النص المفهرس

صفحات 21-40

الفواحش
وذلك لأنهم عصوا رسول الله صلى الله يخالطه))(٢).
علیه وسلم.
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ
بَفِِ إِسْرَِّيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَىَ أَبْنِ
مَرْيَمَّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَكَانُواْ يَعْتَدُونَ
كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ
فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ
[المائدة: ٧٨-٧٩].
ولقد لعن العصاة المعتدون بسبب
عصيانهم؛ ولأنهم لم يكونوا ينهون أنفسهم
عن ارتكاب المعاصي.
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿كَانُوا
لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾
((أي: لا ينهى بعضهم بعضا، وقوله تعالى:
﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ذم لتركهم
النهي، وكذا من بعدهم يذم من فعل
فعلهم)(١).
ذم الله تعالى هذه الفرقة الملعونة؛ لأنهم
کانوا یتجاهرون بالمعاصي، وإن نهى منهم
ناه فعن غير جد، بل كانوا لا يمتنع الممسك
منهم عن مواصلة العاصي ومؤاكلته
وخلطته.
وقال ابن عطية: ((والإجماع منعقد
على أن النهي عن المنكر فرض لمن أطاقه
وأمن الضرر على نفسه وعلى المسلمين،
فإن خاف فینکر بقلبه ویھجر ذا المنکر ولا
(١) المصدر السابق، ٣٤٦/٣.
ثانيًا: اتباع خطوات الشيطان:
كل معصية لله فهي من خطوات
الشيطان، وخطوات الشيطان هي نزغات
الشيطان، فالشيطان يدعو البشر إلى
الانغماس في الشهوات وعمل المنكرات
والوقوع في الفحشاء، والخطوات التي يقع
فيها البشر كثيرة، وقد توعد الشيطان الإنسان
بأن يفسد عليه إيمانه وطاعته لله، ليس
فقط على سبيل الخطايا وحدها، أو السبل
وحدها، بل هو تعبير لما يريده الشيطان من
الإنسان منذ تكليفه إلى حين خروج الروح
من الجسد، فالشيطان يسلب الإنسان
دینه من حيث لا يدري لا يكاد المرء يميز
بين مراحله كحال الخطوة التي تتبعها
الخطوة، وطريق الشيطان يبدأ بالوسوسة،
فتسول له نفسه، أو التزيين بالتحسين تارة
أخرى غير ذلك، ثم تتوالى الخطوات حتى
يتم الزلل؛ فيقع الإنسان في المعصية، وهذا
ما يتضح من خلال السياق القرآني، فالله
يبين أن تلك الخطوات إنما هي أوامر شر
وفحش وسوء، ولذا جاء النهي عن اتباع
خطوات الشيطان.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ يَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢/ ٢٢٤.
www. modoee.com
٢٧

حرف الفاء
يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِّ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
وَرَحْتُهُ, مَا زَّكَ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَِّي
مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: ٢١].
يأمر الله تعالى المؤمنين بألا يتبعوا
خطوات الشيطان، وما يأمر به أولياءه،
والشيطان إنما يأمر أولياءه بفعل الفاحشة
وإشاعتها وارتكاب المنكرات، فمن اتبع
خطوات الشيطان جره إلى ارتكاب هذه
الموبقات.
أما خطوات الشيطان، فقيل: آثاره. وقيل:
عمله. وقيل: طرقه التي يدعوهم إليها. وقال
قتادة والسدي: «كل معصية لله، فهي من
خطوات الشيطان»(١).
وقال ابن عطية: ((وكل ما عدا السنن
والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات
الشيطان»(٢).
واتباع خطوات الشيطان إنما يقصد
بها اتباع ما یصد عن سبيل الله، وقد تكرر
النهي في القرآن الكريم عن اتباع خطوات
الشيطان، ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان. وجاء
ذكر خطوات الشيطان في أربعة مواضع،
كلها بصيغة النهي عن اتباعها، وهذه
المواضع:
ذكر خطوات الشيطان فى موضعين :
في سياق ذكر الطعام، قال تعالى:
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٠.
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٣٧/١.
﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِىِ الْأَرْضِ مَلاً
طَيِّبًا وَلَا تَتَّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ
لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٣٨)﴾ [البقرة: ١٦٨].
القول على الله بلا علم، وهذا يكون
بالخوض في الشريعة وأحكامها
بجھل کما یقع في ذلك کثیر من الناس
الذين يبيحون المحرمات، ويسقطون
الواجبات، وينتهكون حمى الشريعة،
ويهونون أحكامها لدى العامة بما
یستحسنونه من آرائهم وأفكارهم.
ومنهم من يفتون الناس بغير علم، ووجه
دخوله في القول على الله بلا علم؛ لأنه
لو علم عظمة الله لما اجترأ على انتهاك
شريعته، وقال تعالى: ﴿كُلُواْ مِمَّا رَزَقَّكُمُ
اللَّهُ وَلَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌ
مُّبِينَ
﴾ [الأنعام: ١٤٢].
١٤٢ ٠١
وخطوات الشيطان مع الإنسان فيما
يتعلق بالطعام لها مسلکان: تحریم حلال،
أو إباحة حرام.
إذ يزين الكسب المحرم بحيث يصير
ما يشترى به الطعام مالا حرامًا، وقد
يكون الدافع للكسب الحرام خوف الفقر
والجوع، وهذا هاجس من الشيطان، وعلى
أن خطوات الشيطان لا تقتصر على إباحة
المحرم فقط، بل تكون كذلك في تحريم
الحلال من الطعام أو غيره. ((وعن مسروق
قال: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح،
٢٨
فَضْو
مَشَارَةُ الْنَفْسَيْ
القرآن الكريمِ

