النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
القَبْر
عناصر الموضوع
مفهوم القبر
٥٤
القبر في الاستعمال القرآني
٥٥
الألفاظ ذات الصلة
٥٦
القبر وكرامة الإنسان
٥٨
٦٠
عذاب القبر
٦٤
أسباب عذاب القبر
٦٩
أحكام تتعلق بالقبر
٧١
بناء القبور وزيارتها
٧٤
القبر في المثل القرآني
٧٧
خروج الموتى من قبورهم للحساب
٧٩
المنجيات من عذاب القبر
٨٢
نعيم القبر
المُجَلَ السَّابِعْ وَالعَشْرُونْ

حرف القاف
مفهوم القبر
أولًا: المعنى اللغوي
القبر من مادة قبر أي: دفن ووارى بالتراب، والقبر للميت وهو مدفن الإنسان، يقال:
قبرت الميت وأقبرته قبرًا أي: دفنته وجعلت له مكانًا يدفن فيه، أو أمرت بأن يقبر وأعنت
على دفنه، وقيل: أقبرته أي: صيرت له قبرًا يدفن فيه ويوارى فيه، وفي الآية القرآنية:
أَمَانَهُ، فَأَقَبْرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
أي: ألْهِم كيف يدفن، أو جعله ممن يقبر ولم يجعله يلقى للكلاب أو الطيور، وكأن القبر
مما أكرم به بنو آدم. والقبر واحد، والجمع قبور، والمقبرة بفتح الباء وضمها واحد المقابر؛
وهو موضع القبور، يقال: نقلوا من القصور إلى القبور، ومن المنابر إلى المقابر (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
لا يكاد المعنى الاصطلاحي للقبر يخرج عن معناه اللغوي، وقد وردت تعريفات منها:
((القبر هو المكان الذي يدفن فيه الميت))(٢)، وهو ((مقر الميت))(٣)، وقيل: ((القبر هو الحفرة
التي يستقر بها الميت، والمقبرة: اسم للمكان المشتمل على الحفرة وما ضمت)) (٤).
وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم القبر من الناحية المعنوية فقال: (إن القبر أول منازل
الآخرة؛ فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج فما بعده أشد منه)(٥)، وهذا وصف لحال
الميت في القبر.
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢/ ٧٨٤، مجمل اللغة، ابن فارس، ١/ ٧٤٠، مقاييس اللغة، ابن فارس،
٤٧/٥، لسان العرب، ابن منظور، ٦٨/٥.
(٢) القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ٢٩٣/١.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٦٥١.
(٤) المتواري على تراجم أبواب البخاري، أبو العباس الجذامي، ١/ ٨٥.
(٥) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب ذكر القبر والبلى، رقم ٤٢٦٧، ١٤٢٦/٢.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع، ٣٤٧/١، رقم ١٦٨٤.
مَوَسُولَةُ الَّفي
القرآن الكريمِ
٥٤

القبر
القبر في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قبر) في القرآن الكريم (٨) مرات (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١
٢١﴾ [عبس: ٢١]
أَمَانَهُ فَأَقْبَرُ وا
وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾
الاسم
٧
[التوبة: ٨٤].
﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِ اَلْقُبُورِ ﴾ [الحج: ٧]
وجاء القبر في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو مقر الميت(٢)، ولم تخرج عن
معناها اللغوي، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِىِ الْأَحُّْ وَلَ الْأَمْوَتُ إِنَّ اللّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعِ
مَّن فی اُلْقُبُورِ (٣)﴾ [فاطر: ٢٢]. یعني: کما لا يسمع ولا ينتفع الأموات بعد موتهم وصیرورتهم
إلى قبورهم، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا
تستطيع هدايتهم(٣).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٢٩.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني، ص ٣٩٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٤٣/٦.
www. modoee.com

حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
١
الأجداث:
الأجداث لغة:
الأجداث جمع حدث، حیث یقال للقبر: حدث وجدف (١).
الأحداث اصطلاحًا:
هي القبور، أماكن دفن الميت (٢).
الصلة بين الأحداث والقبور:
مترادفتان.
البرزخ:
٢
البرزخ لغة:
وهو الحائل بين شيئين (٣).
البرزخ اصطلاحًا:
هو الفترة الممتدة من موت الإنسان إلى بعثه، حيث يقال للميت هو في البرزخ؛ لأنه بین
الدنيا والآخرة (٤). والبرزخ نوعان: زماني وهو الفترة الممتدة بين الموت والبعث، ومكاني
وهو: القبر (٥).
الصلة بين القبر والبرزخ:
قد يأتي البرزخ مرادفًا للقبر من حيث إنهما مكان دفن الميت، ويأتي أحيانًا بمعنى الحياة
داخل القبر.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٣٣٤/١٠، مجمل اللغة، ابن فارس، ١٨٠/١، المعجم الوسيط،
مجمع اللغة العربية بالقاهرة، ١ /١٠٩.
(٢) انظر: الكليات، الكفوي، ٥٢/١، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٣٠/١٧.
(٣) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، ١١١٦/٢.
(٤) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٧١/٧، ياقوتة الصراط في تفسير غريب القرآن، الباوردي، ٣٨٣/١،
التبيان في تفسير غريب القرآن، ابن الهائم، ٢٤٣/١.
(٥) انظر: مفاهيم إسلامية، مجموعة من علماء أو قاف مصر، ١/ ٦٩.
٥٦
جومبو
القرآن الكريم

