النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
القُوَة
عناصر الموضوع
مفهوم القوة
٢٦
القوة في الاستعمال القرآني
٢٧
الألفاظ ذات الصلة
٢٨
الأسلوب القرآني في عرض القوة
٣٠
٤٢
مجالات القوة ومظاهرها
٥٥
آثار القوة
المُجَلَّدَ الثَامِنْ وَالعشْرُونْ
حرف القاف
مفهوم القوة
أولا: المعنى اللغوي:
المادة (ق وي) لها أصلان متباينان في اللغة، الأول: يدل على الشدةٍ وخلاف الضعف،
والثاني: يدل على خلاف هذا وعلى قلة خيرٍ.
فمن الأول القوة، والقوي: خلاف الضعيف. وأصل ذلك من القوى، وهي جمع قوةٍ من
قوى الحبل.
ومن الأصل الثاني القواء: الأرض لا أهل بها. ويقال: أقوت الدار: خلت. وأقوى القوم:
صاروا بالقواء والقي، وأقوى الرجل: إذا فني زاده، والقوة: الطاقة من الحبل، وجمعها قوّى،
ورجل شديد القوى، أي شديد أسر الخلق(١). والقوة المقصودة هنا مأخوذة من الأصل
الأول، فالقوة: خلاف الضعف.
فالناظر يرى أن معنى القوة في اللغة يدل على خلاف الضعف، والقدرة على فعل الشيء.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: ((القوة هي تمكن الحيوان من الأفعال الشاقة، فقوى النفس النباتية
تسمى قوى طبيعية، وقوى النفس الحيوانية تسمى قوى نفسانية، وقوى النفس الإنسانية
تسمى: قوى عقلية. والقوى العقلية باعتبار إدراكاتها للكليات تسمى القوة النظرية، وباعتبار
استنباطها للصناعات الفكرية من أدلتها بالرأي تسمى القوة العملية»(٢).
وقال الطاهر ابن عاشور: ((والقوة حقيقتها حالةٌ في الجسم يتأتى له بها أن يعمل ما
يشق عمله في المعتاد، فتكون في الأعضاء الظاهرة، مثل قوة اليدين على الصنع الشديد،
والرجلين على المشي الطويل، والعينين على النظر للمرئيات الدقيقة. وتكون في الأعضاء
الباطنة، مثل قوة الدماغ على التفكير الذي لا يستطيعه غالب الناس، وعلى حفظ ما يعجز
عن حفظه غالب الناس))(٣).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٩/ ٢٧٤، الصحاح، الجوهري ٢٤٦٩/٦، مقاييس اللغة، ابن فارس
٣٦/٥-٣٧، لسان العرب، ابن منظور ٢٠٦/١٥، القاموس المحيط، الفيروزآبادي ١٣٢٧، تاج
العروس من جواهر القاموس، الزبيدي ٣٦٠/٣٩.
(٢) التعريفات ص ١٧٩ .
وانظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ٢٧٦، الكليات، الكفوي ص ٧١٧، دستور العلماء،
الأحمد نكري ٦٨/٣.
(٣) التحرير والتنوير ٩/ ٩٩.
٢٦
القرآن الكريمِ
القوة
القوة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قوي) في القرآن الكريم (٤٢)، يخص موضوع البحث منها(٤١) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
مصدر
٣٠
﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]
صيغة المبالغة
١١
﴿إِنَّاللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ
﴾ [الأنفال: ٥٢]
٥٢
ذكر أهل الوجوه والنظائر أن القوة في القرآن على خمسة أوجه (٢)، لكن بالتأمل في
هذه الأوجه نجد أنها كلها تعود إلى معنى واحد، وهو المعنى اللغوي، وهو الشدة، خلاف
الضعف (٣).
قال الله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةٌ﴾ [هود: ٨٠]. يعني: من أتقوى به من الجند، وما
أتقوى به من المال (٤).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٨٧ - ٥٨٨.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر في القرآن العظيم، مقاتل بن سليمان ص ٨٧-٨٨، الوجوه والنظائر، الدامغاني
ص٣٨٧ - ٣٨٨، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص٤٨٩ - ٤٩٠.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦/٥، لسان العرب، ابن منظور ٢٠٦/١٥.
(٤) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص٤١٩.
www. modoee.com
٢٧
حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
١
الشدة:
الشدة لغةً:
قال ابن فارس: «الشين والدال أصلٌ واحدٌ يدل على قوةٍ في الشيء، وفروعه ترجع إليه.
من ذلك شددت العقد شدًا أشده. والشدة: المرة الواحدة)﴾(١).
الشدة اصطلاحًا:
هي ((اسم من الاشتداد))(٢).
الصلة بين الشدة والقوة:
أن الشدة في الأصل هي مبالغة في وصف الشيء في صلابة، وليست هي من قبيل القدرة،
أما القوة فمن قبيل القدرة(٣).
القسوة:
٢
القسوة لغةً:
القسوة: الصلابة في كل شيءٍ، وحجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسيةٌ: لا تنبت شيئًا، والقسوة
في القلب تعني ذهاب اللين والرحمة والخشوع منه. وقسا قلبه قسوة وقساوة وقساء، وهو
غلظ القلب وشدته، وأقساه الذنب، ويقال: الذنب مقساةٌ للقلب (٤).
القسوة اصطلاحًا:
قال الراغب: ((القسوة: غلظ القلب))(٥).
الصلة بين القسوة والقوة:
أن القسوة تستعمل فيما لا يقبل العلاج؛ ولهذا يوصف بها القلب وإن لم يكن صلبًا (٦)،
أما القوة فهي ليست كذلك؛ بل هي القدرة على التمكن من فعل الشيء.
(١) مقاييس اللغة ١٣٩/٣.
(٢) الكليات، الكفوي ص ٥٤٠.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٢٩٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٥/ ١٨٠.
(٥) المفردات، ص ٦٧١.
(٦) الفروق اللغوية، العسكري ص ٤٢٩.
٢٨
جَوَسُوع
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
القوة
الضعف:
٣
الضعف لغةً:
((الضعف والضعف: خلاف القوة. وقد ضعف فهو ضعيفٌ، وأضعفه غيره. وقومٌ ضعافٌ
وضعفاء وضعفةٌ. واستضعفه، أي: عده ضعيفًا))(١).
الضعف اصطلاحًا:
هو: ((وهن القوة حسًّا أو معنى))(٢).
الصلة بين الضعف والقوة:
يتفقان في أن كلَّا منهما من فعل الله تعالى كما أن القوة من فعل الله تعالى، تقول: خلقه
الله ضعيفًا أو خلقه قويًا(٣). ولكنهما متناقضان، فالضعف خلاف القوة.
