النص المفهرس

صفحات 21-40

القلب
مطهرات القلوب؛ تعليمًا للمسلمين؛ وتبيينًا
للموحدين؛ فإن آية سورة المائدة تبرز
أوصاف قوم جنحوا إلى النفاق، واستقر في
قلوبهم فكتب الله عليهم عدم طهارة القلب.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا اُلرَّسُولُ لَا يَحْرُنكَ
الَّذِينَ يُسَكِعُونَ فِ اَلْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ
قَالُواْ ءَامَنَّا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ
سَنَعُونَ لِقَوْمٍ ءَآخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكٌ يُحِّفُونَ
اَلْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُرِتُمْ
هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوَّهُ فَأَحْذَرُواْ وَمَنْ
يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَنْ تَمْلِكَ لَّهُ، مِنَ اللّهِ
شَيْئاً أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ
قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ
عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [المائدة: ٤١].
فالإشارة في ﴿أُوْلَئِكَ﴾ إلى
المذكورين من المنافقين واليهود، وما
في اسم الإشارة من معنى البعد للإيذان
ببعد منزلتهم في الفساد، أولئك الذين لم
يرد الله أن يطهر قلوبهم، أي: من رجس
الكفر وخبث الضلالة لانهماکھم فیھما،
وإصرارهم عليهما، وإعراضهم عن صرف
اختیارهم إلی تحصیل الهداية بالكلية، كما
ينبئ عنه وصفهم بالمسارعة في الكفر أولًا،
وشرح فنون ضلالهم آخرًا.
والجملة استئنافية مبينة لكون إرادته
تعالى لفتنتهم منوطة بسوء اختيارهم، وقبح
صنيعهم الموجب لها لا واقعة منه تعالى
ابتداء(١).
يقول ابن القيم: فهؤلاء وإخوانهم من
الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم، فإنها لو
طهرت لما أعرضت عن الحق، وتعوضت
بالباطل عن كلام الله تعالى ورسوله صلى
الله عليه وسلم، كما أن المنحرفين من أهل
الإرادة لما لم تطهر قلوبهم تعوضوا بالسماع
الشيطاني عن السماع القرآني الإيماني، قال
عثمان بن عفان رضي الله عنه: ((لو طهرت
قلوبنا لما شبعت من كلام الله))(٢).
فالقلب الطاهر - لكمال حياته ونوره
وتخلصه من الأدران والخبائث - لا يشبع
من القرآن ولا يتغذى إلا بحقائقه، ولا
يتداوى إلا بأدويته، بخلاف القلب الذي
لم يطهره الله تعالى فإنه يتغذى من الأغذية
التي تناسبه، بحسب ما فيه من النجاسة، فإن
القلب النجس كالبدن العليل المريض، لا
تلائمه الأغذية التي تلائم الصحيح.
وقد دلت الآية على أن طهارة القلب
موقوفة على إرادة الله تعالى، وأنه سبحانه
لما لم يرد أن يطهر قلوب القائلين بالباطل
المحرفين للحق لم يحصل لها طهارة.
ودلت الآية على أن من لم يطهر الله قلبه
فلابد أن يناله الخزي في الدنيا والعذاب في
(١) إغاثة اللهفان، ابن القيم ١/ ٥٥.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ٥٨.
www. modoee.com
٤٢١

حرف القاف
الآخرة بحسب نجاسة قلبه وخبثه.
المفسرين من السلف ومن بعدهم على أن
ولهذا حرم الله سبحانه وتعالى الجنة المراد بالثياب هنا القلب والمراد بالطهارة
إصلاح الأعمال والأخلاق (٢).
على من في قلبه نجاسة وخبث، ولا يدخلها
إلا بعد طيبه وطهره، فإنها دار الطيبين؛ ولهذا
يقال لهم: ﴿سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا
خَلِدِينَ ﴾ [الزمر: ٧٣].
أي: ادخلوها بسبب طيبكم، فالجنة لا
يدخلها خبيث، ولا من فيه شيء من الخبث،
فمن تطهر في الدنيا ولقي الله طاهرًا من
نجاسته دخلها بغير معوق، ومن لم يتطهر
في الدنيا فإن كانت نجاسته عينية كالكافر
لم يدخلها بحال، وإن كانت نجاسته کسبية
عارضة دخلها بعد ما يتطهر في النار من
تلك النجاسة، ثم يخرج منها، والله سبحانه
وتعالى بحكمته جعل الدخول عليه موقوفا
على الطهارة، فلا يدخل المصلي علیه حتى
يتطهر، وكذلك الجنة فيها طهارتان طهارة
البدن، وطهارة القلب فطهارة البدن بالماء،
وطهارة القلب بالتوبة، فالذي يجتمع له
الطهران يصلح للدخول على الله تعالى،
والوقوف بین یدیه ومناجاته(١).