القبر
الضريح:
٣
الضريح لغة:
ضرح الضريح للميت يضرحه ضرحًا أي: حفر له ضريحًا، وسمي الضريح في القبر
ضريحًا؛ لأنه انضرح عن جالي القبر فصار في وسطه (١).
الضريح اصطلاحًا:
الضريح هو الشق في وسط القبر، وقيل: الضريح القبر كله، وقيل: هو قبر بلا لحد (٢).
الصلة بين القبر والضريح:
القبر يطلق على كل مدفن للميت، أما الضريح يطلق على القبر كله والشق وسطه.
اللحد:
٤
اللحد لغة:
من لحد أي: مال عن الاستقامة، يقال: لحد للميت وألحد له أي: حفر له لحدًا في أحد
جانبي الجدث(٣).
اللحد اصطلاحًا:
هو ((حفرة مائلة عن الوسط)) (٤)، وهو الشق الذي يكون في جانب القبر موضع الميت،
وسمي باللحد؛ لأنه أميل عن وسطه إلى جانبه بأن يحفر في عرضه أو جانبه (٥).
الصلة بين القبر واللحد:
القبر اسم عام يطلق على كل مدفن للميت، أما اللحد فهو طريقة خاصة بأن يحفر في
جانب القبر للميت.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ١٢٢/٤، جمهرة اللغة، ابن دريد ١ / ١٥٦.
(٢) انظر: المحكم والمحيط الأعظم، ابن سيده، ١٢٧/٣، اللطائف في اللغة، اللبابيدي، ٢٩٠/١.
(٣) انظر: مجمل اللغة، ابن فارس، ٣٠٨/١، المغرب في ترتيب المعرب، لأبي المكارم بن علي ٤٢٢/١.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ٢٨٨/١.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٣٨٨/٣، الفروق اللغوية، العسكري، ٢٢٨/١.
www. modoee.com
٥٧

حرف القاف
القبر وكرامة الإنسان
فهذه الآية تدل على وجوب دفن الأموات
وإقبارهم؛ إكرامًا لهم، دون إحراقهم كما
أولًا: القبر تكريم إلهي للإنسان عن يفعل الكفار كالمجوس والهندوس،
باقي المخلوقات:
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان،
وصان كرامته، وحمی حقوقه، وجعله خليفةً
في الأرض، وخصه بخصائص لا مثيل لها
تميز بها عن باقي المخلوقات، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ءَدَمَ﴾ [الاسراء: ٧٠].
ويستمر حفظه له وعنايته به منذ خلقه
حتى بعد الممات بحفظ جسده بعد مماته،
بأن جعله يقبر ويدفن فلا يرمى للسباع
والحيوانات المفترسة والطيور، وهذا ما
علمه الله للإنسان من زمن آدم عليه السلام؛
إكرامًا له وتفضلًا عليه، فجعل في غريزة
نوعه وفطرته أن يواري ميته بالتراب(١).
لذلك سن الله سبحانه وتعالى القبر
للإنسان، وامتن عليه به، قال تعالى:
أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
أي: جعله ذا قبر یواری فیه، وجعل مثواه
جوف الأرض كرامة له ورعاية؛ لأن القبر
مما أكرم به الإنسان(٢).
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي، ١٣٧١/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢١٩/١٩،
تفسير المراغي، ٤٥/٣٠.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري، ٧٠٣/٤،
مفاتيح الغيب، الرازي، ٥٨/٣١، في ظلال
القرآن، سيد قطب، ٣٨٣١/٦.
فالواجب على المسلمين احترام موتاهم،
ودفنهم كما أراد الله سبحانه وتعالى.
ثانيًا: الدفن في القبر:
لقد شرع الله الدفن للميت تحت
التراب، وألا يترك على وجه الأرض، قال
تعالى: ﴿حَّ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر: ٢].
أي: إذا جاء الأجل صرتم إلى المقابر
ودفنتم فيها، فالآية فيها كناية عن الموت
ودفن الموتى في المقابر، حيث يؤتى
بالأموات ويدفنون في المقابر(٣)، وقد حث
الإسلام على دفن الميت في القبر؛ لأن
فيه تكريمًا للإنسان، فجعل الأرض وعاء
للأحياء في المساكن والمنازل، وللأموات
يدفنون في بطونها في القبور، قال تعالى:
﴿أَلََّجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَانًا﴾ [المرسلات: ٢٥](٤).
وهذا ما أجمع عليه المسلمون بأن دفن
الميت ومواراة بدنه فرض، فبعد الفراغ
من الصلاة على الميت ينبغي أن يدفن
الميت في القبر، وهو الحفرة الخاصة ذات
الصفات التي تحفظ حرمته، وتصونه من
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٨/ ٤٧٣، التفسير الحديث، دروزة عزت،
١٥/٢.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٣٣/٢٤.
٥٨
القرآن الكريم

القبر
الامتهان، وتجعله في مأمن من تناول السباع غذائه، أو یثیرها لیدفن غرابًا آخر ميتًا، فحفر
حفرة، فرآه قابيل ففطن إلى مثل عمله،
ففعل لأخيه مثلها وواری بدنه فيها؛ لأن
بدن الميت عورة، والجثة سوأة لا تطيقها
النفوس، وبذلك تعلم الدفن للميت، ووارى
سوأة أخيه (٤)، وفي قوله تعالى: ﴿لُرِیَهُ﴾
دليل أنه تعالى ألهم الغراب ذلك ليتعلم ابن
آدم منه الدفن، فحين رأى القاتل الغراب
يبحث في الأرض، تعلم منه سنة الدفن(٥).
وخروج رائحة الجسد، حیث بعد دخوله
القبر یوضع علی شقه الأيمن ویوجه إلى
القبلة، ثم یهال عليه التراب، ويسن أن يعمق
القبر، وأن يوسع، وأن يلحد له فيه، وهو: أن
يحفر في قاع القبر حفرة في جانبه إلى جهة
القبلة، فإن تعذر اللحد فلا بأس بالشق، وهو
أن يحفر للميت في وسط القبر، لكن اللحد
أفضل؛ لقوله صلی الله عليه وسلم: (اللحد
لنا، والشق لغيرنا)(١)(٢).
ثالثًا: تعليم الإنسان الدفن:
قال تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى
اُلْأَرْضِ لِيُرِيَهُ، كَيْفَ يُؤَرِى سَوْءَةَ أَخِيَةٍ قَالَ
يَوَيْلَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغَّابِ
فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِى﴾ [المائدة ٣١].
هذه الآية أصل في دفن الميت (٣)، حيث
روي أنه لما قتل قابيل أخاه هابيل، ولم
یعرف کیف یصنع به ويواري جثته، وتحیر
في ذلك؛ لأنه أول ميت مات من بني آدم،
بعث الله غرابًا يبحث في الأرض منقبًا في
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الجنائز،
باب ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم:
اللحد لنا، ٣٥٤/٣، رقم ١٠٤٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٢/ ٩٦٤، رقم ٥٤٨٩.
(٢) انظر: تحفة الفقهاء، السمر قندي، ٢٥٥/١،
الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة،
مجموعة من المؤلفين، ١/ ١١٨.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ١١٢/٤.
ويقول القرطبي في تفسير الآية السابقة
مبيناً هذا المعنى: ((بعث الله الغراب حكمة،
لیری ابن آدم كيفية المواراة، وهو معنى قوله
تعالى: ﴿ثُمَّ أَمَنَهُ، فَأَقْرَهُ﴾ [عبس: ٢١].
فصار فعل الغراب فى المواراة سنة باقية
في الخلق، فرضًا على جميع الناس على
الكفاية، من فعله منهم سقط فرضه عن
الباقين، وأخص به الأقربون الذین یلونه، ثم
الجيرة، ثم سائر المسلمين)) (٦).
إن في مشهد تعلم الإنسان الدفن من
الغراب، والذي صورته الآية الكريمة لعبرة
للخلق ((فهذا المشهد العظيم هو مشهد
أول حضارة في البشر، وهي من قبيل ستر
المشاهد المكروهة، وهو أيضًا مشهد أول
(٤) انظر: التفسير الواضح، حجازي، ٥٠٥/١،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٢٨، في
ظلال القرآن، سيد قطب، ٢/ ٨٧٧.
(٥) انظر: تفسير المراغي، ١٠١/٦.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، ٦/ ١٤٣.
www. modoee.com
٥٩

حرف القاف
علم اكتسبه البشر بالتقليد وبالتجربة، وهو
أيضًا مشهد أول مظاهر تلقي البشر معارفه
من عوالم أضعف منه)) (١).
عذاب القبر
إن عذاب القبر حق، وهو ثابت بکتاب
الله وسنة رسوله صلی الله عليه وسلم،
فالله يعذب من استحق العذاب إن شاء، وإن
شاء عفى عنه، وقد دلت الآيات القرآنية على
عذاب القبر في مواضع كثيرة منها:
قال تعالى: ﴿الَهَنْكُمُ اَلْتَّكَائُ )) حَتَّى
زُدْعُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) ثُمّ
كَلَّاسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ١ -٤].
حيث فسر ابن عباس الوعيد في الآية بما
ينزل من العذاب في القبر، ففي الآيات وعيد
بعد وعید، وردع وتنبيه لمن آلهتهم الدنيا
عن العمل الصالح والاستعداد للآخرة،
بأن ليس الأمر بالتفاخر والتكاثر بالأموال
والأولاد، حتى إذا قبرتم عوقبتم بالعذاب،
فهذا وعيد من الله بأنهم سوف يعلمون
عاقبة فعلهم بعذاب في القبر، وما يحل بعده
من عذاب في الآخرة (٢).
يقول القرطبي في تفسير سورة التكاثر:
((فتضمنت السورة القول في عذاب القبر،
وإن الإيمان به واجب، والتصديق به لازم،
حسبما أخبر به الصادق، وأن الله سبحانه
وتعالى يحيي العبد المكلف في قبره برد
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٧٤/٦.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٢٠/ ١٧٢، إرشاد العقل السليم، أبو
السعود، ١٩٤/٩، التفسير المنير، الزحيلي،
٣٨٨/٣٠.
٦٠
قَةُ التَّفيد
لِلْعُرْآن الكَرِيمِ

القبر
الحياة إليه، ويجعل له من العقل في مثل (تسعةٌ وتسعون حیةً لكل حية سبعة رؤوسٍ
ينفخون في جسمه ويلسعونه، ويخدشونه
إلى يوم القيامة) (٣).
الوصف الذي عاش عليه؛ ليعقل ما يسأل
عنه، وما یجیب به، ويفهم ما أتاه من ربه،
وما أعد له في قبره من كرامة وهوان، وهذا
هو مذهب أهل السنة، والذي عليه الجماعة
من أهل الملة))(١).
وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَغْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
هذه الآية الكريمة من الآيات الدالة على
عذاب القبر، فقد فسرت المعيشة الضنك
بعذاب القبر، وأنه يضيق على المعرض
عن الله قبره، ويحصر فيه ويعذب، جزاء
إعراضه عن ذکر ربه (٢).
وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله
عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال: (المؤمن في قبره في روضةٍ، ویرحب
له قبره سبعین ذراعًا، وینور له کالقمر ليلة
البدر، أترون فيما أنزلت هذه الآية) قال
تعالى: ﴿فَإِنَّ لَهُ, مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
قال: (أتدرون ما المعيشة الضنك؟)
قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (عذاب الكافر
في قبره، والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليهم
تسعةٌ وتسعون تنيناً، أتدرون ما التنين؟) قال:
(١) الجامع لأحكام القرآن، ٢٠/ ١٧٣.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص١٥١.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِ
غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيَدِيهِمْ أَخْرِجُوَّ
أَنفُسَكُمٌ أَلْيَوْمَ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا
كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَئِهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
هذه الآية خطاب لسيدنا محمد صلى
الله علیه وسلم، ولو تری یا محمد صلى
الله عليه وسلم أولئك الطغاة في ساعة
الاحتضار وهم في خضم الشدائد وغمرة
السكرات، وحولهم الملائكة الذين كانوا
يتعجلون نزولهم، فها هم قد حل الموت
بهم وجاءهم العذاب الذي لا رجعة فيه،
الموت، وحضرتهم
وغشيتهم سكرات
ملائكة العذاب، يستعجلون خروج
أرواحهم الخبيثة، ولو تراهم وهم على هذه
الحال لرأيت أهوالا عظامًا (٤).
والملائكة تقول لهم عند قبض أرواحهم:
﴿أَخْرِجُوَاْ أَنْفُسَكُمْ﴾ وذلك أن الكافر إذا
احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال،
(٣) أخرجه أبو يعلى في مسنده، مسند أبي هريرة،
٥٢١/١١، رقم ٦٦٤٤.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ٢١٧/٣.
(٤) انظر: التفسير الموضوعي لسور القرآن،
مجموعة مؤلفين، ٥٠٨/٢.
www. modoee.com
٦١

