النص المفهرس

صفحات 41-51

الكتب المنزلة
قال ابن عباس: كان يهود خيبر تقاتل
غطفان، فكلما التقوا هزمت يهود خيبر،
فعاذت اليهود بهذا الدعاء، وقالت: اللهم
إنا نسألك بحق النبي الأمي الذي وعدتنا أن
تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا علیھم،
قال: فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء،
فهزموا غطفان، فلما بعث النبي صلى الله
عليه وسلم كفروا به، فأنزل الله ﴿وَلَمَّا
جَآءَهُمْ كِنَبٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ
وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَلَمَّا جَاءَ هُم مَّا عَرَقُواْ كَفَرُوا بِهِ﴾ (١).
كما نعى القرآن عليهم عداوتهم لأمين
الوحي جبريل عليه السلام مع كون ما نزل به
مصدقا لما معهم، قال جل وعلا: ﴿قُلْمَن
كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ, عَلَى قَلْبِكَ بِإذْنِ
اَللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدِّى وَيُشْرَى
لِلْمُؤْمِنِينَ
(١) انظر: أسباب النزول، الواحدي ٣/ ١٠.
وأخرجه ابن إسحاق في سيرته ١٩٦/٢،
والطبري في تفسيره ١ / ٤١٠، وابن أبي حاتم
في تفسیرہ ١/ ١٧٢ ٩٠٥.
عليه وسلم، وهو في أرضٍ یخترف، فأتى
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك
عن ثلاثٍ لا يعلمهن إلا نبيٌّ: فما أول أشراط
الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع
الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: (أخبرني بهن
جبريل آنفًا) قال: جبريل؟: قال: (نعم)،
قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة، فقرأ هذه
الآية: ﴿مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَّلَهُ, عَلَى
قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾(٢).
وجاء القصص القرآني مصدقا بقصص
التوراة والإنجيل وشاهداً على أنبياء الله قال
تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِىِ
الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىْ وَلَكِن
تَصْدِيقَ اُلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ
شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١)﴾ [يوسف:
١١١].
﴾ [البقرة: ٩٧].
٩٧
أي: تصديقًا لما جاء في الكتب السابقة
حيث تتفق القصص في مسارها العام، وإن
فتصديق الكتب السابقة من مقاصد
نزول القرآن الكريم، ومن صفاته اللازمة،
فکیف یعادون جبريل عليه السلام وهو أمین
الوحي، نزل بالكتاب الذي جاء مصدقا لما
بین یدیه من الکتب !
اختلفت في تفاصيلها، فالقرآن الكريم هو
القصص الحق لأنه من عند الله تعالى، وقد
حفظ من التبديل، بينما الكتب السابقة وقع
عليها التحريف والتبديل، وإن احتفظت
عن أنسٍ رضي الله عنه قال: (سمع عبد بحقائق وأخبار صادقة، فجاء القصص
الله بن سلام، بقدوم رسول الله صلی الله
القرآني مصدقا برسالات الله، داعيا للتأسي
بالأنبياء والإيمان بما أنزل عليهم، كما جاء
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب من كان عدوا لجبريل، رقم ٤٤٨٠.
www. modoee.com
١٥٧

حرفالكاف
مصدقا بما تبقى في كتبهم من حقائق، أما بل ونسخه العمل بها جملةً؛ فالإنجيل
على سبيل المثال جاء مصدقا للتوراة مقرّرا
لأحكامها وإن نسخ بعضها.
ما حرف فقد صدق القرآن بأصله الحقيقي،
وأصل لنا المنهج القويم في معرفة الحقائق
من الأباطيل وتمييز الأصيل من الدخيل.
فکلام الله تعالی یصدق بعضه بعضًا،
وكل كتاب نزل مصدقا لما قبله. وتصديقه
بالکتب السابقة أنها نزلت من عند الله تعالی
على الأنبياء عليهم السلام، وتصديقه بما
ورد في هذه الكتب من بشاراتٍ عن مبعث
النبي الخاتم صلی الله عليه وسلم ونزول
آخر الكتب، وبما ورد فيها من عقيدةٍ
وأحكام وآدابٍ وقصصٍ وأمثالٍ.
