النص المفهرس

صفحات 41-48

القدوة
تعالى، وهو المتكبر في الحقيقة أي: فَأَسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ ﴾ [يونس:
المبالغ في كبرياء الشأن، وكل مستكبر سواه ٧٥].
فاستكباره بغير الحق(١).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول
الله سبحانه: (الكبرياء ردائي، والعظمة
إزاري، من نازعني واحدًا منهما، ألقيته في
جهنم)(٢) .
ابن جرير: «وجعلنا فرعون وقومه أئمة یأتم
بهم أهل العتو على الله والكفر به، يدعون
الناس إلى أعمال أهل النار))(٣).
وقال الرازي: ((وإنما جعلهم الله تعالی
أئمة في هذا الباب، لأنهم بلغوا في هذا
الباب أقص النهايات، ومن كان كذلك
استحق أن یکون إماما يقتدى به في ذلك
الباب)»(٤).
ومن الآيات الواردة في ذكر استكبار
فرعون قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم
مُوسَى وَهَرُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، بِثَايَتِنَا
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤ / ٦٠٠، مدارك
التنزيل، النسفي ٢/ ٦٤٤.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب
البراءة من الكبر والتواضع، رقم ٤١٧٤،
١٣٩٧/٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٧٩٥/٢، رقم ٤٣١١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٥٨٣.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٦٠١.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ
هَرُونَ بِشَّايَدِّنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ
وَمَلَاَيْهِ، فَأُسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ فَقَوْمًا عَالِينَ ﴾
[المؤمنون: ٤٥ - ٤٦].
٥. الظلم.
والظلم عند أهل اللغة وكثير من العلماء:
وفي هذا عظة وعبرة لكل مستكبر قال وضع الشيء في غير موضعه المختص به،
إما بنقصان أو بزيادة، وإما بعدول عن وقته
أو مكانه، وهو على ثلاثة أنواع:
الأول: ظلمٌ بين الإنسان وبين الله تعالى،
وأعظمه: الكفر والشرك.
والثاني: ظلمٌ بينه وبين الناس.
والثالث: ظلمٌ بينه وبين نفسه(٥).
والملاحظ أن فرعون حاز الأنواع الثلاثة
بلا منازع.
قال تعالى: ﴿وَأَسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ.
فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ إِلَيْنَا
﴿ فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
لَا يُرْجَعُونَ
فَنَبَذْنَهُمْ فِى الْبَرِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ﴿ وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ اُلْقِيَمَةِ لَا
يُصَرُونَ ﴿ وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا
لَقْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَمَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ
(٥) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٥٣٧ -
٥٣٨.
www. modoee.com
٢٦١

حرف القاف
وَلَقَدْ ءَانَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ مِنْ بَعْدِمَا والأشياء الخارجة عن الاستقامة))(٦).
أَمْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُوْلَى بَصَابِرَ لِلنَّاسِ وَهُدِّى
وَرَحْمَةٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [القصص: ٣٩ -
٤٣].
لقد كان فرعون وجنوده قاهرين غيرهم
بالظلم(١)، والاستبداد، فأهلكهم الله
وجعلهم بصيرة للناس وعبرة (٢).
والمعنى: «فانظر أيها الإنسان کیف کان
عاقبة من ظلم فاحذر أن تفعل مثل فعله))(٣).
قال مقاتل: ﴿بَصَابِرَ لِلنَّاسِ﴾ في هلاك
الأمم الخالية، بصيرة لبني إسرائيل، وغيرهم،
وعلى هذا التقدير: أهلكناهم بصائر للناس؛
ليتبصروا ويعتبروا بهلاكهم (٤).
قال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا
أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًَّ﴾ [النمل: ١٤].
به موسى عليه السلام
(٥)
٦. الإفساد.
الفساد: ((خروج الشيء عن الاعتدال،
قليلا كان الخروج عنه أو كثيرا، ويضاده
الصلاح، ويستعمل ذلك في النفس، والبدن،
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٧٢/٣.
(٢) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٦١٠.
(٣) لباب التأويل، الخازن ٤٤٤/٢.