حرف القاف
والأغلال والسلاسل، والجحيم والحمیم،
وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه
في جسده، وتعصي وتأبى الخروج،
فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم
من أجسادهم، قائلين لهم: ﴿أَخْرِجُوَّا
أَنْفُسَكُمٌ أَلْيُوْمُ تُّجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾(١).
وفسر القرطبي بسط الملائكة أيديهم
أي: بالعذاب ومطارق الحديد أو لقبض
أرواحهم(٢).
ولقد ذكر بعض العلماء أن هذه الآية
تصف حال الكافر عند القبض، وعذاب
القبر، وأن هذا الخطاب والعذاب الموجه
من الملائكة إليهم، إنما هو عند الاحتضار
وقبيل الموت وبعده(٣).
ويقول الشيخ الفوزان: ((وهذا خطاب
لهم عند الموت، وقد أخبر الملائكة
-وهم الصادقون- أنهم حينئذ يجزون
عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى
انقضاء الدنيا؛ لما صح أن يقال لهم: ﴿أَلْيَوْمَ
تُجْزَوْنَ﴾ فدل على أن المراد به عذاب
القبر)) (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٠٢/٣.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ٧/ ٤١.
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٤٣٢/٤،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٦٤.
(٤) الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، ص ٢٧٥.
اُلْأَدْنَ دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
[السجدة: ٢١].
لقد وعد الله في هذه الآية الفسقة
المكذبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى،
أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، واختلف
أهل التأويل في بيان معنى العذاب الأدنى،
فقال البعض: هو مصائب الدنيا. وقال
آخرون: عذاب القبر. وقيل غير ذلك، وقد
فسرها ابن عباس بعذاب القبر (٥).
وقال تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا
وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ
أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] هذه الآية تدل
على عذاب القبر، وقد احتج بعض أهل
العلم بهذه الآية في تثبيت عذاب القبر.
ونقل القرطبي أن الجمهور على أن
العرض المذكور في الآية في البرزخ؛ لأنه
بين ما لهم في الآخرة فقال: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْ﴾(٦).
قال السيوطي: ((وفي (العجائب
الكرماني): في هذه الآية أدل دليل على
عذاب القبر؛ لأن المعطوف غير المعطوف
علیە»(٧).
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٩١/٢٠،
تفسير ابن عباس، الفيروز آبادي، ٣٤٩/١.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، ٣١٩/١٥،
زاد المسير، الجوزي، ٤ /٤٠، لباب التأويل،
الخازن، ٤/ ٨٥.
(٧) الإكليل في استنباط التنزيل، ص ٢٢٦.
جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيْ
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٦٢

القبر
ويعني قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ ﴾
أي: هذا العرض ما دامت الدنیا، فإذا قامت
الساعة يقال لهم: أدخلوا آل فرعون أشد
العذاب وهو عذاب جهنم(١).
ويقول سيد قطب في تفسير هذه الآية:
«والنص یلهم أن عرضهم على النار غدوا
وعشيا، هو في الفترة من بعد الموت إلى
قيام الساعة، وقد يكون هذا هو عذاب
القبر، إذ أنه يقول بعد هذا: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ
السَّاعَةُ أَدْ خِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
فهو إذن عذاب قبل يوم القيامة، وهو عذاب
سيئ، عرض على النار في الصباح وفي
المساء، إما للتعذيب برؤيتها وتوقع لذعها
وحرها- وهو عذاب شديد- وإما لمزاولتها
فعلًا، فكثيرًا ما يستعمل لفظ العرض للمس
والمزاولة، وهذه أدهی ثم إذا كان يوم القيامة
أدخلوا أشد العذاب»(٢).
ويدل على ذلك حديث ابن عمر رضي
الله عنه حیث قال: قال رسول الله صلى
الله علیه وسلم: (إن أحدکم إذا مات عرض
عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل
الجنة فمن أهل الجنة، وإن کان من أهل النار
فمن أهل النار، فيقال: هذا مقعدك حتى
يبعثك الله إليه يوم القيامة) (٣).
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٣١٢/٨.
(٢) في ظلال القرآن، ٣٠٨٤/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز،
باب الميت يعرض عليه مقعده، رقم ١٣٧٩،
وإن من الأدلة على ثبوت عذاب القبر
من السنة النبوية، ما ورد عن النبي صلى
الله علیه وسلم أنه کان یعلم الصحابة رضي
الله عنهم الاستعاذة من عذاب القبر، ففي
الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان
يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من
القرآن، يقول: (قولوا: اللهم إنا نعوذ بك من
عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر،
وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ
بك من فتنة المحيا والممات) (٤).
إن أهل السنة يصدقون بأن الله سبحانه
وتعالى يعذب هذا في قبره، أو ينعم هذا
في قبره، كما وردت في ذلك أدلة مجملة
ومفصلة، ولكن الكيفية محجوبة عنا، حتى
ولو لم ندرك ذلك فقد أدرکہ الأنبياء، ولو
كشفنا عن الميت ورأيناه كما وضع فإنا
لا ننفي أنه يعذب أو ينعم، أو يضيق عليه
قبره أو يوسع عليه؛ وذلك لأن هذا من
علم الآخرة، وأهل الدنيا ليسوا مطلعين
على أمور الآخرة، وقد أنكر الملاحدة
والزنادقة عذاب القبر ونعيمه اعتمادًا على
عقولهم وحواسهم؛ لأنهم لا يشاهدون
شيئا من ذلك، ونرد عليهم بأن عذاب القبر
٩٩/٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة، باب ما يستعاذ منه في
الصلاة، رقم ١،١٣٤ /٤١٣.
www. modoee.com
٦٣