فالقرآن جاء مقررا لما ورد في هذه
الکتب من حقائق ثابتةٍ. فحري بأهل الكتاب
أن يؤمنوا بالقرآن الذي جاء مصدقا لما
معهم، ولذا تقترن دعوتهم للإيمان بالقرآن
ببيان كونه مصدقا لما معهم، فهذا أدعى
لتصديقه، وتصديقه بأصل الكتب المنزلة
أنها كلها من عند الله، أما الكتب المحرفة
فقد جاء القرآن بتصديق ما تبقى فيها من
حقائق لم تتبدل وأحكام لا تزال.
ولا يعني تصديقه لما سبقه من الكتب
التطابق التام بينهما، بل للقرآن هيمنته على
ما قبله، وله سماته التي تفرد بها، والتي تتفق
مع مقاصد نزوله وتتفق مع كونه آخر الكتب.
کما لا يتعارض تصدیقه بها مع نسخه لبعض
أحكامها، واستقلاله بأحكام لم ترد فيها،
وتصديقه لما سبقه من الكتب دليلٌ
علی صدقه؛ إذ لو کان من عند غير الله لما
وافق كلامه. وفي تصديقه ردٌّ على مطاعن
المشركين وأهل الكتاب وزعمهم بأنه
مفتری، ولو کان کما يدعون فأي عبقرية !
وأي براعةٍ تلك التي جعلت محمدا يحاكي
کلاما لم يدرسه ولم يعهده من قبل، وهو
العربي الأمي ! أي موافقةٍ هذه؟ وأي توارد
أفكار وإلهام ذلك ! وأي عقلٍ يمكنه تصدیق
تلك الفرية العجيبة، بل إن نزوله موافقا
ومصدقا للكتب المنزلة لبرهانٌ جليٌّ على
أنه کلام الله، أدرك ذلك وآمن به کل من
سمعه أو قرأه ممن له معرفةٌ بالوحي الإلهي.
ثانيًا: القرآن هو المهيمن على الكتب
السابقة جمیعًا:
كما جاء القرآن مصدقا بما قبله من كتب
فقد جاء مهيمنا عليها، حافظا ومؤتمنا،
ومستوعبا ومبينا وحكما وإماما.
قال تعالى: ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِآلْحَقِّ
مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَبِ وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ
أَهْوَآءَ هُمْ عَمَّا جَآءَ كَ مِنَ الْحَقِّلِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ
شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجَأْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
١٥٨
جوي
القرآن الكريمِ

الكتب المنزلة
وَاحِدَةٌ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَآ ءَاتَنَكُمْ فَاسْتَیِقُواْ
اَلْخَيْرَتِّ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ
بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَّخْتَلِفُونَ ﴾ [ المائدة: ٤٨].
والهيمنة تعني: المراقبة والشهادة
والحفظ والتمكن من الشيء، جاء في
لسان العرب: «المهيمن اسم من أسماء الله
تعالى، وفي التنزيل: ﴿وَمُھَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، قال
بعضهم: معناه الشاهد، یعني وشاهدًا علیه،
قال ابن عباس: المهيمن المؤتمن، وقال
الكسائي: المهيمن الشهيد، وقال غيره:
هو الرقيب، يقال: هيمن يهيمن هيمنة إذا
كان رقيبًا على الشيء، وقيل: ﴿وَمُهَيْمِنًا
عَلَيْهِ﴾: معناه وقَبَّانًا علیه، وقيل: وقائمًا على
٠
الكتب)»(١)
وقال الزمخشري: ((هيمن الطائر على
فراخه: رفرف علیها، وهیمن علی کذا إذا
كان رقيبًا عليه حافظًا، والله عز سلطانه
المهيمن)»(٢).
وقال الطبري: ((وأصل الهيمنة: الحفظ
والارتقاب، يقال إذا رقب الرجل الشيء
وحفظه وشهده: قد هیمن فلانٌ علیه، فهو
يهيمن هيمنةً، وهو عليه مهيمنٌ))(٣).
فالقرآن حافظٌ أمينٌ لها، حفظ لنا هذه
الكتب فحدثنا عنها، وهو حافظٌ لها يكشف
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٣٦/١٣،
والقبان الميزان.
(٢) أساس البلاغة ٥/٢.
(٣) جامع البيان، الطبري ٨/ ٤٨٦.
عما خالطها من تحريفٍ وداخلها من زيفٍ،
فيقوم ما اعتراها من اعوجاج، وينفي ما
لابسها من أباطيل وخرافاتٍ (٤).