الفواحش
فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال إليها شيئا فشيئا، حتى يقعوا في الفاحشة؛
لذا حذرنا الله من اتباع خطوات الشيطان
باختلاق الذرائع إلى الفواحش والمنكرات
التي يأمر بها الشيطان.
ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا
أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال:
فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا.
فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان،
فأطعم وكفر عن يمينك))(١).
وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق
الأمر بأخذ شرائع الإسلام كلها، قال تعالى:
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَدْخُلُواْ فِ السِّلْمِ
كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِ﴾
[البقرة: ٢٠٨].
فمن اتبع خطوات الشيطان في الترخيص
للناس وإرضائهم بغير حق، فإنه ينتهي به
المطاف إلى إباحة المحرمات وإسقاط
الواجبات؛ لأن الله لما أمر بالدخول في
الإسلام كافة وأخذ الشرائع كلها، نهى عن
اتباع خطوات الشيطان؛ لأن الشیطان یصد
الناس عن الأخذ بالشرائع كلها.
وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق
﴿يَأَيُّهَا
النهي عن الفواحش، قال تعالى:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ وَمَنْ يَتَّعْ
خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِلْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾
[النور: ٢١].
وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق
النهي عن الفواحش، وهي طريقة الشيطان
في استدراج الإنسان إلى المعاصي بأخذهم
(١) انظر: تفسير ابن أبي حاتم ٢٨٠/١.
قال ابن عاشور: ((ومن يتبع خطوات
الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر؛ لأن
الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر، أي:
بفعلهما، فمن يتبع خطوات الشيطان يقع في
الفحشاء والمنكر؛ لأنه من أفراد العموم،
والفحشاء کل فعل أو قول قبيح»(٢).
والشيطان في تحقيق عداوته للإنسان
يسلك بخطواته كل طريق للإغواء، ويأتي
الإنسان من کل مکان.
لذا كان واجبا على الإنسان أن يجعل
الشيطان عدوا له، فلا يستسلم لوساوسه؛
لئلا يقوده إلى المحرمات.
ثالثًا: اتباع الهوى:
إن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد
أن الله تعالى قد حذرنا من هوى النفس،
فنهى عن اتباعه، وبين خطورته على الفرد
والمجتمع؛ لأن اتباعه في غیر طاعة الله إثم
عظيم، وآفة تتطلب اليقظة والحذر، ومن ثم
فإنه إذا تمکن الهوی من النفس حملها بما
تهوى، وجعل الشهوة قائدها إلى كل شر
ورذيلة، وینهاها عن کل خير وفضيلة، فهوی
(٢) التحرير والتنوير ١٨/ ١٨٧.
www. modoee.com
٢٩

حرف الفاء
النفس يزين للشخصية المريضة المنكر،
ويجمل لها الباطل، ويقلب لها المعروف
منكرًا، والمنكر معروفًا؛ فترى صاحب
الهوى يتبع هوى نفسه، فهي الآمرة بالشر
الناهية عن الخير.
وقد حرص الإسلام على تخويف النفس
من الله، فلا يعصيه من خلال منع النفس عن
هواها.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَّهَى
النَّفْسَ عَنِ الْمَوَِّ ﴾ [النازعات: ٤٠].
((قال ابن عباس: المعنى خافه عند
المعصية؛ فتنهى عنها و(الهوى) شهوات
النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله
إنما هو في الشهوات))(١).
وقال تعالى: ﴿أَرَّيْتَ مَنِ أَتَّخَذَ إِلَهَهُ,
هَوَنُهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا )﴾
[الفرقان: ٤٣].
((قوله: ﴿أَّخَذَ إِلَهَهُ, هَوَِّهُ﴾ معناه:
جعل هواه مطاعًا فصار كالإله، والهوى
قائد إلى كل فساد؛ لأن النفس أمارة بالسوء،
وإنما الصلاح إذا انتمرت للعقل، وقال ابن
عباس: الهوى يعبد من دون الله))(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُهُ.
عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنَهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾.
[الكهف: ٢٨].
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ /٤٣٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ٤/ ٢١٢.
قال ابن عطية: ((قوله تعالى: ﴿أَغْفَلْنَا
قَلْبَهُ﴾ جعلناه غافلا، وقيل: من ظننا غافلين
عنه، و(الفرط) يحتمل أن يكون بمعنى
التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب
أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط
والإسراف)» (٣)
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَهُ بِهَا
وَلَكِنَّهُ: أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَأَتَّبَعَ هَوَنَّهُ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَث﴾ [الأعراف: ١٧٦].
قال ابن عطية: «قوله تعالى: ﴿أَخْلَدَ﴾
معناه لازم وتقاعس وثبت، وقوله: ﴿إلى
الْأَرْضِ﴾ يحتمل أن يراد إلى شهواتها
ولذاتها وما فيها من الملاذ، ويحتمل أن
يراد بها العبارة عن الأسفل والأخس، قوله
تعالی:
﴿فَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ قال
الجمهور: إنما شبه به في أنه کان ضالا قبل
أن يؤتى الآيات ثم أوتيها فكان أيضا ضالا
لم تنفعه، فهو كالكلب في أنه لا يفارق
اللهث في حال حمل عليه، وتحرير المعنى
فالشيء الذي تتصوره النفس من حاله هو
کالذي تتصور من حال الكلب» (٤).
فالحيرة والتخبط من أهم صفات هوى
النفس في القرآن الكريم، وقد حذرنا
الإسلام من اتباع هوی النفس.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٥١٢.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٤٨٧.
٣٠
جَوَسُولَةُ النَّفي
القرآن الكريمِ

الفواحش
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيْكُمْ
أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَن ضَلَّ إِذَا أُهْتَدَيْتُمْ﴾
[المائدة: ١٠٥].
قال ابن عطية: ((وجملة ما عليه أهل
العلم في هذا: الأمر بالمعروف متعين متى
رجي قبول أو رجي رد الظالم ولو بعنف، ما
لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصیته، أو
فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا
الطاعة وإما بضرر يلحق طائفة من الناس،
فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، محكم
واجب يوقف عنده)) (١).
لذا فالعاقل من علم ما أعد الله تعالى
من الثواب لمن نھی النفس عن الهوى
واستحضر عاقبة اتباع الهوى.
رابعًا: التقليد:
يقع كثير من الناس في المعصية
ويرتكبون الفواحش بسبب التقليد الأعمى،
أو التقليد عن جهل بالأمور، فقد يرتكب
المرء الفاحشة رغبة في تقليد أصحاب
السوء، فيكون في هذه الحالة إمعة لا رأي
له، ولعل هذا ما نهينا عنه، وقد يكون التقليد
لأسباب عقائدية، أو لعدم الرغبة في الدخول
في دين الله وإنکارهم له.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنَّ
إِنَُّ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ (٣٠) إِنَّمَا يَأْمُرَّكُم بِالسُّوْءِ
(١) المصدر السابق ٢ / ٢٤٩.
٣٨٩
وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ
مَآ أَلْفَيَّنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (٣)
[البقرة: ١٦٨- ١٧٠].
فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَشَّعُواْ خُطُوَاتِ
الشَّيْطَنِ﴾ نهي للمشركين المتلبسين
بالمنهي عنه، وأما المؤمنون فتحذير
وموعظة، واتباع الخطوات يراد به اتباع ذلك
المسلك منه، فجعل المقتدي الذي لا دليل
له سوی المقتدى به وهو یظن مسلكه مؤديا
للصواب كالذي يتبع خطوات المقتدى به،
والاقتداء بالشيطان خضوع النفس للعمل بما
يوسوسه لها من الخواطر المؤذية لاتباعها،
ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة التي
وهبها الله له، ولذلك أودع الله فينا العقل
والإرادة.
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُّكُم بِالسُّوْءِ وَالْفَحْشَآءِ﴾
أي: إنه لا يأمركم إلا بالسوء، أي: يحسن
لكم ما فيه مضرتكم؛ لأن عداوته أمر خفي
عرفناه من آثار أفعاله، والأمر في الآية
للتعبير عن وسوسة الشيطان، وفي تلقيهم ما
یوسوس لهم بأنهم لا إرادة لهم ولا يملكون
أمرًا.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا
نَعْلَمُونَ﴾ يشير إلى ما اختلقه المشركون
وأهل الضلال من نسبة أشياء ما أمر الله
www. modoee.com
٣١