حرف القاف
من علم الغيب الذي يعتمد على النصوص
الصحيحة، وليس للعقل ولا الفكر دخل
فيه، وأحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا،
وعدم إدراك الإنسان للشيء لا يدل على
عدم وجوده، والله أعلم (١).
نفيس، فقد ذكر بأن الله تعالى قد جعل
الدور ثلاثًا، وهي دار الدنیا، ودار البرزخ،
ودار الآخرة، وجعل الله لکل دار أحكامًا
تختص بها، فجعل الله الأحكام في دار
الدنيا تسري على الأبدان والأرواح تبع لها،
وجعل الأحكام في دار البرزخ تسري على
الأرواح والأبدان تبع لها، وجعل الأحكام
في دار القرار تسري على الأرواح والأبدان
معًا، ثم بين أن سعة القبر وضيقه ونوره وناره
ليس من جنس المعهود للناس في عالم
الدنيا (٢).
أسباب عذاب القبر
إن أسباب عذاب القبر كثيرة:
١. الكفر.
فللكافر نصیبٌ من العذاب، ومبدأ ذلك
ولابن القيم في إثبات عذاب القبر كلام حاصلٌ في القبر، قال تعالى: ﴿وَلَوْتَرَى
إِذْ يَتَوَنَى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلَئِكَةُ يَضْرِيُونَ
وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَرَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾
[الأنفال: ٥٠].
٢. النفاق.
قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُ مِنَ
الْأَعْرَابِ مُنَفِقُونٌ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى
اُلِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ
ثُمَّيُرَدُونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ [التوبة: ١٠١].
وأغلب ما ورد من أقوال المفسرين أن
إحدى المرتين هو عذابهم في البرزخ قبل
الآخرة.
٣. الأعمال السيئة، وسائر المعاصي
والذنوب.
وقد ذكر بعضها في أحاديث عن النبي
صلی الله عليه وسلم، کالذي روي عن
ابن عباس رضي الله عنهما قال: مر النبي
صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال: (إنهما
ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما
فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان
(١) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، الفوزان،
ص ٢٨٣.
(٢) انظر: الروح، ١ / ٦٣.
٦٤
القرآن الكريم

القبر
يمشي بالنميمة) (١).
وحديث سمرة بن جندب رضي الله عنه،
قال: (کان رسول الله صلی الله علیه وسلم
مما يكثر أن يقول لأصحابه: (هل رأى أحد
منکم من رؤیا؟) قال: فیقص عليه من شاء
الله أن يقص، وإنه قال ذات غداة: (إنه أتاني
الليلة آتيان، وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي:
انطلق، وإني انطلقت معهما، وإنا أتينا على
رجل مضطجع، وإذا آخر قائم عليه بصخرة،
وإذا هو یهوي بالصخرة لرأسه فیثلغ رأسه،
فیتدهده الحجر ها هنا، فیتبع الحجر فيأخذه،
فلا يرجع إلیه حتی یصح رأسه كما كان، ثم
يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل المرة الأولى)
قال: (قلت لهما: سبحان الله ما هذان؟)
قال: (قالا لي: انطلق انطلق) قال: (فانطلقنا،
فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم
عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد
شقي وجهه فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره
إلی قفاه، وعینه إلى قفاه -قال: وربما قال أبو
رجاء: فيشق-).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء،
باب ما جاء في غسل البول، رقم ٢١٨،
٥٣/١.
قال: (قالا لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا
علی مثل التنور - قال: فأحسب أنه كان يقول
- فإذا فيه لغط وأصوات) قال: (فاطلعنا فیه،
فإذا فيه رجال ونساء عراة، وإذا هم يأتيهم
لهب من أسفل منهم، فإذا أتاهم ذلك اللهب
ضوضوا) قال: (قلت لهما: ما هؤلاء؟) قال:
(قالا لي: انطلق انطلق).
قال: (فانطلقنا، فأتينا على نهر -حسبت
أنه كان يقول- أحمر مثل الدم، وإذا في النهر
رجل سابح يسبح، وإذا على شط النهر رجل
قد جمع عنده حجارة كثيرة، وإذا ذلك السابح
یسبح ما يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع
عنده الحجارة، فيفغر له فاه فيلقمه حجرًا
فینطلق پسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه
فغر له فاه فألقمه حجرًا) قال: (قلت لهما:
ما هذان؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق)
قال: (فانطلقنا، فأتينا على رجل کریه المرآة،
کأکره ما أنت راء رجلا مرآة، وإذا عنده نار
يحشها ويسعى حولها) قال: (قلت لهما: ما
هذا؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق).
فانطلقنا، فأتينا على روضة معتمة، فيها
قال: (ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل
به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرغ من
ذلك الجانب حتى يصح ذلك الجانب كما
الأولى) قال: (قلت: سبحان الله ما هذان؟)
من كل لون الربيع، وإذا بين ظهري الروضة
رجل طويل، لا أكاد أرى رأسه طولا في
كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل المرة السماء، وإذا حول الرجل من أكثر ولدان
رأيتهم قط) قال: (قلت لهما: ما هذا ما
هؤلاء؟) قال: (قالا لي: انطلق انطلق).
قال: (فانطلقنا فانتهينا إلى روضة عظيمة،
www. modoee.com
٦٥