قال ابن جرير: القرآن أمينٌ على الكتب
المتقدمة قبله، فما وافقه منه فهو حقٌّ، وما
خالفه منها فهو باطل، عن ابن عباس رضي
الله عنه: ((ومهیمنًا)) أي شهيدًا: وكذا قال
مجاهد وقتادة والسدي وقال العوفي عن
ابن عباس: ((ومهيمنًا)» أي: حاكمًا على ما
قبله من الكتب، وهذه الأقوال كلها متقاربة
المعنى فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله
فهو: أمین وشاهد وحاكم على كل كتاب
قبله)) (٥).
والقرآن شاهدٌ عليها، وشاهدٌ على
موقف أهل الكتاب منها، فالقرآن الكريم
وعاءٌ للكتب السابقة، حيث حدثنا عن
مقاصدها وصفاتها، وأخبرنا عما تضمنته
من أحكام وآداب وقصص وأمثال ووعد
ووعيد وأخبار ونبوءات ووصايا ويشارات،
وهذا من حفظه لهذه الكتب وتوثيقه لها،
قال ابن جريج: ((القرآن أمینٌ على ما قبله من
الكتب)» (٦)."
وقال الزمخشري: ((﴿وَمُهَيْمِنَا عَلَيْهِ﴾
(٤) وقد أشار لهذا المعنی د.محمد عبد الله دراز
في كتابه: الدين، ص ١٨٩.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/ ٤٩٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٦/٥.
(٦) معالم التنزيل، البغوي ٦٥/٣.
www. modoee.com
١٥٩

حرفالكاف
ورقيبًا على سائر الكتب؛ لأنه يشهد لها الوحي على الأنبياء أنزل الله تعالى قوله:
﴿وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنَزَلَ اَللَّهُ عَلَى
بالصحة والثبات)) (١).
بَشَرِ مِنِ شَىْءٌ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ بِه
مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلِنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا
وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلَآ ءَابَاؤُكُمْ
قُلِ اللَّهُ ثُمَّذَّرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ
[الأنعام: ٩١].
كذلك جمع القرآن وحوی ما سبقه من
الكتب، بل جاء متممًا لها، ناسخًا لبعض
أحکامها؛ لذا فھو المرجع یحتکم إلیه، عند
التنازع في شأنها، والقرآن يغني عما سواه،
ولا يغني ما سواه عنه.
قال ابن جرير: ((جعل الله هذا الكتاب
العظيم الذي أنزله آخر الكتب وخاتمها
وأشملها وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه
محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما ليس
في غيره، فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا وحاكمًا
عليها كلها، وتكفل تعالى حفظه بنفسه
الكريمة فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّا لَهُ أَخْفِظُونَ ﴾ [الحجر: ٩]))(٢).
وقال السعدي: ((مشتملا على ما اشتملت
عليه الكتب السابقة، وزيادة في المطالب
الإلهية والأخلاق النفسية، فهو الكتاب
الذي تتبع کل حقٍ جاءت به الکتب فأمر
به، وحث عليه، وأكثر من الطرق الموصلة
إليه)»(٣).
جاء القرآن الكريم ينفي عن التوراة
انتحال المبطلین وإنکار الجاحدین، وتأويل
الجاهلین، فعندما أنکر نفرٌ من اليهود نزول
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٢/٢.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٨ /٤٩٠، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٦/٥.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٣٤.
وعندما ادعی الیھود أن لحم الإبل محرم
في دينهم وكتابهم أنزل الله تعالى قوله: ﴿
كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَّا لِبَنِىَّ إِسْرَِّيلَ إِلَّا
مَا حَرَّمَ إِسْرَّهِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن قَبْلِ أَنْ تُغَزَّلَ
الثَّوْرَنَّةُ قُلٌ فَأَتُواْ بِالتَّوْرَنَةِ فَتْلُوهَا إِن كُنتُمْ
فَمَنِ أَفْتَرَىْ عَلَ اُلَّهِ اَلْكَذِبَ مِنْ
٩٣
صَدِقِينَ
بَعْدٍ ذَلِكَ فَأُوْلَيْكَ هُمُ الَّلِمُونَ ، قُلْ صَدَقَ
اللّهُ فَأَتَِّعُواْ مِنَّةَ إَِّهِيَمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
٩٥﴾ [آل عمران: ٩٣ - ٩٥].
وعندما سعوا لتعطيل حد الرجم في
كتابهم والاحتيال على النبي صلى الله عليه
وسلم وإخفاء ما ورد في كتابهم أنزل الله
يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ
تعالى قوله:
اَلَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَنَعُونَ لِلْكَذِبِ
سَمَّعُونَ لِقَوْمٍ ◌َاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوَكٌ يُحِّفُونَ
اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوِتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ وَمَن
يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ
١٦٠
جوسين
القرآن الكريمِ

الكتب المنزلة
شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللّهُ أَنْ يُطَهِرَ
قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ (١)﴾ [المائدة: ٤١].