وقد حمل جمهور المفسرين قوله تعالى:
﴿وَيُّهَا الْمُدَُِّّ قُرْفَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَِّزْن)
وَثِيَابَكَ فَطَعِرْ ن﴾ [المدثر: ١ -٤].
حملوا الأمر بتطهير الثياب على
تطهير القلب، يقول ابن القيم: ((وجمهور
(١) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ص٦٣ - ٦٤.
إذًا فطهارة القلب من أعظم صفات
المدح والثناء، وعدم طهارته من أعظم
أسباب الشقاء والازدراء.
الاهتداء:
من صفات القلب السليم: الاهتداء أي:
التسليم لله تعالى والرضا بحكمه سبحانه.
والهداية: دلالة بلطف، ومنه الهدية،
وخص ما كان دلالة بهديت، وما كان إعطاء
بأهدیت.
فإن قيل: كيف جعلت الهداية دلالة
بلطف وقد قال الله تعالى: ﴿فَأَهْدُوهُمْ إِلَى
صِرَّطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٢٣].
قيل: إن ذلك على سبيل التهكم والمبالغة
في المعنى كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١](٣).
وقد فسر العلماء هداية القلب على
وجوه تختلف اختلاف تنوع فقالوا:
ن
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن ١١].
أي: للثبات والاسترجاع عند حلول
المصائب، وقد عمد البيضاوي إلى هذا
التفسير؛ لأن المؤمن مهتد أصالة، وقال
أهل المعاني: يهد قلبه للشكر عند الرخاء،
(٢) المصدر السابق ص ٦٢.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٥٣٨.
٤٢٢
فَضْو
القرآن الكريم

القلب
والصبر عند البلاء(١).
وَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ يهدِ
عن ابن عباس قال:
قلبهُ﴾ يعني: یهد قلبه للیقین، فیعلم أن ما
أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ ()﴾ [البقرة: ٧٤].
ليصيبه(٢).
وخلاصة القول: أن هداية القلب تعني:
انفساحه ورضاه بکل ما قدره الله عامة، وما
ينزل من المكروه خاصة، كالموت والمرض
شر
والفقر والقحط، ونظيره قوله تعالى:
الصَّبِينَ ) الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا
لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ (٦)﴾ [البقرة: ١٥٥ -١٥٦].
وبهذه الصفة ننتهي من تناول صفات
السلامة في القلب، لنشرع في تناول صفات
القلب المريض.
ثانيًا: القلب المريض.
ويتصف هذا القلب المريض بعدة
صفات، منها:
١. القسوة.
من صفات القلوب المريضة القسوة.
والقسوة: غلظ القلب، وأصله مأخوذمن
قول القائل: هذا حجر قاسٍ، أي: صلب (٣).
وقد وردت هذه الصفة في آيات متعددة
من القرآن الكريم مرتبطة بالقلب:
مرتان (قست أشد قسوة) في قوله تعالى:
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/١٥.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٥٧.
(٣) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٧١.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدٍ ذَلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَنَفَجَّرُ مِنْهُ
الْأَنْهَذُّ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَآءُ
وردت هذه الآية الكريمة في معرض
الحديث عن مخازي بني إسرائيل
ومساویهم فقال سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّقَسَتْ
قُلُوبُگم﴾ أي: صلبت قلوبكم، فلا يؤثر فيها
وعظ ولا تذكير ﴿مِّنْ بَعْدٍ ذَلِكَ﴾ أي: من
بعد المعجزات الباهرة التي رأيتموها بأم
أعينكم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة من
الحجارة؛ لأن الحجارة قد تتصدع مسببة
بذلك مصلحة للناس، أما قلوبكم فلا تلين
ولا تتأثر.
والثالثة: في قوله تعالى: ﴿فَيِمَانَقْضِهِم
مِيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾
[المائدة: ١٣].
فبسبب نقض هؤلاء اليهود لعهودهم
المؤكدة طردهم الله من رحمته، وجعل
قلوبهم غليظة لا تلین للإيمان.