الوهن:
٤
الوهن لغةً:
هو الضعف وقد وهن ووهنه غيره، فالفعل يلزم ويتعدى (٤).
الوهن اصطلاحًا:
قال الراغب: ((الوهن: ضعف من حيث الخلق، أو الخلق))(٥).
الصلة بين الوهن والقوة:
أن القوة هي القدرة على التمكن من فعل الشيء، والوهن أن يفعل الإنسان فعل الضعيف
وهو قوي، فالوهن فيه انكسار للجسد بالخوف وغيره(٦)، إذن فهي خلاف القوة.
(١) الصحاح، الجوهري ١٣٩٠/٤.
(٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ٢٢٣.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٣٠.
(٤) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص ٣٤٦.
(٥) المفردات ص ٨٨٧.
(٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٣٣١.
www. modoee.com
٢٩
حرف القاف
الأسلوب القرآني في عرض القوة
أولًا: وصف الله نفسه بالقوة:
سمى الله تعالى ووصف نفسه بالقوة،
وقد ورد تسمية الله تعالى بالقوي في القرآن
في تسعة مواضع من الكتاب العزيز (١).
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ كَدَأپِ ءَالِ
فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِحَايَتِ اُللَّهِ
فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ
الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٥٢].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا
بِالْبَيِّنَتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاَلْمِيزَانَ
لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ
شَدِيدٌ وَمَنَفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَنصُرُهُ.
وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبٍ إِنَّ اللَّهَ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد:
٢٥].
وقال سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَنَّ أَنَّا
﴾ [المجادلة: ٢١].
وَرُسُلَّ إِنَّ اللّهُ قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ
وقال تعالى:
الْعَزِيزُ﴾ [هود: ٦٦].
وقال: ﴿اَللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ
وَهُوَ اَلْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
قال ابن جرير: ((﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ﴾ [الأنفال:
٥٢]. لا یغلبه غالب ولا يرد قضاءه رادٌ، پنفذ
أمره ويمضي قضاؤه في خلقه، شديدٌ عقابه
(١) انظر: النهج الأسمى، محمد الحمود النجدي
ص ٣٣٤.
لمن کفر بآیاته و جحد حججه)»(٢)
وقال الزجاج: ((القوي هو الكامل القدرة
على الشيء، تقول: هو قادر على حمله. فإذا
زهته وصفا قلت: هو قوي علی حمله. وقد
إِنَّ
وصف نفسه بالقوة فقال عز قائلا:
اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [الذاريات:
٥٨])) (٣).
قال ابن القيم (٤):
وهو القوي بقوة هي وصفه
وعليك يقدر يا أخا السلطان
ويقترن اسم الله تعالى (القوي) باسميه
تعالى (المتين، والعزيز).
قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾
[هود: ٦٦].
وقال: ﴿اَللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ، يَرْزُقُ مَن يَشَأَّةٌ
وَهُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ﴾ [الشورى: ١٩].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ
الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨].
قال الزجاج: ((المتين أصله فعيل من
المتن الذي هو العضو، ويقال: ماتنته على
ذلك الأمر إذا قاويته مقاواة، وهو يفيد في
الله سبحانه التناهي في القوة والقدرة))(٥).
(٢) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٣٣.
(٣) تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٥٤.
(٤) توضيح المقاصد وتصحيح القواعد في شرح
قصيدة الإمام ابن القيم، أحمد بن عيسى
١٢٦/٢.
(٥) تفسير أسماء الله الحسنى، الزجاج ص ٥٥.
وانظر: تهذيب اللغة، الأزهري ١٤/ ٣٠٦.
٣٠
جوبيين
القرآن الكريم
القوة
وفي اللسان: ((والمتين صفةٌ لقوله: ﴿ذُو وفي العزيز أنه يغلب ويقهر ويزل الأقدام،
الْقُوَّةِ﴾ وهو الله تبارك وتقدس، ومعنى والعزة أكمل من المتانة، كما أن القوي
أكمل من ذي القوة، فقرن الأكمل بالأكمل
وما دونه بما دونه، ولو نظرت حق النظر
وتأملت حق التأمل لرأيت في كتاب الله
تعالى لطائف تنبهك على عناد المنكرين
وقبح إنكار المعاندين))(٢).
﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ ذو الاقتدار الشديد،
والمتين في صفة الله القوي، قال ابن الأثير:
هو القوي الشديد الذي لا يلحقه في أفعاله
مشقةٌ ولا كلفة ولا تعبٌّ، والمتانة: الشدة
والقوة، فهو من حيث إنه بالغ القدرة تامها
وقال البخاري: ((باب قول الله تعالى:
﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ اَلْمَتِينُ﴾ [الذاريات:
٥٨]»(٣).
قوي، ومن حيث إنه شديد القوة متینٌ.
قال ابن سيده: وقرئ (المتينٍ) بالخفض
على النعت للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث
الموعظة من قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ.
مَوْعِظَةٌ﴾، أي: وعظٌ))(١).
يقول الرازي: ((قال: المتين وذلك لأن أنه مسمى بالأسماء الحسنى، فالقوة صفته،
ذو القوة كما بينا لا يدل إلا على أن له قوةً ما
فزاد في الوصف بیاًا، وهو الذي له ثباتٌ لا
یتزلزل، وهو مع المتین من بابٍ واحدٍ لفظًا
ومعنّى، فإن متن الشيء هو أصلُه الذي عليه
ثباته، والمتن هو الظهر الذي عليه أساس
البدن، والمتانة مع القوة كالعزة مع القوة؛
حيث ذكر الله تعالى في مواضع القوة مع
العزة فقال: ﴿قَوِىُّ عَزِيزٌ﴾ [الحديد: ٢٥].
وقال: ﴿اَلْقَوِىُّ الْعَزِيرُ﴾ [هود: ٦٦].
وفيه لطيفةٌ تؤيد ما ذكرنا من البحث في
القوي وذي القوة، وذلك لأن المتين هو
الثابت الذي لا يتزلزل والعزيز هو الغالب،
ففي المتین أنه لا یغلب ولا یقهر ولا يهزم،
(١) لسان العرب، ابن منظور ٣٩٩/١٣.
وهذه الآية ونظائرها تدل بوضوح على
أن الله تعالی موصوف بالصفات العلیا، كما
والرزاق اسمه، وتقدم أن كل اسم لابد أن
يتضمن الصفة، وبذلك وغيره يرد على
المنكرين للصفات (٤).
ومن مظاهر قوة الله تعالى:
١. نصره سبحانه لرسله.
قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِيَ أَنَا
وَرُسُلِىّ إِنَّ اللَّهَ قَِّىُّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٢١].
ومن ذلك نصره لأهل الإيمان يوم
الأحزاب، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَذَكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَقَكُمْ جُدٌ فَأَرْسَلْنَا
عَلَيْهِمْ رِيْهًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَاً وَكَانَ اللَّهُ
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ١٩٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، ٩/ ١١٥.
(٤) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري،
الغنيمان ١ / ٩٣.
www. modoee.com
٣١
حرف القاف
بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ن إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ
وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصُرُ وَبَلَغَتِ
اَلْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِ الْقُّنُونَ )
هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَلَا شَدِيدًا﴾
إلى أن قالٍ: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ
لَمْ يَنَالُواْ خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ اَلْقِتَالُ وَكَانَ
اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ، وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَهَرُوهُم
مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِ
قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا
٦ وَأَوْرَفَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَرَهُمْ وَأَمْوَهُمْ وَأَرْضًا
أَمْ تَطَتُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا﴾
[الأحزاب: ٩-٢٧].
٢. إهلاك الله تعالى للأمم الكافرة.
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنَذَرْتُّكُمْ
صَِقَةٌ مِثْلَ صَحِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ { إِذْ جَآءَتَّهُمُ
الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلََّّتَعْبُدُوّا
إِلَّا اللَّهَّ قَالُواْ لَوْ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَتِكَةً فَإِنَّا يِمَآ
أَرْسِلْتُم بِ كَثِفِرُونَ ، فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُوا
فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ
يَرَوْ أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ
◌ِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرْصَرًا فِيّ أَيَّامٍ تَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ
فِي الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْأَخِرَوِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا
يُصَرُونَ ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَهُمْ فَأَسْتَحَبُّواْ
اَلْعَمَى عَلَى أَلْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَعِقَةُ الْعَذَابِ المُونِ
بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (١) وَجَّيْنَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ
يَتَّقُونَ ﴾ [فصلت: ١٣ -١٨].
٣. قوة الله تعالى في الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ
مِن دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبٍ اللَّهِ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ
الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ
الْعَذَابِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
٤. قوة الله تعالى في خلقه.
﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَتِ
قال الله:
وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَاً وَلَيْنِ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنْ بَعْدِهِّهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [فاطر: ٤١].
فالواجب على العباد أن يركنوا إلى قوة
الله تعالى، وأن لا يركنوا إلى الذين ظلموا،
لا بد أن يركنوا إلى الركن الشديد سبحانه
وتعالى، ولذلك فعن أبي موسى قال: كنا مع
النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فجعل
الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي صلى
الله عليه وسلم: (أيها الناس، اربعوا على
أنفسكم، إنکم لیس تدعون أصم ولا غائبًا،
إنكم تدعون سمیعًا قريبًا، وهو معكم) قال
وأنا خلفه، وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا
بالله. فقال (يا عبد الله بن قيسٍ، ألا أدلك
علی کنز من کنوز الجنة؟)، فقلت: بلى، با
رسول الله. قال: (قل: لا حول ولا قوة إلا
بالله)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب غزوة خيبر، رقم ٤٢٠٥، وأخرجه مسلم
في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة
والاستغفار، باب استحباب خفض الصوت
٣٢
جوبي
القرآن الكريمِ
القوة
فإن المعنى: لا تحول للعبد من حالٍ إلى ثانيًا: وصف ملك الوحي بالقوة:
حالٍ ولا قوة له على ذلك إلا بالله، وهذه
كلمةٌ عظيمةٌ، وهي كنزٌ من كنوز الجنة،
فالعبد محتاجٌ إلى الاستعانة بالله في فعل
المأمورات وترك المحظورات والصبر على
المقدورات كلها في الدنيا وعند الموت
وبعده من أهوال البرزخ ويوم القيامة، ولا
يقدر على الإعانة على ذلك إلا الله عز
وجل، فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك
کله أعانه.
ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره
و کله الله إلى من استعان به فصار مخذولاً.
كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: لا
تستعن بغير الله فيكلك الله إليه. ومن كلام
بعض السلف: يا رب، عجبت لمن يعرفك
کیف یرجو غیرك وعجبت لمن يعرفك كيف
يستعين بغيرك؟!(١).
وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في
معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق،
والدخول على الملوك ومن يخاف، وركوب
الأهوال(٢).
بالذكر، رقم ٢٧٠٤.
(١) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١/ ٤٨٢.
(٢) الوابل الصيب، ص ٧٧.
الله تعالى: ﴿عَّتُ شَدِيدُ الْقُوَى:
ذُو مِرَّةِ فَاسْتَوَى ٢) وَهُوَ بِالْأَفُقِّ الْأَعْلَ﴾ [النجم:
٥-٧] (٣) .
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: علم
محمدًا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن
جبريل عليه السلام، وعنى بقوله: ﴿شَدِيدُ
اٌلْقُوَى﴾ [النجم: ٥] شديد الأسباب، والقوى:
جمع قوةٍ، وعنى بالمرة: صحة الجسم
وسلامته من الآفات والعاهات، والجسم إذا
کان کذلك من الإنسان کان قویًا، وإنما قلنا:
إن ذلك كذلك؛ لأن المرة واحدة المرر،
وإنما أريد به: ذو مرةٍ سويةٍ، وإذا كانت المرة
صحیحةً كان الإنسان صحیحًا)» (٤).
وقال ابن عاشور: ((واتفق المفسرون
على أن المراد به جبريل عليه السلام.
والمراد ب (القوى) استطاعة تنفيذ ما
يأمر الله به من الأعمال العظيمة العقلية
والجسمانية، فهو الملك الذي ينزل على
الرسل بالتبليغ)» (٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيٍ {
١٩
ذِى قُوَّةٍ عِنْدَ ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ، تُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾
[التكوير: ١٩-٢١](٦).
(٣) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٠٠/٣،
ففيه كلام نفيس.
(٤) جامع البيان، الطبري ٨/٢٢-١١.
(٥) التحرير والتنوير ٢٧/ ٩٥.
(٦) والرسول جبريل عليه السلام في قول جمهور
www. modoee.com
٣٣
حرف القاف
قال ابن عاشور: «ووصف ﴿رَسُولِ﴾
بخمسة أوصافٍ:
وهو النفيس في نوعه.
الأول:
والوصفان الثاني والثالث: ﴿ذِى قُوَّقِ عِنْدَ
ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ فالقوة حقيقتها مقدرة الذات
على الأعمال العظيمة التي لا يقدر عليها
غالبًا.