قال ابن عطية: ((المهيمن على الشيء هو
المعني بأمره، الشاهد على حقائقه، الحافظ
الحاصله، ولأن يدخل فيه ما ليس منه والقرآن
جعله الله مھیمنًا علی الکتب یشهد بما فيها
من الحقائق، وعلى ما نسبه المحرفون إليها،
فيصحح الحقائق ويبطل التحريف، وهذا
هو شاهدٌ ومصدقٌ ومؤتمنٌ وأمينٌ)) (١).
لماذا هيمنة القرآن ؟
لأنه آخر الكتب فكان مصدقًا لما قبله.
لأنه کتابٌ محکمٌ، العمل به قائمٌ ما
دامت السموات والأرض، بينما نسخ
ما قبله.
لأنه سلم من التبديل والتحريف؛ فالله
تعالى تكفل بحفظه وبيانه.
لأنه حكمٌ على هذه الكتب وعلى
أصحابها، يفصل بينهم ويحسم نزاعهم
ويبين ما خفي عليهم.
لأنه جاء مستوعبا لهذه الكتب حكما
وشاهدا ورقيبا عليها، قال أبو السعود:
((ومهيمنا عليه أي: رقيبًا على سائر
الكتب المحفوظة من التغيير لأنه
يشهد لها بالصحة والثبات ويقرر
أصول شرائعها وما يتأبد من فروعها،
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٩٩/٢ باختصار.
ويعين أحكامها المنسوخة ببيان انتهاء
مشروعيتها المستفادة من تلك الكتاب
وانقضاء وقت العمل بها)) (٢).
لأنه جاء مستقلا، لم يحتج إلى بيان
ما قبله، بينما لا غنى بما قبله عنه، قال
ابن تيمية رحمه الله: «وأما القرآن فإنه
مستقلٌ بنفسه لم يحوج أصحابه إلى
كتابٍ آخر، بل اشتمل على جميع
ما في الكتب من المحاسن؛ وعلى
زياداتٍ كثيرةٍ لا توجد في الكتب؛
فلهذا كان مصدقا لما بين يديه من
الکتاب، ومھیمنا علیه، يقرر ما فيها من
الحق، ويبطل ما حرف منها، وينسخ
ما نسخه الله، فیقرر الدين الحق، وهو
جمهور ما فيها ويبطل الدين المبدل
الذي لم يكن فيها، والقليل الذي نسخ
فيها؛ فإن المنسوخ قليلٌ جدًا بالنسبة
إلى المحكم المقرر، والأنبياء كلهم
دينهم واحدٌ، وتصديق بعضهم مستلزمٌ
تصديق سائرهم وطاعة بعضهم تستلزم
طاعة سائرهم))(٣).
لأنه نقل إلينا متواترا؛ بخلاف الكتب
٠
السابقة، فلقد انقطعت أسانيدها
واندثرت أصولها، قال ابن كثير: ((أمينٌ
وشاهدٌ وحاكمٌ على كل كتابٍ قبله،
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٥/٣.
(٣) معارج الوصول، ابن تيمية ص ١٤.
www. modoee.com
١٦١

حرفالكاف
جعل الله هذا الكتاب العظيم الذي ثالثًا: القرآن مبين للحق الذي اختلف
فيه أهل الكتاب أو كتموه:
أنزله آخر الكتب وخاتمها وأشملها
وأعظمها وأكملها، حيث جمع فيه
محاسن ما قبله وزاده من الكمالات ما
ليس في غيره؛ فلهذا جعله شاهدًا وأمينًا
وحاكمًا عليها كلها، وتكفل تعالى
حفظه فقال تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ
وَإِنَّالَهُلَفِظُونَ﴾ [ الحجر: ٩](١).
وقال الشیخ دراز رحمه الله في كتابه
النبأ العظيم: ((سر اختصاص القرآن بالخلود
وعدم التحريف دون الكتب السابقة:
أن سائر الكتب السماوية جيء بها على
التوقيت لا التأبيد، وأن هذا القرآن جيء
به مصدقا لما بين يديه من الكتب ومهيمنًا
عليها، فكان جامعًا لما فيها من الحقائق
الثابتة، زائدًا عليها بما شاء الله زيادته، وكان
سادًا مسدها، ولم يكن شيء منها ليسد
مسده، فقضى الله أن يبقى حجة إلى قيام
الساعة، وإذا قضی الله أمرًا يسر له أسبابه،
وهو الحكيم العليم)»(٢).
