ثانيًا: الجهاد، والإعداد له، ومقاومة
العدو:
الحق له قوة ذاتية نابعة منه ومن تجافيه
عن الباطل، ويستطيع دعاة الحق أن يصلوا
به إلى عقول الناس بما احتواه من الحجج
والبراهين الدالة عليه، ولا يحتاج الحق في
إقناع الناس به إلى قوة تجبرهم أو تكرههم
على القبول به واختياره؛ فإن قوته فیه، ومتى
ما احتاج الحق إلى الإكراه لتحقيق الاقتناع
بأدلته وبراهينه لم يكن حقًّا؛ لذا جاء النص
بنفي الإكراه في الدين.
وذلك في قوله تعالى: ﴿لَآَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ
قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيُّ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ
وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدٍ أَسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى
لَا أَنْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
فالإسلام دين حق عليه دلائل يقينية كل
من اطلع عليها لا يملك غير التسليم بها
٤٦
جوبي
القرآن الكريمِ

القوة
والإذعان لها؛ فلا حاجة إذن إلى الإكراه عن اتباعه، ويجبرونهم جبرًا وقسرًا على
البقاء على دينهم الفاسد وعدم الإقبال على
الدين الحق، ولأجل تلك الحقيقة شرع الله
سبحانه الجهاد.
عليه. قال ابن كثير: ((لا تكرهوا أحدًا على
الدخول في دين الإسلام فإنه بینٌ واضحٌ
جلي دلائله وبراهینه لا يحتاج إلى أن يكره
أحدٌ على الدخول فيه، بل من هداه الله
للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل
فيه على بينةٍ، ومن أعمی الله قلبه وختم
على سمعه وبصره فإنه لا يفيده الدخول في
الدین مکرها مقسورًا. وقد ذكروا أن سبب
نزول هذه الآية في قومٍ من الأنصار، وإن
کان حكمها عامًا)»(١).
ولعل مجيء الآية بلفظ: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى
الدِّينِ﴾ وليس بلفظ: لا إكراه على الدين،
مما يوضح ذلك، ثم كان قوله تعالى: ﴿قَد
تَبَيَّنَ الرُّشْدُمِنَ الْغَيْ ﴾ كالتعلیل لما سبق.
ورغم أن الحق منصور من داخله بأدلته
وبراهينه، فلا بد له من قوة خارجية، لا لكي
يفرض بها نفسه على الناس، وإنما يحتاج
إليها لأمرين:
الأول: لكي تدافع عنه ضد عدوان
المعتدین وصیال الصائلین الذین ختم الله
تعالى على قلوبهم، وأصبح نهجهم العناد
والمكابرة، والعدوان على المخالفين.
الثاني: جهاد الطغاة الظالمين الذين
يصدون الناس بما لديهم من سلطان وقوة
عن الاستجابة للنداء الحق، ويصرفونهم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨٢/١.
لقد كانت مكة عند بداية الدعوة إلى الله
دار كفر وكان الغالب على أهلها الكفر بالله
تعالى، واستمر ذلك زمنًا طويلًا؛ لذلك لم
يكن هناك من فائدة لإعداد العدة والقوة
الحربية؛ لأنها في ظل موازين القوى غير
المتكافئة لن تستخدم، ویکون استخدامها
في ذلك الوقت المبكر من عمر الدعوة
مدعاة للقول بأن الإسلام جاء من أجل قتال
الناس، ولو قدر له الانتصار لقالوا: إنما
انتشر بقوة السيف ودخله الناس مكرهين
ولم يدخلوا مؤمنين.
ثم إن ذلك قد يؤدي إلى أمر خطير لو
قدر للدعوة أن تنهزم وهو استئصالها في
مهدها ومنعها من النمو، كما أن شرع الجهاد
في ذلك الوقت المبكر لن يساعد على تربية
المسلمين الذين استجابوا لله والرسول
ولدعوة الحق.
ومع أن الإعداد الحربي في ذلك الوقت
غير ممكن وغير مراد، لكن كان يجري
هناك إعداد أهم بكثير من الإعداد الحربي،
بل لا يقوم الإعداد الحربي إلا عليه، فكان
هناك إعداد أكثر أهمية يجري على أرض
الواقع على بصيرة وجد واجتهاد، مع الروية
www. modoee.com
٤٧

حرف القاف
وعدم العجلة، وهو بناء المسلم من داخله: قد بين أن ذلك مرادٌ به الخصوص بقوله:
عقيدته، وتصوراته، وعبادته.
-مكة المكرمة- إلى دار الدولة -المدينة
المنورة- حتى بدأت مرحلة جديدة من
الإعداد وهو الإعداد الحربي، وجاء الأمر
بذلك من الله -رب الخلق جميعهم-،
فقال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ
وَ مِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللّهِ
وَعَدُوَّكُمْ وَمَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ
اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ يُوَنَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾
[الأنفال: ٦٠].
قال ابن كثير: ((أمر تعالى بإعداد آلات
والاستطاعة، فقال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
أُسْتَطَعْتُم﴾ أي: مهما أمكنكم، ﴿مِن قُوَّقِ
وَ مِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾))(١).
وقال الطبري: ((والصواب من القول في
ذلك أن يقال: إن الله أمر المؤمنين بإعداد
الجهاد وآلة الحرب وما يتقوون به على جهاد
عدوه وعدوهم من المشركين من السلاح
والرمي وغير ذلك ورباط الخيل. ولا وجه
لأن يقال: عنى بالقوة معنى دون معنّى من
معاني القوة، وقد عم الله الأمر بها. فإن قال
قائلٌ: فإن رسول الله صلی الله عليه وسلم
(١) المصدر السابق ٤ / ٨٠.
(ألا إن القوة الرمي) قيل له: إن الخبر وإن
وما إن انتقل المسلمون من دار الدعوة كان قد جاء بذلك فليس في الخبر ما يدل
على أنه مرادٌ بها الرمي خاصةً دون سائر
معاني القوة عليهم، فإن الرمي أحد معاني
القوة؛ لأنه إنما قيل في الخبر: (ألا إن القوة
الرمي) ولم يقل دون غيرها. ومن القوة أيضًا
السيف والرمح والحربة، وكل ما كان معونةً
على قتال المشركين، كمعونة الرمي أو أبلغ
من الرمي فيهم وفي النكاية منهم)) (٢).
وقال ابن عاشور: ((والإعداد التهيئة
والإحضار، ودخل في ما استطعتم كل ما
يدخل تحت قدرة الناس اتخاذه من العدة.
والخطاب لجماعة المسلمين وولاة
الحرب لمقاتلتهم حسب الطاقة والإمكان الأمر منهم، لأن ما يراد من الجماعة إنما
يقوم بتنفيذه ولاة الأمور الذين هم وكلاء
الأمة على مصالحها.
فقوة الجيش شدة وقعه على العدو،
وقوته أيضًا سلاحه وعتاده، وهو المراد هنا،
فاتخاذ السيوف والرماح والأقواس والنبال
من القوة في جيوش العصور الماضية،
واتخاذ الدبابات والمدافع والطيارات
والصواريخ من القوة في جيوش عصرنا.
وبهذا الاعتبار يفسر ما روى مسلمٌ(٣)
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤٩/١١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه
ثم نسيه، رقم ١٩١٧.
٤٨
جوية
القرآن الكريم

