النص المفهرس
صفحات 41-45
الفواحش وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف خطرا على المجتمعات التي تنتشر فيها؛ ستر الله عنه)(١). بل إن الإسلام حرم حتى على الزوج أن یذکر فحولته وقدرته على الجماع مع زوجه، لما في ذلك من خصوصية لا ينبغي لأحد غير الزوجين أن يطلع عليها؛ لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه عن الحلال، فيتخطى إلى الحرام، ومن هذا كان المجاهرون خارجین عن منهج الله لأنهم متحدثون بما فعلوه من المعاصي. ولا شك أن انتشار الفاحشة في المجتمع يؤدي إلى انتشار المفاهيم الخاطئة؛ لأن الناس إذا اعتادوا أن يروا الفواحش ليل نهار دون رادع فسوف یترسخ فی أذهانهم مفاهیم خاطئة عن المجتمع وأفراده، فيتخيل كل واحد منهم أن تلك الممارسات الفاحشة هي أمور طبيعية، وذلك حسب ما تكون لدیه من أفكار ومفاهيم خاطئة، بل قد يقع فى تلك الرذائل والموبقات والفواحش دون إحساس أو وازع من ضمير. لقد حرص الإسلام على محاربة فاحشة الزنا لما تسببه من مفاسد كبيرة تلحق أضرارًا بالغة في المجتمع، ومن ثم نرى أن فاحشة الزنا من أكبر المفاسد وأشدها (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب ستر المؤمن على نفسه، رقم ٦٠٦٩. لأن الزنا مناقض لصلاح المجتمع في حفظ الأنساب والأعراض والفروج، والزنا يجمع صفات الشر كلها، ويفتح على الناس أبواب المعاصي كلها، من ظلم الخلق، وإضاعة أهله وأمواله، وكسب الحرام، ويولد الأمراض، ويورث الفقر والمسكنة، وهذا الداء يورث نفرة الناس ووحشتهم منه، وسقوطه من أعينهم. www. modoee.com ٤٧ حرف الفاء الإعجاز التشريعي في تحريم الفواحش الإعجاز التشريعي في القرآن الكريم عبارة تشمل كل ما شرعه الله لعباده، وهو المنهج الذي أراده الله لعباده أن يسلكوه ويأتمروا به قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: ٤٨]. فالقرآن الكريم مصدر التشريع للمسلمين ثم يأتي بعده الحديث الشريف، وكلاهما مصدر تشريع، وبیان لكل من آمن بالله وباليوم الآخر، فالله يعلم ما يصلح لعباده، هذا ما تقر به الفطرة السليمة؛ لأن الله أعلم بما خلق، فينهاه عما يضره، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ الْخَيْرُ [الملك: ١٤]. وفيما يتعلق بالإعجاز التشريعي في تحريم الفواحش، فقد جاء القرآن هداية للناس أجمعين، واشتمل على أحكام تشريعية تكفل سعادة الناس في الدنيا والآخرة، وتصون أعراضهم، وتحقق لهم الأمن والطمأنينة والسكينة، وتضمن لهم الحقوق في الوفاء باحتياجاتهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِى لِلَِّىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء:٩]. ومن ثم نرى أن منهج الإسلام في مكافحة الجريمة يقوم على أمرين: الأول هدفه منع وقوع الجريمة أصلًا، إذ يبين لهم مخاطرها وعواقب ارتكاب ما نهى عنه، باعتبار أن الوقاية خير من العلاج، فحرم الله الزنا، وشدد في عقوبة الزناة، ولم يدان منه عقوبة، بل حرم حتی الا قتراب من الزنا. قال تعالى: ﴿وَلَا نَقْرَبُواْ الزِّنَّ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَآءَ سَبِيلًا ﴾ وَلَا نَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اَللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٢-٣٣]. فكل ما يقرب من الزنا فهو حرام، كالقبلة والتبرج وإظهار الزينة المثيرة للشهوة والملامسة، ونشر الصور البذيئة، وقول الشعر الماجن، وغير ذلك من مثيرات الشهوات وما يقرب من ارتكاب الفاحشة. أما الثاني فهو يأتي بعد وقوعها، وهدفه منع تكرارها سواء من فاعلها أو من غيره، ویسمی عقابًا. قال تعالى: ﴿الزَِّيَةُ وَالزَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلَّ وَيَجِدٍ مِنْهُمَامِائَةَ جَلْدَةِ﴾﴾ [النور: ٢]. كذلك حرم الله قذف المحصنات؛ لأن ذلك الجرم من الجرائم الاجتماعية التي تشيع الفاحشة بين المسلمين وتنزع الحياء من المجتمع، وتورث الضغائن والأحقاد، وربما تؤدي إلى ارتكاب الجرائم، وقد لعنهم الله في الدنيا والآخرة، وتوعدهم في الآخرة بعذاب شديد، قال تعالى: ﴿إنّ الَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَتِ الْفَفِلَتِ الْمُؤْمِنَتِ لُعِنُواْ فِي الدُّنْيَا وَاْآَخِرَةِ وَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ٢٣ [النور: ٢٣]. جَوَسُولَة التقييم لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٤٨ الفواحش وترى الإعجاز التشريعي في محاربة وحفظ النسل من أعظم أسباب البقاء، ومن أسباب عمارة الأرض، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنَِّ جَاعِلٌ فِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]. الإسلام للفاحشة التي فعلها قوم لوط عليه السلام، فقد فضح الذين ارتكبوا الفاحشة؛ لأن في فعلهم هذا