ولأنه أفضل الكتب وأعظمها أثرا
وأعلاها رتبةً، قال ابن تيمية: ((ومعلومٌ أن
المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبةً»(٣).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٨/٤.
(٢) النبأ العظيم، محمد عبد الله دراز ص ٤٢.
(٣) رسالة جواب أهل العلم والإيمان أن قل هو
الله أحد تعدل ثلث القرآن ص ٢٠.
جاء القرآن الكريم مبينا كثيرًا مما أخفاه
أهل الكتاب من الكتاب من الحقائق
والوقائع، وكشف عن كثير من الحوادث
التي طمسوها أو تناسوها، أو اختلط
فيها الحق بالباطل، كقصة البقرة، وقصة
أصحاب السبت، وقصة إبراهيم، وقصة
یوسف، و قصة موسى.
قال تعالى: ﴿يَتَأَهْلَ الْكِتَبِ قَدْ
جَآءُ كُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا
يِّمَا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَبِ
وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ قَدْجَآءَ كُم
مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ ﴾﴾
[المائدة: ١٥].
فبعد أن تحدث القرآن عن أحوال
الطائفتين وأبان عن حقائق وأمورٍ لا يمكن
لنبيٍ عربيٍ أميٍ أن يعرفها، ولا سبيل
لمعرفتها إلا بوحي من الله تعالى، دعاهم
إلى الإيمان بهذا الَّنبي الذي جاء ليبين لهم
كثيرا مما أخفوه من الحقائق التي وردت
في التوراة والإنجيل والتي أخفاها بعض
الأحبار والرهبان عن أتباعهم، ولا يزالون.
قال ابن عباس رضي الله عنه: ((أخفوا آية
الرجم من التوراة وبينها الرسول صلى الله
علیه وسلم لھم، وهو لم يقرأ كتابًا ولم يتعلم
علمًا من أحد، وهذه معجزةً، وأخفوا صفة
١٦٢
القرآن الكريم

الكتب المنزلة
محمد عليه الصلاة والسلام في الإنجيل،
وغير ذلك، فلما أخبرهم بأسرار ما في
کتابهم کان ذلك إخبارًا عن الغيب فیکون
معجزًا)) (١).
وقوله: ﴿وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾ مما
لا تدعو الحاجة لبیانه، أو لأن فيما بينه الكفاية
والغنية، وهذا من أدبه صلی الله عليه وسلم
ومن شیمه الکریمة أنه يرغب ویشوق، فتقبل
القلوب وتصغي الآذان إلى حديثه الطيب،
وأنه يعرض ويتغاضى حتى لا تمل العقول
وتنفر النفوس. ﴿قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ
اُللَّهِ نُورٌ وَكِتَبُ تُبِينٌ﴾ فالنبي صلى
الله عليه وسلم نور من الله تعالى؛ لأنه جاء
بالهدى والحق، والقرآن نورٌ وكتاب مبينٌ
لأنه أضاء للناس طريقهم، وأنار دروبهم،
وأبان لهم ما خفي عليهم، وبدد ظلام الشك
والحیرة، وأزال أسباب اللبس والإشكال.
فجاء القرآن بالبيان الجلي بعد فترة من
انقطاع الرسل؛ لئلا يكون لأهل الكتاب
عذر:
قال جل وعلا: ﴿يَأَهْلَ الْكِنَبِ قَدْ
جَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَن
تَقُولُواْ مَا جَآَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُم
بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك، ٣٥٩/٤،
کتاب الحدود.
قال الحاکم: «هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه))، ولم يتعقبه الذهبي.
[المائدة: ١٩].
فلقد كان المؤمنون من أهل الكتاب
يذوبون شوقًا وحنينا لزمان بعثة هذا النبي
الذي ينتظرونه، ولا شك أن نزوله بعد
طموس الملل ودروس السبل، وفترةٍ من
الرسل أدعى إلى المبادرة للإيمان به،
ومناصرته ومحبته، لا إلى مناصبته العداء
وجحوده والتآمر عليه. وقد جاء القرآن
بالبيان القاطع والبرهان الساطع؛ لئلا يكون
لهم على الله حجة ولا یبقی لھم عذرٌ.