القوة
عن عقبة بن عامرٍ أن رسول الله صلى الله ووسائلها لا القوة الصورية أو الاستعراضية؛
علیه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر ثم قال:
فالأمة الإسلامية أمة رسالية، مطلوب منها
تبليغ رسالة الله إلى العالمين.
(ألا إن القوة الرمي)، قالها ثلاثًا، أي أكمل
أفراد القوة آلة الرمي، أي في ذلك العصر.
وليس المراد حصر القوة في آلة الرمي.
وعطف رباط الخيل على القوة من
عطف الخاص على العام، للاهتمام بذلك
الخاص)» (١).
فقد صار بالإمكان الآن - بعد تحيز
المسلمين إلى دار تأويهم - استعمال العدة
الحربية والاستفادة منها، وأصبح وجودها
والتدرب عليها في هذه الحالة ضرورة لا بد
منها حيث تحقق أهداف المسلمین، بعكس
الحالة الأولى التي كان من الممكن أن
تشكل عبئًا عليهم.
وقد أطلقت الآية في بيان القوة التي
ينبغي إعدادها من غير تقييد حتى يسمح
إطلاقها بقبول ما يجد من آلات القوة
مع تغير الأزمنة، وهذا الأمر يفرض على
جماعة المسلمين الجد والاجتهاد والمثابرة
في تحصيل القوة الممكنة في عصرهم التي
من شأنها أن تردع الكفار المحاربين أعداء
الله ورسله والمؤمنين.
وفي الأمر بإعداد ما يستطاع من القوة
نهي عن الإهمال والتقاعس عن امتلاك
أقصى ما يمكن امتلاكه من القوة الحقيقية
(١) التحرير والتنوير ٥٥/١٠، بتصرف.
وقد بين نص الآية السبب الذي لأجله
أمر المسلمون بإعداد ما يستطاع من القوة،
وهو قوله تعالى: ﴿تُرْجِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللّهِ
وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ
اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠].
فكان فى إعداد القوة البالغة أمان للأمة
من الأعداء المعروفين وغير المعروفين،
حتى إنه ليخافها ويرهب جانبها من لا
يعرفه المسلمون، مما يشكل رادعًا لمن
تسول له نفسه مهاجمتهم أو التآمر عليهم،
ويصير الإهمال في إعداد ما يستطاع من
القوة مدعاة لأن يستخف بهم أعداؤهم
ویتجرؤون عليهم.
هذا النص القرآني في وجوب إعداد القوة
التي تخيف الأعداء، بغرض تأمين الدعوة
إلی الله في أرض الله، وتأمین دار الإسلام
ضد عدوان المعتدين، يفتح باب التصنيع
الحربي أمام المسلمين على مصراعيه؛ لأن
إعداد المستطاع من القوة لا يتم إلا بذلك،
ومن القواعد المشهورة عند أهل العلم أن
(ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).
وقد أشار القرآن إلى الصناعات الحربية
في قوله تعالى: ﴿وَأَنَزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِبَأْسُّ
شَدِيدٌ﴾ الآية، [الحديد: ٢٥].
www. modoee.com
٤٩

حرف القاف
قال ابن كثير: ((يعني: السلاح كالسيوف، زمن نزول القرآن.
والحراب، والسنان، والنصال، والدروع،
ونحوها))(١).
والحديد لا يصير سيوفًا وحرابًا ونصالا
إلا بالتصنيع، وكذلك قال تعالى ممتنًا بتعليم
الصناعة الحربية لعبده داود عليه السلام:
﴿وَعَلَنْنَهُ صَنْعَةَ لَبُسِ لَّكُمْ لِنُحْصِنَكُمْ
مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَكِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿وَعَلََّنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ﴾ يعني: اتخاذ الدروع
بإلانة الحديد له، واللبوس عند العرب
السلاح کله، درعًا كان أو جوشنًا أو سيفًا أو
رمحًا))(٢).
كما دلت النصوص على العناية
بالمركبات الحربية التي يستخدمها
المجاهدون، أو التي تنقلهم إلى ميادين
الجهاد، مما يبين أن صناعة المركبات
الحربية سواء كانت دبابات برية أو سفنًا
وغواصات بحرية أو طائرات جوية، ينبغي
أن تلقى العناية أيضًا؛ فإن الجهاد بغيرها
متعذر أو مستحيل في أيامنا.
ومن النصوص التي تحدثت عن
المركبات الحربية قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ
لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةِ وَمِن رِّبَاطِ
الْخَيْلِ ﴾ فالخيل هي المركبات الحربية في
فإذا كانت النصوص الشرعية قد دلت
على العناية بصناعة الأسلحة والمركبات
الحربية، وعمل بذلك سلفنا الصالح، فإنه
يكون من أكبر التقصير الذي تقع فيه الأمة
اليوم أن تظل تعتمد في سلاحها الذي تحفظ
به أمنها وتنشر به دعوة الله المكلفة بإيصالها
للعالمين، على عدوها الذي لا يألوها
خبالًا كما قال تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ
لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْ لُونَكُمْ خَبَالًا
وَدُواْ مَا عَنْتُمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَآءُ مِنْ أَفْوَهِهِمْ وَمَا
تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَا لَكُمُ الْآَيَتِّ إِن
كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٨].
ولا شك أن اعتماد الأمة فى سلاحها
على الشراء فقط دون التصنيع، له مفاسد
كثيرة، منها: المبالغ الضخمة التي تدفع
في هذه الأسلحة التي تفوق بمراحل كثيرة
قيمتها الفعلية، ومنها أن تلك الأسلحة لا
يمكن أن تكون أسلحة متقدمة متطورة
تغني في مواقع النزال مع أعداء الأمة، بل إن
موردي السلاح من دول النصارى لا يعطون
الأمة إلا الأسلحة التي لا تخل بميزان القوى
بين الأمة وبين عدوها، بحيث تضمن تلك
الدول للعدو أن يحقق التفوق الحربي على
الدول العربية مجتمعة أثناء القتال، ومنه منع
الإمداد بالسلاح أو الذخيرة وقت الحاجة
إليه، فتقف الجيوش عاجزة عن التحرك،
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨/٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٢٠/١١.
جوببيو
القرآن الكريم
٥