حرف القاف
لم أر روضة قط أعظم منها ولا أحسن) قال:
(قالا لي: ارق فيها) قال: (فارتقينا فيها،
فانتهينا إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن
فضة، فأتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا
فدخلناها، فتلقانا فيها رجال شطر من خلقهم
كأحسن ما أنت راء، وشطر كأقبح ما أنت
راء) قال: (قالا لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك
النهر) قال: (وإذا نهر معترض يجري كأن
ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا
فيه، ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك السوء
عنهم، فصاروا في أحسن صورة) قال: (قالا
لي: هذه جنة عدن وهذاك منزلك) قال:
(فسما بصري صعدا فإذا قصر مثل الربابة
البيضاء) قال: (قالا لي: هذاك منزلك) قال:
(قلت لهما: بارك الله فيكما ذراني فأدخله،
قالا: أما الآن فلا، وأنت داخله).
قال: (قلت لهما: فإني قد رأيت منذ الليلة
عجبا، فما هذا الذي رأيت؟) قال: (قالا لي:
أما إنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت
عليه يثلغ رأسه بالحجر، فإنه الرجل يأخذ
القرآن فيرفضه وينام عن الصلاة المكتوبة،
وأما الرجل الذي أتيت عليه يشرشر شدقه
إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه،
فإنه الرجل يغدو من بيته فيكذب الكذبة تبلغ
الآفاق، وأما الرجال والنساء العراة الذين في
مثل بناء التنور فإنهم الزناة والزواني.
وأما الرجل الذي أتيت عليه يسبح في
النهر ويلقم الحجر، فإنه آكل الربا، وأما
الرجل الكريه المرآة، الذي عند النار يحشها
ويسعى حولها، فإنه مالك خازن جهنم، وأما
الرجل الطويل الذي في الروضة فإنه إبراهيم
صلى الله عليه وسلم، وأما الولدان الذين
حوله فكل مولود مات على الفطرة) قال:
فقال بعض المسلمین: یا رسول الله، وأولاد
المشر کین؟ فقال رسول الله صلی الله علیه
وسلم: (وأولاد المشركين، وأما القوم الذين
كانوا شطر منهم حسنا وشطر قبيحا، فإنهم
قوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، تجاوز
الله عنهم)(١).
وقد ذكر الإمام ابن القيم والعلامة
السفاريني الأسباب التي يعذب بها أصحاب
القبور على قسمين: مجمل ومفصل:
أما المجمل: فإنهم يعذبون على جهلهم
بالله وعدم إطاعتهم لأمره، وارتكابهم
معاصیه، فلا يعذب الله روحًا عرفته وأحبته
وامتثلت أمره واجتنبت نهيه، ولا بدنا كانت
فيه أبدًا، فإن عذاب القبر وعذاب الآخرة أثر
غضب الله وسخطه على عبده، فمن أغضب
الله وأسخطه في هذه الدار بارتكاب مناهيه
ولم يتب ومات على ذلك؛ كان له من عذاب
البرزخ بقدر غضب الله وسخطه عليه،
فمستقل، ومستكثر، ومصدق، ومكذب.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، رقم
٠٤٤/٩،٧٠٤٧
٦٦
جوبيه
القرآن الكريم

القبر
صلی الله عليه وسلم عن الرجلين اللذين
رآهما يعذبان في قبورهما؛ لأن أحدهما كان
يمشي بالنميمة بین الناس، والآخر كان لا
يستتر من البول، فهذا ارتكب السبب الموقع
للعداوة بين الناس، وهذا ترك الطهارة
الواجبة، وعمن يعذب لكونه مر على مظلوم
فلم ينصره، ومن يقرأ القرآن ثم ينام عنه
بالليل ولا يعمل به في النهار، وتعذيب الزناة
والزواني وأكلة الربا، والذين تتثاقل رؤوسهم
عن صلاة الفجر، وأهل الغلول، وتعذيب
الذين يمنعون الزكاة، والذين يوقدون
الفتنة بين الناس، والجبارين، والمتكبرين،
والمرائين، والهمازين، واللمازين (١).
((فعذاب القبر عن معاصي القلب والعين
والأذن والفم واللسان والبطن والفرج واليد
والرجل والبدن كله: فالنمام، والكذاب،
والمغتاب، وشاهد الزور، وقاذف
المحصن، والموضع في الفتنة، والداعي
إلى البدعة، والقائل على الله ورسوله ما
لا علم له به، والمجازف في كلامه، وآكل
الربا، وآكل أموال اليتامى، وآكل السحت
من الرشوة وغيرها، وأكل مال أخيه المسلم
بغير حق، أو مال المعاهد، وشارب المسکر،
والزاني، واللوطي، والسارق، والخائن،
(١) انظر: الروح، ابن القيم، ص ٧٧، لوامع الأنوار
البهية، السفاريني، ١٩/٢.
وأما المفصل: ما أخبر به رسول الله والغادر، والمخادع، والماكر، وآخذ
الربا ومعطيه وكاتبه وشاهداه، والمحلل
والمحلل له، والمحتال على إسقاط فرائض
الله وارتكاب محارمه، ومؤذي المسلمين
ومتتبع عوراتهم، والحاكم بغير ما أنزل
الله، والمفتي بغير ما شرع الله، والمعين
على الإثم والعدوان، وقاتل النفس التي
حرم الله، والملحد في حرم الله، والمعطل
لحقائق أسماء الله وصفاته الملحد فيها،
والمقدم رأيه وذوقه وسياسته على سنة
رسول الله صلی الله عليه وسلم.
والنائحة والمستمع إليها، ونواحو
جهنم، وهم المغنون الغناء الذي حرمه الله
ورسوله والمستمع إليهم؛ والذين يبنون
المساجد على القبور، ويوقدون عليها
القناديل والسرج، والمطففون في استيفاء
مالهم إذا أخذوه، وهضم ما علیھم إذا بذلوه،
والجبارون، والمتكبرون، والمراؤون،
والهمازون واللمازون، والطاعنون على
السلف، والذين يأتون الكهنة والمنجمين
والعرافين فيسألونهم ويصدقونهم، وأعوان
الظلمة الذين باعوا آخرتهم بدنيا غيرهم،
والذي خوفته بالله وذکرته به فلم يرعو
ولم ينزجر، فإذا خوفته بمخلوق مثله خاف
وارعوى وكف عما هو فيه، والذي يهدى
بکلام الله ورسوله فلا یھتدي، ولا یرفع
به رأسًا، فإذا بلغه عما یحسن به الظن ممن
www. modoee.com
٦٧

حرف القاف
يصيب ويخطىء عض عليه بالنواجذ ولم الجرائم، بحسب كثرتها وقلتها، وصغرها
يخالفه.
وكبرها، ما لم يغفر الله لهم ويتجاوز عنهم
والذي يقرأ القرآن فلا يؤثر فيه، وربما بتوبة أو رحمة منه تعالى)) (١).
اشتغل به، فإذا استمع قراءة الشيطان ورقية
الزنا ومادة النفاق طاب سره وتواجد وهاج
من قلبه دواعي الطرب، وود أن المغني لا
يسكت، والذي يحلف بالله ويكذب، فإذا
حلف بالولي أو برأس شيخه أو أبيه أو حياة
من يحبه ويعظمه من المخلوقين لم يكذب
ولو هدد وعوقب، والذي يفتخر بالمعصية
ويتكثر بها بين أقرانه، وهو المجاهر، والذي
لا تأمنه على مالك وحرمتك، والفاحش
اللسان الذي تركه الخلق إتقاء شره وفحشه،
والذي يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها وينقرها
ولا یذکر الله فيها إلا قليلًا، ولا يؤدي زكاة
ماله طيبة بها نفسه، ولا یحج مع قدرته على
الحج، ولا يؤدي ما عليه من الحقوق مع
قدرته علیھا.
ولا يتورع من لحظه ونظره ولا من لفظه
ولا أكله ولا خطوه، ولا يبالي بما حصل من
المال من حلال أو حرام، ولا يصل رحمه،
ولا يرحم المسكين ولا الأرملة ولا اليتيم،
ولا يرحم الحيوان البهيم، بل يدع اليتيم
ولا يحض على طعام المسكين، ويرائي
للعالمين، ويمنع الماعون، ويشتغل بعيوب
الناس عن عیبه، ویذنوبهم عن ذنبه، فکل
هؤلاء وأمثالهم يعذبون في قبورهم بهذه
(١) الروح، ابن القيم، ص٧٨.
مُوسُوبَةُ المَقيمة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٦٨