حرف الفاء
بها، وسمي (الفحشاء) لاشتماله علی أکبر
الكبائر، وهو الشرك والافتراء على الله.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ
اللّهُ قَالُواْ بَلْ تَتَّبِعُ مَآ أَلْغَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَأْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ
[البقرة: ١٧٠].
١٧٠
هم
فإن المقصود بالخطاب فى ذلك
المشركون؛ فإنهم الذين ائتمروا لأمره
بالسوء والفحشاء، وخاصة بأن يقولوا على
الله ما لا يعلمون، وفي هذه الآية زيادة
تفظيع لحال أهل الشرك، فبعد أن أثبت
لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حرموا
على أنفسهم من الطيبات أعقب ذلك بذکر
إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل
الله، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما ألفوا عليه
آباءهم، وأعرضوا عن الدعوة دون تأمل
ولا تدبر، وبدون حجة إلا بأنه مخالف لما
ألفوا علیه آباءهم، ما وجدوهم علیه من أمور
الشرك، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿قَالُوا
إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآَنَا عَلَى أُمٍَّ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَزِهِم
مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢].
قال ابن عطية: ﴿عَلَى أُمٍَّ﴾ وهي بمعنى
الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم
التقليد، وقرأ مجاهد ﴿عَلَى أَنَّةٍ﴾ أي:
على نعمة؛ فالآية على هذا استمرار في
احتجاجهم؛ لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في
نعمة من الله، وهم يعبدون الأصنام، فذلك
دليل رضا الله عنهم، وكذلك اهتدينا نحن
بذلك ﴿عَ ءَاثَِهِم مُّهْتَّدُونَ﴾(١).
وقوله تعالى: ﴿أَوَّلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا
يَمْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ إنما هو للرد
على قولهم: ﴿نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآَ﴾
ويقصد منه الرد ثم التعجيب والتخطئة،
هذه الآية ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله
وأصروا على تقليد العصاة، وقوله تعالى:
﴿ وَإِذَا فَعَلُواْ فَحِشَةٌ قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَآءَنَا
وَاللهُ أَمَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ﴾
[الأعراف: ٢٨].
والتقليد الذي يرفضه الإسلام هو
التقليد الذي يمارسه الإنسان بدون تفكير،
وهذه الآية لإبطال التقليد الذي تعيبه على
المشركين هو تقليدهم من ليسوا أهلاً لأن
يقلدوا؛ لأنهم لا يرتفعون عن رتبة مقلديهم
إلا بأنهم أقدم جيلًا وأنهم آباؤهم، ولأن
التقليد الذي رفضه الإسلام عليهم هو تقليد
في أعمال الفساد، والتقليد في الفساد يستوي
فيه التابع والمتبوع، وقد رد الله عملهم تلك
الفواحش للضلال والغرور واتباع الشياطين
أوليائهم من أئمة الكفر، فإن قولهم: ﴿وَاللَّهُ
أَمَرَنَا بِهَا﴾ دعوى باطلة؛ إذ لم يبلغهم الله
بها.
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥٠/٥.
٣٢
جَوَسُوع
القرآن الكريم

الفواحش
خامسًا: الاقتراب من دواعي الفواحش:
لاشك أن لكل جريمة أسبابها ودوافعها
المؤدية إليها، وحتى يأمن المجتمع وقوع
أي فاحشة فلا بد أن یسعی جادا إلى منع
الأسباب المؤدية إليها؛ لأنه متى وجدت
الأسباب والدوافع وجدت النتيجة، لذا
جاء الإسلام بالقول الفصل بالبعد عن تلك
الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى كل شر
وتدفع للهاوية.
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١].
قال ابن عطية: ((نهي عام عن جميع أنواع
الفواحش، وهي المعاصي و(ظهر وبطن)
حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من
الأشياء» (١).
والنهي عن مجرد الاقتراب يحمل في
طياته دلالة؛ لأنه لا يوجد حكم شرعي في
كتاب الله أو السنة إلا وله حكمة مقصودة
منه، وأحكام الشرع تجلب المصالح، دنيوية
أو أخروية، وتدرأ المفاسد بكل أنواعها؛
لأن الفواحش معاص يستحى منها؛ لأنها
تشمل الإباحية، والانحلال الخلقي، والزنا،
وخيانة الأمانة، والمال الحرام، والسرقة،
هذه كلها فواحش، إذا انتشر خبرها كان
فضيحة، لذا كان النهي عن الاقتراب منها،
فلا تقربوا الظاهر من الأشياء المحرمة
(١) المصدر السابق ٣٦٢/٢.
عليكم، فـ(ما ظهر) هي الأمور العلانية بين
الناس، والباطن منها ما كان بين الإنسان
وربه، وهي الأمور التي تأتونها سرا في
خفاء لا تجاهرون بها، فإن کل ذلك حرام
لأن النهي من الله جاء عن ظاهر كل فاحشة
وباطنها، والفواحش الباطنة كبائر القلوب
تقترف في السر، والفاحشة الظاهرة ما
تقترفه الجوارح، العين تزني، وزناها النظر،
الأذن تزني، وزناها سماع ما لا يحل لك
سماعه، اليد ترتكب فاحشة باللمس أو
الضرب، والرجل ترتكب فاحشة بالسير إلى
المحرمات، واللسان يرتكب فاحشة بذکر
العورات والخوض في الأعراض، وجاء
في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه،
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله
کتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك
لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان
النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج
يصدق ذلك أو یکذبه)(٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب
قدر على ابن آدم حظه من الزنا، رقم ٢٦٥٧.
www. modoee.com
٣٣