وبيان القرآن الكريم يحسم الاختلاف
الذي وقع فيه أهل الكتب السابقة.
قال جل وعلا: ﴿نَاَللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى
أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَلَهُمْ فَهُوَ
وَلِيُّهُمُ اَلْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وَمَآ أَنْزَلْنَا
عَلَيْكَ الْكِتَبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِى أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
٦٤
[النحل: ٦٣-٦٤].
فلقد تسلط الشيطان عليهم بعد أن
زين لهم سوء عملهم، مما أفضى بهم إلى
الضلال وأوقع بينهم الخلاف، بعد أن لبس
الباطل ثوب الحق، وارتدت الشياطين
مسوح الرهبان؛ ليصدوا الناس عن الحق،
من هنا كانت حاجة الإنسانية إلى الكتاب
الراشد الذي يبين الحق، ويزيل الحيرة،
ويفصل الآيات، ويحسم النزاعات، ويقطع
الخلافات، ويبدد ظلام الشبهات، ويقيم
www. modoee.com
١٦٣

حرفالكاف
الحجة والبرهان، ويبين طريق الهداية، والشرائع، فقد اختلفوا في التوحيد والنبوة
والبعث اختلافهم في شأن الملائكة،
وغير ذلك من أركان الإيمان، وإنما انبثق
الاختلاف عن تعصبهم وركوبهم متن
الهوى، وركونهم وحبهم لمباهج الدنيا،
ونسيانهم وجحودهم، وعنادهم وغفلتهم،
وجمودهم وقسوتهم.
وينشر بشائر الرحمات بين أهل الإيمان.
((نورٌ يكشف معالم الطريق إلى الحق
والخير، ویقیم لمن يهتدي به فهمًا صحيحًا
للعقيدة التي يعتقدها .. فالقرآن الکریم میزان
عدلٍ وحقٌّ، وفيصل ما بين الحق والباطل
وحكم ما بين الخير والشر .. فما استقام
على ميزانه، فهو الحق والخير، وما انحرف
عنه، فهو الباطل والضلال .. فعلى هديه
يجتمع أهل الكتاب علی کلمةٍ سواءٍ منه،
فيما اختلفوا فيه، وإليه يحتكم أهل الهدى،
فيقضي بينهم بما يرفع الخصام والشقاق
فيما كان سببًا في خصامهم وشقاقهم)) (١).
قال جل وعلا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَقُصُّ
عَلَى بَنِّ إِسْرَهِيلَ أَكْثَرَ الَّذِى هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
﴾ النمل: ٧٦].
فبعد ما مر في تلك السورة الكريمة من
القصص الحق، قصة موسى عليه السلام مع
فرعون وقومه، وقصة سليمان عليه السلام
مع ملكة سبأ وقومها، وقصة صالح عليه
السلام، وقصة لوط عليه السلام وبعدما
أورد الله في السورة من دلائل التوحيد
وشواهد القدرة ومشاهد العظمة الربانية،
بين تعالى كيف تفرد هذا الكتاب المبين
بالقول الفصل الذي يحسم الخلاف،
فکما اختلف بنو إسرائيل في أصول الدين
(١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ٢٤٦/١.
جَوَسُولَةُ النَّفِيَ
الْقُرْآن الكَرِيْمِ
فجاء القرآن قولا فصلًا، وحكمًا عدلًا،
ومیزانًا قويمًا، ودعوةً لتوحيد الكلمة، ونبذ
الخلاف، ومحو أسبابه، واجتثاث جذوره،
وسد أبوابه، لجمع شتات القلوب، وتأليفها
على كلمة سواء.
ومن أمثلة الاختلاف اختلافهم في شأن
عيسى عليه السلام حتى تفرقوا وتحزبوا،
فاليهود افتروا عليه وبهتوه وأمه، وغمطوه
ومكروا به، والنصارى غالوا فيه وأطروه
حتی عبدوه، مع اختلافهم الحاد في طبيعته،
منهم من قال: إنه إله أو نصف إله، ومنهم من
يزعم أنه ابن الإله، وبين ذلك وحوله أقوالٌ
وأراءٌ لا تنحصر، كذلك اختلافهم في أمر
البعث، هل يقع بالروح والجسد أم بالروح
وحدها ؟
واختلافهم في حكم الرجم، ومثل
اختلافهم في حکم الطلاق وتعددالزوجات،
وغير ذلك من وجوه الاختلاف وصوره التي
لا حصر لها، والتي مرجعها إلى تحريفهم
ونسيانهم وتبديلهم وكتمانهم ولجاجهم
١٦٤

الكتب المنزلة
ونکوصهم، وتمردهم وعصیانهم وركوبهم عاصره وتجرد للحق آمن به وصدقه وآزره،
حيث قاده الإيمان بالبشارات والنبوءات
متن الهوى وارتيادهم سبل الغواية.