القبر
أحكام تتعلق بالقبر
أولًا: الصلاة على المؤمنين:
إن الصلاة على المؤمنين فرض كفاية،
وهي من خصائص هذه الأمة، وقد صلى
الصحابة رضي الله عنهم على النبي محمد
صلى الله عليه وسلم، كما رغب النبي صلى
الله عليه وسلم بل أمر بذلك فقال: (صلوا
على صاحبكم)(١) فهذا أمر، والأمر يدل
علی الوجوب (٢)، ودل على ذلك قوله صلی
الله عليه وسلم يوم موت النجاشي: (إن أخّا
لكم قد مات، فقوموا، فصلوا عليه)(٣).
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن الصلاة
على الكافرين والمنافقين؛ لأنهم كفروا
وماتوا على الفسق.
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ
أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِه
وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
وفي هذه الآية دليل على مشروعية
الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند
قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي صلى
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطلاق،
باب من ترك مالاً، رقم ٠١٢٣٧/٣،١٦١٩
(٢) انظر: فقه السنة، سيد سابق، ٥٢١/١، الفقه
الميسر في ضوء الكتاب والسنة، مجموعة من
المؤلفين، ١١٤/١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الكسوف،
باب في التكبير على الجنازة، رقم ٩٥٢،
٦٥٧/٢.
الله عليه وسلم يفعل ذلك في المؤمنین، فإن
تقیید النھي بالمنافقین یدل على أنه قد كان
متقررًا في المؤمنين (٤).
وقد استدل البعض بهذه الآية على
وجوب الصلاة على المؤمنين، بدليل أن
النهي عن الشيء أمر بضده فالنهي عن
الصلاة على المنافقين للتحريم فضده وهو
الأمر بالصلاة على المؤمنين للوجوب،
واعتبرها البعض دليل فقط على المشروعية
وعدم تحريم الصلاة على المؤمنين، وأنه
مما يستفاد من الآية الصلاة على المؤمنين
وليس الأمر بالوجوب (٥).
قال القرطبي: ((قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ
عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَاتَ أَبْدًا﴾ نص في الامتناع
من الصلاة على الكفار، واختلفوا هل
يؤخذ من مفهومه وجوب الصلاة على
المؤمنين؟ فقيل: يؤخذ؛ لأنه علل المنع من
الصلاة على الكفار لكفرهم لقوله تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِ﴾ فإذا زال وجبت
كُلّ
الصلاة، ويكون هذا نحو قوله تعالى: ﴿
إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَيِذٍ لََّحْبُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
يعني: الكفار، فدل على أن غير الكفار
يرونه وهم المؤمنون، وقيل: إنما تؤخذ
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٤٧.
(٥) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة، ٤١٣/٢،
تفسير ابن عرفة، ابن عرفة، ٢/ ٦٣٥، الفروق،
القرافي، ٥١/٢.
www. modoee.com
٦٩

حرف القاف
الصلاة من دليلٍ خارجعن الآية، وهي ثانيًا: الوقوف على قبورهم والدعاء
لهم:
الأحاديث الواردة في الباب، والإجماع»(١).
والخلاصة أن الآية دليل على مشروعية
الصلاة على المؤمنين، سواء بالوجوب أو
الاستحباب، وقد أكدت الأحاديث على
الوجوب وكذلك الإجماع.
وذكر الرازي في تفسيره الحكمة من
النهي عن الصلاة على الكفار والمنافقين،
حيث أشار إلى أن السبب في منع الرسول
صلى الله عليه وسلم من أن يصلي على
من مات منهم؛ هو إذلالهم وتخذيلهم
(٢)
وإهانتهم(٢).
((وصلاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم على ميت هي رحمة له، وغفران
لذنوبه؛ لأن الصلاة على الميت أن تطلب
له الرحمة والمغفرة، وأن تطلب له من الله
أن يلحقه بالصالحين، وإذا قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم هذا الكلام، ودعا بهذا
الدعاء، فإن دعوة رسول الله مستجابة من
الله، وهكذا حرمهم الله سبحانه وتعالى
من رحمة يكون الإنسان في أشد الحاجة
إليها حين ينتقل من الحياة الدنيا إلى حياة
البرزخ))(٣).
الجامع لأحكام القرآن، ٢٢١/٨.
(١)
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، ١١٥/١٦.
(٣) تفسير الشعراوي، ٥٣٨٩/٩.
لقد شرع الله للمسلمين الوقوف عند
قبور المؤمنين والدعاء لهم، كما نهى
عن الوقوف على قبور الكفار والمنافقين
والدعاء لهم.
يقول تعالى مخاطبًا للنبي صلى الله عليه
وسلم: ﴿ وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم مَاتَ أَبْدًا وَلَا
نَقُمْ عَلَى قَبْرِِّ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَانُواْ
وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤].
في هذه الآية نهي من الله للنبي صلى
الله عليه وسلم أن يصلي على من مات
من الكفار والمنافقين، وألا يتول دفنهم
وتقبیرهم، وألا یدعو لهم أو يستغفر لهم، أو
يقف على قبورهم للزيارة، وقد كان رسول
الله صلی الله علیه وسلم إذا دفن الميت،
وقف على قبره ودعا له بالتثبيت فنهي عن
ذلك في حق المنافقين، والعلة في ذلك أنهم
كفروا بالله ورسوله وماتوا، والحال أنهم
فاسقون خارجون عن دائرة الإسلام (٤).
يقول الطاهر ابن عاشور: ((ومعنى ولا
تقم على قبره، لا تقف عليه عند دفنه؟
لأن المشاركة في دفن المسلم حق على
المسلم على الكفاية، كالصلاة عليه، فترك
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ٤٠٥/١٤، زاد
المسير، ابن الجوزي، ٢٨٦/٢، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٢٣/٨، البحر
المديد، ابن عجيبة، ٢/ ٤١٣.
٧٠
جَوَن ◌ُوالَة
القرآن الكريمِ