حرف الفاء
الوقاية من الوقوع في الفواحش
لقد أعطى الإسلام الجانب الأخلاقي
والسلوكي للمسلم الأهمية القصوى، إذ
غرس معاني الخير والفضيلة والإيمان
والتقوى في نفوس المسلم؛ لأن هذه
المعاني تدفع نحو کل خیر، وتمنع كل شر،
وتجعل المؤمن مراقبا لله في السر والعلن،
وتصقل الإنسان بأخلاق الإسلام وآدابه
وأحكامه وتعاليمه.
قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ
مِنَ اللَّهِ صِبْغَةٌ وَنَحْنُ لَهُ, عَيِدُونَ
[البقرة: ١٣٨].
إن المنهج الإسلامي فيه وقاية من
الفواحش والرذائل، وجعل للمحافظة على
المجتمع الإسلامي؛ ليكون طاهرا نقيا عفيفا
يتحلى بالفضائل منهجا وسلوكا وتعاملا،
وليتخلى عن الرذائل في مناحي الحياة كافة.
وقد جاءت رسالة رسولنا الكريم صلى
الله عليه وسلم؛ لتتم مكارم الأخلاق؛ ولهذا
اهتم الإسلام بجملة من التدابير الواقية من
الفواحش بنوعيها: القولية والفعلية، فجعل
من صفات عباد الرحمن أنهم لا يقترفون
فاحشة الزنا.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ
إِلَهَاءَاخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا
بِاَلْحَقِّ وَلَا يَزْنُنَّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًاً
[الفرقان: ٦٨].
٦٨
وتتعدد وسائل الوقاية من الفواحش التي
بينها الله تعالى في القرآن الكريم ووضع
الضوابط التي ينبغي علينا التمسك بها،
فجعل من بينها إقامة الحدود؛ لأن الإنسان
إذا ما علم أنه إذا ما أجرم في حق الناس
وأيقن أن المجتمع سيقيم عليه الحد فإنه
سيفكر كثيرا قبل الإقدام على المعصية.
قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوَاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١].
وقد زودنا الله تعالى بعدد من النواهي،
فنهانا عن مجرد الاقتراب من كل ما من شأنه
أن يوقعنا في المعصية الموجبة للحد.
١. منع وسائل الوقوع في الفواحش.
لعل أول الوسائل الوقائية من الوقوع
في الفواحش التربية الإيمانية التي تدفع
المؤمن إلى فعل الطاعات وترك المعاصي
وتقيه من المعصية، وإذا ما وقع في الذنب
بادر إلى التوبة بالندم على فعله والإقلاع عنه
والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى،
ليحقق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ
فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّ اللّهُ وَلَمْ
١٣٥ # [آل
يُصِرُّ واْ عَلَ مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
عمران: ١٣٥].
إذ من صفات المؤمنين أنهم إذا صدر
منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار، وفي
٣٤
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

الفواحش
الآية دلالة على أن الاستغفار من الذنب ينفع ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي
العاصين، فعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رب، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى:
رجل فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبًا. فقال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (إذا أذنبت
فاستغفر ربك)، قال: فإني أستغفر، ثم أعود
فأذنب. قال: (فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك)
فقالها في الرابعة، فقال: (استغفر ربك حتى
يكون الشيطان هو المحسور)(١).
وقوله: ﴿وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
أي: لا يغفرها أحد سواه، وقوله: ﴿وَلَمْ
يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي:
تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن
علیها، ولو تکرر منهم الذنب تابوا عنه(٢).
وفي الحديث القدسي: عن أبي هريرة،
عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي
عن ربه عز وجل قال: (أُذنب عبد ذنبًا فقال:
اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى:
أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا یغفر الذنب
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٥/٢.
(٢) المصدر السابق.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الدعوات، باب استغفار النبي صلى الله عليه
وسلم، رقم ٦٣٠٧، ص ١٢١٣.
عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب
ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي
رب، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى:
أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب
ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت
لك. قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة
أو الرابعة: اعمل ما شئت) (٤).
في الحديث دليل على صحة التوبة بعد
نقضها بمعاودة الذنب؛ لأن التوبة الأولى
طاعة، وقد انقضت وصحت، وهو محتاج
قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى
مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح
من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
سمعت رسول الله صلی الله عليه وسلم
يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه
في اليوم أكثر من سبعين مرة)(٣).
التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛
لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب
الكريم، وإنه لا غافر للذنوب سواه سبحانه
وتعالى.
وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي
نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم
ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر
لهم) (٥).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب
والتوبة، رقم ٢٧٥٨، ص ١٢٦٤.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب
www. modoee.com
٣٥

حرف الفاء
وهذا يدل على أن باب التوبة مفتوح أمام الرجال والنساء.
الناس كافة، ومن ثم يستطيع الإنسان أن
يتوب إلى الله.
وقال تعالى: ﴿وَرَوَدَتْهُ اُلِّ هُوَ فِي بَيْتِهَا
عَن نَّفْسِهِ، وَغَلَّقَتِ الْأَنْوَبَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَّ
قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِ أَحْسَنَ مَثْوَىَّ إِنَّهُلَايُفْلِحُ
الظَّالِمُونَ ﴾ [يوسف: ٢٣].
فحسن إيمان يوسف عليه السلام منعه
من الوقوع في الفاحشة التي حاولتها التي
هو في بيتها.
وفي الحديث: عن أبي هريرة، عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله
في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل،
وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق
في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا
عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات
منصب وجمال فقال: إني أخاف الله،
ورجل تصدق أخفی حتى لا تعلم شماله ما
تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت
عيناه)(١).
٢. غض البصر.
وهذا الأمر ليس قاصرًا على الرجال
دون النساء، إنما هو مطلوب من الجنسين
سقوط الذنوب بالاستغفار توبة، رقم ٢٧٤٩،
ص ١٢٦٠.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحدود،
باب فضل من ترك الفواحش، رقم ٦٨٠٦،
ص ١٢٩٨.
قال تعالى: ﴿قُل لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ
أَبْصَدِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزَّكَ لَّ
وَقُل لِّلْمُؤْمِنَتِ
إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾
[النور: ٣٠-٣١].
في الآية بيان آداب ما تقتضيه المجالسة
بعد دخول المرء المنزل، بألا يكون الداخل
إلی البیت محدقا بصره إلى امرأة فیه، بل إذا
جالسته غض بصره، واقتصر على الكلام،
ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه؛
لأن الغض التام لا يمكن، ومن المفهوم أن
المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق
النظر إليه، ويشمل غض البصر عما اعتاد
الناس كراهية التحقق فیه، کالنظر إلى خبايا
المنازل، بخلاف ما لیس کذلك.
وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي
عظيم ويكون من الحياء، وجاء الأمر بحفظ
الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار؛
لأن النظر رائد الزنا، فالمراد بحفظ الفروج
حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين.
٣. ترك النساء إبداء الزينة.
نهى الله النساء عن إبداء زينتهن لما
للزينة من أثر في إثارة الشهوات، فتكون
سببًا لارتكاب الفاحشة.
قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
٣٦
جَوْسُو
القرآن الكريم