القوة
ويفرض على الأمة حينئذ ما يشاؤون من في فقه السياسة الشرعية وجوب القيام
بالتصنيع الحربي في جميع المجالات،
الحلول الانهزامية؛ وأمامنا ما حدث في
قضية البوسنة والهرسك؛ حيث منع عنهم
السلاح وهم يتعرضون للقتل الشديد من
الصرب.
وجوبًا لا يحتمل التأخير والمماطلة، وإذا
كانت الأمة تعاني من تخلف كبير في هذا
المجال فإنها يمكنها أن تتكامل في ذلك مع
الدول الإسلامية المتقدمة في مجال التصنيع
ومن مفاسد الاعتماد في التسليح على
الغير أن يكون قرار الأمة مغلولًا غير قادر
على التحرر والاستقلالية، وهذا الوضع
يؤدي إلى استخفاف كثير من الدول
بالمسلمین.
الحربي، وأن تبدأ من الآن، وتوجه الجهود،
وتقيم مراكز الأبحاث، وترصد الأموال
اللازمة، ومن سار على الدرب وصل ولو
بعد حين.
إن من الأمور الغريبة التي يعسر إيجاد
تسويغ مقبول لها أن تكون الأمة التي
جعل الله الجهاد في سبيله لتبليغ رسالة
رب العالمين إلى الناس كافة أحد فرائض
دینها، ثم هي تهمل آلته وما يساعد عليه،
رغم امتلاكها لکل ما تحتاج إليه مما يمكن
أن يقيم صناعة حربية متطورة تزود الدول
الإسلامية جميعها بما تحتاج إليه.
إنه ليس هناك ما يسوغ لأحد التقاعس أو
الإهمال في إعداد العدة المناسبة لعصرها،
وقد تبين لنا جميعًا أنه لا يمكن الاعتماد أو
الركون إلى ما يسمونه تطمينات أو وعود
أو نحو ذلك؛ فالخطط معدة، والانقضاض
علی بلادنا ليس إلا مسألة ظرف مناسب؛
فالبدار البدار؛ فإن الندم بعد وقوع المصاب
لا يجدي، والعاجز من أتبع نفسه هواها
لقد أدى هذا الوضع إلى أن تنتقص بلاد وتمنى على الله الأماني(١).
المسلمين من أطرافها، ويحتلها الكفار من
اليهود والنصارى وهم مطمئنون إلى عدم
قدرة هذه الدول على الدفاع عن نفسها؛
لأنها لا تملك سلاحها الذي تدافع به عن
نفسها.
لقد تطورت صناعة الأسلحة بما فيها
المركبات الحربية في أيامنا هذه تطورًا
مذهلا، وقد بات الآن من الأمور الواضحة
(١) انظر: إعداد القوة ... الواقع والمأمول، محمد
بن شاكر الشريف، مقال منشور بمجلة البيان
العدد ٢٢٣، ربيع الأول: ١٤٢٧ هـ.
www. modoee.com

حرف القاف
ثالثًا: البناء والعمران، والإصلاح ثم الحبوب لا بد من طحنها وذلك لا يتم
إلا بالحديد، ثم لا بد من خبزها ولا يتم
والأعمال:
إلا بالنار، ولا بد من المقدحة الحديدية،
وأما الفواكه فلا بد من تنظيفها عن قشورها،
وقطعها على الوجوه الموافقة للأكل ولا يتم
ذلك إلا بالحدید.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ لِيَقُومَ
النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِبَأْسُ شَدِيدٌ
رحوم سوداء
وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ، وَرُسُلَهُ.
بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
يقول الرازي: ((وأما الحدید ففيه البأس
الشديد فإن آلات الحروب متخذةٌ منه، وفيه
أيضًا منافع كثيرةٌ منها قوله تعالى: ﴿وَعَلَّْنَهُ
صَنْعَةَ لَبُوُسِ لَّكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠].
ومنها أن مصالح العالم، إما أصولٌ، وإما
فروعٌ، أما الأصول فأربعةٌ: الزراعة والحياكة
وبناء البيوت والسلطنة، وذلك لأن الإنسان
مضطرٌ إلی طعام یأكله وثوپ يلبسه وبناءٍ
يجلس فيه، والإنسان مدنيٌّ بالطبع فلا تتم
مصلحته إلا عند اجتماع جمعٍ من أبناء
جنسه يشتغل كل واحدٍ منهم بمهمٍ خاصٍ،
فحينئذٍ ينتظم من الكل مصالح الكلّ، وذلك
الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة،
ولا بد من شخصٍ يدفع ضرر البعض عن
البعض، وذلك هو السلطان.
فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه
الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجةٌ إلى
الحدید، وذلك في کرب الأراضي وحفرها،
ثم عند تكون هذه الحبوب و تولدها لا بدمن
خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد،
وأما الحياكة فمعلومٌ أنه يحتاج في آلات
الحیاکة إلى الحدید ثم یحتاج في قطع الثياب
وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلومٌ
أن کمال الحال فیه لا یحصل إلا بالحدید،
وأما أسباب السلطنة فمعلومٌ أنها لا تتم ولا
تکمل إلا بالحدید، وعند هذا یظهر أن أکثر
مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد.
ويظهر أيضًا أن الذهب لا يقوم مقام
الحديد في شيءٍ من هذه المصالح فلو لم
يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيءٌ
من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد
لاختل جميع مصالح الدنيا، ثم إن الحديد
لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل
الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلت
الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا
يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على
عبيده، فإن كل ما كانت حاجتهم إليه أكثر،
جعل وجدانه أسهل.
ولهذا قال بعض الحكماء إن أعظم
الأمور حاجةً إليه هو الهواء، فإنه لو انقطع
وصوله إلى القلب لحظةً لمات الإنسان في
٥٢
جَوَه
القرآن الكريمِ

القوة
الحال، فلا جرم جعله الله أسهل الأشياء فَهَلْ تَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُ سَدًّا)
وجدانًا ... ))(١).
وممن ذكر الله قوتهم في البنيان
والعمران، الجن في عهد سليمان عليه
السلام.
يقول سبحانه: ﴿وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيحَ غُدُوُّهَا
شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ
آلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَيْهِهُ وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ
عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِيرِ يَعْمَلُونَ
لَهُ، مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ
وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ أَعْمَلُوْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِلٌ
مِّنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢ -١٣].
فمنهم من هو مستعملٌ في الأبنية الهائلة
من محاريب وتماثيل وجفانٍ كالجواب
وقدورٍ راسياتٍ إلى غير ذلك من الأعمال
الشاقة التي لا يقدر عليها البشر، وطائفةٌ
غواصون في البحار يستخرجون مما فيها
من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي
لا توجد إلا فیھا(٢).
ومن استخدام القوة في البنيان
والإصلاح، ما قصه الله علينا في قصة ذي
القرنين.
قال تعالى: ﴿حَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ
مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً )
قَالُواْ يَدِذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ بَأْجُوجَ وَمَأْجُوَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٧٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٣/٧.
قَالَ مَا مَكَّتِى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ
٠٧٧٠
وَبَيْنَهُمْ رَدْمَانَ مَتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدٍ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ
الصَّلَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقََّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا ، فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ
وَمَا أَسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًا ( ٣) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَِّ
فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبٍِّ جَعَلَهُ, دَءُ وَكَانَ وَعْدُ رَبٍ حَقًّا﴾
[الكهف: ٩٣ - ٩٨].
والإشارة بهذا إلى الردم، وهو رحمةٌ
للناس لما فيه من رد فساد أمة يأجوج
ومأجوج عن أمةٍ أخرى صالحة(٣).
فقد استخدم ذو القرنين قوته في بناء السد
العظيم، وفي ذلك من الإصلاح والعمران،
والحفاظ على هؤلاء الصالحين ما فيه.
رابعًا: القوة الجسمية والنفسية:
قال تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَكَأَبَتِ
اُسْتَعْجِرَةٌ إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ
الْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
فهنا اجتماع القوتين، النفسية والجسمية،
فالأولى المتمثلة في (الأمانة)، والثانية
المتمثلة في (القوة).
یقول الزمخشري: «والمعنى: أنه وصل
إلى ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة
من أناس مختلفة متكاثفة العدد، ورأى
الضعيفتين من ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين
(٣) التحرير والتنوير ٣٩/١٦.
www. modoee.com
٥٣