(٤) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٣٤٦/٣،
التفسير البسيط، الواحدي ١٧/ ٤٠٤.
(٥) لباب التأويل، الخازن ٣٣٩/٣، معالم
التنزيل، البغوي ٣/ ٤٩٢.
والفساد: أعم من الظلم، لأن الظلم
النقص فإن من سرق مال الغير فقد نقص
حق الغير، والفساد يقع على ذلك، وعلى
الابتداع واللهو واللعب، والفاسد: مأخوذ
من (فسد اللحم) إذا أنتن ويمكن الانتفاع به،
والباطل: من (بطل اللحم)، إذا دود وسوس
وصار بحيث لا يمكن الانتفاع به(٧).
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ
يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَخِيْ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ، كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ﴾[القصص: ٤].
أي: إن القتل ظلمًا إنما هو فعل المفسدين
إذ لا طائل تحته صدق الكاهن أو كذب(٨).
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى
أي: شركًا وتكبرًا عن أن يؤمنوا بما جاء بِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ فَظَلَمُواْ بِهَا فَأَنْظُرْ
كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ ﴾[الأعراف:
١٠٣].
(يشير له قوله تعالى: ﴿فَأَنْظُرْكَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ أي لعقائد الخلق، أفسد
الله عليهم ملكهم، وآتاه أعداءهم، فأغرقهم
عن آخرهم، وبمرأى من موسى وقومه))(٩).
٢. ابني آدم.
يحدثنا القرآن الكريم عن قصة عظيمة
(٦) المفردات، الأصفهاني ص ٦٣٦.
(٧) الكليات، الكفوي ص ٦٩٢.
(٨) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٦٢٨/٢.
(٩) محاسن التأويل، القاسمي ١٦٢/٥.
٢٦٢
القرآن الكريم

القدوة
﴾ [المائدة: ٢٧].
٢٧
سطرها ابن آدم الأول بيديه، وقصها القرآن اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ
الكريم علينا لنأخذ منها العبرة والعظة،
فنحذر من جانب الأسوة السيئة المتمثلة
فيها، إنها قصة اقتتال ابني آدم، قال ابن
حجر: ((هو قابيل قاتل أخيه هابيل)»(١)، وكذا
توافقت معظم كتب التفسير على تسميتهم،
وهي إسرائيليات، فلم أقف على رواية
صحيحة مسندة، تدل على هذه التسمية،
وذكر ابن حجر: ((أن سبب قتل قابيل لأخيه
هابيل أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن من ولده
بأنثی الآخر، وأن أخت قابیل کانت أحسن
من اخت هابیل، فأراد قابیل أن يستأثر بأخته
فمنعه آدم، فلما ألح عليه أمرهما أن يقربا
قربانا، فقرب قابيل حزمة من زرع، وكان
صاحب زرع، وقرب هابيل جذعة سمينة،
وكان صاحب مواش، فنزلت نار فأكلت
قربان هابیل دون قابیل، وكان ذلك سبب
الشر بينهما، وهذا هو المشهور)»(٢).
وتبقى هذه الروايات لمجرد الاستئناس
لأنها لم ترد بروايات مسندة صحيحة، وقد
ذکرهما القرآن الکریم ولم يسمهما.
وقال تعالى: ﴿وَأَثْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ
بِاَلْحَقِ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ
يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ
(١) فتح الباري، ابن حجر ٢٩٦/١.
(٢) المصدر السابق ٣٦٩/٦.
وانظر: جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٠٤، لباب
التأويل، الخازن ٢/ ٣٢.
ومن جمال التناسب والتآخي بين هذه
الآية وسابقاتها، أن هذه الآية تتكلم عن
أخوين متناحرين، وسابقتها تتكلم عن
أخوين تحابا في الله، وتوحدا على طاعته،
وتواثقا على الدعوة إليه، إنهما موسى
وهارون ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ لَآَ أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِى
وَأَخِىٌّ فَأَفْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ اُلْقَوْمِ الْفَسِقِينَ﴾
[المائدة: ٢٥].