والرابعة: في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلًا إِذْ
جَآءَهُمْ بَأَسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ
لَهُمُ الشَّيْطِنُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
[الأنعام: ٤٣].
والخطاب في الآية الكريمة للأمم
المكذبة الذين لم يلاقوا البلاء بالضراعة لله؛
www. modoee.com
٤٢٣

حرف القاف
ليرفع ما نزل بهم من بأس، بل لاقوه بالعناد وجعل قلوبهم غليظة لا تلين للإيمان.
والقسوة والصلابة.
والخامسة: في قوله تعالى: ﴿وَمَآ
أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن زَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍ إِلَّ إِذَا
تَمَنَّ أَلْقَى الشَّيْطَائِنُ فِيَّ أُمْنِّيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا
يُلْقِى الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللَّهُ مَايَتِهِهُ وَاللَّهُ
لِيَجْعَلَ مَا يُلْفِى الشَّيْطَانُ
علیٌ حَكِيمٌ ﴾)
فِتْنَةُ لِّلَّذِينَ فِ قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِى شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾
[الحج: ٥٢-٥٣].
والآيتان تثبتان أن الشيطان يلقي وساوسه
أثناء قراءة کتاب الله على لسان کل نبي و کل
رسول للصد عن اتباع الوحي، لكن الله
ببطل کید الشيطان ویثبت آیاته، وما كان هذا
الفعل من الشيطان إلا ليجعله الله اختبارًا
للذين في قلوبهم شك ونفاق، ولقساة
القلوب من المشركين الضالين.
والسادسة: في قوله تعالى: ﴿فَيِمَا
نَقْضِهِم مِّيثَقَهُمْ لَعَنَّهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ
قَسِيَةٌ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهٌ.
وَنَسُواْ حَظًا مِمَّا ذُكِرُواْ بِةٍّ، وَلَا نَزَالُ تَطَّلِعُ
عَلَى خَبِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمَّ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَأَصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
[المائدة: ١٣].
والآية تتحدث عن بعض مخازي بني
إسرائيل التي منها نقض الميثاق والتي
تسببت في طرد الله إياهم من رحمته ولعنهم
والسابعة: في قوله تعالى: ﴿﴿أَلَمْ یأْنِ
لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا
نَزَّلَ مِنَ الْحَيِّ وَلَا يَكُونُواْ كَلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِنَبَ مِن
قَبِّلُ فَطَالَ عَلَّهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِرٌ مِنْهُمْ
فَسِقُونَ (١)﴾ [الحديد: ١٦].
الآية تحمل ترغيبا للمؤمنين على رقة
القلب، والخشوع لله تعالى عند سماع
وحيه الشريف، والحذر من التشبه باليهود
والنصارى، في قسوة قلوبهم وغلظتها
وفسقهم.
إلى علاج لهذا
وقد أرشدنا العلماء
المرض العضال، ومن ذلك ما صوره
العلامة الألوسي بقوله: ((ولا تنظروا إلى
ذنوب العباد كأنكم أرباب، وانظروا في
ذنوبکم کانکم عباد، والناس رجلان مبتلى
ومعافى، فارحموا أهل البلاء، واحمدوا
الله على العافية، ومن أحس بقسوة في قلبه
فليهرع إلى ذكر الله تعالى وتلاوة القرآن،
يرجع إليه حاله، كما أشار إليه قوله عز
وجل: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهُ يُحِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾
[الحديد: ١٧].
فهو تمثيل ذكر استطرادًا لإحياء القلوب
القاسية بالذكر والتلاوة بإحياء الأرض الميتة
بالغيث؛ للترغيب في الخشوع، والتحذير
عن القساوة))(١).
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٧/ ١٨١.
٤٢٤
جوبيهـ
القرآن الكريم

القلب
من آثار القسوة:
١. الاجتراء على تحريف كلام الله، قال
سبحانه وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ
قَسِيَّةٌ يُحَرِفُونَ الْكَلِمَ عَنِ
مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ١٣].
٢. الغش: قرأ حمزة والكسائي: ﴿وَجَعَلْنَا
قُلُوبَهُمْ قَسِيَةٌ﴾ مأخوذ من قولهم:
درهم قسي: أي زيف، أي: قلوبهم
مغشوشة، ليست خالصة.(١).
٣. عدم التذلل للخالق، قال سبحانه
وتعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَآءَ هُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ
وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَنُ مَا
[الأنعام: ٤٣].
