النص المفهرس
صفحات 1-20
مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ ٧ القُرَاءَة عناصر الموضوع مفهوم القراءة ٣٢٤ القراءة في الاستعمال القرآني ٣٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٣٢٦ منزلة القراءة فى القرآن ٣٢٩ آداب القراءة ٣٤٦ سند قراءة القرآن ٣٤٩ مراتب الناس في القراءة ٣٥٤ ثمرات القراءة ٣٥٨ القراءة في الآخرة ٣٦٠ أثر القراءة في نهضة الأمة الإسلامية المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ ٣٣٣ حرف القاف مفهوم القراءة أولًا: المعنى اللغوي: يقول ابن فارس: ((القاف والراء والحرف المعتل: أصلٌ صحیح يدل على جمعٍ واجتماع، ومن ذلك: ((القرية»، وسميت بذلك؛ لاجتماع الناس فيها، والمقراة: الجفنة، سميت بذلك؛ لاجتماع الضيف عليها))(١). من: قرأ يقرأ قراءةً، فهي مصدر للفعل: ((قرأ))، واسم الفاعل: ((قارئ))، تقول: قرأ فلانٌ قراءة حسنة، ورجل قراءٌ حسن القراءة من قوم قرائين، والمفعول مقروء، تقول: صحيفة مقروءة، وقارأه مقارأةً وقراءً: دارسه، واستقرأه طلب إليه أن يقرأ، والقراء يكون من القراءة جمع قارئٍ، وقرأ عليه السلام يقرؤه عليه وأقرأه إياه أبلغه(٢). والأصل في القراءة: الجمع والضم، تقول: ((قرأت الكتاب قراءةً))، ضممت حروفه بعضها إلى بعض، وكل شيءٍ جمعته فقد قرأته، و((قرأت الشيء قرآنًا)): جمعته وضممت بعضه إلى بعضٍ (٣). ومنه سمي القرآن قرآنًا؛ لأنه يضم القصص والأحكام، والآيات والسور بعضها إلى بعض. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: لا يختلف معنى القراءة في الاصطلاح عن معناها في اللغة. وقد عرف الكفوي القراءة بقوله: ضم الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في الترتيل، ولا يقال ذلك لكل جمع؛ بدليل أنه لا يقال للحرف الواحد إذا تفوه به قراءة (٤). يقول ابن عاشور: «القراءة هي: تلاوة کلام صدر في زمن سابق لوقت تلاوة تالیه، بمثل ما تكلم به متکلمه، سواء کان مكتوبًا في صحیفة، أم كان ملقنًا لتالیه بحيث لا يخالف أصله، ولو كان أصله كلام تاليه، ولذلك لا يقال لنقل كلام أنه قراءة إلا إذا كان كلامًا مكتوبًا أو محفوظًا))(٥). (١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٧٨/٥. (٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ٩٢/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ٧٨/٥، لسان العرب، ابن منظور، ١٢/ ٥٠، تاج العروس، الزبيدي ١/ ٣٠٦. (٣) انظر: لسان العرب ١٢/ ٥١، تاج العروس ٣٠٧/١. (٤) الكليات ص ٧٠٣. (٥) التحرير والتنوير ٢٥٣/٣٠. ٣٢٤ القرآن الكريم القراءة القراءة في الاستعمال القرآني وردت مادة (قرأ) في القرآن الكريم (٨٨) مرة، يخص موضوع البحث منها (٨٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٦ [الأعراف: ٢٠٤] الفعل المضارع ٥ ﴿وَقُرْءَنَا فَرَقْنَهُ لِنَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ﴾ [الإسراء: ١٠٦] الفعل الأمر ٦ ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ ﴾ [العلق: ١] المصدر ٧٠ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْهَانَهُ ، فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَّبِعْ قُرْءَانَهُ. ١٨ [القيامة: ١٧-١٨] الأصل في القراءة أنها بمعنى الجمع والضم؛ وكل شيء جمعته فقد قرأته؛ فالقراءة جمع الحروف والكلمات، والقرآن يجمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٣٩ - ٥٤٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب القاف ص ٩٣٧ -٩٣٨. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٢٨/١، تاج العروس، مرتضى الزبيدي، ص ٣٧٠-٣٧١، الفروق اللغوية، العسكري، ص١٤٠ - ١٤١، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ٢٦٢/٤-٢٦٦. www. modoee.com ٣٢٥ ﴿وَإِذَا قُرِكَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ﴾ حرف القاف الألفاظ ذات الصلة التلاوة: ١ التلاوة لغة: مصدر الفعل: ((تلا)) بمعنى: ((تبع))، تقول: ((تلوته تلوّا)) أي: تبعته، ويقال: «ما زلت أتلوه حتى أتليته))، أي: تقدمته وصار خلفي، وأتليته أي: سبقته، وتلا فلانٌ القرآن يتلو تلاوة، وتلا الشيء: تبعه تلوّا (١). وتطلق التلاوة: على القراءة، تقول: تلا يتلو تلاوةً يعني: قرأ قراءةً؛ لأن القارئ في قراءته كأنه يتبع الحروف والكلمات بعضها بعضًا (٢). التلاوة اصطلاحًا: هي القراءة لكلام مكتوبٍ أو محفوظٍ من كلام له أو لغيره، يحكيه لسامعه، وغلب استعمالها في: قراءة القرآن وتجويده وترتيله بتفكر وَتُدبر(٣). الصلة بين التلاوة والقراءة: التلاوة صورة من صور القراءة فهي إتباع الحروف والكلمات بعضها لبعض، وبينها وبين القراءة عموم وخصوص، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة، وغلب استعمالها في قراءة القرآن خاصة. يقول الراغب الأصفهاني: ((والتلاوة تختص باتباع كتب الله المنزلة، تارة بالقراءة، وتارة بالارتسام لما فيها من أمر ونهي، وترغيب وترهيب، فهي أخص من القراءة، فكل تلاوة قراءة، وليس كل قراءة تلاوة)) (٤). ويقول أبو هلال العسكري: ((الفرق بين التلاوة والقراءة: أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعدًا، والقراءة تكون للكلمة الواحدة يقال: قرأ فلان اسمه، ولا يقال تلا اسمه)) (٥). (١) انظر: العين، الفراهيدي ١٣٤/٨، الصحاح، الجوهري، ٢٢٩٠/٦، لسان العرب، ٢٣٥/٢، تاج العروس، ٢٤٩/٣٧. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٦٩/١. (٣) انظر: التمهيد في علم التجويد، ابن الجزري ص ٥٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٥٦. (٤) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ١٦٧ . (٥) الفروق اللغوية، العسكري ص ١٤٠. ٣٢٦ القرآن الكريمِ القراءة الترتيل : ٢ الترتيل لغة: مصدر من: ((رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا)»، والرتل: حسن تناسق الشيء، وثغرٌ وتلٌ ورتلٌ: حسن التنضيد، مستوي الثنيات، وكلامٌ رتلٌ ورتلٌ أي: مرتلٌ حسنٌ على تؤدة، ورتل الكلام أحسن تأليفه، وأبانه وتمهل فيه (١). وقيل الكلام المرتل: المفصل، يقال: فلانٌ يترتل في كلامه ويترسل: إذا فصل بعضه من بعض (٢). والترتيل في القراءة: الترسل فيها، والتبيين من غير بغيٍ (٣). والترتيل اصطلاحًا: القراءة بتؤدة واطمئنان، وإخراج كل حرف من مخرجه، مع تدبر المعاني، ومراعاة الوقوف (٤). الصلة بين الترتيل والقراءة: أن الترتيل وصفٌ مخصوص لصورة من صور القراءة، فهو تحقيق لوصف التؤدة والطمأنينة في تلاوة القرآن خاصة. الكتابة: ٣ الكتابة: لغة: مصدر كتبت، والكتب: الجمع، يقول ابن فارس: ((الكاف والتاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ يدل على جمع شيءٍ إلى شيءٍ، من ذلك: الكتاب والكتابة، یقال: کتبت الکتاب أکتبه كتبًا، ويقولون: كتبت البغلة، إذا جمعت شفري رحمها بحلقة))(٥). والكتاب في الأصل: اسم للصحيفة المكتوب فيها، وسميت الكتابة لجمعها الحروف (٦). الکتابة اصطلاحًا: خطوطٌ موضوعةٌ مجتمعة تدل على المعنى المقصود، وأصلها: نقش الحروف في حجرٍ (١) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة ص ٢٢٢، الصحاح، الجوهري ١٧٠٤/٤، لسان العرب، ابن منظور ١٥٧٨/٣. (٢) انظر: العين، الفراهيدي ١١٣/٨. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٥٧٨/٣. (٤) انظر: التحديد في الإتقان والتجويد، أبو عمرو الداني ص ٧٢. (٥) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٠٨/١، مقاييس اللغة، ابن فارس ١٥٨/٥. (٦) انظر: تاج العروس، الزبيدي ١/ ٣٦٣. www. modoee.com ٣٢٧ حرف القاف أو رق أو ثوبٍ(١). ويعبر عن المقروء بالمكتوب، إذ القراءة والكتابة يشتركان في معنى الجمع والضم، فالقرآن الكريم هو المقروء المكتوب في المصاحف، فروعي في تسميته قرآنًا كونه مقروءًا بالألسن، وروعي في تسميته كتابًا كونه مدونًا بالأقلام، فكلتا التسميتين من تسمية الشيء بالمعنی الواقع عليه(٢). الصلة بين الكتابة والقراءة: يتضح مما سبق: أن الكتابة هي رسم المقروء، الدال على المقصود، فالمكتوب يكون بالقلم والرسم، والقراءة باللسان والنطق، ويعبر بكل منهما عن الآخر، من تسمية الشيء بالمعنى الواقع عليه. الأمية: ٤ الأمية لغة: نسبةٌ إلى: ((الأمي))، والأمي: هو الذي على خلقته لم يتعلم الكتابة ولا القراءة، فهو على جبلته التي خلق عليها (٣). الأمية اصطلاحًا: الأمي الذي لا يحسن الكتابة ولا القراءة، قاله أبو العالية، والربيع، وقتادة، وإبراهيم النخعي، وغیر واحد (٤). وقيل: الأمية: الصفة التي هي على أصل ولادة أمه لم يتعلم الكتابة ولا قراءتها، أو هو من لا يحسن الكتابة؛ لأنه لا يقدر عليها (٥). وقيل للذي لا يكتب: أمي؛ لأن الكتابة والقراءة مكتسبة؛ فكأنه نسب إلى ما ولد عليه من الجهل بهما. الصلة بين الأمية والقراءة: يتضح مما سبق: أن الأمي هو الذي لم يدرك الكتابة ولا القراءة خاصة، فالأمية لفظة مقابلة للقراءة، يزيد العلم بمفهومها إجلالا وتعظيما للقراءة، إذ القراءة خصيصةٌ مكتسبة فوق أصل الخلقة. (١) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٢٧٧/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٥/٢. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٦٣/١، النبأ العظيم، محمد دراز ص ١٢ - ١٣. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٥/١، تاج العروس، الزبيدي ٢٣٧/٣١. (٤) انظر: تفسير القرآن، ابن كثير ١/ ٣١٠. (٥) انظر: الكليات، الكفوي ص ١٨٢، محاسن التأويل، القاسمي ١/ ٥٧. ٣٢٨ جوية القرآن الكريمِ القراءة منزلة القراءة في القرآن جاء القرآن الكريم مشيدًا بالقراءة مناديًا بها في أول كلمة نزلت منه من السماء، ومستعملًا لاشتقاقاتها، مدللًا على منزلتها الرفيعة، ومكانتها السامية، يوضح ذلك ما جاء في النقاط الآتية: أولًا: إسناد القراءة لله تعالى. قال تعالى: ﴿سَنُفْرِكُكَ فَلاَ تَنَسَ [الأعلى: ٦]. هذا إخبار من الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه سيعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه، وسيقرئه بقراءة جبريل عليه السلام عليه، فلا ينسى منها إلا ما شاء الله أن ينساه مما نسخ الله تلاوته من القرآن. قال مجاهد: ((كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل عليه السلام لم يفرغ من آخر الآية حتى يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فأنزل الله: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلاَ تَسَقَ﴾))(١). يقول القرطبي: ((وهذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آيةً بينةً، وهي أن يقرأ عليه جبريل عليه السلام ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه (١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧١/٢٤، معالم التنزيل، البغوي ٢٤٢/٥، تفسير القرآن العظیم ، ابن کثیر ٣٧٨/٨. ولا ينساه)) (٢) ويقول أبو السعود: ((والسين في: ﴿وَسَنُقْرِتُكَ﴾ إما للتأكيد، وإما لأن المراد: إقراء ما أوحى الله إليه حينئذٍ وما سيوحى إليه بعد ذلك، فهو وعدٌ كريم باستمرار الوحي أو سنجعلك قارئًا بإلهام القراءة فلا تنسى أصلًا من قوة الحفظ والإتقان، مع أنك أميٌ لا تدري ما الكتاب وما القراءة ليكون ذلك آيةٌ أخرى لك)»(٣). لقد أمن الله نبيه صلی الله عليه وسلم من النسيان في قوله: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَنَسَىَ﴾، ولما كانت الآية توهم لزوم ذلك له صلى الله عليه وسلم، جاء الاستثناء بعدها: ﴿إلا مَا شَآءَ اللَّهُ﴾، فنسيان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله أن ينساه جائز. يقول ابن حجر: «فإن المراد بالمنسي ما ینسخ تلاوته، فینسي الله نبيه صلى الله عليه وسلم ما يريد نسخ تلاوته)) (٤). ويقول الألوسي: ((وإسناد الإقراء إليه تعالى مجازي، أي: سنقرئك ما نوحي إليك الآن وفيما بعد على لسان جبريل عليه السلام»(٥). (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/٢٠. (٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود باختصار ٩/ ١٤٤. (٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر ٩/ ٨١. (٥) روح المعاني، الألوسي ١٠٥/٣٠ www. modoee.com ٣٢٩ حرف القاف وإسناد قراءة القرآن وتلقيها لله عز وجل يعلو ذلك بشرفها، ويعظم بمكانتها، وأن مصدرها الوحي السماوي، والتلقي الإلهي، وأن طريقتها متلقاة من الله عز وجل لا لأحدٍ من الخلق، وإنما هي منزلة من عنده سبحانه وتعالى(١). صنعة فيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ولا الأفشى في اللغة، والأقيس في العربية، بل وقد استمر هذا الإسناد المبارك لقراءة القرآن الكريم موصولًا، فقد عرض القرآن علی رسول الله صلی الله علیه وسلم جمعٌ من الصحابة رضي الله عنهم منهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعلى بن أبى طالب رضي الله عنه، وأبى بن كعب رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وزيد بن ثابت رضي الله عنه، وأبو موسی الأشعري رضي الله عنه، وأبو الدرداء رضي الله عنه، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة. فقراءة القرآن بقراءاته المتعددة توقيفية من الله عز وجل لا مجال فيها للاجتهاد والقياس: ﴿قُلَّ إِنَّمَا أَتَبِعُ مَا يُوحَىَ إِلَّ مِن تَّبِّ [الأعراف: ٢٠٣]. يقول ابن الجزري: ((وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ به فقد وجب قبوله، ولم يسع أحدًا من الأمة رده، (١) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ١/ ٥١، النبأ العظيم، محمد دراز ص ٥٠. ولزم الإيمان به، وإن كله منزل من عند الله))(٢). ويقول أبو عمرو الداني: ((وأئمة القراءة لا تعمل في شيء من حروف القرآن، على على الأثبت في الأثر، والأصح في النقل، والرواية إذا ثبتت لا يردها قياس عربية، ولا فشو لغة، لأن القراءة سنة متبعة، يلزم قبولها والمصير إليها)»(٣). ثانيًا: الأمر بالقراءة. قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسِ رَئِكَ الَّذِى خَلَقَ [العلق: ١]. إن أول أمرٍ أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلی الله عليه وسلم، و کلفه به، هو الأمر بالقراءة، فأول كلمة تلقها النبي صلى الله عليه وسلم من أمين الوحي جبريل عليه السلام حينما لقيه في غار حراء هي: ﴿وَأَقْرَأْ﴾، بصيغةٍ تلفت النظر، وتجذب الانتباه، وتسترعي الاهتمام. إن هذا الأمر ليوضح بجلاء أن مصدر القراءة في كافة مجالاتها الحسية الآلية منها والمعنوية الكونية هو الوحي الرباني، والذي استوعب المعاش والمعاد، والدنيا (٢) النشر في القراءات العشر ١/ ٥١. (٣) جامع البيان في القراءات السبع، الداني ٥١/١. ٣٣٠ جوسى القرآن الكريمِ القراءة والآخرة، والمبدأ والمنتهى(١). ومجيء الأمر بها أولًا فيه تنويةٌ بشأنها، ودعوةٌ إليها؛ لأنها شعار دين الإسلام. يقول القرطبي: ((نبه على فضل علم القراءة والكتابة، لما فيه من المنافع العظيمة، التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قیدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولین ومقالاتهم، ولا کتب الله المنزلة إلا بالكتابة، ولولا هي ما استقامت أمور الدين والدنيا))(٢) إن هذا الأمر بالقراءة لهو أمر تكليفي لابد إلى أن خلق الإنسان من علق ثم مصيره من القيام به إما عينًا، وإما كفاية، ولا غرو في ذلك فالقراءة هي السبيل إلى المعرفة والعلم، وبناء العقل، والوصول بالإنسان إلى درجة التكريم والتفضيل. فخص الله الإنسان بالقراءة دون سائر الحيوانات، وذلك لأن القراءة من لوازم العقل والإدراك، فتخصيص خلق الإنسان بالذكر دون سائر المخلوقات، ليدل على أن الإنسان هو المختص بالقراءة والعلم، المنفرد بتبعية التكليف، المخاطب بكل ما سوف ينزل به الوحي من كلمات الله (٣). يقول ابن تيمية: ((﴿خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ﴾: ذكر سبحانه أنه خلق أكرم الأعيان الموجودة عمومًا وخصوصًا وهو الإنسان، وأنه المعلم (١) انظر: القراءة أولاً، محمد عدنان ص ١٦. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠/ ١٢٠. (٣) انظر: التفسير البياني، بنت الشاطئ ١٤/٢. للعلم عمومًا وخصوصًا: ﴿الَّذِى عَلَّمُ بِالْقَلِمِ﴾. ثم قال: ﴿عَلَّمْ الْإِنسَنَّ مَا لَزْ يَّعَمْ﴾: ذكر بعد الخلق تعلیم الإنسان ما لم يعلم، فخص هذا التعليم الذي يستدل به على إمكان النبوة فإن النبوة نوع من التعليم، وليس جعل الإنسان نبيًا بأعظم من جعل العلقة إنسانًا حيًا عالمًا ناطقًا سميعًا بصيرًا متكلمًا قد علم أنواع المعارف» (٤). ويقول ابن عاشور: ((وذكر العلقة التى هي مضغة الدم العالقة بالرحم: فيه إشارة إلى كمال أشده هو خلق ينطوي على قوى كامنة، وقابليات عظيمة، أقصاها قابلية العلم والقراءة والكتابة)»(٥). ثالثًا: القراءة تكريم للإنسان: قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْمُ الَّذِى عَلَُّ بِالْقَلِ عَّمَ الْإِنسَنَ مَا لَمْ يَعَمْ ﴾ [العلق: ٣-٥]. لما كانت القراءة هي الطريق للعلم والرفعة؛ والذي يرفع الإنسان ويخرجه من جهله وأميته التي خلق عليها؛ كان تخصيصه بالقراءة وأمره بها من أعظم النعم الموهوبه، والفضائل المهداة. يقول الرازي : - مبينًا الترابط بين الأمرين: (٤) مجموع الفتاوى ابن تيمية، بتصرف يسير ٣٨/٤. (٥) التحرير والتنوير، باختصار ٤٣٨/٤. www. modoee.com ٣٣١ حرف القاف ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِّكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ و﴿أَقْرَأْ وَرَبُّكَ آلْأَكْرَمُ﴾ فيقول: «أولًا: وصف نفسه سبحانه بأنه خلق الإنسان من علق، وثانيًا: بأنه علمه بالقلم، ولا مناسبة في الظاهر بين الأمرين، لكن التحقيق أن أول أحوال الإنسان كونه علقة، وهي أخس الأشياء، وآخر أمره هو صيرورته عالمًا بحقائق الأشياء، وهو أشرف مراتب المخلوقات، فكأنه تعالى يقول: انتقلت من أخس المراتب إلى أعلى المراتب فلا بد لك من مدبر مقدر ينقلك من تلك الحالة الخسيسة إلى هذه الحالة الشريفة، ثم فيه تنبيه على أن العلم أشرف الصفات الإنسانية، فالأكرم هو الذي أعطاك العلم؛ لأن العلم هو النهاية في الشرف»(١). ويقول الزمخشري: ((الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم فدل على کمال کرمه بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم)) (٢). و﴿الأثرُ﴾ الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير، هو الذي يعطي بدون مقابل، ولا انتظار مقابل، فهو سبحانه کثیر الصفات واسعها، كثير الكرم والإحسان، واسع الجود، الذي من کرمه أن علم بالعلم. بل من كرمه سبحانه أنه جعل من القلم الذي هو قطعة جامدة من الحطب، أو (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١٨/٣٢. (٢) الكشاف، الزمخشري ٤٤ / ٧٧٦. الخشب، أداة للعلم والمعرفة، ففتح به على الإنسان أبواب العلوم والمعارف، وجعل من ثماره هذه الكتب التي حفظت ثمار العقول، فكانت ميراثًا للعلماء، يرثها الخلف عن السلف، وينميها ويثمرها العلماء جيلًا بعد جيل وبهذا تعلم الإنسان ما لم يكن يعلم، وبعلمه هذا المستفاد من سلفه، فتح أبوابًا جديدة من العلم يتلقاها عنه من بعده، ويفعل فعله، بما يفتح من أبواب جديدة للعلم وهكذا تتسع معارف الإنسان، ويزداد علمه على مدى الأجيال(٣). ومجيء الوصف هنا بالأكرم بدلًا من أي صفة أخرى؛ لما في هذه الصفة من تلاؤم للسياق، ما لا يناسب مكانها غيرها لعظم العطاء وجزيل المنة في أمرين: فأولًا: رحمة الخليقة بهذه القراءة التي ربطت العباد بربهم. وثانيًا: نعمة الخلق والإيجاد. فهما نعمتان متكاملتان: الإيجاد من العدم بالخلق، والإيجاد الثاني من الجهل إلى العلم، ولا يكون هذا كله إلا من الرب الأكرم سبحانه (٤). (٣) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ١٦ /١٦٢٥. (٤) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٩/ ١٧. ٣٣٢ جونيور القرآن الكريم القراءة آداب القراءة قراءة القرآن من أفضل القربات، وأشرف العبادات، ولذا جاء القرآن الكريم مرشدًا إليها، موضحًا الآداب التي ينبغي لقارئ القرآن أن يتأدب بها تعظيمًا للقرآن، وإجلالًا له، وهي كما يلي: ١. البدء بالبسلمة. قال تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِأَسِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ﴾: أي: أقرأ مبتدئًا بتسمية الله، قل: ((باسم الله)»، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يبتدئ القراءة باسم الله تأدبًا، وبركةً، وثناءًا. يقول أبو جعفر الطبري: ((إن الله تعالى أدب نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بتعليمه تقديم ذكر أسمائه الحسنى أمام جميع أفعاله، وجعل ما أدبه به من ذلك وعلمه إياه منه لجميع خلقه سنةً يستنون بها، وسبيلا يتبعونه عليها، فبها افتتاح أوائل منطقهم، وصدور رسائلهم وکتبهم وحاجاتهم))(١). ومحل ((باسم ربك)): النصب على الحال، أي: اقرأ مفتتحًا باسم ربك(٢). ويجوز أن تكون الباء زائدة، والتقدير: ((اقرأ اسم ربك))، وقيل: الباء بمعنى: ((على))، أي: ((اقرأ على اسم ربك))، يقال: (١) جامع البيان، الطبري ١/ ١١٤. (٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٧٨١، فتح القدير، الشوكاني ٤٦٨/٥. فعل كذا باسم الله، وعلى اسم الله، وعلى هذا فالمقروء محذوف، أي: اقرأ القرآن، وافتتحه باسم الله(٣). يقول أبو الحسن القيرواني: ((بسم الله افتتاح إیمان ویمن، وحمد عاقبة، ورحمة وبركة، وثناء، وتقرب إلى الله عز وجل ورغبة فیما عنده وهو أدب من آداب الدین، ومدح لله تعالى، وتعظيم وشعار للمسلمين، وتبرك للمستأنف، وإقرار بالعبودية، واعتراف بالنعمة» (٤). ويقول الرازي: ((والتسمية توجه القلب إلى هيبة جلال الله. ثم قال: ((قال: باسم ربك)» ولم يقل: «اقرأ باسم الله)) كما قال في التسمية المعروفة: (بسم الله الرحمن الرحيم))، وجوابه: أنه أمرٌ بالعبادة، فكان ذلك أبلغ في الحث على الطاعة)»(٥). فالقراءة مبدوءةً باسم الله تنتج حضارةً ربانية قرءانية، قلبها التوحيد، وطابعها اليمن والبركة والتزكية، وهدفها العمران والإصلاح في الأرض. والبسملة عند قراءة القرآن مستحبة عند جمهور القراء، ومحلها البدء في السور. يقول النووي: ((وينبغي أن يحافظ على (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١١٩/٢٠. (٤) النكت في معاني القرآن وإعرابه، القيرواني ص ١٠٣. (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٦٨. www. modoee.com ٣٣٣ حرف القاف قراءة: ((بسم الله الرحمن الرحيم)) في أول اسمه عند هذه القراءة، وذكر كلمة: ((اسم)) كل سورة ((سوى براءة))(١). وإذا ابتدأ قراءته أثناء السورة لا من أولها، فالأصح من مذاهب القراء أن القارئ مخير في الإتيان بها أو ترکها. قال أبو عمرو الداني: ((فأما الابتداء برؤوس الأجزاء التي في بعض السور، فأصحابنا يخيرون القارئ بعد الاستعاذة بين التسمية وتركها في مذهب الجمیع»(٢). ولفظ البسملة يتضمن الاستعانة بالله، فابسم الله»، أي: أستعين بالله. والاستعانة: هي طلب العون من الله، ولما كانت قراءة القرآن عبادة تحتاج إلى جهد وفهم، وتفريغ للقلب، كانت الاستعانة بالله عند القراءة مقوية للعبد ومعينة له عليها(٣). قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيْكَ الَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: ١]. أي: اقرأ بعون ربك وتوفيقه، فالباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: ((اقرأ ما يوحي إليك مستعينًا باسم ربك))(٤). ومعنى الاستعانة باسم الله: أي: ذکر (١) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٨١. (٢) جامع البيان في القراءات السبع، أبو عمرو الداني: ١ /٤٠٥. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٨/١، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٣٦/٣٠. (٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٦٨/٥. جوسين القرآن الكريمِ لأن الاستعانة بذکر اسمه تعالى لا بذاته، وهذا الوجه يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: باسم الله حين تلقى هذه الجملة (٥). يقول الراغب: ((إنما قال ((بسم الله)) ولم يقل: ((الله))؛ لأنه لما استحب الاستعانة بالله تعالى في كل أمر يفتتح به من قراءة وغيرها، فبعضهم يذكره بقلبه، وبعضهم یزید علیه ویقوله بلسانه ویکون أبلغ، وذکر الله مستعمل في كل ذلك، وألفاظ الاستعانة نحو: ((أستعين بالله)) فصار لفظة ((بسم الله)) مستغنى به عن جميعها وقائمًا مقامها)» (٦) ٠ إنها دلالة واضحة على أن القراءة التي تتضمن التوحيد والإخلاص، والتوكل على الخالق الباري، وستخرج هذا الإنسان بعون الله من جهله وضعفه إلی تفوقه وتقدمه، بل وتجعله یسیر بنور رباني یکشف له حجب الغفلة والظلام. ٢. الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى. أمر الله نبيه محمدًا صلی الله عليه وسلم بالاستعاذة قبل قراءة القرآن، فقال سبحانه: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ فَاسْتَعِدْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨]. أي: إذا أردت القراءة فاستعذ بالله، (٥) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١/ ٥٣١٠، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٣٦/٣٠. (٦) تفسير الراغب الأصفهاني ١/ ٤٧. ٣٣٤ القراءة واسأله سبحانه أن يعيذك من الشيطان الرجيم من أن يعرض لك أثناء قراءة القرآن فيصدك عن تدبره، فهي لدفع وسواس الشيطان. وقراءة القرآن هي أشرف مقروء وأفضله، فيها صلاح القلوب، والشيطان أحرص ما يكون على العبد عند شروعه في الأمور الفاضلة، فیسعی في صرفه عن مقاصدها ومعانيها؛ فشرعت الاستعاذة لطلب الإعاذة والاعتصام بالله(١). يقول ابن عاشور: ((وإنما شرعت الاستعاذة عند ابتداء القراءة إيذانًا بنفاسة القرآن ونزاهته، إذ هو نازل من العالم القدسي الملكي، فجعل افتتاح قراءته بالتجرد عن النقائص النفسانية التي هي من عمل الشيطان، ولا استطاعة للعبد أن يدفع تلك النقائص عن نفسه إلا بأن يسأل الله تعالى أن يبعد الشيطان عنه بأن يعوذ بالله))(٢). وظاهر قوله تعالى: ﴿فَسْتَعِذْ﴾: أن الاستعاذة واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة: ((افعل)) للوجوب، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأمر في الآية للندب والاستحباب(٣). (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧/ ٢٩٥، تیسیر الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٩. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٣٩/٣٠. (٣) انظر: النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٥٧/١. يقول أبو شامة: ((ووقت الاستعاذة ابتداء القراءة جرى على ذلك العمل في نقل الخلف عن السلف» (٤). ٣. ابتغاء مرضاة الله. قراءة القرآن عبادة رتب الله عليها الأجر والثواب إذا كانت خالصةً لله، وقصد بها القارئ ابتغاء مرضاة الله، وأداؤها بدون إخلاصٍ وصدق مع الله يجعلها لا قيمة لها ولا ثواب، بل صاحبها متعرض للوعيد الشدید. يقول النووي: ((يجب على القارئ الإخلاص، وأن يستحضر في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال من يرى الله تعالى، فإنه إن لم يكن يراه فإن الله تعالى يراه))(٥). قال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُّدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ﴾ [الأنعام: ٥٢]. أي: لا تطرد عنك، وعن مجالستك، أهل العبادة وقراءة القرآن والإخلاص، فعن مجاهد والحسن. قيل: المراد بالدعاء: الذكر وقراءة القرآن (٦) . وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه (٤) إبراز المعاني في شرح حرز الأماني، أبو شامة ص ٦١. (٥) التبيان في آداب حملة القرآن ص ١/ ٤. (٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٣٢/٦. www. modoee.com ٣٣٥ حرف القاف وسلم يقول: (إن أول الناس يقضى يوم القيامة علیه ورجلٌ تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه، فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قیل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار)(١). فالإخلاص في قراءة القرآن تخليص للقلب من كل شائبة تشوبه من رياء، أو سمعة، أو تصدر مما يكدر صفاء النية، ويفسد مرادها، فيتجرد في القلب قصد التقرب لله فلا یکون فيه باعث سواه. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما وقد أخبر الله أنه مطلع على عبده حال شفاء العي السؤال)(٣)، والعي: الجهل. قراءته عالم بحاله، كاشف لقصده، قال سبحانه: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا نَتْلُواْمِنْهُمِن قُرْءَانٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: ٦١]. قوله: ﴿وَمَانَتْلُواْ مِنَّهُمِن قُرْءَانِ﴾ أي: وما تتلو من القرآن الذي أوحاه الله إليك، فالله مطلع عليه وقت شروعكم فيه(٢). ٤. السؤال عند عدم المعرفة. لأهمية السؤال في التعلم والتعليم فقد (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، ٤٧/٦، رقم ٥٠٢٣. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٦٧. أرشد الله إلى أهمية السؤال، فقال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ فَسَلْ بِهِخَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿فَسَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِنكُنتُمْ لَ تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٤٣]. فأهل الذكر: هم أهل العلم والكتابة والقراءة، العارفون بكتاب الله، المفتون في أمور الدين وأحكامه. وقد أشاد الله في كتابه بسؤال المؤمنين عما أشكل عليهم في أمور دينهم، آمرًا نبيه صلى الله عليه وسلم بالإجابة عن ما سألوا عنه، فقال سبحانه: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ ◌َهُمّ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الَِّبَتُ﴾ [المائدة: ٤]. وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم -زيادةً في طمأنته بشأن نبوته- أن يسأل أهل القراءة من أهل التوراة والإنجيل عن وجود هذه الحقيقة في کتبهم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنْزَلْنَاً إِلَيْكَ فَسْتَلِ الَّذِينَ يَقْرَهُونَ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِن زَيِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس: ٩٤]. (٣) أخرجه أبو داود، كتاب الطهارة، باب المجدور يتيمم، ٢٥٢/١، رقم ٣٣٦، وابن ماجه، كتاب الطهارة، باب المجروح تصيبه الجنابة فيخاف على نفسه إن اغتسل، ٣٦٢/١، رقم ٥٧٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ٢/ ٨٠٥، رقم ٤٣٦٤. ٣٣٦ صَوَس ◌َد النَّفي جوية القرآن الكريمِ القراءة كثرة الأسئلة التي لا فائدة فيها، أو الأسئلة التي يترتب عليها تشديد على الأمة، فقال سبحانه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسْئَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُّبْدَ لَكُمْ قَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]. أي: لا تسألوا عما لا حاجة لكم بالسؤال عنه، ولا هو مما یعنیکم في أمر دینکم. يقول ابن كثير: ((﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَفِينَ﴾: فلم ينتفعوا بها لأنهم لم يسألوا على وجه الاسترشاد، وإنما سألوا على وجه التعنت والعناد))(١). فأهل القراءة هم أهل العلم والذكر الدائم والفهم الحي، والذي يجب على المسترشد أن یعرض عليهم شکه وتردده، وعدم علمه، بسؤالٍ يطلب فيه النفع، ولیس التعنت، وبذلك يكون قد قطع الطريق الطويل الشاق في البحث عن المجهول. ٥. تعاهد القراءة. تكرار المقروء وسيلة من وسائل حفظه، ورسوخه في العقل، وهو أسلوب من أساليب الفصاحة والبيان، فالكلام المكرور أوقع في النفوس، وأمتع للأذهان والعقول، وقد استخدمه القرآن وسيلة لتثبيت المعنى في نفوس قارئيه، وإقراره في أفئدتهم(٢)، (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٠٧/٣. (٢) انظر: البرهان في علوم القرآن، الزركشي ٩/٣، من بلاغة القرآن، أحمد البيلي ص كما نهى الله سبحانه في المقابل عن وأشار إلى أهميته فقال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَبِكَ الَّذِى خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَنَ مِنْ عَلَقٍ ) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ فقد كرر الأمر بقوله: ﴿آقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرُ﴾؛ لأن القراءة لا تكسبها النفس إلا بالتكرار والتعود على ما جرت به العادة، وتكرار الأمر الإلهى يقوم مقام تكرار المقروء، وبذلك تصير القراءة ملكة (٣). وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى تعاهد تلاوة القرآن وتكرار قراءته حین قال في حديث ابن عمر رضي الله عنه: (إنما مثل صاحب القرآن كمثل صاحب الإبل المعقلة إن عاهد عليها أمسكها وإن أطلقها ذهبت)(٤). وقراءة القرآن كلما تقاربت أوقاتها، و کثر تكرارها كانت أقوى في رسوخ حفظ القرآن وفهم معانيه، ومن أجل ذلك كان السلف يحرصون على كثرة التلاوة والقراءة، ويحزبون القرآن، ويتواصون بذلك. فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بین صلاة الفجر وصلاة الظهر کتب له كأنما ١١٢. (٣) انظر: تفسير المراغي ١٩٩/٣٠. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب استذكار القرآن وتعاهده، ٦/ ١٦٣، رقم ٥٠٣١. www. modoee.com ٣٣٧ حرف القاف قرأه من الليل) (١). وهذا فيه الإشارة إلى أهمية التكرار والتعاهد للقرآن. كما أن تكرار قراءة القرآن سبيل إلى إجادة تجويده وضبط أدائه، يقول ابن الجزري: ((ولا أعلم سببًا لبلوغ نهاية الإتقان والتجويد، ووصول غاية التصحيح والتشديد، مثل رياضة الألسن، والتكرار على اللفظ المتلقى من فم المحسن)»(٢). ٦. التؤدة والتمهل. القراءة بتمهل وتؤدة أقرب إلى الإجلال والتوقير للمقروء، وأشد تأثيرًا في القلب، وأدعى إلى التدبر والفهم. وقراءة القرآن بتؤدة وتمهل أجل قدرًا، وأعظم شأنًا، ولذلك جاء الأمر بقراءته وَرَتْلِ الْقُرْءَانَ على هذه الصفة فقال سبحانه: تَرْتِلًا﴾ [المزمل: ٤]. وترتيله: قراءته على ترسل، وتفريقه آيةً بعد آيةٍ، قاله النخعي والحسن وقتادة، وقال ابن عباسٍ رضي الله عنه: ((بينه بيانًا فيه ترتيلٌ و تثیبت»(٣). والتصريح بالتأني والتؤدة في القراءة ظاهر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض، ٢/ ١٤٢، رقم ٧٤٧. (٢) النشر في القراءات العشر ٢١٣/١. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦٨١. مِن قَبْلِ أَنْ يُقْضَىَّ إِلَيْكَ وَحْيُّهُ﴾ [طه: ١١٤]. يقول ابن كثير: ((قراءته على تمهل تكون عونًا على تدبره)) (٤). ويقول النووي: ((يستحب الترتيل؛ لأن ذلك أقرب إلى التوقير والاحترام، وأشد تأثيرًا في القلب)»(٥). وعن حذيفة رضي الله عنه قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فافتتح البقرة فقرأها، ثم النساء فقرأها، ثم آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤالٍ سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ)(٦). ونهي في القراءة عن إفراط الإسراع فيها، ويسميه القراء: الهذرمة. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((لا تھذوه هذ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، قفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة)»(٧). يقول ابن الجزري: ((وليحترز -في: القراءة- عن بتر حروف المد، وذهاب (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٠/٨. (٥) التبيان في آداب حملة القرآن، مختصرا: ص ٩١. (٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تطويل القراءة في صلاة الليل، ١/ ٥٣٦، رقم ١٨٥٠. (٧) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب فضائل القرآن، باب في القراءة يسرع بها، ٦/ ١٤١، والبغوي في معالم التنزيل ٤ / ٤٠٧، والبيهقي في شعب الإيمان، ٣٤٤/١. ٣٣٨ القرآن الكريم القراءة صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، الإسراع والترتيل جهة فضل، بشرط أن یکون المسرع لا يخل بشيء من الحروف، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتيل»(١). والحركات والسكون، والواجبات، فلا يمتنع أن يفضل أحدهما الآخر، وأن يستويان، فإن من رتل وتأمل، كمن تصدق بجوهرة واحدة مثمنة، ومن أسرع كمن تصدق بعدة جواهر، لكن قيمتها قيمة الواحدة، وقد تكون قيمة الواحدة أكبر من قيمة الأخریات، وقديكون بالعكس)» (٤). وقد اختلف العلماء في هل الأفضل هو الترتيل وقلة القراءة، أو السرعة مع كثرة القراءة؟ فذهب بعضهم إلى أن كثرة القراءة أفضل، واحتجوا بحديث ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها الحديث)(٢). يقول ابن الجزري: ((والصحيح بل الصواب ما عليه معظم السلف والخلف، وهو أن الترتيل والتدبير مع قلة القراءة أفضل من السرعة مع كثرتها؛ لأن المقصود من القرآن فهمه، والتفقه فيه، والعمل به، وتلاوته وحفظه وسيلة إلى معانيه))(٣). وقال ابن حجر: ((والتحقيق أن لكلٍ من (١) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٠٧/١. (٢) نقل الخلاف النووي في المجموع شرح المهذب ١٦٥/٢، وابن الجزري في النشر ٢٠٧/١، والسيوطي في الإتقان ٣٦٨/١. والحديث أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل القرآن، باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر، ١٧٥/٥، رقم ٢٨١٠، والبيهقي في شعب الإيمان ٣٣٤/٣. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٣) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٠٩/١. ولعل ما ذهب إليه ابن حجر يكون هو الأقرب للصواب، فقد أوضح علماء القراءات ومنهم ابن الجزري أن القراءة على مراتب، ومنها الحدر وهو القراءة بسرعة مع مراعاة أحكام التجويد، وهي مرتبة معتبرة، يقول ابن الجزري: ((فالحدر يكون لتكثير الحسنات في القراءة، وحوز فضيلة التلاوة، ولیحترز فيه عن بتر حروف المد، وذهاب صوت الغنة، واختلاس أكثر الحركات، وعن التفريط إلى غاية لا تصح بها القراءة، ولا توصف بها التلاوة، ولا يخرج عن حد الترتیل»(٥). ٧. الأمانة في التلقي والإقراء. إن المصدر الإلهي لقراءة القرآن الكريم بتلقي النبي صلى الله عليه وسلم لها من ربه (٤) فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر ٩/ ٨٩. (٥) النشر في القراءات العشر، ابن الجزري ٢٠٧/١. www. modoee.com ٣٣٩ حرف القاف عز وجل لهو الحق، الذي ذكره الله بقوله: سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس ﴿وَبِلْحَقِّ أَنْزَلْنَهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥]. تلك المصدرية التي تشعر بالطمأنينة وعدم الخوف على فوات شيء من القرآن، وقد وعد الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجمع القرآن في صدره، وعدم نسيانه، وأمره بمتابعة القراءة المتلقاة من الله، والاستماع إليها ثم القراءة على طريقتها، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَهُ فَّعْ قُرَّءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨]. وجل لرسوله صلی الله عليه وسلم في كيفية تلقيه الوحي من الملك)»(١). وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بتبليغ ما يوحى إليه كما أنزل، من غير زيادة أو نقص فقال: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِكٌ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]. فأداه صلى الله عليه وسلم للصحابة رضي الله عنهم کما تلقاه من ربه، وأدوه لمن بعدهم من التابعين. یقول ابن کثیر: «کانوا أحرص شيء علی أداء الأمانات، وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده،كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ ففعل صلى الله عليه وسلم ما أمر به؛ ولهذا (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧٨/٨. الأشهاد، والصحابة رضي الله عنهم أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: (إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون)، فقالوا: نشهد إنك قد بلغت وأديت ونصحت، فجعل يشير بأصبعه إلى السماء، وينكبها عليهم، ويقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد، وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب)(٢). وقراءة القرآن إنما تؤخذ بالتلقي يقول ابن كثير: ((هذا تعليم من الله عز والمشافهة والتوقيف، اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تلقى القرآن عن جبريل عليه السلام مشافهة عن الله تعالى، والاعتماد في القراءة والإقراء على النص المتلقی بالتواتر عنه صلی الله عليه وسلم. وهذا الذي سار عليه أئمة القراءات، واعتمدوه في النقل والرواية لقراءة القرآن. يقول مكي بن أبي طالب: ((يجب على طالب القرآن أن يتخير لقراءته ونقله وضبطه أهل الديانة والصيانة، والفهم في علوم القرآن، والنفاذ في علم العربية والتجويد، بحكاية ألفاظ القرآن، وصحة النقل عن (٣) الأئمة المشهورين بالعلم» (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧/١. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم، ٣٩/٤، رقم ٣٠٠٩. (٣) الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة، مکي بن أبي طالب ص ٨٩. ٣٤٠ جَوَسُولَةُ النَّفِيَّة الْقُرْآن الكَرِيمِ القراءة ٨. الصبر. الله عليه وسلم وهو على راحلته، فتضرب القرآن الكريم كلام الرب عز وجل، له بجرانها) (٤). وزنه وهيبته، ليس بالخفيف، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَتُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا فَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. أي: نوحي إليك هذا القرآن الثقيل، أي: العظيمة معانیه، الجليلة أوصافه، وما كان بهذا الوصف، حقیق أن يتهيأ له، ويرتل، ويتفكر فيما يشتمل عليه، ويتحلى الصبر في قراءته وفهمه(١). قال ابن عباس رضي الله عنه: «قولًا ثقيلًا يعني: كلامًا عظيمًا))(٢). يعاني شدة عند نزوله وتلقيه من جبريل عليه السلام مما يدل على عظمة وهيبة الكلام المنزل. تقول عائشة رضي الله عنها: (ولقد رأيته ینزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه لیتفصد عرقًا)(٣). كما روي كذلك عن عائشة رضي الله عنها: (إن کان لیوحی إلی رسول الله صلى (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨/١٩، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٩٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٦٣٨/٣٠، البحر المحيط، أبو حيان ٣١٤/١٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الوحي، باب كيف كأن بدء الوحي إلى رسول الله صلی الله عليه وسلم، ٢/١، رقم ٢. وقراءة القرآن وتدبره، والعمل به تحتاج إلى صبر ومجاهدة للنفس، وحبسٍ لها على مدارسة القرآن، وتلقي كيفية قراءته، وتصحيح تلاوته ومدارسة معانيه وأحكامه، فهو الكلام العظيم ذو الخطر والأثر، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَلٍ لَّرَأَيْتَهُ. خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] (٥). وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِى عَلَيْكَ قَوْلًا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم تَقِيلًا﴾ تعليل للأمر بقيام الليل، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَِّلِ هِىَ أَشَدُّ وَحَْا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، أي: لا بد وأن تصير نفسك مستعدة لذلك القول العظيم، وذلك بالصبر في صلاة الليل، فإن الإنسان إذا اشتغل بعبادة الله في الليلة الظلماء، وأقبل على قراءة القرآن والتضرع بين يديه، استعدت نفسه الإشراق وجلال الله فيه(٦). يقول ابن عاشور: ((ويستعار ثقل القول (٤) أخرجه أحمد في مسنده، ١١٨/٦، رقم ٢٥٥٠٨، والحاكم في المستدرك، ٢/ ٥٩٤، رقم ٣٩٢٢. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. (٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨/١٩، المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥٨/٥. (٦) انظر: روح المعاني، الألوسي ١١٥/١٧، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦٠/٢٩. www. modoee.com ٣٤١ حرف القاف لاشتماله على معانٍ وافرة يحتاج العلم وأكثر بركة (٥). بها لدقة النظر، وذلك بكمال هديه ووفرة معانيه، وحسبك أنه حوى من المعارف والعلوم ما لا يفي العقل بالإحاطة به، فكم غاصت فيه أفهام)) (١) ٩. اختيار الوقت والمكان المناسب. القراءة عمل يجتمع فيه القلب والبصر واللسان، وإقبال النفس عليها يحتاج إلى وقت یکون أزکی وأنفع، وقد أرشد الله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم إلى قراءة القرآن في قيام الليل، مخبرًا أن ذلك أشد موافقة بين القلب والبصر والسمع واللسان، وأجمع على التلاوة؛ لانقطاع الأصوات فقال سبحانه: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّلِ هِىَ أَشَدُّ وَحْنَا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. فناشئة اللیل أي: أوقاته وساعاته، وأشد وطًا: أي: أجمع للخاطر في أداء القراءة وتفهمها من النهار؛ لأنه وقت انتشار الناس، ولغط الأصوات، وأوقات المعاش (٢). قال الفراء: ((وأقوم قيلا)): قال: ((أثبت قراءة)»(٣). وعن قتادة: ((وأقوم قيلا)): أحفظ للقراءة (٤)، وقيل: أتم نشاطًا، وأتم إخلاصًا، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩/ ٢٦٠. (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٥٤/٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٢/٨. (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤١/١٩. (٤) جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦٨٦. جَوَبُور القرآن الكريم وقال ابن الجوزي: ((وأقوم قيلا)» أي: ((أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ فيه الأصوات فتخلص القراءة، ويفرغ القلب لفهم التلاوة، فلا يكون دون سمعه وتفهمه حائل))(٦). ومن تعظيم القرآن: قراءته في مكان طاهر، وأفضله المساجد، فهي بيوت الله التي أذن الله برفع ذکره فیھا، وقد كانت المساجد محلّا للإقراء ومدارسة القرآن. يقول الإمام النووي: ((ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف مختار، ولهذا استحب جماعة من العلماء القراءة في المسجد لكونه جامعًا للنظافة، وشرف البقعة)) (٧). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلی الله علیه وسلم قال: (ما جلس قوم في بيت من بيوت الله، يتلون کتاب الله، وبتدارسونه بينهم، إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فیمن عنده)(٨). ومن حرمته أن تجتنب القراءة في أماكن (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/ ٤١. (٦) زاد المسير ٤/ ٣٥٤. (٧) التبيان في آداب حملة القرآن ص ٤٤. (٨) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء والتوبة، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، ٧١/٨، رقم ٧٠٢٨. ٣٤٢