القبر
النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة عليهم
وحضور دفنهم، إعلان بكفر من ترك ذلك
له))(١).
قال السيوطي: إن في الآية السابقة
تحريم للصلاة على الكافر، والوقوف على
قبره، ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم
ودفنه، ومشروعية الوقوف على قبره،
والدعاء له، والاستغفار (٢).
إن الوقوف على قبر المؤمن سنة عن
النبي صلى الله عليه وسلم فعلها ودعا إليها
ففي الحديث عن عثمان بن عفان قال: كان
النبي صلى الله عليه وسلم، إذا فرغ من
دفن الميت وقف عليه، فقال: (استغفروا
لأخيكم، وسلوا له بالتثبيت، فإنه الآن
يسأل)(٣).
(١) التحرير والتنوير، ٢٨٥/١٠.
(٢) انظر: الإكليل، السيوطي، ١٤٣/١، محاسن
التأويل، القاسمي، ٤٧٢/٥.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الجنائز،
باب الاستغفار عند القبر للميت في وقت
الانصراف، رقم ٢١٥/٣،٣٢٢١.
بناء القبور وزيارتها
أولًا: بناء القبور:
إن ديننا الحنيف شرع للمسلمين دفن
موتاهم في المقابر وفق سنة النبي صلى
الله عليه وسلم، ومن هديه صلى الله عليه
وسلم حفر القبور لا بناؤها، فقد ثبت نهي
النبي صلى الله عليه وسلم عن بناء القبور
ففي الحديث عن أبي الزبير أنه سمع جابرًا
يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه
وسلم (نهى أن يقعد على القبر، وأن يقصص
ويبنى عليه) (٤).
وفي رواية عند مسلم (نھی رسول الله
صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن
يقعد عليه، وأن يبنى عليه) (٥).
فلا يجوز بناء القبور، ولكن يحفر في
الأرض ويجعل فيه لحد من جهة القبلة
بقدر الميت، ويكون القبر عميقا بقدر
نصف الرجل؛ حتى يكون بعيدا عن السباع
والكلاب، ویکون أبعد عن الروائح الكريهة
التي قد تخرج من القبر، وإذا دعت الضرورة
إلى البناء، بأن كانت الأرض صلبة ولا
(٤) أخرجه أبو داود، كتاب الجنائز، باب في البناء
على القبور، رقم ٢١٦/٣،٣٢٢٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١١٥٥/٢، رقم ٦٨٤١.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الكسوف،
باب النهي عن تخصيص القبور والبناء عليها،
رقم ٩٤، ٢ / ٦٦٧.
www. modoee.com
٧١

حرف القاف
يستطيعون الحفر فلا مانع من جعله بين ثانيًا: زيارة القبور:
أحجار، يبنى أحجار ويجمع بينها، ثم يوضع
فوقها ألواح وغيرها حتى تستره عن السباع
وعن الكلاب ونحو ذلك، ويوضع عليها
أحجار تستره عن ذلك حسب الطاقة من
دون حاجة إلى بناء إلا عند الضرورة (١).
يقول ابن القيم: ((ولم يكن من هديه
صلى الله عليه وسلم تعلية القبور ولا
بناؤها بآخر، ولا بحجر ولبن ولا تشییدها،
ولا تطيينها، ولا بناء القباب عليها، فكل
هذا بدعة مكروهة، مخالفة لهديه صلى
الله عليه وسلم، وكانت قبور أصحابه لا
مشرفة، ولا لاطئة، وهکذا کان قبره الکریم،
وقبر صاحبيه، فقبره صلی الله عليه وسلم
مسنم مبطوح ببطحاء العرصة الحمراء لا
مبني ولا مطین، وهكذا كان قبر صاحبيه،
ونھی رسول الله صلى الله عليه وسلم عن
اتخاذ القبور مساجد، وإيقاد السرج عليها،
واشتد نهيه في ذلك حتی لعن فاعله، ونھی
عن الصلاة إلى القبور، ونهى أمته أن يتخذوا
قبره عيدا، ولعن زورات القبور، وكان
هديه أن لا تهان القبور وتوطأ، وألا يجلس
عليها، ويتكأ عليها، ولا تعظم بحيث تتخذ
مساجد فیصلى عندها وإليها، وتتخذ أعيادا
وأوثانا))(٢).
(١) انظر: فتاوى نور على الدرب، ابن باز،
١٤/ ٩٥.
(٢) زاد المعاد، ٥٠٤/١.
يشرع للإنسان أن يزور القبور على سبيل
الاتعاظ والتذكر بما أمامه، والإحسان إلى
المقبور نفسه كما أمر الرسول صلى الله
عليه وسلم، فهذا أمر مطلوب؛ لأنه جاء في
الحديث عن بريدة بن الحصيب الأسلمي
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)(٣).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه
فیکی وأبکی من حوله، فقال صلى الله عليه
وسلم: (استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم
يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن
لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت) (٤).
إن هدي النبي صلی الله عليه وسلم في
زيارة القبور أکمل الهدي وأحسنه.
يقول ابن القيم: ((كان إذا زار قبور
أصحابه يزورها للدعاء لهم، والترحم
عليهم، والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة
التي سنها لأمته، وشرعها لهم، وأمرهم
أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل
الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الكسوف،
باب استئذان النبي صلى الله عليه وسلم ربه،
رقم ٢،١٠٦/ ٦٧٢.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الكسوف،
باب استئذان النبي صلی الله عليه وسلم ربه،
رقم ٢،١٠٨/ ٦٧١.
٧٢
مَوَسُوبَة النَّقِين
القرآن الكريم