حرف القاف
لفراغهم، فما أخطأت همته في دين الله تلك
الفرصة، مع ما كان به من النصب وسقوط
خف القدم والجوع، ولکنه رحمهما
فأغائهما، وكفاهما أمر السقي في مثل تلك
الزحمة بقوة قلبه وقوة ساعده، وما آتاه الله
من الفضل في متانة الفطرة ورصانة الجبلة
وفيه مع إرادة اقتصاص أمره وما أوتی من
البطش والقوة وما لم يغفل عنه، على ما كان
به من انتهاز فرصة الاحتساب، ترغيب في
الخير، وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء
في ذلك بالصالحين والأخذ بسيرهم
ومذاهبهم))(١).
وقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ
بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكً قَالُواْ أَنَّى
يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ
مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةٌ مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ
أَصْطَفَنَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ
وَالْجِسْمِّ وَاللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ, مَن يَشَاءُ
وَاَللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
فهم طعنوا في استحقاقه للملك بأمرين:
أحدهما: أنه ليس من أهل بيت الملك.
الثاني: أنه فقيرٌ.
والله تعالى بين أنه أهلٌ للملك وقرر
ذلك بأنه حصل له وصفان أحدهما: العلم
والثاني: القدرة، وهذان الوصفان أشد
مناسبة لاستحقاقه الملك من الوصفين
الأولین وبیانه من وجوه:
أحدها: أن العلم والقدرة من باب
الكمالات الحقيقة، والمال والجاه ليسا
کذلك.
والثاني: أن العلم والقدرة من الكمالات
الحاصلة لجوهر نفس الإنسان والمال
والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان.
الثالث: أن العلم والقدرة لا يمكن
سلبهما عن الإنسان، والمال والجاه يمكن
سلبهما عن الإنسان.
والرابع: أن العلم بأمر الحروب، والقوي
الشديد على المحاربة يكون الانتفاع به في
حفظ مصلحة البلد، وفي دفع شر الأعداء
أتم من الانتفاع بالرجل النسيب الغني إذا
لم يكن له علمٌ بضبط المصالح، وقدرةٌ
على دفع الأعداء، فثبت بما ذكرنا أن إسناد
الملك إلى العالم القادر، أولى من إسناده
إلى النسيب الغني (٢).
(١) الكشاف ١٠٤/٣.
جَوَسُولَةُ النَّقيمة
القرآن الكريم
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٦/ ٥٠٤.
٥٤

القوة
آثار القوة
أولًا: القوة وسيلة للوصول إلى غايات:
إنه لا بد للإسلام من قوة ينطلق بها في
الأرض لتحرير الإنسان.
وأول ما تصنعه هذه القوة في حقل
الدعوة: أن تُؤَمِّنَ الذين يختارون هذه
العقيدة على حریتهم في اختيارها فلا يصدوا
عنها، ولا يفتنوا كذلك بعد اعتناقها.
والأمر الثاني: أن ترهب أعداء هذا الدين
فلا يفكروا في الاعتداء على دار الإسلام
التي تحميها تلك القوة.
والأمر الثالث: أن يبلغ الرعب بهؤلاء
الأعداء أن لا يفكروا في الوقوف في
وجه المد الإسلامي، وهو ينطلق لتحرير
((الإنسان)) كله في ((الأرض)) كلها.
والأمر الرابع: أن تحطم هذه القوة كل
قوة في الأرض تتخذ لنفسها صفة الألوهية،
فتحكم الناس بشرائعها هي وسلطانها، ولا
تعترف بأن الألوهية لله وحده(١).
يقول عبد الرحمن حبنكة عن الجهاد
- وهو نوع من أنواع القوة -: إن الجهاد
المقدس يهدف إلى غاية نبيلة مثالية، هي
العمل على نشر عقيدة دينية ربانية بين
الناس، آمنت بها أمة، ودعاها إيمانها بها إلى
أن تسعى في نشرها وتعميمها على الناس،
(١) في ظلال القرآن ٢٥٩/١ - ٢٦٠.
حبًّا للخير، وغيرة على بني الإنسان، وطاعة
لله، وهي أيضًا تمكين المؤمنين بها من إقامة
الحق والعدل بین الناس، والحكم بينهم بما
أنزل الله، والسعي في جلب الخير لهم،
على حب ورحمة وإخاء.
هذه هي غاية الجهاد المقدس في أصول
تعاليم الأديان الربانية كلها، وليست غايته
الأساسية طلبًا لثراء المؤمنين، أو رغبة
بانتصارهم أو غلبتهم، أو سعيًا وراء السلطان
والعلو في الأرض، إلا أن تكون هذه الأمور
وسيلة للغاية الأساسية.
وبناء على هذه الغاية الأساسية للجهاد
المقدس يغدو المستجيبون الجدد لدعوته
مثل المجاهدين الفاتحين، دون أي فروق
بين حامل العقيدة الأول وحامل العقيدة
الجديد، إلا الفروق التي تقتضيها طبيعة
الأمور لدى كل أمة، وهي الفروق التي
تعتمد على التفاوت في مقدار الثقة،
والكفاءات الذاتية أو العلمية أو المكتسبة
بالخبرات والمهارات العملية.
ويدل على إقرار اعتبار ذلك قول الله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُوَاْ أُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ
مِنَكُمْ وَأُوْلُواْ الْأَرْحَاِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى يَعْضٍ فِ كِتَبِ اللّهُ
إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٤-٧٥].
www. modoee.com