والمكين: فعيلٌ، صفةٌ مشبهةٌ من مكن
بضم الکاف مكانةً، إذا علت رتبته عند غيره.
وتوسيط قوله: ﴿عِنْدَ ذِى الْعَرشِ﴾ بین
هو
ليتنازعه كلا الوصفين
امَكِينِ
ذِى قَوّقٍ ﴾
على وجه الإيجاز، أي: هو ذو قوةٍ عند الله،
أي جعل الله مقدرة جبريل تخوله أن يقوم
بعظيم ما يوكله الله به مما يحتاج إلى قوة
القدرة وقوة التدبير، وهو ذو مكانةٍ عند الله
وزلفی.
معه من الملائكة کما یطیع الجیش قائدهم.
والأمين(١): الذي يحفظ ما عهد له به
حتی یؤدیه دون نقصٍ ولا تغيير» (٢).
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ بِالْأُفُقِّ
آلْبُّينِ﴾ [التكوير: ٢٣].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ) عِنْدَ
المتأولين، وهو الصحيح.
انظر: المحرر الوجيز ٤٤٤/٥.
(١) وهو الوصف الخامس.
(٢) التحرير والتنوير ١٥٥/٣٠-١٥٧، بتصرف
شدید.
سِدْرَةِ الْنُنَغَىِ عِندَهَا جَنَّةُ الْأْوَى﴾ [النجم:
١٣-١٥].
ثبت عن مسروقٍ قال: كنت متكثًا عند
عائشة، فقالت: يا أبا عائشة، ثلاثٌ من
تكلم بواحدةٍ منهن فقد أعظم على الله
الفرية. قلت: ما هن؟ قالت: من زعم أن
محمدًا صلی الله عليه وسلم رأی ربه فقد
أعظم على الله الفرية. قال: وكنت متكثًا
فجلست، فقلت: يا أم المؤمنين، أنظريني
ولا تعجليني، ألم يقل الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ
رَوَاهُ بِالْأَفْيِّ الْمُبِّينِ﴾ [التكوير: ٢٣].
﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]؟
فقالت: أنا أول هذه الأمة سأل عن ذلك
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
(إنما هو جبريل، لم أره على صورته التي
خلق عليها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا
الوصف الرابع: ﴿قُطَاعٍ﴾ أن يطيعه من من السماء سادًّا عظم خلقه ما بين السماء
إلى الأرض)(٣).
وعن أبي إسحاق الشيباني قال: سألت
زربن حبيشٍ عن قول الله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ
قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ فَوْحٌَ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوْحَى
[النجم: ٩- ١٠]، قال: حدثنا ابن مسعودٍ: أنه
(رأی جبريل، له ستمائة جناحٍ) (٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب معنى قول الله عز وجل: (ولقد رآه نزلة
أخری)، وهل رأی النبي صلى الله عليه وسلم
ربه ليلة الإسراء؟ رقم ١٧٧ .
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
جوبيـ
الْقُرْآن الكَرِيمِ
٣٤
القوة
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الأرض السفلى من قوم لوطٍ، ثم أخذهم
الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨](١).
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه،
﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨].
قال: (رأى رفرفًا أخضر سد أفق
السماء)(٢).
وعنه قال: (رأی رسول الله صلی الله
جناحٍ، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط
من جناحه من التهاويل والدر والياقوت ما
الله به عليمٌ)(٣).
ومن مظاهر قوة جبريل عليه السلام:
١. إهلاك الظالمين من قوم لوط.
وعن مجاهدٍ قال: («أخذ جبرائيل عليه
السلام قوم لوطٍ من سرحهم ودورهم،
حملهم بمواشيهم وأمتعتهم حتى سمع أهل
السماء نباح كلابهم ثم أکفاهم»(٤).
وعنه قال: ((أدخل جبرائيل جناحه تحت
الخلق، باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة
في السماء، آمين، رقم ٣٢٣٢، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، بابٌ في ذكر سدرة
المنتهى، رقم ١٤٧.
(١) انظر: جامع البيان ٤٤/٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)،
رقم ٤٨٥٨.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٣٧٤٨،
٦/ ٢٩٤.
وإسناده ضعيف، وصح بشواهده.
(٤) انظر: جامع البيان ١٢/ ٥٣٣.
بالجناح الأيمن، فأخذهم من سرحهم
ومواشیھم ثم رفعها)»(٥).
وعنه قال: ((فحملها على خوافي جناحه
بما فيها، ثم صعد بها إلى السماء حتى سمع
أهل السماء نباح كلابهم ثم قلبها، فكان
أول ما سقط منها شرفها، فذلك قول الله:
حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ﴾ [هود: ٨٢].
عليه وسلم جبريل في صورته، وله ستمائة ﴿جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا
قال مجاهدٌ: فلم يصب قومًا ما أصابهم؛
إن الله طمس على أعينهم، ثم قلب قريتهم،
وأمطر عليهم حجارةً من سجيلٍ)) (٦).
قال قتادة: ((وبلغنا أن جبريل أخذ بعروة
القرية الوسطى، ثم ألوى بها إلى السماء
حتی سمع أهل السماء ضواغي کلابهم،
ثم دمدم بعضها على بعضٍ، فجعل عاليها
سافلها، ثم تبعتهم الحجارة»(٧) .
٢. جهاده.
عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال:
قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحدٍ:
(هذا جبريل آخذٌّ برأس فرسه عليه أداة
الحرب)(٨).
(٥) انظر: المصدر السابق ٥٣٤/١٢.
(٦) انظر: المصدر السابق.
(٧) انظر: عبد الرزاق في تفسيره ١٩١/٢،
والطبري في التفسير ٥٣٥/١٢.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة أحدٍ، رقم ٤٠٤١.
www. modoee.com
٣٥
حرف القاف
وعن سعد بن أبي وقاصٍ قال: (لقد ثالثًا: الأمر بأخذ الأمور الحسنة بالقوة:
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِثَقَكُمْ
وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْقُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّقِ
وَأَذْ كُرُواْمَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].
رأیت یوم أحدٍ عن یمین رسول الله صلى
الله عليه وسلم وعن يساره رجلین علیھما
ثيابٌ بيضٌ، يقاتلان عنه كأشد القتال، ما
رأیتهما قبل ولا بعد)(١).