الفواحش
لِبُعُولَتِهِنَ﴾ [النور:٣١].
وكذلك منعهن من الضرب بالأرجل؛
لأن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال
ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع
قعقعة الخلاخل غنجًا وتباهيًا بالحسن،
فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة؛
لأن سماع هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة
من النظر للزينة، وهذا يقتضي النهي عن کل
ما من شأنه أن يذكر الرجل بلهو النساء ويثير
منه إليهن من كل ما يرى أو يسمع من زينة
أو حركة، لئلا يثير ذلك دواعي الشهوة منهن
إليه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ
مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١].
٤. عدم وصف المرأة.
وضع الإسلام آدابا يلتزم بها المسلمون،
فلا يجوز للمرأة أن تصف لزوجها ما تراه
من محارم النساء، ففي الحديث: عن عبد
الله بن مسعود قال: قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها
لزوجها كأنه ينظر إليها)(١).
ولا يخفى أن ذلك إنما سدا للذريعة،
وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله
إليها بحضور صورتها في نفسه.
٥. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب لا تباشر المرأة المرأة فتنعتها لزوجها،
رقم ٥٢٤٠، ص ١٠٣٦.
اْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل
عمران: ١٠٤].
٦. تيسير الزواج.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْوَجًا لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا﴾ [الروم: ٢١].
فقد جعل الله تعالى الزواج حماية
للإنسان من الوقوع في الفاحشة؛ فكان
الحض على النكاح؛ لأن فيه سترا للمسلم،
ومن ثم كان الأمر بالاستعفاف لمن لا يجد
النكاح، وفي الحديث: عن عبد الرحمن بن
يزيد، عن عبد الله قال: قال لنا رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يا معشر الشباب،
من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض
للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه
بالصوم؛ فإنه له وجاء) (٢).
٧. عدم اللمس المباشر بين الجنیسین.
فقد حرم الإسلام تحريم المصافحة
بين الرجال والنساء الأجنبيات، فقد كانت
بيعة النساء في عهد النبي صلى الله عليه
وسلم بالكلام دون مصافحة، وما مست يد
رسول الله يد امرأة إلا زوجة، قال تعالى:
﴿وَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَتُ يُبَايِعْنَكَ﴾
[الممتحنة: ١٢].
قال ابن عطية ((اختلفت هيئة مبايعة
رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح،
باب من لم يستطع الباءة، رقم ٥٠٦٦، ص
١٠٠٥.
www. modoee.com
٣٧

حرف الفاء
بعد الإجماع على أنه لم تمس يده يد امرأة معصية ينهاه أخوه ویزجره عنها، حتى لا
یندم يوم لا ينفع الندم.
أجنبية قط، فروي عن عائشة رضي الله عنها
وغيرها أنه صلی الله صلى الله عليه وسلم
بايع باللسان قولًا)»(١).
٨. عدم النوم في فراش واحد.
ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري
رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (لا ينظر الرجل إلى عورة
الرجل، ولا تنظر المرأة إلى عورة المرأة، ولا
يفضي الرجل إلى الرجل في الثوب الواحد،
ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب
الواحد)(٢).
٩. مصاحبة الصالحين.
لاشك أن مصاحبة الصالحين من
علامات الأبرار، ومصاحبة الأخيار
والصالحين من الإسلام؛ لأن الإنسان
يحتاج دائما لمن يرشده، لذلك يجب
علينا مصاحبة الصالحين، فمن عقل المرء
أن يختار مصاحبة الصالحين فهم القوم لا
يشقى بهم جليسهم، فالصديق الصالح هو
الذي یرشد صاحبه إلى طاعة الله، فالمتقون
يجتمعون على طاعة الله لا يغش بعضهم
بعضًا، ولا يدل بعضهم بعضًا إلى ضلالة
أو فاحشة أو ظلم، وإذا وجد صاحبه على
ظلم رده عن ظلمه، وإن حصل من أحدهما
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٢٩/٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحيض،
باب تحريم النظر إلى العورات، رقم ٣٣٨.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ
يَقُولُ بَلَيْتَنِ اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا
يَوَيِلَقَ لَيْنِى لَّمْ أَّخِذْ فُلَانَّا خَلِيلًا ﴿ لَّقَدْ أَضَلَّفِى
عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْجَآءَ فِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ
لِلإِنسَنِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: ٢٧-٢٩].
ولا شك أن مصاحبة الصالحين وسيلة
لاكتساب الأخلاق الإسلامية الفاضلة،
كالإيثار والمروءة، والمسلم يحرص على
مصاحبتهم والجلوس معهم للنجاة يوم
القيامة من فزع ذلك اليوم.
قال تعالى: ﴿الْأَخِلَاءُ يَوْمَينِمٍ بَعْضُهُمْ
يَعِبَادِ لَا
لِبَعْضِ عَدُوٌّ إِلَّ الْمُتَّقِينَ (٣)
خَوْفُ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ وَلَّ أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ ()﴾
[الزخرف: ٦٧-٦٨].
فإذا كان معهم في الدنیا نجا من الفزع،
وفي الحديث: عن أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: (إنما مثل الجليس الصالح وجليس
السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل
المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه،
وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير
إما أن یحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا
منتنة)(٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر
والصلة، باب استحباب مجالسة الصالحين،
رقم ٢٦٢٨.
٣٨
مُوسُوبَة النفسية
جوبيه
الْقُرآن الكَرِيمِ

الفواحش
لذا فليحرص المسلم على الحياء الذي
عن أبي السوار العدوي، قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: (الحياء لا يأتي إلا
بخير)(١).
في الحديث حث على مجالسة أهل
الخير، والتحذير من مجالسة أهل الشر، يجنبه السقوط في المعصية، ففي الحديث:
فمن خالط صحبة السوء ناله نصيب من
أخلاقهم، إلا من رحمه الله، ومن خالط
الصالحين وجالس ذوي التقوى والمروءة
وأصحاب مكارم الأخلاق؛ فإنه غالبا ما تناله
نفحة طيبة بصحبتهم، فيسلك مسالكهم.
١٠. اجتناب مواطن الفواحش.
يجب على المسلم أن يتجنب مواطن
الفواحش ولا يقترب منها.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَحْتَذِبُونَ كُبَِّرَ الْإِثْمِ
وَالْفَوَحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
٣٧
[الشورى: ٣٧].
هذه صفات للمؤمنين الذين يجتنبون
كبائر الإثم، وهي الآثام العظيمة التي نهى
الشرع عنها، وتوعد فاعلها بعقاب الآخرة،
نحو القذف والاعتداء والبغي، والفواحش
جمع فاحشة، وهي الفعلة القبيحة التي شدد
الدين في النهي عنها وتوعد عليها بالعذاب
أو وضع لها عقوبات في الدنیا للذي یظهر
عليه من فاعليها، مثل قتل النفس والزنا
والسرقة والحرابة.
وكبائر الإثم والفواحش قد تدعو
إليها القوة، ولما كان كثير منها متسببا عن
قوة الغضب، كالقتل والجراح والشتم
والضرب؛ فقد أثنى على الذين يجتنبونها،
فبين أن من صفاتهم المغفرة عند الغضب.
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن
رسول الله صلی الله عليه وسلم قال: (من
يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن
له الجنة) (٢).
والصدق مع النفس وتطهيرها من ظن
السوء بالمؤمنين بفعل الفاحشة.
قال تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَجْتَِّبُواْ كَثِيرًا
مِنَ الَّنِ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِنْهٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
قال ابن عطية: ((أمر الله تعالى المؤمنين
باجتناب كثير من الظن، وألا يعملوا ولا
يتكلموا بحسبه لما في ذلك وفي التجسس
من التقاطع والتدابر، وحكم على بعضه بأنه
إثم»(٣).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب
الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا
تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، کتاب الأدب،
باب الحياء، رقم ٦١١٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب حفظ اللسان، رقم ٦٢٤٣.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥ / ١٥١.
www. modoee.com
٣٩