حرف القاف
فهذا يشعر باعتبار فروق العمل لدى الخير، وتأمين حرية انتشار دين الله، نظرًا
إلى طبيعة الأحوال الإنسانية التي تقتضيها
ظروف الجهاد والفتح من جهة، وظروف
عناد أعداء دين الله وصراعهم للحق
وكيدهم له من الجهة المضادة، مع إلحاح
الدواعي المثالية التي توجب إضعافھم کبحًا
لجماح الشر والفتنة.
قیاس نسب التفاوت بين الأفراد، ويدل عليه
بوضوح أيضًا قول الله: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ
اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلًا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىِّ
وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [
النساء: ٩٥].
أما عند الله تعالى فالتفاوت في التكريم
يستند إلى مقدار التفاوت في تقوى الله لا
غير، وهو المقياس الذي يقاس به الجزاء
الرباني يوم القيامة.
ويدل عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ
أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَّكُمْ إِنَّ الَّهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[الحجرات: ١٣].
فأفضلیة التکریم عند الله متناسبة طردًا
مع أفضلية نسبة التقوى، ويلزم من ذلك
عقلًا أن تتنازل الأفضلية بمقدار تنازل
درجات التقوى.
والغاية المثالية العظيمة التي هي هدف
الجهاد المقدس لا يخدشها ما يلزم عنه
من أمور مادية ترافق حر كته، دون أن تكون
مقصودة في الأصل لرسالته.
فقد يفضي الجهاد إلى تحقيق بعض به إلى أنفسهم، وإلى إمكاناتهم الإنسانية
المغانم المادية، وقد يفضي إلى ضرورة البحتة، ويحجب عنهم العون والمدد
بسط سلطان المجاهدين الفاتحين، لإقامة والتأييد، ويقذف في قلوبهم الرعب،
الحق والعدل والدعوة إلى الخير، وفعل ويطرحهم مع حشد الأمواج البشرية التي
جَوَبُ
القرآن الكريمِ
ومع ذلك فإن رسالة الجهاد المقدس
تظل في جميع الأحوال رسالة مثالية، لا
تهدف في أساسها إلى إرضاء شهوة الحكم
عند أمة ضد أخری، أو کسب مغانم لها، أو
تسليط شعب على شعب.
ومتى تحول الجهاد عن غايته الربانية
إلى الغايات الإنسانية الأخرى، المتصلة
بالمطامع المادية أو الغرائز النفسية، أمسى
شكلا من أشكال محاولات سيطرة بعض
الشعوب على بعض. ولقد عرف التاريخ
منها في بحر الزمن أمواجًا كثيرة مقبلة أو
مدبرة، تبعًا لرياح المطامع والشهوات
الإنسانية، مع الشعور بالقوة القادرة على
التغلب والاستيلاء.
وحينما ينحرف الجهاد عن غايته التي
حددها الله في رسالاته، يكل الله القائمين
٥٦

القوة
تتلاطم في حدود إمكاناتها المادية الخالية إذا ما علموا أن أتباعه أقوياء هابوهم، وخافوا
بأسهم، ولم يجرؤوا على مهاجمتهم.
من القوى المعنوية المؤثرة الغلابة. وكذلك
حينما يستثمر المجاهدون الفتح والنصر
لغير الغاية التي قام الجهاد المقدس من
أجلها، فإن الله يكل الفاتحين إلى أنفسهم،
ويرفع عنهم يد التثبيت والمعونة، فتموج
بهم الأرض التي فتحوها، وترتج بهم
العروش التي اعتلوها، وتأتيهم إنذارات
الانهيار، ليصلحوا نياتهم وأعمالهم، فإذا
استمروا في الانحراف عن الطريق الذي
حدده الله لهم، آذنهم بنقمته، وأنزل بهم
عذابه، فدالت دولتهم، وانهارت قوتهم،
وظفر بهم عدوهم(١).
ومن الغايات: التي يستخدم الإسلام
القوة من أجلها.
١. حماية الدين، وحراسة الأمة، وإرهاب
الأعداء.
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أُسْتَطَعْتُم
مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ
عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا
نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَىْءٍ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا نُظْلَمُونَ﴾
[الأنفال: ٦٠].
دلت الآية على وجوب إعداد القوة
الحربية للدفاع عن الدين وعن الوطن وعن
كل ما يجب الدفاع عنه؛ لأن أعداء الإسلام
(١) أجنحة المكر الثلاثة ٦٩٩-٧٠١.
قال القرطبي: «أمر الله سبحانه المؤمنين
بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة
التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم
بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنةٍ من
تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه
وسلّم (٢).
ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعضٍ
بعلمه السابق وقضائه النافذ» (٣).
وقال بعض العلماء: دلت هذه الآية على
وجوب إعداد القوة الحربية، اتقاء بأس
العدو وهجومه، ولما عمل الأمراء بمقتضى
هذه الآية أيام حضارة الإسلام، كان الإسلام
عزيزًا، عظيمًا، أَبِّي الضيم، قويّ القنا، جليل
الجاه، وفير السنا، إذ نشر لواء سلطته على
منبسط الأرض، فقبض على ناصية الأقطار
والأمصار.
أما اليوم فقد ترك المسلمون العمل بهذه
الآية الكريمة، ومالوا إلى النعيم والترف،
فأهملوا فرضًا من فروض الكفاية، فأصبحت
جميع الأمة آئمة بترك هذا الفرض، ولذا
تعاني اليوم من غصته ما تعاني.
و کیف لا يطمع العدو في بلاد الإسلام،
وهو لا یری فیها معامل للأسلحة، وذخائر
(٢) انظر: سيرة ابن هشام ١ / ٦٢٨.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٥/٨.
www. modoee.com
٥٧

حرف القاف
الحرب، بل كلها مما يشترى من بلاد سبب القتال في الإسلام ينحصر في رد
العدو؟.
أما آن لها أن تتنبه من غفلتها، فتعد العدة
التي أمر الله بها لأعدائها، وتتلافى ما فرطت
قبل أن يداهم العدو ما بقي منها بخيله
ورجله .. ؟
إن القوة التي طلب الله من المؤمنين
إعدادها لإرهاب الأعداء، تتناول كل ما
من شأنه أن يجعل المؤمنین أقوياء. کإعداد
الجيوش المدربة، والأسلحة المتنوعة التي
تختلف بحسب الأزمنة والأمكنة.
إن المقصود من إعداد العدة في الإسلام
إنما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في
الاعتداء على المسلمین، وحتی یعیش أتباع
هذا الدین آمنين مطمئنين في ديارهم، وحتی
يستطيعوا أن يبلغوا رسالة الله إلى خلقه من
الناس دون أن يخشوا أحدا سواه عز وجل.
وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب
المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو
القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما
یغضب الله سبحانه.
ولذلك وجدنا الآية صريحة في بيان
المقصود من هذا الإعداد، وهو كما عبرت
عنه: ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ
وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعَلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
والخلاصة: إن من تتبع آيات القرآن
الواردة في القتال يجدها جميعها تقرر أن
العدوان، وحماية الدعوة الإسلامية من
التطاول عليها وتثبيت حرية العقيدة، وتطهير
الأرض من الظلم والطغيان(١).
إذًا: فالغرض الأول من إعداد القوة:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ
مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾.
فهو إلقاء الرعب والرهبة في قلوب
أعداء الله الذين هم أعداء العصبة المسلمة
في الأرض، الظاهرين منهم الذين يعلمهم
المسلمون ومن وراءهم ممن لا يعرفونهم،
أو لم يجهروا لهم بالعداوة، والله يعلم
سرائرهم وحقائقهم، وهؤلاء ترهبهم
قوة الإسلام ولو لم تمتد بالفعل إليهم،
والمسلمون مكلفون أن يكونوا أقوياء، وأن
يحشدوا ما يستطيعون من أسباب القوة؛
لیکونوا مرهوبین في الأرض ولتكون كلمة
الله هي العليا، وليكون الدين كله لله(٢).
٢. تعمیر الأرض، وتحقيق الاستقرار.
قال تعالى عن هود عليه السلام وهو يدعو
قومه: ﴿وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُ واْ رَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ
يُرْسِلِ السَّمَلَةَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ
قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَّوَأْمُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢].
والاستقرار يؤدي إلى القوة، ومن ثم
النعيم والهناء، فإن كثرة الأموال لها أسبابٌ
(١) انظر: التفسير الوسيط، محمد طنطاوي
٦/ ١٤١ - ١٤٤. بتصرف.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١٥٤٤/٣.
٥٨
جوبيه
القرآن الكريم