وعن عائشة قالت: أصيب سعدٌ يوم
الخندق، رماه رجلٌ من قريشٍ يقال له:
ابن العرقة، رماه في الأكحل، فضرب عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمةً في
المسجد یعوده من قریب، فلما رجع رسول
الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع
السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل وهو ينفض
رأسه من الغبار، فقال: وضعت السلاح؟
والله، ما وضعناه اخرج إليهم. فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (فأين؟) فأشار
إلى بني قريظة، فقاتلهم رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فنزلوا على حكم رسول الله
صلی الله عليه وسلم، فرد رسول الله صلى
الله علیه وسلم الحکم فیهم إلى سعدٍ، قال:
فإني أحکم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبی
الذرية والنساء، وتقسم أموالهم(٢).
ومعنى الآية: خذوا ما افترضناه عليكم
في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا
باجتھادٍ منکم في أدائه من غیر تقصیرٍ ولا
توانٍ. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوةٍ
بجدٌّ(٣).
أمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة، وأن يعزموا
فيه عزيمة، فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا
تميع، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل
ولا الرخاوة .. إنه عهد الله مع المؤمنين ..
وهو جد وحق، فلا سبيل فيه لغير الجد
والحق .. وله تكاليف شاقة، نعم! ولكن هذه
هي طبيعته، إنه أمر عظيم، فلا بد أن تقبل
عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف
بتكاليفه، المتجمع الهم والعزيمة المصمم
على هذه التكاليف، ولا بد أن يدرك صاحب
هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء
والرخاوة (٤)
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي،
باب (إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا)، رقم
٤٠٥٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
بابٌ في قتال جبريل وميكائيل عن النبي صلى
الله عليه وسلم يوم أحدٍ، رقم ٢٣٠٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب مرجع النبي صلى الله عليه
وسلم من الأحزاب، ومخرجه إلى بني قريظة
ومحاصرته إياهم، رقم ٤١٢٢، ومسلم في
صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب جواز
قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل
الحصن علی حکم حاکم عدلٍ أهلٍ للحكم،
رقم ١٧٦٩.
(٣) جامع البيان، الطبري ٥٣/٢.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٧٦.
جَوَسُورَةُ النَّفِيَّة
الْقُرآن الكَرِيمِ
٣٦
القوة
وقال تعالى: ﴿بَيَحْىَ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقٌ
وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢].
أي: بجدٌّ واجتهادٍ، وذلك بتفهم المعنى
أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم
یعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده،
ویحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه،
ویتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات
العمل به(١).
وقال تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَالَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاً
سَأُؤْرِيكُمْدَارَ الْفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
فأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ
الشرع بقوة، وأن يبلغه لقومه، والواجب
على هؤلاء أن يتحركوا لنشر هذا الدين
وتبليغه للعالمين.
يقول الطاهر: ((والقوة هنا في قوله:
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ تمثيلٌ لحالة العزم على
العمل بما في الألواح بمنتهى الجد
والحرص دون تأخيرٍ ولا تساهلٍ ولا انقطاع
عند المشقة ولا مللٍ، بحالة القوي الذي لا
يستعصي عليه عملٌ يريده. ومنه قوله تعالى:
﴿َيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقٌ﴾ [مريم: ١٢].
وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه
المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله
المشرع، والرسول المنفذ، وأصحابه
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٨/٣.
وولاة الأمور هم أعوانٌ على التنفيذ، وإنما
اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من
خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند
مغيبه، وهو وهم فيما سوى ذلك كسائر
الأمة.
فقوله: ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾
تعريجٌ على ما هو حظ عموم الأمة من
الشريعة وهو التمسك بها)»(٢).
رابعًا: الامتنان بالقوة، والتحذير من
الاغترار بها:
امتن الله تعالى على قوم هود بنعمة
القوة، ولذلك قال لهم هود عليه السلام:
﴿وَقَّوْمِ أُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ نُوبُواْ إِلَيْهِ بُرْسِلِ
السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى
قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلَوَأْمُجْرِمِينَ﴾ [هود:٥٢].
يقول الرازي: ((إنه عليه السلام قال:
(إنكم متى فعلتم ذلك فالله تعالى يكثر
النعم عندكم ويقويكم على الانتفاع بتلك
النعم))، وهذا غاية ما يراد من السعادات،
فإن النعم إن لم تكن حاصلةً تعذر الانتفاع،
وإن كانت حاصلةً إلا أن الحيوان قام به
المنع من الانتفاع بها لم يحصل المقصود
أيضًا، أما إذا كثرت النعمة وحصلت القوة
الكاملة على الانتفاع بها فههنا تحصل غاية
السعادة والبهجة، فقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ
(٢) التحرير والتنوير ٩/ ١٠٠.
www. modoee.com
٣٧
حرف القاف
السّمَآءعَلَيْكُم مِّدْرَارًا﴾ إشارةٌ إلی تکثیر
النعم، لأن مادة حصول النعم هي الأمطار
الموافقة.
وقوله: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾
إشارةٌ إلى كمال حال القوى التي بها
يمكن الانتفاع بتلك النعمة، ولا شك أن
هذه الكلمة جامعةٌ في البشارة بتحصيل
السعادات وأن الزيادة عليها ممتنعةٌ في
صريح العقل، ويجب على العاقل أن يتأمل
في هذه اللطائف ليعرف ما في هذا الكتاب
الكريم من الأسرار المخفية» (١).
وقال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ
إِرَمَ ذَاتِ اَلْعِمَادِ ) أَِّ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىِ
اَلْبِلَدِ﴾ [الفجر: ٦-٨].
قال ابن كثير: ((وقوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾
لأنهم كانوا يسكنون بيوت الشعر التي ترفع
بالأعمدة الشداد، وقد كانوا أشد الناس
في زمانهم خلقةً وأقواهم بطشًا، ولهذا
ذكرهم هودٌّ بتلك النعمة وأرشدهم إلى أن
يستعملوها في طاعة ربهم الذي خلقهم،
فقال: ﴿وَأَذْ كُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءُ مِنْ بَعْدٍ
قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِى الْخَلْقِ بَصْطَةٌ فَاذْكُرُوَا
ءَالَآءَ اَللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩].
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبُرُواْ
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَتْ
يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهُ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨/ ٣٦٣.
جوسى
القرآن الكريم
[فصلت: ١٥].
وقال هاهنا: ﴿أَلَِّ لَّمْ تُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ آلْبِلَدِ﴾
أي: القبيلة التي لم يخلق مثلها في بلادهم،
لقوتهم وشدتهم و عظم ترکیبهم»(٢).
فهذه نعم أنعم الله بها عليهم وامتن
عليهم بها، ولكنهم طغوا وتجبروا، فأهلكهم
الله کما أهلك غيرهم.
قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ(
إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ) أَِّى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ اَلْبِلَدِ
٥ وَتَعُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ
وَفِرِعونَ
ذِى اُلْأَوْنَادِ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِىِ اَلْبِلَدِ ، فَأَكْثَرُواْ
فِيَهَا الْفَسَادَ ، فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ
(٣) إِنَّ رَبَّكَ لَبِاَ لْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ٦-١٤].
وقد جمع الله في هذه الآيات القصار
مصارع أقوى الجبارين الذين عرفهم التاريخ
القديم، مصرع:
(عاد إرم)) وهي عاد الأولى، وقيل:
إنها من العرب العاربة أو البادية، وكان
مسکنھم بالأحقاف وهي کثبان الرمال،
في جنوبي الجزيرة بين حضرموت
والیمن، وكانوا بدوا ذوي خيام تقوم
على عماد، وقد وصفوا في القرآن
بالقوة والبطش، فقد كانت قبيلة عاد
هي أقوى قبيلة في وقتها وأميزها:
﴿ أَلَّتِى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِ البِلَدِ﴾ في ذلك
الأوان.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٩٤/٨.
٣٨
القوة
﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ وكانت فيهم مشاعر الكرامة الإنسانية وملكات
الابتكار المتحررة التي لا تنمو في غير جو
ثمود تسكن بالحجر في شمال الجزيرة
العربية بين المدينة والشام، وقد قطعت
الصخر وشيدته قصورا كما نحتت في
الجبال ملاجئ ومغارات.
الحرية، والنفس التي تستذل تأسن وتتعفن،
وتصبح مرتعا لديدان الشهوات الهابطة
والغرائز المريضة، وميدانًا للانحرافات
وَفِرْعَوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ﴾، وفرعون المشار
إليه هنا هو فرعون موسى الطاغية
الجبار.
مع انطماس البصيرة والإدراك، وفقدان
الأريحية والهمة والتطلع والارتفاع، وهو
فساد أي فساد!
هؤلاء هم ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِى الْبِلَدِ
فَأَكْثَرُواْ فِيهَا اُلْفَسَادَ﴾، وليس وراء الطغيان
إلا الفساد، فالطغيان يفسد الطاغية ويفسد
الذین یقع علیهم الطغيان سواء، كما يفسد
العلاقات والارتباطات في كل جوانب
الحياة، ويحول الحياة عن خطها السليم
النظيف المعمر الباني، إلى خط آخر لا
تستقيم معه خلافة الإنسان في الأرض
بحال.
إنه يجعل الطاغية أسير هواه، لأنه لا
يفيء إلی میزان ثابت، ولا يقف عند حد
ظاهر، فیفسد هو أول من يفسد، ويتخذ
له مكانا في الأرض غير مكان العبد
المستخلف، وكذلك قال فرعون: ﴿أَنَاْ رَبِّكُمُ
الأَعْلَى﴾، عندما أفسده طغيانه، فتجاوز به
مکان العبد المخلوق، وتطاول به إلی ھذا
الادعاء المقبوح، وهو فساد أي فسادا
ثم هو يحطم الموازين والقيم
والتصورات المستقيمة؛ لأنها خطر على
الطغاة والطغيان، فلا بد من تزييف للقيم،
وتزوير في الموازين، وتحريف للتصورات
كي تقبل صورة البغي البشعة وتراها مقبولة
مستساغة.
فلما أكثروا في الأرض الفساد كان
العلاج هو تطهير وجه الأرض من الفساد:
﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ { إِنَّ رَبَّكَ
لَبِالْمِرْصَادِ﴾، فربك راصد لهم ومسجل
لأعمالهم، فلما أن كثر الفساد وزاد صب
عليهم سوط عذاب، وهو تعبير يوحي بلذع
العذاب حين يذكر السوط، وبفيضه وغمره
حين يذكر الصب، حيث يجتمع الألم اللاذع
والغمرة الطاغية على الطغاة الذين طغوا في
البلاد فأكثروا فيها الفساد.
﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادِ﴾: يرى ويحسب
ثم هو يجعل الجماهير أرقاء أذلاء، مع ويحاسب ويجازي وفق ميزان دقيق لا
السخط الدفين والحقد الكظيم؛ فتتعطل يخطئ ولا يظلم ولا يأخذ بظواهر الأمور
www. modoee.com
٣٩
حرف القاف
لكن بحقائق الأشياء(١).
وقد حذر الله من الاغترار بالقوة في
غير ما آية، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ
فِيمَاً إِن مَكَّنَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًّا
وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَدُهُمْ
وَلَّ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ
◌ِثَايَتِ اَللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾
[الأحقاف: ٢٦].
يقول الرازي: ((والمعنى أنا فتحنا عليهم
أبواب النعم وأعطيناهم سمعًا فما استعملوه
في سماع الدلائل، وأعطيناهم أبصارًا فما
استعملوها في تأمل العبر، وأعطيناهم أفئدةً
فما استعملوها في طلب معرفة الله تعالی،
بل صرفوا كل هذه القوى إلى طلب الدنیا
ولذاتها؛ فلا جرم ما أغنى سمعهم ولا
أبصارهم ولا أفئدتهم من عذاب الله شيئًا.
ثم بين تعالى أنه إنما لم يغن عنهم
سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم لأجل
أنهم كانوا يجحدون بآيات الله، وقوله:
﴿إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ﴾ بمنزلة التعليل، ولفظ
إذ قد یذکر لإفادة التعلیل، تقول: ضربته (إذ)
أساء. والمعنى ضربته لأنه أساء. وفي هذه
الآية تخويفٌ لأهل مكة، فإن قوم عادٍ لما
اغتروا بدنياهم وأعرضوا عن قبول الدليل
والحجة نزل بهم عذاب الله، ولم تغن عنهم
قوتهم ولا كثرتهم، فأهل مكة مع عجزهم
(١) انظر: في ظلال القرآن ٣٩٠٣/٦-٣٩٠٥.
جوية
القرآن الكريمِ
وضعفهم أولى بأن يحذروا من عذاب الله
تعالى ويخافوا»(٢).
ولما اغتر قارون بقوته قال الله: ﴿قَالَ
إِنَّمَا أُوِبْتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ
قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ
مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جْعَاْ وَلَا يُسْئَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
يقول الطبري: ((يقول جل ثناؤه: أولم
يعلم قارون حين زعم أنه أوتي الكنوز لفضل
علمٍ عنده علمته أنا منه فاستحق بذلك أن
یؤتی ما أوتي من الكنوز أن الله قد أهلك من
قبله من الأمم من هو أشد منه بطشًا، وأكثر
جمعًا للأموال ولو كان الله يؤتي الأموال
من يؤتيه لفضلٍ فيه وخيرٍ عنده ولرضاه عنه
لم يكن يهلك من أهلك من أرباب الأموال
الذين كانوا أكثر منه مالًا، لأن من كان الله
عنه راضيًا فمحالٌ أن يهلكه الله وهو عنه
راضٍ، وإنما يهلك من كان عليه ساخطًا))(٣).