للإیمان بالنبي الخاتم صلی الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الّذِينَ عِندَ اللَّهِ
الْإِسْلَمُ﴾ [آل عمران: ١٩].
قال الرازي: ((بين الله تعالى أولًا كونه
معجزة من وجوه، أحدها: أن الأقاصيص
المذكورة في القرآن موافقة لما كانت
مذكورة في التوراة والإنجيل، مع العلم بأنه
عليه الصلاة والسلام كان أميًّا وأنه لم يخالط
أحدًا من العلماء، ولم يشتغل قط بالاستفادة
والتعلم؛ فإذن لا يكون ذلك إلا من قبل الله
تعالی. واختلفوا فقال بعضهم: أراد به ما
اختلفوا فيه وتباینوا، وقال آخرون: أراد به
ما حرفه بعضهم، وقال بعضهم: بل أراد به
أخبار الأنبياء. والأول أقرب)) (١).
رابعًا: وجوب الإيمان بالقرآن من أتباع
الكتب السابقة جميعًا:
لا یسع أهل الكتاب إلا أن يؤمنوا برسالة
خاتم النبيين وكتاب رب العالمين الذي ختم
به، فإيمانهم بخاتم النبيين من مقتضيات
إيمانهم بمن سبقه من الأنبياء وبما قبله من
الکتب، وبما فيها من بشارات، فمن ثمرات
إيمان أهل الكتاب بالتوراة والزبور والإنجيل
إيمانهم بخاتم النبيين والمرسلين نبينا محمد
صلی الله عليه وسلم، فمن عاش منهم قبل
بعثة نبينا صلی الله علیه وسلم كان على أمل
وشوقٍ لأن يستظل بزمانه فيؤمن به، ومن
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٨٥/٢٤.
﴿وَمَنْ يَبْتَعْ غَيْرَ الْإِسْلَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ
[آل
مِنْهُ وَهُوَ فِ اُلْآَخِرَةِ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾
عمران: ٨٥].
وفي الحديث عن أبى هريرة رضي الله
عنه عن رسول الله صلی الله عليه وسلم أنه
قال: (والذي نفس محمد بيده لا یسمح پي
أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌ ثم
يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان
من أصحاب النار) (٢).
وقد صور لنا القرآن فرح مؤمني أهل
الكتاب وشغفهم وابتهاجهم بالإسلام.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِّرُ
بَعْضَهُ، قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ يِّ"
إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ ﴾ [الرعد: ٣٦].
حيث يعبر القرآن عن تلك السعادة
الغامرة، والفرحة العارمة، التي يعيشها من
قاده الإيمان بالتوراة والإنجيل، إلى دين
الحق، ونبي الإسلام، وكتاب الله الخالد،
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمدٍ صلى
الله عليه وسلم إلى جميع الناس ونسخ الملل
بملته، رقم ١٥٣.
www. modoee.com
١٦٥

حرفالكاف
الذي أحيا الله به القلوب، وشرح به به من المعاني والدلائل وكشف الشبهات
الصدور، سيما وقد وجدوا القرآن مصدقا ما لم يحصل لهم من تلك الكتب السالفة،
قيل: عنی بهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله
عليه وسلم من أهل الكتاب، كعبد الله بن
سلام، فإنهم يفرحون بما أنزل من القرآن؛
لما يرون فيه من الشواهد على حقيته التي لا
يمترى فيه، ومن المعارف والمزايا الباهرة
التي لا تحصى)) (١).
لما بين أيديهم، وأبصروا الرسول مطابقًا
للبشارات، فنالوا مرادهم، وظفروا ببغیتهم،
ورست سفينة البحث على مرفأ اليقين،
فأضحت الحياة في ظلال الإيمان أفراحًا
متواصلةً، أنوارًا من مصابيح الهدى، وأنداءً
على أكاليل السكينة، ونفحاتٍ من أريج
المحبة.