القوة
كثيرةٌ: منها طيب الأرض للزرع والغرس،
ورعي الأنعام والنحل، ومنها وفرة التجارة
بحسن موقع الموطن بين مواطن الأمم،
ومنها الاقتراب من البحار للسفر إلى
الأقطار وصيد البحر، ومنها اشتمال الأرض
على المعادن من الذهب والفضة والحديد
والمواد الصناعية والغذائية من النبات،
كأشجار التوابل ولحاء الدبغ والصبغ
والأدوية والزراريع والزيوت.
وكثرة الأولاد تأتي من الأمن بسبب
بقاء الأنفس، ومن الخصب المؤثر قوة
الأبدان والسلامة من المجاعات المعقبة
للموتان، ومن حسن المناخ بالسلامة من
الأوبئة المهلكة، ومن الثروة بكثرة الأزواج
والسراري والمراضع (١).
و کل ذلك لا بد له من قوة تحمیه، وتقوم
علیه، بل تأتي به.
ثانيًا: صور من استعمال القوة في
الخير، وآثارها:
إن صور استعمال القوة في الخير كثيرة
جدًّا، فالحقيقة أن أي عمل صالح، يحتاج
إلى قوة، فإذا استخدم الإنسان تلك القوة في
ذلك العمل، فهو نوع من استعمال القوة في
الخير.
١. التضحية في سبيل نشر الدين.
(١) التحرير والتنوير ٢٥٧/١٠.
اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ
قال الله سبحانه:
اَلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَ لَهُمُ
الْجَنَّةُ يُقَائِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ
وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَنَةِ
وَاْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِّ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ،
مِنَ اللَّهِ فَأَسْتَبْشِرُ واْبِبَيْحِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهْ
وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
ومن الأمثلة الرائعة في ذلك:
عن أنس رضي الله عنه، قال: غاب عمي
أنس بن النضر عن قتال بدرٍ، فقال: (يا رسول
الله غبت عن أول قتالٍ قاتلت المشركين،
لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله
ما أصنع)، فلما كان يوم أحدٍ، وانكشف
المسلمون، قال: (اللهم إني أعتذر إليك مما
صنع هؤلاء - يعني: أصحابه - وأبرأ إليك
مما صنع هؤلاء، - يعني: المشركين - ثم
تقدم).
فاستقبله سعد بن معاذٍ، فقال: (يا سعد
بن معاذٍ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها
من دون أحدٍ)، قال سعدٌ: فما استطعت يا
رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به
بضعًا وثمانين ضربةً بالسيف أو طعنةً برمحٍ،
أو رمیةً بسهم، ووجدناه قد قتل وقد مثل به
المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته بینانه.
قال أنس: (کنا نری أو نظن أن هذه الآية
نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ
صَدَقُواْ مَا عَنْهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
www. modoee.com
٥٩

حرف القاف
إلى آخر الآية)(١).
٢. الرحمة بأهل الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَكَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ
مِنْكُمْ عَنْ دِينِ، فَوَّفَ يَأْتِىِ اللّهُ بِقَوْمٍ مُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَفِرِينَ يَُّهِدُونَ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَآَ بِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِهِ
مَن يَشَدَهُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٥٤].
وقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِنَّاءُ
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَاءُ بَيْنَهُمْ ﴾ [الفتح: ٢٩].
يقول الألوسي: ((والمعنى أن فيهم غلظة
وشدة على أعداء الدين ورحمة ورقة على
إخوانهم المؤمنين، وفي وصفهم بالرحمة
بعد وصفهم بالشدة تکمیل واحتراس فإنه لو
اكتفى بالوصف الأول لربما توهم أن مفهوم
القيد غير معتبر، فيتوهم الفظاظة والغلظة
مطلقا فدفع بإرداف الوصف الثاني، ومآل
ذلك أنهم مع كونهم أشداء على الأعداء
رحماء على الإخوان)) (٢).
٣. مساعدة المحتاج، ونصرة المظلوم.
قال تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَلَمَّا
بَلَغَ أَشُدَهُ، وَأَسْتَوَىْ ءَانَيْنَهُ حُكْمًا وَعِلْمَاً وَكَذَلِكَ
تَجْرِىِ الْمُحْسِنِينَ ﴾ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب قول الله تعالى: (من المؤمنين
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه)، رقم
٢٨٠٥، وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب ثبوت الجنة للشهيد، رقم
١٩٠٣.
(٢) روح المعاني ٢٧٦/١٣.
غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَئِلَانِ هَذَا
مِن شِيعَتِهِ، وَهَذَا مِنْ عَدُوّةٍ، فَأَسْتَغَنَهُ الَّذِى مِن
شِيعَئِهِ، عَلَى الَّذِى مِنْ عَدُوِّهِ، فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى
عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَلِ الشَّيْطَانِ إِنَُّ عَدُوٌّ مُضِلٌّ
مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥].
فلما ظن موسى عليه السلام أن الرجل
مظلوم وقف بجانبه إذا كانت القوة معه،
وهكذا يجب على صاحب القوة أن ينصر
المظلوم، بل وأن ينصر الظالم بحجزه عن
ظلمه.
وفي مساعدة المحتاج، والوقوف بجانب
الضعيف قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدْيَنَ
وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ
مِن دُونِهِمُ أَمْرَأَتَيْنِ تَذُودَانٍ قَالَ مَا خَطِبْكُمَّاً
قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخُ
كَبِيرٌ﴾ [القصص
قال الزمخشري: ((والمعنى: أنه وصل إلى
ذلك الماء وقد ازدحمت عليه أمة من أناس
مختلفة متكاثفة العدد، ورأى الضعيفتين من
ورائهم مع غنيمتهما مترقبتين لفراغهم، فما
أخطأت همته في دين الله تلك الفرصة، مع
ما كان به من النصب وسقوط خف القدم
والجوع، ولکنه رحمهما فأغاثهما، و کفاهما
أمر السقي في مثل تلك الزحمة بقوة قلبه
وقوة ساعده، وما آتاه الله من الفضل في
متانة الفطرة ورصانة الجبلة، وفيه مع إرادة
اقتصاص أمره وما أوتى من البطش والقوة
٦٠
القُرآن الكَرِيمِ