حرف الفاء
إخوانا)(١).
١١. الانشغال بالعبادات.
إن عبادة الله هي المحرك الأساسي
لحياة الأمة، والباعث لحضارتها، والضابط
لمنظومة قيمها الإنسانية، إذ يهتم الإسلام
بحياة المسلمين وعباداتهم الدينية، وفي
علاقة الإنسان بربه، وعلاقة الإنسان
بالإنسان الآخر، وهو ما يمكن من خلاله
تحديد مدى فهم المسلم لدينه وتطبيقه
لتعالیمه والعمل بقيمه وفضائله واجتناب
نواهيه، والابتعاد عن الفواحش ما ظهر منها
وما بطن، ومفهوم العبادة في الإسلام مفهوم
واسع شامل، ذكرها الله سبحانه وتعالى
في معرض بيان وظيفة الإنسان في هذه
الحياة، فجعلها الغاية من خلقه، فقال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٦].
قال ابن عطية: ((اختلف الناس فى معناه
مع إجماع أهل السنة علی أن الله تعالی لم
يرد أن تقع العبادة من الجميع؛ لأنه لو أراد
ذلك لم يصح وقوع الأمر بخلاف إرادته،
فقال ابن عباس وعلي بن أبي طالب رضي
الله عنهما: المعنى ما خلقت الجن والإنس
إلا لآمرهم بعبادتي، وليقروا لي بالعبودية،
فعبر سبحانه عن ذلك بقوله: ﴿ليعبدون ﴾ إذ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، رقم
٦٠٦٤ ص ١١٧٢.
العبادة هي مضمن الأمر)) (٢).
ولهذا كانت حياة المسلم كلها كما
أرادها الله عبادة خالصة له سبحانه في
جميع جوانبها، فالمسلم عبد لله في كل
تحرك وسكون.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِ وَنُشْكِى وَيَحْيَاىَ
وَمَمَاتِي لِلَّهِرَبِّ الْعَلَمِينَ (٦)﴾ [الأنعام: ١٦٢].
قال ابن عطية: ((أمر من الله عز وجل أن
يعلن بأن مقصده في صلاته وطاعته وذبيحته
وغيرها وقصر تصرفه مدة حياته وحاله من
الإخلاص والإيمان عند مماته إنما هو لله
وإرادته وطلب رضاه، وفي إعلان النبي
صلى الله عليه وسلم بهذه المقالة ما يلزم
المؤمنين التأسي به حتى يلتزموا في جميع
أعمالهم قصد وجه الله عز وجل))(٣).
ومتى اهتم المسلم بالعبادات التي فرضها
الله عليه سلم من الوقوع في الخطيئة، إذ
يجب توطيد العلاقة بين العبادة والمعاملة،
حتى لا نجد من يؤدي فروض الإسلام
كاملة تامة ولكنه يسقط أمام أول اختبارات
المعاملة في خطابه للآخر، أو تعامله معه، أو
أدائه الوظيفي، أو واجبه الأسري نحو أسرته
وحمايتها.
والعبادات تقرب الإنسان مما يحبه
الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة
(٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٥/ ١٨٢.
(٣) المصدر السابق ٣٦٩/٢ .
٤٠
مَؤُوالَرُ الْتَفْسِيْ
جوسين
القرآن الكريم

الفواحش
والظاهرة، كالصلاة، والزكاة، والصيام، لله ينل البركة والطمأنينة في الدنيا والفوز
بالجنة في الآخرة.
والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانات،
وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء
بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، والإحسان الجار واليتيم والمسكين
وابن السبيل، وأمثال ذلك من العبادة.
ولم يترك الله سبحانه وتعالی عبده إذا
وقع في المعصية، بل جعل له مخرجا منها،
فجعل الصلاة هي السبيل.
قال تعالى: ﴿أَتْلُ مَا أُوحِىَ إِلَيْكَ مِنَ
الْكِتَبِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةٌ إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَيْ
عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِّ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ
وَاَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
قال ابن عطية: ((أمر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم بالنفوذ لأمره وتلاوة القرآن
الذي أوحى إليه، وإقامة الصلاة، أي: إِدامتها
والقيام بحدودها، ثم أخبر حكما منه:
﴿إِنَ الصَّلَوةَ تَنْهَى﴾ صاحبها ﴿عَنِ
اُلْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ وذلك عندي بأن
المصلي إذا كان على الواجب من الخشوع
والإخبات وتذكر الله تعالى وتوهم الوقوف
بين يدي العظمة وأن قلبه وإخلاصه مطلع
عليه مرقوب صلحت لذلك نفسه، تذللت
وخامرها ارتقاب الله، فاطرد ذلك في أقواله
وأعماله، وانتهى عن الفحشاء والمنكر))(١).
ومن ثم تجد أن من يخلص في العبادة
(١) المصدر السابق ٣١٩/٤.
١٢. عدم إشاعة أخبار الفواحش.
الإشاعة هي الإظهار والنشر للأخبار
من غير تثبت وتحر للصواب، ولقد نهى
الإسلام عن إشاعة أخبار الناس وبث
الشائعات بألوانها المختلفة عنهم، ومن ثم
عدم الخضوع لمبرراتها المصحوبة بالكذب
والخداع وما تحمله من بث لبذور الفتنة في
المجتمعات.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن جَاءَ كُ
فَاسِقٌ بِنٍََّ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًا بِجَهَلَةٍ فَنُصْبِحُوا
• [الحجرات: ٦].
عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَدِمِينَ
فقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُواْ﴾ أي: فتثبتوا،
التبين: التعرف والتفحص، ومن التثبت
الأناة وعدم العجلة والتبصر في الأمر الواقع
والخبر الوارد إليكم حتى يتضح ويظهر،
ومشاورة المختصين والرجوع إلى المصادر
الموثوقة قبل نشر الخبر، فمن الخطر
الجسيم إعادة نشر أي خبر قبل التثبت من
مصدره ومن مضمونه والهدف منه، ولا
سيما إذا كان هذا الخبر يتعلق بما ينال إنسانًا
من رميه بالفاحشة وما قد يترتب عليه.
لذا فإن الله سبحانه وتعالى ذم المنافقين
بإذاعة الأخبار الكاذبة على غير الحقيقة
لأغراض خفية في نفوسهم .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَ هُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ
www. modoee.com
٤١