تذكر لنا كتب التفسير أن هابيل وقابيل
كانا غلامين، وتحدد بعض كتب التفسير
سنهما، وفيها:
((وكان لهابیل یوم قتل عشرون سنة))(٣)،
وأضاف ابن حجر أن هابیل قتل وله عشرون
سنة ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة (٤)،
ومستند هذه الأقوال روایات إسرائیلیه، فلا
يؤخذ بها، وعلى الروايات التي اعتمدتها
كتب التفسير في سبب الخلاف بينهما أنه
الرغبة في الزواج من أخت لهما، فهما بناء
على ذلك في مرحلة الشباب، غير أن تقييد
هذه المرحلة بسن معينة مسألة تحتاج إلى
دليل، ولا يوجد.
لقد ذكر القرآن الكريم صورة مختصرة
(٣) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٤ /٥١،
مفاتيح الغيب، الرازي ٣٤١/١١، وغرائب
القرآن، النيسابوري ٢/ ٥٨٠، لباب التأويل،
الخازن ٣٤/٢.
(٤) فتح الباري، ابن حجر ١٢/ ١٩٣.
www. modoee.com
٢٦٣

حرف القاف
للحوار بين الأخوين قبل أن تقع الجريمة
النكراء، وكان الكلام فيها لهابيل وهو
یخاطب قابیل مذکرا له بالله وعقابه: ﴿ کین
بَسَطِتَ إِلَّ يَدَكَ لِنَقْتُلَنِى مَآ أَنْ بِبَاسِطٍ يَدِىَ إِلَيْكَ
لَِّ قْتُلَكٌ إِّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ (٥) إِّ
أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِئْمِى وَإِنْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَبِ
النَّارِّ وَذَلِكَ جَزَّوُاْ الظَّلِينَ ﴿ فَطَوَّعَتْ لَهُ.
نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ فَقَثَلَهُ، فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَسِرِينَ
﴾ [المائدة: ٢٨-٣٠].
٣٠
وقد ترتب على هذه الجريمة أن يحمل
القاتل الأول تبعات جريمته مع كل حالة
اقتداء به، قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ
كَتَبْنَا عَلَى بَنِيّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ, مَن قَتَلَ نَفْسًا
بِغَيْرِ نَفْسِ أَوْ فَسَادٍ فِىِ الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا
قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا
أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًاً﴾ [المائدة: ٣٢].
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (لا
تقتل نفسٌ ظلمًا إلا كان على ابن آدم الأول
كفلٌ من دمها، لأنه أول من سن القتل)(٢).
(١) لباب التأويل، الخازن ٣٤/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب خلق آدم صلوات الله عليه
وذريته، رقم ٣٣٣٥، ١٣٣/٤، ومسلم
في صحيحه، كتاب القسامة والمحاربين
والقصاص والديات، باب بيان إثم من سن
القتل، رقم، ١٣٠٣/٣،١٦٧٧.
والكفل -بكسر الكاف -: الجزء
والنصيب. وقيل: هو الضعف، وهذا
الحدیث من قواعد الإسلام، وهو أن کل من
ابتدع شيئا من الشر کان علیه مثل وزر کل
من اقتدى به في ذلك العمل مثل عمله إلى
يوم القيامة، ومثله من ابتدع شيئا من الخير
كان له مثل أجر كل من يعمل به إلى يوم
القيامة(٣).
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله
قال ابن عباس: ((خسر دنياه وآخرته، أما عنه قال عند فتنة عثمان بن عفان: أشهد أن
دنياه فإسخاط والديه، وبقي بلا أخ، وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنها
ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم،
آخرته فأسخط ربه وصار إلى النار))(١).
والقائم خير من الماشي، والماشي خير من
الساعي). قال: أفرأيت إن دخل عليَّ بيتي
وبسط يده إليَّ ليقتلني؟ قال: (كن كابن
آدم). وفي قوله عليه السلام: (كن كابن
آدم)، وليس ابني آدم، إشارة لطيفة إلى أن
هابیل المقتول المظلوم هو ابن آدم لا قابيل
القاتل الظالم (٤)، كما قال تعالى في حق ولد
نوح عليه الصلاة والسلام: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ
أَهْلِكَ إِنَّهُ, عَمَلُ غَيْرُ صَبِحٍ﴾ [هود: ٤٦].