القوة
وما لم يغفل عنه، على ما كان به من انتهاز اُلْأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦].
فرصة الاحتساب، ترغيب في الخير،
وانتهاز فرصه، وبعث على الاقتداء في ذلك
بالصالحين والأخذ بسيرهم ومذاهبهم» (١).
وروى ابن أبي شيبة(٢) عن عن عمر بن
الخطاب، أن موسى عليه السلام لما ورد ماء
مدين وجد عليه أمةً من الناس يسقون، فلما
فرغوا أعادوا الصخرة على البئر، ولا يطيق
رفعها إلا عشرة رجالٍ، فإذا هو بامرأتين
تذودان، قال: ما خطبكما؟ فأخبرتاه، فأتى
حتی رویت الغنم، ورجعت المرأتان إلى
أبيهما فحدثتاه، وتولى موسى عليه السلام
إلى الظل فقال: ﴿رَبِّ إِنِ لِمَآ أَنْزَلْتَ إِلَّ مِنْخَيْرِ
فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].
أُسْتِحْيَآءِ﴾ [القصص: ٢٥]. واضعةً ثوبها
على وجهها، قالت: إن أبي يدعوك ليجزيك
أجر ما سقيت لنا، قال لها: امشي خلفي
وصفي لي الطريق، فإني أكره أن تصيب
الريح ثوبك فيصف لي جسدك، فلما
انتهى إلى أبيها وقص عليه ﴿قَالَتْ إِحْدَهُمَا
يَأَبَتِ اسْتَفْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ اسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ
(١) الكشاف، الزمخشري ٤٠١/٣.
(٢) في مصنفه، كتاب الفضائل، باب ما ذكر في
موسى عليه السلام من الفضل، رقم ٣١٨٤٢،
٠٣٣٤/٦
وصححه ابن كثير في تفسيره ٦/ ٢٢٦.
قال: يا بنية ما علمك بأمانته وقوته؟
قالت: أما قوته فرفعه الحجر ولا یطیقه إلا
عشرةٌ، وأما أمانته فقال لي: امشي خلفي
وصفي لي الطريق؛ فإني أخاف أن تصيب
الريح ثوبك فتصف جسدك، فقال عمر:
فأقبلت إليه ليست بسلفعِ (٣) من النساء لا
خراجةٌ، ولا ولاجةٌ(٤)، واضعة ثوبها على
وجهها.
فقد ساعد نبي الله موسى هاتين المرأتين
الحجر فرفعه ثم لم يستق إلا ذنوبًا واحدًا لما رأى من ضعفهما، وهكذا ينبغي أن
یکون کل قوي.
﴿وَتَّهُ إِحْدَدُهُمَا تَمْشِى عَلَى إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ
قال:
وقال تعالى، عن عبده ذي القرنين:
﴿حَقٌِّ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّنَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا
قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلً ﴾ قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ
خَرْمًا عَلَى أَنْ تَّْعَلَ بَيْنَا وَيْنَعُ سَدَّا قَالَ مَا مَكَِّى
فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِينُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾
[الكهف: ٩٣ -٩٥].
قال ذو القرنين: الذي مكنني في عمل
ما سألتموني من السد بينكم وبين هؤلاء
القوم ربي ووطاهُ لي، وقواني علیه، خیرٌ من
جُعْلِكُم والأجرة التي تعرضونها علي لبناء
ذلك، وأكثر وأطيب، ولكن أعينوني منكم
(٣) السلفعة: البذيئة الفحاشة القليلة الحياء.
ورجلٌ سلفعٌ: قليل الحياء جريءٌ.
انظر: لسان العرب، ٨/ ١٦١.
(٤) أي: لا تكثر الخروج والدخول من البيت.
www. modoee.com
٦١

حرف القاف
يقول سيد قطب: ((ونحن لا نستطيع
أن نجزم بشيء عن المكان الذي بلغ إليه
ذو القرنين ((بين السدين)) ولا ما هما هذان
السدان، كل ما يؤخذ من النص أنه وصل
إلى منطقة بين حاجزين طبيعيين، أو بين
سدين صناعيين، تفصلهما فجوة أو ممر،
فوجد هنالك قوما: ﴿لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾.
وعندما وجدوه فاتحًا قويًا، وتوسموا
فيه القدرة والصلاح عرضوا عليه أن يقيم
لهم سدًّا في وجه يأجوج ومأجوج الذين
يهاجمونهم من وراء الحاجزين، ويغيرون
عليهم من ذلك الممر، فيعيثون في أرضهم
فسادا ولا يقدرون هم على دفعهم وصدهم،
وذلك في مقابل خراج من المال يجمعونه
له من بینھم.
وتبعًا للمنهج الصالح الذي أعلنه
ذلك الحاكم الصالح من مقاومة الفساد
في الأرض، فقد رد عليهم عرضهم الذي
عرضوه من المال وتطوع بإقامة السد،
ورأى أن أيسر طريقة لإقامته هي ردم الممر
بين الحاجزين الطبيعيين فطلب إلى أولئك
القوم أن يعينوه بقوتهم المادية والعضلية:
﴿فَأَعِنُونِ بِقُوٍَّ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ءَاتُونِ
زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾، فجمعوا له قطع الحديد،
بقوةٍ، أعينوني بفعلةٍ وصناعٍ يحسنون البناء وكومها في الفتحة بين الحاجزين، فأصبحا
كأنهما صدفتان تغلفان ذلك الكوم بينهما،
والعمل(١).
﴿حَقّ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفِيْنِ﴾ وأصبح الركام
بمساواة القمتين ﴿قَالَ أَنفُخُواْ﴾ على النار
لتسخين الحديد ﴿حَتَّىَ إِذَا جَعَلَهُ، نَارًا﴾
كله لشدة توهجه واحمراره ﴿قَالَ ءَاتُونيّ
أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ أي: نحاسًا مذابًا يتخلل
الحديد، ويختلط به فیزیده صلابة.
بذلك التحم الحاجزان، وأغلق الطريق
على يأجوج ومأجوج ﴿فَمَا أَسْطَعُواْ أَنْ
يَظْهَرُوهُ﴾ ويتسوروه ﴿وَمَا أَسْتَطَعُواْ لَهُ.
نَقْبًا﴾ [الكهف: ٩٧].
فينفذوا منه، وتعذر عليهم أن يهاجموا
أولئك القوم الضعاف. فأمنوا واطمأنوا.
ونظر ذو القرنين إلى العمل الضخم
الذي قام به، فلم يأخذه البطر والغرور، ولم
تسكره نشوة القوة والعلم، ولكنه ذكر الله
فشكره، ورد إليه العمل الصالح الذي وفقه
إليه، وتبرأ من قوته إلى قوة الله، وفوض
إليه الأمر، وأعلن ما يؤمن به من أن الجبال
والحواجز والسدود ستدك قبل يوم القيامة،
فتعود الأرض سطحا أجرد مستويا.
﴿قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبٍِّ جَعَلَهُ.
دَكَاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ [الكهف: ٩٨].
وبذلك تنتهي هذه الحلقة من سيرة ذي
القرنين، النموذج الطيب للحاكم الصالح،
یمکنه الله في الأرض، وييسر له الأسباب،
(١) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٠٣.
جَوْسُورُ
القرآن الكريمِ
٦٢