حرف الفاء
أَوِ اَلْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ﴾ [النساء: ٨٣].
في الآية إنکار علی من یبادر إلى الأمور
قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها،
وقد لا يكون لها صحة، وفيها توبيخ
للمنافقين ولوم لمن يقبل مثل تلك الإذاعة
من المسلمين لما أخبروا به وأفشوا.
لذلك فمن الواجب على المسلم
الحذر والتحري قبل إشاعة الأخبار، وعدم
التحدث بکل ما يسمعه، جاء في الحديث
عن حفص بن عاصم رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (کفی
بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع)(١).
وذلك إذا لم يتثبت من الخبر؛ لأنه يسمع
عادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما
سمع لا محالة يكذب، والكذب الإخبار عن
الشيء علی غیر ما هو عليه وإن لم يتعمد
ذلك.
وفي الإشاعة أضرار كثيرة، فإذا بلغك
عن أخيك شيء فالتمس له عذرًا، فإن لم
تجد له عذرًا فقل: لعل له عذرًا. فالستر
مطلوب للناس، وهو أنفع من التشهير حتى
مع فرض صحة الخبر، ولا شك أن التماس
العذر للآخرین من محاسن الأخلاق، وقد
بين القرآن الكريم والسنة النبوية طريقا
واضحا للتعامل مع الشائعة يتمثل في التثبت
(١) أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، باب النهي
عن الحدیث بکل ما سمع، رقم ٥.
والتبين دون قبول مضمون ما في الشائعة
وعدم العمل بمقتضاها.
والمسلم مطالب بعدم الانسياق وراء
الإشاعات مهما كانت، وأن يتحرى
الصدق، وأن يتذكر قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَخَفِظِينَ كِرَامًا كَئِينَ ﴿ يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُونَ ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وعلى كل عاقل أن يتروى ويتثبت في
كل ما يقال وينقل، وألا يبادر بالتصديق، فإن
الأصل في الإنسان البراءة، ولنتذكر دائما
قوله تعالى: ﴿مَايَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِبُ عَنِيدٌ
﴾ [ق: ١٨].
(١٨)
فكل إنسان محاسب على ما يقول، ومن
ثم فإنه لا يجوز إشاعة أخبار الفواحش،
ويجب على المسلم أن يتثبت من الأخبار
والشائعات، ویعلم مصدرها والهدف منها
قبل أن يشارك في نشرها، ففي الحديث: عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (المسلم
أخو المسلم لا يظلمه، ومن كان في حاجة
أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن
مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات
يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم
القيامة) (٢).
ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، رقم
٢٤٤٢.
٤٢
مَوَسُو ◌َ النَّفِيه
القرآن الكريم

الفواحش
وفي الحديث عن ابن عمر قال: (صعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر
فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر من
أسلم بلسانه ولم یفض الإیمان إلى قلبه، لا
تؤذوا المسلمین ولا تعیروهم، ولا تتبعوا
عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم
تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته
یفضحه ولو في جوف رحله. قال: ونظر ابن
عمر یوما إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: ما
أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم
حرمة عند الله منك)(١).
١٣. إقامة الحدود.
إن نعمة الله علينا تكمن في ديننا القويم
من جميع الوجوه، في العبادة والأخلاق،
والسلوك في المعاملات، وفي حقوق الله
وحقوق العباد، فهو دین یجمع بين الرحمة
والحكمة، إذ من طبيعة البشر أن تكون لهم
إرادات متباينة، فمنهم من ينزع إلى الخير،
ومنھم من ینزع إلى الشر، ولذلك فرض الله
الحدود وأوجب على ولاة الأمور إقامتها،
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البر والصلة،
باب ما جاء في تعظيم المؤمن، ٤ /٣٧٨، رقم
٢٠٣٢.
قال الترمذي: حسن غريب.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم يجمع له بين عقوبة الدنيا والآخرة.
٧٩٨٥.
يعيب إنسانا أو يفضحه لقول قاله أو لرأي، وقد أنزل الله تعالى الآيات للناس لتبين
للناس ما يترتب على الشر من المفاسد في
ولم يكن ليعنفه لذلك.
الدنيا والعذاب في الآخرة، وما يترتب على
الخير من المنافع في الدنيا والثواب في
الآخرة، وقد فرض الله بحكمته عقوبات
دنيوية محددة أو مفوضة إلى ولاة الأمور،
فأحكام الحدود هي من أعمال القضاء،
إذ عليها يكون حفظ الضروريات، ففي
حد الردة حفظ الدين، وفي حد الزنا حفظ
الأنساب، وفي حد الخمر حفظ العقل، وفي
حد القذف حفظ العرض، وفي حد السرقة
حفظ المال.
قال تعالى: ﴿سُورَةُ أَنْزَلْنَهَا وَفَرَضْنَهَا وَأَنْزَلْنَاً
فِيهَّاءَتٍْ بَيْنَتِ لَّمَلَّكُمْ نَذَّكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَالزَِّىِ
فَجْلِدُواْ كُلَّ وَحَدٍ مِنْهُمَا مِْتَّةَ جَْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ
فِ رِينِ اللَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ اَلْآَخِرِّ وَلِيَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَابِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [النور: ١ - ٢].
في الآيتين دليل واضح على أن الحدود
فريضة فرضها الله على عباده، ويجب
على ولاة الأمور أن ينفذوا ما فرض الله
علیهم، وعليهم أن يقيموا فرائض الله التي
فرضها عليهم في عقوبة المجرمين، حتى
لا تعم فوضی لا یحدها حد، وقد اقتضت
حكمة الله أن تتنوع هذه العقوبات بحسب
الجرائم، لتردع المعتدين وتمحو الفساد،
وتقيم أود الأمة وتكفر جريمة المجرم فلا
www. modoee.com
٤٣