كَانُواْ يَعْمَلُونَ
يقول المحقق الألوسي: ((فلولا إذ
جاءهم بأسنا تضرعوا، هذا محمول على
التوبيخ والتنديم، وهو يفيد الترك وعدم
الوقوع؛ ولذا ظهر الاستدراك والعطف في
قوله سبحانه وتعالى:
والتضرع: التذلل بالتوبة من الكفر، وهو
منفي هنا؛ لأن التضرع ناشئ من القلب،
فنفیه نفيه.
فكأنه قيل: فما لانت قلوبهم ولكن
قست (٢).
بني إسرائيل من لدن موسى عليه السلام
(١) بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ٤ / ٢٧٠.
(٢) روح المعاني ١٧/ ١٧٤.
وحتى عصرنا الحاضر، فلا عهد لهم ولا
ميثاق ولا ذمة، الخيانة طبعهم، والنفاق
صنيعهم، والغدر ديدنهم، والكفر أسهم
وأصلهم.
مسألة: ذكر الله سبحانه وتعالى أن
اطمئنان القلب لصيق الذكر ورفيقه، فكيف
ينتج ذكر الله عز وجل قسوة، وذلك في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن
ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].
يجيب العلامة الفخر فيقول: ((إن النفس
إذا كانت خبيثة الجوهر كدرة العنصر بعيدة
عن مناسبة الروحانيات، شديدة الميل إلى
الطبائع البهيمية والأخلاق الذميمة فإن
سماعها لذكر الله يزيدها قسوة وكدورةً.
وتقرير هذا الكلام بالأمثلة: فإن الفاعل
الواحد تختلف أفعاله بحسب اختلاف
القوابل، كنور الشمس يسود وجه القصار،
ويبيض ثوبه، وحرارة الشمس تلين الشمع
وتعقد الملح، وقد نری إنسانًا يذكر كلامًا
واحدًا في مجلس واحد فيستطيبه واحد
ويستكرهه غيره، وما ذلك إلا ما ذكرناه
من اختلاف جواهر النفوس، ومن اختلاف
أحوال تلك النفوس، ولما نزل قوله سبحانه
وهذا ليس بغريب على الكفار ولا على وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَلَتٍْ مِّن
طِينٍ ﴾[المؤمنون: ١٢] وكان قد حضر
هناك عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإنسان
آخر، فلما انتھی رسول الله صلى الله عليه
www. modoee.com
٤٢٥

حرف القاف
وسلم إلى قوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّأَنشَأْنَهُ هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
فِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَى﴾
[فصلت: ٤٤].
خَلْقَاءَاخَرَ﴾ قال كل واحد منهما: ﴿فَتَبَارَكَ
اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَلِقِينَ﴾ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (اکتب فھکذا نزلت) فازداد
عمر إیمانًا علی إیمان، وازداد ذلك الإنسان
کفرًا علی کفره.
إذا عرفت هذا لم يبعد أيضًا أن يكون
ذكر الله يوجب النور والهداية والاطمئنان
في النفوس الطاهرة الروحانية، ويوجب
القسوة والبعد عن الحق في النفوس الخبيئة
الشيطانية.
وإذا عرفت هذا فنقول: إن رأس الأدوية
التي تفيد الصحة الروحانية ورئيسها هو ذكر
الله سبحانه وتعالى، فإذا اتفق لبعض النفوس
أُن صار ذکر الله سببًا لازدياد مرضها فكان
مرض تلك النفوس مرضًا لا يرجى زواله،
ولا يتوقع علاجه، وكانت في نهاية الشر
والرداءة؛ فلهذا المعنى قال سبحانه وتعالى:
﴿فَوَيْلٌ لِلْفَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِّ أُوْلَكَ فِى
ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢](١).
ولا غرابة أليس قد قال الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ أَشْمَأَزَّنْ
قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةٌ وَ إِذَا ذُكِرَ
الَّذِينَ مِن دُونِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ )
[الزمر: ٤٥].
وقال أيضًا: ﴿قُلّ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦٦/٢٦ -٢٦٧.
فَضْو
٢. الريب.
الريب في الأصل مصدر رابني الشيء
إذا حصل فيك الريبة وهي قلق النفس
واضطرابها، والريبة وإن اشتهرت في معنى
الشك إلا أن معناها الأصلي قلق النفس
واضطرابها إلا أنه عدل عن معناه المصدري
واستعمل في معنى الشك في قوله تعالى:
﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[البقرة: ٢٣].