ومن الأحاديث التي تتوافق في معناها
مع الحديث السابق في أجر القدوة الحسنة
ووزر القدوة السيئة قوله صلى الله عليه
وسلم: (من سن في الإسلام سنةً حسنةً فله
(٣) انظر: شرح النووي على مسلم ١٦٦/١١.
(٤) انظر: عون المعبود وحاشية ابن القيم، العظيم
آبادي ٢٢٥/١١.
مَوْسُورُ
الْقُرآن الكَرِيمِ
٢٦٤

القدوة
أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير النار إلا ويلعن قابيل؛ لأنه أول من سن
المعصية)) (٤)
أن ينقص من أجورهم شيءٌ، ومن سن في
الإسلام سنةً سيئةً كان عليه وزرها ووزر
من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من
أوزارهم شيءٌ)(١).
وورد الحديث من غير لفظ: (في
الإسلام)، ونصه: (من سن سنةً حسنةً فعمل
بها کان له أجرها ومثل أجر من عمل بها، لا
ينقص من أجورهم شيئًا، ومن سن سنةً سيئةً
فعمل بها کان عليه وزرها، ووزر من عمل
بها، لا ينقص من أوزارهم شيئًا)(٢).
وفي الحديث دلالة واضحة على اجتناب
البدع؛ لأن الذي يحدث البدعة ربما يتهاون
بها ويستخف بأمرها في الأول ولا يشعر بما
يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم
من عمل بها من بعده، إذ كان هو الأصل في
إحداثها (٣).
وذكر السمعاني عن السدی قال: ((ما من
كافر يدخل النار إلا وهو يلعن إبليس؛ لأنه
أول من سن الكفر، وما من عاص يدخل
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب
الحث على الصدقة ولو بشق تمرةٍ، أو كلمةٍ
طيبةٍ، وأنها حجابٌ من النار، رقم ١٠١٧،
٧٠٥/٢.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٩٢٠٠،
٥٣٦/٣١، وابن ماجه في سننه، المقدمة،
باب من سن سنة حسنة أو سيئة، رقم ٢٠٣،
٧٤/١.
(٣) إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري،
القسطلاني ٣٢٩/١٠.
يتضح مما سبق أن مجالات القدوة
السيئة بابن آدم تتجلى في: المعصية،
والظلم، والحسد، وقد توج هذا بالقتل.
٣. امرأة لوط وامرأة نوح.
قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًاٌ لِّلَّذِينَ
كَفَرُواْ أَمْرَأَتَ نُوحٍ وَأَمْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ
عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَلِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ
يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ أَدْخُلَا النَّارَ
مَعَ الَّارِينَ﴾ [التحريم: ١٠].
فالمعنى ((ضرب الله مثلا للذين كفروا
امرأت نوح وامرأت لوط، إن الله جعل حالة
هاتين المرأتين عظة وتنبيها للذين كفروا،
أي: ليذكرهم بأن الله لا يصرفه عن وعيده
صارف، فلا يحسبوا أن لهم شفعاء عند
الله، ولا أن مكانهم من جوار بيته وعمارة
مسجده وسقاية حجيجه تصرف غضب الله
عنهم، فإن هم أقلعوا عن هذا الحسبان أقبلوا
على التدبر في النجاة من وعيده بالنظر في
دلائل دعوة القرآن وصدق الرسول صلى
الله علیه وسلم، فلو کان صارف یصرف الله
عن غضبه لكان أولى الأشياء بذلك مكانة
هاتين المرأتين من زوجيهما رسولي رب
العالمين»(٥).
(٤) تفسير السمعاني ٤٩/٥.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٧٤/٢٨
www. modoee.com
٢٦٥

حرف القاف
ويلاحظ في سورة التحريم أن ضرب
المثل جاء بالنساء دون الرجال، فبعد ضرب
المثل بامرأة نوح وامرأة لوط جاء الكلام عن
امرأة فرعون، وبعده عن مريم ابنة عمران،
وكأن الآيات تتكلم عن صنفين من النساء،
فاسق خائن، ومؤمن صابر.