حرف الفاء
ولا شك أن إقامة الحدود فرض واجب
يقيمه ولي الأمر، لتستقيم حياة الناس، إذ فقدم ذكرهن تغليظا واهتماما. وهذه الآية
باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذي اللتين
في النساء)»(١).
يجب إقامة الحد على من اقترف إثما مما
يوجب الحد، وقد شرع الله إقامة الحدود
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآَيِفَةٌ مِّنَ
اٌلْمُؤْمِنِينَ﴾ المقصود بالآية الكريمة الإغلاظ
والتشديد على الزناة والتوبيخ بحضرة
الناس، فلا خلاف أن الطائفة كلما كثرت
فھو أليق بامتثال الأمر.
صونا للأعراض، ودفعا للفساد، وحماية
للحقوق، وردعا للمجرمين، حتى تستقيم
الحياة وتعم الطمأنينة، ولذلك قال تعالى:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَمُواْ أَيْدِيَهُمَا
جَزَاءُبِمَا كَسَبَا نَكَلًا مِّنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٣٨].
حد الزنا: الزنا هو فعل الفاحشة في قبل
امرأة لا تحل له، وهو فاحشة عظيمة من أكبر
الكبائر بعد الشرك بالله وقتل النفس بغير
حق.
والزنا درجات متفاوتة في القبح، فالزنا
بامرأة ذات زوج من أعظم الفواحش، والزنا
بحليلة الجار أعظم، والزنا بذات محرم
أشد وأعظم، غير أنه في كل الأمور فاحشة
ممقوتة تستحق إقامة الحد، قال تعالى:
﴿الَِّيَةُ وَلَِّ فَأَجْلِدُواْ كُلّ ◌َحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةً
جَدَّةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَقَةٌ فِ دِينِ الَّهِ إِن كُمْ تُؤْمِنُونَ
◌ِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِّ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَيِفَةٌ مِّنَ
الْمُؤْمِنِينَ﴾
[النور: 2].
قال ابن عطية: ((قدمت (الزانية) في اللفظ
من حيث كان في ذلك الزمن زنا النساء
أفشى، وكان لأمراء العرب وبغايا الوقت
رايات، وكن مجاهرات بذلك، وإذا العار
بالنساء الحق إذ موضعهن الحجبة والصيانة
ومن رحمة الله بعباده وما اقتضت حكمة
الله تعالى التدرج في إنزال العقوبة بفاعل
الزنا، فكان في أول الأمر عقوبة الزنا بالإيذاء
والتوبيخ والتعنيف، ثم تدرج الحكم بالعقوبة
من ذلك إلى الحبس في البيوت بقوله تعالى:
﴿وَأَلَّتِى يَأْتِينَ الْفَحِشَةَ مِن نِسَابِكُمْ
فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ
فَأَمْسِكُوهُنَّ فِ الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَنَّهُنَّ الْمَوْتُ
أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا ﴾ وَالَّذَانِ يَأْتِيَنِهَا
مِنكُمْ فَشَاذُوهُمَا فَإِنْ تَبَا وَأَصْلَحَا
فَأَعْرِضُواْ عَنَّهُمَا﴾ [النساء: ١٥ -١٦].
ثم استقر الأمر وجعل السبيل، فجعل
عقوبة الزاني البکر مائة جلدة والرجم للثيب
حتى يموت، وهذا التدرج يأخذ به إلى
العفاف والطهر، وحتى لا يشق على الناس
هذا الانتقال فلا يكون عليهم في الدين
حرج، وذلك كما في الحديث عن عبادة
(١) المحرر الوجيز ٤ / ١٦٠.
٤٤
جَوسُ
القرآن الكريمِ

الفواحش
ابن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني خذوا
عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر
جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة
والرجم)(١).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحدود،
باب حد الزنا، رقم ١٩٦٠.
أثر انتشار الفواحش في المجتمع
الإسلام دين يحث على الفضيلة وينفر
من الرذيلة، ولقد حرص الإسلام على
محاربة العادات التي تتسم بالفواحش، لما
تسببه من مفاسد، وتلحق أضرارا بالمجتمع،
فانتشار الفواحش في أي مجتمع يعد تدمیرًا
له.
قال تعالى: ﴿ظَهَرَ اَلْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى
عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [الروم: ٤١].
قال ابن عطية: ((ظهور الفساد فيهما هو
بارتفاع البرکات ونزول رزایا، وحدوث
فتن، وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد
في البر والبحر، وقال ابن عباس: الفساد في
البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم، وقلما
تجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال
إلا يدفع الله عنها هذه، والأمر بالعكس في
أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان
أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى الله
علیه وسلم، وقد كان الظلم عم الأرض برا
وبحرا، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي
بها عن المعاصي فيذيق الناس عاقبة أذنابهم
لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة
الله))(٢).
ولقد توعد الله الذين يتتبعون عورات
(٢) المحرر الوجيز ٤ / ٣٤٠.
www. modoee.com
٤٥

حرف الفاء
الناس ويحبون أن يلصقوا بهم الشائعات
الفاسدة بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ
الْفَحِشَةُ فِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِ
الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
١١﴾ [النور: ١٩].
قال ابن عطية: «الآية عامة في کل قاذف
منافقا کان أو مؤمنا، فالقاذف المؤمن لا
يتصف بحب شياع الفاحشة في المؤمنين
جملة، لکنه یحبها لمقذوفه، وكذلك آخر
المقذوفه وآخر حتى تشيع الفاحشة من
مجموع فعلهم»(١).
وقد حرم الله ذلك لأن نشر الفاحشة في
المجتمع طريق لهدم الأسرة والمجتمع بهذه
الوسائل، ومن ثم تجد أعداء الله هم أحرص
الناس على نشر الرذيلة وهدم الفضيلة بين
المسلمین، وتراهم یمکرون بهم.
وكان من الأحرى بهم أن يأخذوا بيد
الإنسان وإن کان عاصیًا؛ بهدف البقاء علیه.
ففي كل يوم تطالعنا بعض وسائل الإعلام
بنشر أخبار الفساد التى تلقى قبولا يوما بعد
يوم من الناس التي تتشوق لهذه الأخبار التي
قد تحمل في طياتها تشهیرا بإنسان صدقا أو
کذبا، وربما یتسبب هذا الخبر الذي يحمل
تشهیرًا في تشويه سمعة إنسان بغير حق،
وهذا التصرف ليس من الإسلام في شيء.
فقد نهى النبي صلی الله عليه وسلم عن
تتبع سقطات الناس في المجتمع، فلم يكن
النبي صلى الله عليه وسلم يشهر بإنسان
أخطأ في أمر ما؛ وإنما كان عندما يغضب
من فعل شخص أو لا يعجبه قوله ويخشى
أن ينتشر هذا القول أو الفعل بين الناس فى
المجتمع المسلم کان صلی الله عليه وسلم
یصعد المنبر، ويخطب الناس، ويقول: ((ما
بال أقوام يفعلون كذا»، ولا یذکر اسم الفاعل
حتی لا یشعره بحرج، أو یجعله مسار تندر
أو سخرية في المجتمع، فالإنسان وإن كان
فاحشا؛ فإنه يجب الإبقاء عليه بحيث يمكن
علاجه، ولا تكون سببًا في انحرافه، فقد
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستر على
مرتكب الجريمة؛ لعله يتوب بينه وبين نفسه
أو يعود إلى الله.
ويجب على من ابتلي بشيء من الأذى
والفساد والفسق وعدم المبالاة ألا يجاهر
بما ارتکب من الفاحشة، إذ علیه أن يستر
نفسه، وألا يعين الشيطان على نفسه، وليشعر
بشيء من الحياء، فقد جاء في الحديث:
(«عن سالم بن عبد الله قال: سمعت أبا
هريرة رضي الله عنه يقول: سمعت رسول
الله صلی الله عليه وسلم يقول: (كل أمتي
معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن
یعمل الرجل باللیل عملا ثم يصبح وقد ستره
الله عليه فيقول: يا فلان، عملت البارحة كذا
(١) المحرر الوجيز ٤ / ١٧١.
٤٦
القرآن الكريم