وفي نظائره لكونه سببا لقلق النفس
واضطرابها على طريق إطلاق اسم المسبب
وإرادة السبب، والشك وقوف النفس بين
شيئين متقابلين بحيث لا ترجح أحدهما
على الآخر فتقع في الاضطراب والحيرة،
ومن هنا فإنه لا ريب في القرآن صادر
ممن آمن به؛ ولذلك نفى الله عز وجل عن
المؤمنين الارتياب، فقال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَ يَرَابَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [المدثر:
٣١].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِالَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَهَدُواْ
بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ
الصََّدِقُونَ ﴾ [الحجرات: ١٥](٢).
(٢) حاشية زاده على البيضاوي ١/ ٧٥.
٤٢٦
جَوْسُورُ
القرآن الكريم

القلب
وقد جاء الريب مقترنا بالقلوب في في قلوبهم من مرض النفاق، أم شكوا في
نبوة محمد صلی الله عليه وسلم؟!
مواضع كلها تخص المنافقين:
الموضع الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
يَسْتَنْذِئُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ
اَلْآَخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِ رَيْبِهِمْ
يَتَرَدَّدُونَ ﴾ [التوبة: ٤٥].
هذه الآية الكريمة تتحدث عن المنافقين
إذ هم الذين كانوا يستأذنون النبي صلى الله
عليه وسلم في التخلف عن الجهاد معه،
من غير عذر بينٍ، وهم الذين شكت قلوبهم
في حقيقة وحدانية الله، وفي ثوابه أهل
طاعته، وعقابه أهل معاصيه فهم في شكهم
متحيرون، وفي ظلمة الحيرة مترددون، لا
يعرفون حقًا من باطل، فيعملوا على بصيرة.
الثاني: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا دُهُوّا إِلَى اللَّهِ
وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بِيَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم ◌ُعْرِضُونَ
٤٩
وَإِن يَكُن لَُّ اَلْحَقِّ يَأْتُوَاْ إِلَيْهِ مُدْعِنِينَ
٤٨
أَفِ قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ أَمِ آَرْتَابُواْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِفَ اللهُ
عَلَيْهِمْ وَرَسُولَةٌ، بَلْ أُوْلَكَ هُمْ الَّالِمُونَ )
[النور: ٤٨-٥٠].
في شأن المنافقين بين سبحانه أن
من خصالهم الذميمة أنهم إذا دعوا في
خصوماتهم إلى ما في كتاب الله وإلى
رسوله؛ لیحکم بینھم إذا فريق منھم معرض
لا يقبل حكم الله وحكم رسوله، مع أنه
الحق الذي لا شك فيه. ثم يستفهم القرآن
استفهاما إنكاريا قائلا: أسبب الإعراض ما
الثالث: قوله سبحانه وتعالى في سورة
﴿وَالَّذِينَ أَتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا
التوبة:
وَكُفْرًا وَتَغْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا
لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُّ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ
أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىّ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ
لَا نَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدُّ أُسِسَ عَلَى
(١٠٧)
التَّقْوَ مِنْ أَلِيَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ
يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِرِينَ
أَفَمَنْ أَسَّسَ بُلْيَكِنَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ
(١٠٨
اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَنَهُ عَلَى شَفَا
جُرُفٍ هَارٍ فَأَتَهَارَ بِهِ، فِي نَارٍ جَهَتُمْ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى
اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٦ لَا يَزَالُ بَلْيَنُهُمُ الَّذِى
بَنَوْاْ رِيبَةٌ فِ قُلُوبِهِمْ إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمُّ وَاَللَّهُ
عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٧ - ١١٠].
ولنا وقفة مع هذه الآية الكريمة التي بينت
حال المنافقين وأظهرت دينهم وديدنهم -
وهم أهل الريب وأس التشكيك والشك -
من خلال هذه الفعلة الآثمة التي فعلوها مع
نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم وسجلها
الله عز وجل في قرآنه لنحذرهم، ونعد العدة
لفضح مؤامراتهم وعدم تصديقهم أو السير
في ركابهم، هذه الفعلة التي فعلوها ببنائهم
مسجد الضرار، فقد بناه المنافقون بهدف
مضارة المؤمنين وكيدهم ونصرة الكفرة
والكافرين.
www. modoee.com
٤٢٧

حرف القاف
وهذا الهدف لم يظهروه فلا ننس أنهم نبوته(١).