ولهذا المثل مناسبته وفائدته فهو مرتبط
بأول سورة التحريم التي كان الكلام فيها
عن أزواج النبي عليه الصلاة السلام، فهو
تذکیر لزوجات النبي عليه الصلاة السلام أن
مجرد الاتصال بالنبي عليه الصلاة والسلام
لا يجدي نفعًا إذا لم يقترن معه الإيمان
والعمل الصالح، وفيه عبرة وعظة لجميع
نساء المؤمنين.
يبين قتادة مناسبة ورود الآية: أنه تخويف
لعائشة وحفصة بتظاهرهما على النبي صلى
الله عليه وسلم فإنهما إن عصيا ربهما لم
الله شيئًا.
ثم قال: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ﴾ يعني: المرأة المسلمة التي يتزوجها
الكافر، فإن كفر زوجها لم يضرها مع
إسلامها شيئا، يقول لعائشة وحفصة رضي
الله عنهما: لا تكونا بمنزلة امرأة لوط في
المعصية، وكونا بمنزلة امرأت فرعون
ومريم في الطاعة(١).
(١) انظر: تفسير مقاتل بن سليمان ٣٧٩/٤.
أما عن طبيعة الخيانة التي بدرت منهما
فحاصل ما ذكره المفسرون فى تفسير خيانة
لوط، أن خيانتهما لم
امرأة نوح وامرأة
تكن في الزنا، لأن الأنبياء عليهم السلام لا
يبتليهم الله في نسائهم بفساد، وإنما كانت
الخيانة في الدين، ومما جاء في ذلك:
عن ابن عباس: ((كانت امرأة نوح تقول
للناس إنه مجنون، و کانت امرأة لوط إذا نزل
به الضيف بالليل أوقدت النار حتى يعلم
قومه أنه قد نزل به ضیف، وإذا نزل به بالنهار
دخنت)) (٢).
وروى الضحاك عنه قال: ما بغت امرأة
نبي قط، إنما کانت خیانتهما في الدين، وقال
عكرمة: فخانتاهما في الدين (٣).
وروى أن ابن عباس سئل عن قوله:
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: ليس بالزنا، ولكن
کانت امرأة نوح تخبر الناس أنه مجنون،
يغن محمد صلى الله عليه وسلم عنهما من وكانت امرأة لوط تدل على الأضياف (٤).
وقد ذكرت امرأة لوط في آيات أخرى،
منها:
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ»
إِلَّ أَنْ قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ
أُنَاسُِّ يَتَطَهَّرُونَ ﴿ فَأَنْجَنَهُ وَأَهْلَهُ: إِلَّا
(٢) التفسير البسيط، الواحدي ٢٢/ ٢٧.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٨/٢٣،
التفسير البسيط، الواحدي ٢٨/٢٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٩٧/٢٣،
والتفسير البسيط، الواحدي ٢٢/ ٢٨.
٢٦٦
مَوَسُولَةُ النَّقِيَة
القرآن الكريم

القدوة
(٣)﴾ [الأعراف:
أَمْرَأَتَهُ، كَانَتْ مِنَ الْغَيِينَ
٨٢-٨٣].
(من الغابرين أي: الباقين في عذاب الله،
قال ابن عباس وقتادة. غبر الشيء إذا مضى،
وغبر إذا بقي. وهو من الأضداد))(١).
وقال تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطِبُّكُمْ أَيُّهَا
الْمُرْسَلُونَ ﴿ قَالُوا إِنَّا أُرْسِنَآ إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
﴿ إِلَّءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥)
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاْ إِنَّهَا لَمِنَ الْغَِّينَ ﴾
[الحجر: ٥٧ -٦٠].
استثنى الله تعالى من آل لوط امرأته
وذلك لأنها كانت كافرة فكانت من الغابرين.