القوة
فیجتاح الأرض شرقًا وغربًا ولكنه لا يتجبر
ولا يتكبر، ولا يطغى ولا يتبطر، ولا يتخذ
من الفتوح وسيلة للغُنْم الماديِّ، واستغلال
الأفراد والجماعات والأوطان، ولا يعامل
البلاد المفتوحة معاملة الرقيق، ولا يسخر
أهلها في أغراضه وأطماعه، إنما ينشر العدل
في کل مکان یحل به، ويساعد المحتاجين،
ويدرأ عنهم العدوان دون مقابل، ويستخدم
القوة التي يسرها الله له في التعمير
والإصلاح، ودفع العدوان وإحقاق الحق،
ثم يرجع کل خیر یحققه الله علی یدیه إلى
رحمة الله وفضل الله، ولا ينسى وهو في
إبان سطوته قدرة الله وجبروته، وأنه راجع
إلى الله))(١).
فقد ساعد الرجل القوي القوم الضعفاء
على أعدائهم الذين ظلموا وطغوا وتجبروا،
فهو استعمال للقوة فیما یحب الله تعالی.
وَإِن طَآَيِفَنَانٍ مِنَ
وقال الله تعالى:
الْمُؤْمِنِينَ أُقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَّاً فَإِنَّ بَغَتْ
إِحْدَنَّهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَئِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِىّةَ إِلَّ
أَمْرِ اللّهِ فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدّلِ وَأَقْسِطُواْ
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَكُمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[الحجرات: ١٠].
(١) في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٩٢.
٤. صد أهل الباطل، ودحض باطلهم.
قال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَسَمِىُّ
قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُواْ بِهِ،
فَقَبَضْتُ قَبْضَةٌ مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَدْتُهَا
قَالَ
٩٦
وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِ نَفْسِى
فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِى الْحَيَوِةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسِّ
وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ، وَأَنْفُظْ إِلَى إِلَهِكَ
الَّذِى ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِّفَا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَفسِفَنَّهُ.
فِي أَلْيَمِّ نَسْفَا ﴿ إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِى لَآّ
إَِهَ إِلَّا هُوَّ وَسِعَ كُلَّ شَىْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨].
فها هو موسى عليه السلام قد استخدم
قوته في رد الباطل الذي نشره السامري،
فيجب على أهل الحق أن يحصلوا القوة
التي بها یردعون الباطل وحزبه.
٥. الانتصاف للنفس.
قال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْىُ هُمّ
يَلْنَصِرُونَ { وَحَزَّوْاْ سَيَِّّةٍ سَيِنَّةٌ مِثْلُهَاٌ فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الَِّلِينَ
٢) وَلَمَنِ أَنْتَصَرَ بَعْدَ كُلِّمِهِ فَأُوْلَكَ مَا عَلَِهِم مِّن
سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١].
فالإنسان لا ينبغي أن یرضی بالضیم بل
يعفو عن قوة ومقدرة، لئلا يستهین به أحد،
بل یکون قويًّا مهابًا في حلم ولین.
فهذه صور لاستعمال القوة في الخير،
فهذا دليل على استعمال القوة ضد فالواجب علينا أن نعيد القوة إلى أهلها الذين
الباغي الجائر.
هم أهلها، لکي يستخدموها فیما ينفع الناس
في دنياهم وأخراهم.
www. modoee.com
٦٣

حرف القاف
ثالثًا: صور من استعمال القوة في الشر، وقوة جاهه على فضيلة نفسه (٢).
ونتائجها:
١. الاغترار بالجاه والسلطان، وسوء
عاقبته.
قال تعالى عن فرعون: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى
قَوْمِهِ، قَالَ يَنقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ
أَمْ
الْأَنْهَرُ تَّجْرِى مِن تَحْنِىّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ()
أَنْ خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُِينُ )
فَلَوْلَا أَلْغِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَمَ مَعَهُ
الْمَلَتِكَةُ مُقْتَرِيِنَ ﴿ فَأَسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ
فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا
أَجْعِينَ
لِلْآَخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥١-٥٦].
افتخر بملكه مصر عدو الله، وما قد مكن
له من الدنيا استدراجًا من الله له، وحسب
أن الذي هو فيه من ذلك ناله بيده وحوله،
وأن موسی إنما لم يصل إلى الذي يصفه،
فنسبه من أجل ذلك إلى المهانة محتجًا على
جهلة قومه بأن موسى عليه السلام لو كان
محقًّا فيما يأتي به من الآيات والعبر، ولم
یکن ذلك سحرًا، لأکسب نفسه من الملك
والنعمة، مثل الذي هو فيه من ذلك، جهلًا
بالله واغترارًا منه بإملائه إياه (١).
وحاصل الأمر أنه احتج بكثرة أمواله
(١) جامع البيان، الطبري ٦١٠/٢٠.
مَضوري
القرآن الكريمِ
واستخفاف الطغاة للجماهير أمر لا
غرابة فيه، فهم يعزلون الجماهير أولا عن
كل سبل المعرفة، ويحجبون عنهم الحقائق
حتى ينسوها، ولا يعودوا يبحثون عنها،
ويلقون في روعهم ما يشاءون من المؤثرات
حتى تنطبع نفوسهم بهذه المؤثرات
المصطنعة، ومن ثم يسهل استخفافهم بعد
ذلك، ويلين قيادهم، فيذهبون بهم ذات
الیمین وذات الشمال مطمئنین! ولا يملك
الطاغية أن يفعل بالجماهير هذه الفعلة إلا
وهم فاسقون، لا يستقيمون على طريق،
ولا یمسكون بحبل الله، ولا يَزِنونَ بمیزان
الإيمان. فأما المؤمنون فيصعب خداعهم
واستخفافهم واللعب بهم كالريشة في
مهب الريح. ومن هنا يعلل القرآن استجابة
الجماهير لفرعون فيقول: ﴿فَأَسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ
ثم انتهت مرحلة الابتلاء والإنذار
والتبصير وعلم الله أن القوم لا يؤمنون،
وعمت الفتنة، فأطاعت الجماهير فرعون
الطاغية المتباهي في خيلاء، وعشت عن
الآيات البينات والنور، فحقت كلمة الله
وتحقق النذير: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا أَنْثَقَمْنَا
مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿ فَجَعَلْنَهُمْ
سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْأَخِرِينَ﴾، يتحدث الله
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧/ ٦٣٧.
٦٤