فالكلام تهديدٌ للمجرمين ليحذروا من
أن يؤخذوا بغتةً، ويحتمل أن يكون السؤال
بمعناه الحقيقي، أي: لا يسأل المجرم عن
جرمه قبل عقابه؛ لأن الله قد بين للناس على
ألسنة الرسل بحدي الخير والشر، وأمهل
المجرم، فإذا أخذه أخذه بغتةً، وهذا كقوله
تعالى: ﴿حَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ لَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/٢٨.
(٣) جامع البيان ٣٢٦/١٨.
٤٠
القوة
فَإِذَا هُم ◌ُّبْلِسُونَ﴾ [ الأنعام: ٤٤](١).
وَكَیْن
وقال الله محذرا أهل مكة:
مِّن قَرْبَةٍ مِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرِيَئِكَ الَّتِّ أَخْرَجَنَّكَ
أَمْلَكْتَهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَمْ﴾ [محمد: ١٣].
وهذا تهديدٌ شديدٌ ووعيدٌ أكيدٌ لأهل
مکة في تکذیپھم لرسول الله صلی الله علیه
وسلم، وهو سید المرسلین وخاتم الأنبياء،
فإذا كان الله عز وجل قد أهلك الأمم الذين
كذبوا الرسل قبله بسببهم، وقد كانوا أشد
قوةً من هؤلاء، فماذا ظن هؤلاء أن يفعل الله
بهم في الدنیا والأخرى؟! فإن رفع عن کثیر
منهم العقوبة في الدنيا لبركة وجود الرسول
نبي الرحمة فإن العذاب يوفر على الكافرين
به في معادهم، ﴿يُضَنْعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا
كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾
[هود: ٢٠](٢).
وقال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَلًا
وَأَوْلَدًا فَأُسْتَمْتَعُواْ بِخَلَقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم
◌ِخَلَفِكُ كَمَا أُسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ
بِخَلَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِى خَاضُواْ أُوْلَئِكَ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ
وَأُوْلَيْكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [التوبة: ٦٩].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيْرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ
كَيّفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَانُواْ أَشَدَّ
(١) التحرير والتنوير ١٨٢/٢٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٢/٧.
مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ
مِنَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَ تْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَغِنَتِّ فَمَا كَانَ
اَللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُواْأَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
[الروم: ٩].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ
٥/١٣ ٤٥٠٠٠٠
كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُواْ أَسَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا
كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ
اٌلْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر: ٤٤].
فلما عرض وصف الأمم السابقة بأنهم
أشد قوةً من قريشٍ في معرض التمثيل
بالأولين تهديدًا واستعدادًا لتلقي مثل
عذابهم أتبع ذلك بالاحتراس عن الطماعية
في النجاة من مثل عذابهم بعلة أن لهم من
المنجيات ما لم يكن للأمم الخالية، كزعمهم
أن لهم آلهةً تمنعهم من عذاب الله بشفاعتها
أو دفاعها، فقيل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ
شَىْءٍ فِ السَّمَوَتِ وَلَا فِ اُلْأَرْضِ﴾ أي: هبكم
أقوى من الأولین أو أشد حیلةً منهم أو لكم
من الأنصار ما ليس لهم، فما أنتم بمفلتين
من عذاب الله؛ لأن الله لا يعجزه شيءٌ في
الأرض ولا في السماء، كقوله: ﴿وَمَا أَنْتُم
بِمُعْجِينَ فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ وَمَا لَكُم
مِن دُونِ اللَّهِ مِن وَإِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت:
(٣) .
(٣) التحرير والتنوير ٣٣٨/٢٢-٣٣٩.
www. modoee.com
٤١
حرف القاف
مجالات القوة ومظاهرها
أولًا: القوة في الدين:
والقوة في الدين تشمل أمورا كثيرة، ومن
ذلك:
١ . أخذ الدين بقوة.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذْنَا مِئَقَكُمْ
وَرَقَعْنَا فَوْقَكُمُ اَلُوَرَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ
وَأَذْ كُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَنَّقُونَ﴾ [البقرة: ٦٣].
ومعنى الآية: خذوا ما افترضناه عليكم
في كتابنا من الفرائض فاقبلوه واعملوا
باجتهادٍ منكم في أدائه من غير تقصير ولا
توانٍ. وذلك هو معنى أخذهم إياه بقوةٍ
بجدٍ (١).
وقال تعالى: ﴿بَيَحْىِ خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقْ
وَءَاتَيْنَهُ الْحُكْمَ صَبِيًا﴾ [مريم: ١٢].
أي: بجدٍّ واجتهادٍ، وذلك بتفهم المعنى
أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم
يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده،
ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه،
ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات
العمل به(٢).
٢. الثبات على الدين.
ومن القوة في الدين الثبات عليه، قال
(١) جامع البيان، الطبري ٢/ ٥٣.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٣٧٨/٣.
جوبيع
القرآن الكريم
تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَلَّتِ نَقَضَتْ غَزْلَهَا
مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَتَّا نَتَّخِذُونَ أَيْمَنَّكُمْ دَخَلَّا
بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةُّ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا
يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ، وَلَيُبَيَِّنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ مَا
كُتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [النحل: ٩٢].
يقول الطاهر: ((وقد ذكر من قصتها أنها
كانت امرأةً خرقاء مختلة العقل، ولها جوارٍ،
وقد اتخذت مغزلًا قدر ذراع وصنارة مثل
أصبعٍ وفلكة عظيمة على قدر ذلك، فكانت
تغزلَ هي وجواريها من الغداة إلى الظهر ثم
تأمرهن فتنقض ما غزلته، وهكذا تفعل كل
یوم، فکان حالها إفساد ما کان نافعًا محكمًا
من عملها وإرجاعه إلى عدم الصلاح، فنهوا
عن أن یکون حالھم کحالها في نقضهم عهد
الله وهو عهد الإيمان بالرجوع إلى الكفر
وأعمال الجاهلية. ووجه الشبه الرجوع إلى
فسادٍ بعد التلبس بصلاح)»(٣).