مخالفة للفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها. فهذه الفاحشة تنقل الأمراض الخبيثة عن طريق الاتصال الجنسي غير المشروع، ومنها: الإيدز، والزهري، السيلان، وغير ذلك، فالأمراض الجنسية هي الحصاد الطبيعي للإباحية البعيدة عن الأخلاق القويمة. وترى الإعجاز التشريعي في حد اللواط وبيان عقوبته، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الفاعل والمفعول به، ففي الحديث: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به)(١). وقد أمر الرسول صلی الله عليه وسلم بقتل الفاعل والمفعول به؛ لأنه لا خير في بقائهما؛ لفساد طويتهما، فمن كان بهذه المثابة فلا خير للخلق في بقائه. فالتشريع يهدف لتحقيق حفظ النسل، (١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب فيمن عمل عمل قوم لوط، ٤ /١٥٨، رقم ٤٤٦٢. وصححه الألباني في صحيح الجامع، ١١٢١/٢، رقم ٦٥٨٩. واستخلاف الله في الأرض بحفظ النسل بالترغيب بما يحصل به استمرار النسل ويقاؤه، بالنكاح الشرعي، بتحريم فاحشة اللواط، والمعاقبة على اقترافها. وقد جعل الإسلام الإصلاح ذاتيا، بتزكية النفس، والقلب السليم هو أداة تطبيق هذه المرحلة، وإن كان وجوده لازما ليتميز به العاقل من غيره؛ لأن الإنسان في مرحلة الإصلاح الذاتي بحاجة لأن يختار من بين النصائح ما يملى عليه القرار المناسب، وما يصاحبه من عوامل وأسباب تكون مجموع المبادئ التي يجعلها العاقل نبراسا لا يحيد عنه؛ لأن أول ما جاء به الإسلام هو تغيير النفوس. هذا الإصلاح يؤدي لصلاح المجتمع، ويحافظ على التقاليد التي تربط العلاقات بين أفراد المجتمع، وقد أشركت الشريعة المجتمع كله في الإصلاح، ليؤدي العمل الذي يعجز عنه الفرد مع نفسه، فالمجتمع لا يخلو من ضعاف النفوس الذين لا ينتفعون بالإيمان، والمجتمع الذي يريده الإسلام هو الذي يسود فيه الأمن والطمأنينة، ولذلك دعت الشريعة إلى الأمر بالمعروف والنهي www. modoee.com ٤٩ حرف الفاء عن المنكر من غير عنف ولا غلظة. کل أفراد المجتمع، کل حسب طاقته، وهو فرض كفاية، ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره من الناس، ويدل على ذلك الوجوب قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُنَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤]. وجاء في الحديث الشريف الأمر بتغيير المنكر، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من رأى منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان) (١). وقد ربط الإسلام هذا الواجب بحقيقة المسلم، وهي الإيمان، وهي أکثر حثا للمؤمن على الفعل. ولا يخفى ما للإعجاز التشريعي في تحريم الفواحش من أهمية قصوى في القضاء على ممارسة الفاحشة، بل إن التشريع هو رأس الأمر ومناط التكليف، وبدونه تصير شريعة الغاب هي الغالبة، ويفجر أصحاب الأهواء، قال تعالى: ﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ اَلْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ص: ٢٦]. (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان، رقم ٤٩. لقد حرم الإسلام بعض السلوكيات وقد أوجب الإسلام تغيير المنكر على لما تفضي إليه من جرائم، والمتأمل في العقوبات الشرعية يلاحظ وجود الرادع، فمن یرتکب فاحشة الزنا ویشاهد عقوبتها؛ فإنه سيتحاشاها، ويفهم الردع جيدًا، قال تعالى: ﴿اَلَِّيَّةُ وَالَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلّ ◌َحِنْهُمَا مِئَةً جَدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَقَةٌ فِ دِنِ الَّهِ إِنْ كُمْ تُؤْمِنُونَ بِالَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَاِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ٢]. فالردع قد يمنع المجرم من العود، وعقوبة القصاص التي تطبق في الجرائم العمدية ليس فيها عفو من جانب الأولياء، وتجد العقاب بالجلد على الجرائم الحدية، كما هو الحال في القذف والزنا لغير المحصن، هذه العقوبة تنطوي على فوائد متعددة، فهي تحقق الردع والزجر كونها تطبق أمام الناس. إن التشريع القرآني يتميز بأن عقابه رادع زاجر مكفر عن الإثم الناتج عن الجرم، والأحكام التي نص عليها القرآن الكريم تحقق النتائج المرجوة، مما يدل على إعجاز القرآن التشريعي في تطهير المجتمع من الفاحشة. وللتشريع الإسلامي مميزات تميزه وتساعد على دوامه بين الناس راضين بعدالته وتمشيه مع مصالح الأفراد في المجتمع، والشريعة الإسلامية لها مميزاتها مَوَّسُو ◌َرَا القرآن الكريمِ الفواحش التي تجعل الناس تنقاد إليها عن قناعة؛ لأنها تتفق والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، وهي تخاطب العقول السليمة، وتحض على العمل، وتنادي بالتقوى ونبذ الفاحشة. موضوعات ذات صلة: الذنب، الربا، الزنا، المنكر www. modoee.com