وإن كان هناك من حرم من هذه اللذة،
وعزف عن هذا النعيم، حين تحزب للباطل،
ووقف في صف الكفار، يقاسمهم العداوة،
ويشاركهم التصدي للدين الحق، منكرين
منه ما خالف أهواءهم، وبدد أوهامهم،
ونقض أباطیلهم.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنْكِّرُ
بَعْضَهُ﴾ إنكارٌ لا برهان علیه، ولا مستند
له إلا الركون للهوى وإيثار الباطل، لكن لا
ينبغي أن يثني ذلك المؤمنین عن دعوتهم،
ويصرفهم عن غايتهم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ
اللَّهَ وَلَآ أُشْرِكَ بِهَّ إِلَيْهِ أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ ﴾
فالمؤمن لا يضره كثرة الهالكين، ولا يضيره
قلة السالكين، بل يحيا لغايةٍ ويعيش لرسالةٍ،
هي تحقيق العبودية لله رب العالمين.
قال القاسمي: ((﴿ وَالَّذِينَ ءَ اتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ
يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ لأنه يحصل لهم
ويضرب الله المثل بموقف من آمن
بأهل الكتاب فيقول تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْتَهُ
وَيَلْحَقِّ نَزَلْ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا مُبَشِيرًا وَنَذِيرًا
وَقُرْءَانًا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّْتَهُ
تَنْزِيلًا (١٦) قُلْ ءَامِنُواْ بِهَ أَوْلَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ: إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَيْنَاْ إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَمَفْعُولًا
١٠٧
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا
١٠٨
• [الإسراء: ١٠٥ - ١٠٩].
فإيمان من آمن من أهل الكتاب بالقرآن
حريٌ أن يضرب به المثل، فإنه صادرٌ عن
علمٍ صادقٍ، ونابعٌ من شوقٍ دافقٍ، فإذ بالجباه
وقد سجدت عند سماع الحق، وإذ بالقلوب
وقد أيقنت بوعد ربها على لسان رسله، وفي
صفحات کتبه، وعده الذي تحقق ووعده
الذي توقن بأنه سيتحقق، وإذ بالعيون وقد
ذرفت فرحًا واستبشارًا، وهيبةً وإجلالا، مما
يزيدهم خشوعا على خشوعهم.
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٢٨٩/٦.
مَوَسُو ◌َةُ النَّهِية
القرآن الكريم
١٦٦

الكتب المنزلة
القساوسة والرهبان بكتاب الله تعالى الذي
بشرت به الكتب السابقة يقول تعالى:
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىّ
ذَالِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا
وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآَ
أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ
مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا
مَعَ الشَّهِدِينَ ﴿ وَمَا لَنَا لَا تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَآءَنَا
مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ
الصَّلِحِينَ ﴿ فَتَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَاً وَذَلِكَ جَزَآءُ
﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٥].
٨٥
الْمُحْسِنِينَ(
فقد سطر القرآن تلك الصفحات المضيئة
في حياة المؤمنين من النصارى، وصور تلك
السعادة التي تغمرهم عندما تطرق مسامعهم
كلمات الله التي أنزلها على خاتم رسله
في ختام کتبه، تسري تلك الكلمات إلى
قلوبهم، بعد أن تدوي في حناجرهم، فیفیض
الدمع من محاجرهم، فرحًا وابتهاجًا، ورهبةً
وإجلالًا، فقد التقى القرآن مع ما سبقه من
الكتب في سبيل الهدى وميدان الحق،
فابتهجت القلوب ولهجت الألسنة:
ءَامَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾.
إنه إيمانٌ يقينيٌّ وشعورٌ حقيقيٌّ قائمٌ على
وفي صورة مشرقة ومشهد رائع إيمان علمٍ وبصيرةٍ، وماضٍ إلى تحقيق الثمرات
المرجوة والآمال العظيمة ﴿ وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ
بِاَللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا
مَعَ الْقَوْمِ الصَّلِحِينَ﴾، إيمانٌ خالصّ ورجاءٌ
صادقٌ، ﴿فَأَثَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِى
مِن ◌َّحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَاْ وَذَلِكَ جَزَّآءُ
اَلْمُحْسِنِينَ﴾: حقق الله رجاءهم وبلغهم
مرادهم؛ فهو الكريم يثيب بالإحسان
إحسانًا، ويجزي بالإيمان نعيمًا ورضوانًا.
موضوعات ذات صلة:
إبراهيم عليه السلام، الإنجيل، التوراة،
داود عليه السلام، عيسى عليه السلام،
محمد عليه السلام، موسى عليه السلام
www. modoee.com
١٦٧