وهذا يشمل جميع ماً عاهد العبد عليه ربه
من العبادات والنذور والأيمان التي عقدها،
إذا كان الوفاء بها برا، ويشمل أيضا ما تعاقد
عليه هو وغيره، كالعهود بين المتعاقدين،
وكالوعد الذي يعده العبد لغيره ويؤكده على
نفسه، فعليه في جميع ذلك الوفاء وتتميمها
مع القدرة، ولهذا نهى الله عن نقضها (٤).
٣. تبليغه للناس.
(٣) التحرير والتنوير ١٤/ ٢٦٤.
(٤) تيسير الكريم الرحمن ص ٤٤٧.
٤٢
القوة
ومن القوة في الدين تبليغه للناس،
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَاً
سَأُوْرِيكُمْدَارَ الْفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
فأمر الله موسى عليه السلام أن يأخذ
الشرع بقوة، وأن يبلغه لقومه، والواجب على
هؤلاء أن يتحركوا لنشر هذا الدين، وتبليغه
للعالمين.
يقول الطاهر: ((والقوة هنا في قوله:
﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ﴾ تمثيلٌ لحالة العزم على
العمل بما في الألواح بمنتهى الجد
والحرص دون تأخيرٍ ولا تساهلٍ ولا انقطاع
عند المشقة ولا مللٍ، بحالة القوي الذي لا
يستعصي علیه عملٌ يريده. ومنه قوله تعالى:
﴿َيَحْيِى خُذِ الْكِتَبَ بِقُوَّقْ﴾ [مريم: ١٢].
وهذا الأخذ هو حظ الرسول وأصحابه
المبلغين للشريعة والمنفذين لها، فالله
المشرع، والرسول المنفذ، وأصحابه
وولاة الأمور هم أعوانٌ على التنفيذ، وإنما
اقتصر على أمر الرسول بهذا الأخذ لأنه من
خصائصه من يقوم مقامه في حضرته وعند
مغیبه، وهو وهم فيما سوى ذلك كسائر
الأمة.
فقوله: ﴿وَأَمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا﴾[
الأعراف: ١٤٥].
تعريجٌ على ما هو حظ عموم الأمة من
الشريعة وهو التمسك بها))(١).
٤. أخذ الدين بشمولية.
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ
مِن كُلِّ شَىْءٍ مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَىْءٍ
فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأَمُرْ قَوَّمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَيِهَاً
سَأُوْرِيكُ دَارَ الْفَسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥].
فالأمر الإلهي الجليل لموسى عليه
السلام أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر
قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة
بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.
هذا الأمر على هذا النحو فضلًا على أنه
يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه
الطبيعة الإسرائيلية التي أفسدها الذل وطول
الأمد بالعزم والجد لتحمل تكاليف الرسالة
والخلافة، فإنه - كذلك - يوحي بالمنهج
الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها.
إن العقيدة أمر هائل عند الله سبحانه
وأمر هائل في حساب هذا الكون، وقدر الله
الذي يصرفه، وأمر هائل في تاريخ الإنسان
وحياته في هذه الأرض وفي الدار الآخرة
کذلك.
والمنهج الذي تشرعه العقيدة في
وحدانية الله سبحانه وعبودية البشر لربوبيته
وحده منهج يغير أسلوب الحياة البشرية
بجملتها، ويقيم هذه الحياة على أسلوب
آخر غير الذي تجري عليه في الجاهلية،
(١) التحرير والتنوير ٩/ ١٠٠.
www. modoee.com
٤٣
حرف القاف
حیث تقوم ربوبية غیر ربوبية الله سبحانه،
ذات منهج للحياة كلها غير منهج الله الذي
ينبثق من تلك العقيدة.
وأمر له هذه الخطورة عند الله وفي
حساب الكون وفي طبيعة الحياة وفي تاريخ
الإنسان يجب أن يؤخذ بقوة، وأن تكون له
جدیته في النفس، وصراحته وحسمه، ولا
ينبغي أن يؤخذ في رخاوة، ولا في تمیع،
ولا في ترخص، ذلك أنه أمر هائل في ذاته،
فضلًا على أن تکالیفه باهظة لا یصبر عليها
من طبيعته الرخاوة والتميع والترخص أو
من يأخذ الأمر بمثل هذه المشاعر.
وليس معنى هذا - بطبيعة الحال - هو
التشدد والتعنت والتعقيد والتقبض! فهذا
ليس من طبيعة دين الله.
ولكن معناه الجد والهمة والحسم
والصراحة وهي صفات أخرى ومشاعر
أخرى غير مشاعر التشدد والتعنت والتعقيد
والتقبض!
ولقد كانت طبيعة بني إسرائيل - بصفة
خاصة - بعدما أفسدها طول الذل والعبودية
في مصر تحتاج إلى هذا التوجيه، لذلك
نلحظ أن كل الأوامر لبني إسرائيل كانت
مصحوبة بمثل هذا التشديد وهذا التوکید،
تربية لهذه الطبيعة الرخوة الملتوية المنحرفة
الخاوية على الاستقامة والجد والوضوح
والصراحة.
ومثل طبيعة بني إسرائيل كل طبيعة
تعرضت لمثل ما تعرضوا له من طول
العبودية والذل والخضوع للإرهاب والتعبد
للطواغيت، فبدت عليها أعراض الالتواء
والاحتيال، والأخذ بالأسهل تجنبًا للمشقة.
كما هو الملحوظ في واقع كثير من
الجماعات البشرية التي نطالعها في زماننا
هذا، والتي تهرب من العقيدة لتهرب من
تكاليفها، وتسير مع القطيع لأن السير مع
القطيع لا يكلفها شيئًا!(١).
فالواجب على العباد أن يأخذوا التكاليف
كلها، كما قال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ كَآَنَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾
[البقرة: ٢٠٨].
فتأويل ذلك دعاء للمؤمنين إلى رفض
جميع المعاني التي ليست من حكم
الإسلام، والعمل بجميع شرائع الإسلام،
والنهي عن تضييع شيءٍ من حدوده(٢).
ولما دعا الله الذين آمنوا أن يدخلوا
في السلم كافة حذرهم أن يتبعوا خطوات
الشيطان، فإنه ليس هناك إلا اتجاهان اثنان،
إما الدخول في السلم كافة، وإما اتباع
خطوات الشيطان، إما هدی وإما ضلال،
إما إسلام وإما جاهلية، إما طريق الله وإما
(١) في ظلال القرآن ٣/ ١٣٧١.
(٢) هذا قول من الأقوال في الآية.
انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٦٠٠.
٤٤
جوي
لِلْقُرآن الكَرِيمِ