وقال تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَهُ وَأَهْلَهُهُ أَبْمَعِينَ (١)
إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ ()﴾ [الشعراء: ١٧٠ -
١٧١].
وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَهُ وَأَهْلَهُ
إِلَّا أَمْرَأَتَهُ، قَذَّرْنَهَا مِنَ الْغَبِنَ
[النمل: ٥٧].
وقال تعالى: ﴿إِنَّا مُنَجُوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا
أَمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَبِنَ
[العنكبوت: ٣٣].
وقال تعالى: ﴿إِلَّا عَجُوزَا فِ الْغَيِينَ
١٣٥
[الصافات: ١٣٥].
وقال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ تُجْرِمِينَ
الِتُّرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ ) تُسَوَّمَةً عِنْدَ
رَيِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ ﴿ فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٤٦/٧.
﴿﴿ فَا وَحَدْنَا فِيَهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِينَ ﴿ وَتَرَكْنَا
فِيَهَآ ءَايَةٌ لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٣٧
[الذاريات: ٣٢ -٣٧].
ويلاحظ هنا أن الله تعالى قال: ﴿فَأَخْرَحْنَا
مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٥) فَا وَحَدْنَا فِيهَا غَيْرَ
بَيْتِ مِنَالْمُسْلِينَ﴾ دون أن یقول: فأخرجنا
لوطا وأهل بيته قصدا للتنويه بشأن الإيمان
والإسلام، أي أن الله نجاهم من العذاب
لأجل إيمانهم بما جاء به رسولهم لا لأجل
أنهم أهل لوط، والمؤمن: هو المصدق بما
يجب التصديق به. والمسلم المنقاد إلى
مقتضى الإيمان، ولا نجاة إلا بمجموع
الأمرين، فحصل في الكلام مع التفنن في
الألفاظ الإشارة إلى التنويه بكليهما وإلى أن
النجاة باجتماعهما.
والآية تشير إلى أن امرأة لوط كانت تظهر
الانقياد لزوجها وتضمر الكفر وممالأة أهل
القرية على فسادهم، فإن بيت لوط كان كله
من المسلمين، ولم يكن كله من المؤمنين،
فلذلك لم ينج منهم إلا الذين اتصفوا
بالإيمان والإسلام معًا(٢).
ومما يلاحظ أيضا في معظم القصص
التي فيها ذكر للقوم الخاسرين أن خاتمة
الآيات تتحدث عن وجوب أخذ العبرة
والعظة وعدم الاقتداء بهم، فقال تعالى:
﴿ وَتَكْنَا فِيَهَآ ءَايَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيَ
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨/٢٧.
www. modoee.com
٢٦٧

حرف القاف
موضوعات ذات صلة:
الاتباع، التربية، التقليد
*[الذاريات: ٣٧].
وقال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
﴾ [الأعراف: ٨٤].
عَقِبَةُ الْمُجْرِمِنَ
فالقرية بقيت فيها معالم الخراب تحذيرا
لمن خاف عقاب الله وعذابه.
وقال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَائِلَهَا وَأَمْطَرْنَا
عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِيلٍ ) إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَتٍ
لِلْمُتَوَسِمِينَ " (٢٥)﴾ [الحجر: ٧٤-٧٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ
مُؤْمِنِينَ (٧٠)﴾ [الشعراء: ١٧٤].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَد تَرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةٌ
بَيْنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَهُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ
١٣٧
وَ يَأَيْلِّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ()﴾ [الصافات:
١٣٧-١٣٨].
أما قصة امرأة نوح فلم تذكر في القرآن
في غير سورة التحريم، والذي يظهر أن
نوحا لم يعلم بخونها؛ لأن الله سمى عملها
خيانة (١).
وفي الختام: فإن الآيات واضحة
في هلاك من اقتدى بهاتين المرأتين في
الكفر، والخيانة، والفساد، والضلال، وأن
الانحراف عن دعوة الأنبياء مصيره الخسران
والبوار.
(١) انظر: المصدر السابق ٣٧٤/٢٨.
جَوَسُولَة التَّقْتَ
القرآن الكريمِ
٢٦٨