منافقون، وليقسمن ما أردنا ببنائه إلا الخير،
والله يعلم کذبهم في ذلك، ثم يأمر الله نبيه
صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿لَانَقُمْ فِيهِ
أَبَدًا﴾ لأن هذا المكان لم بين إلا ليكون
معقلًا للنفاق وأهله، ثم يذكر الحق سبحانه
وتعالى ما يتعلق بمسجد قباء، وما على
شاكلته من بيوت الله الخالصة له وحده،
فيقول: لمسجد أسس على التقوى من بداية
أمره أحق أن تقوم فيه؛ لأن فيه رجالًا مؤمنين
أطهارًا، والله يحب من كان كذلك، والله
يحب المطهرين.
ثم يعقب ذلك باستفهام إنكاري: أفمن
أسس بنيانه على تقوی من الله ورضوان،
كمن أسس بنيانه على طرف واد متصدع
مشرف على السقوط فسقط به في نار
جهنم؟! والله لا یوفق الظالمین إلى الرشاد،
لا يزال بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم.
يقول الفخر: المعنى: إن بناء ذلك البنيان
صار سببًا لحصول الريبة في قلوبهم فجعل
نفس ذلك البنيان ريبة لكونه سببًا للريبة؛
ولكونه سببًا للريبة وجوه:
منها: أن المنافقين عظم فرحهم ببناء
مسجد الضرار، فلما أمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم بتخريبه ثقل ذلك عليهم
وازداد بغضهم له، وازداد ارتيابهم في
وحاصل المعنى: لا يزال هدم بنيانهم
الذي بنو سببًا للقلق والاضطراب والوجل
في القلوب(٢).
هذه الريبة تمكنت من قلوبهم، ولن
تخرج إلا بعد مفارقة الروح للجسد، قال
سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُلْيَشُهُمُ الَّذِى
بَنَوْ رِيبَةٌ فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي:
تتصدع قلوبهم فيموتوا.
ثُمَّلَقَطَعْنَا
وذلك كقوله سبحانه وتعالى:
﴾ [الحاقة: ٤٦].
٤٦
مِنْهُ الْوَتِينَ
لأن الحياة تنقطع بانقطاع الوتين(٣).
فالاستثناء في ﴿إِلَّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾
من أعم الأوقات أو من أعم الأحوال، وما
بعد ﴿إِلّ﴾ في محل النصب على الظرفية،
أي: لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا
وقت تقطع قلوبهم.
أو في كل حال إلا حال تقطعها، أي:
تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وإضمار
الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء إلا
إذا انقطعت وفرقت، وحينئذ تخرج منها
الريبة وتزول، وهو خارج مخرج التصوير
والفرض.
وقيل: المراد بالتقطيع ما هو كائن
بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة،
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٢/١٦.
(٢) روح المعاني، الألوسي ٢٤/١١.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٦/٨.
٤٢٨
جوبيع
القرآن الكريم

القلب
وروي ذلك عن بعض السلف.
وأخرج ابن المنذر وغيره عن أيوب،
قال: كان عكرمة يقرأ: (إلا أن تقطع قلوبهم
في القبور) (١).
وقيد القرطبي الغل بالكمون في الصدر
وقيل: إلا بمعنى إلى، بدليل أنه قرئ بها حيث قال: ((الغل: الحقد الكامن في
شاذًا(٢).
وهذه الآية تؤكد ثوابت هذا البحث من
أن القلب هو محل أمور الإنسان، يقول
الفخر: ((وارتابت قلوبهم: يدل على أن
محل الريب هو القلب فقط، ومتى كان
محل الريب هو القلب كان محل المعرفة
والإیمان۔أيضًا-هو القلب؛ لأن محل أحد
الضدين يجب أن يكون محلًا للضد الآخر؛
ولهذا السبب قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَنَ﴾ [المجادلة: ٢٢]وإذا كان
محل المعرفة والكفر القلب، كان المثاب
والمعاقب في الحقيقة هو القلب، والبواقي
تکون تبعًا له (٣).
٣. الغل.
من الصفات المذمومة التي تمرض
القلب وتجعله ذا علة ((الغل)).
الغل بالکسر مصدر غل یغل بمعنی غش
وحقد، والغين واللام أصلٌ صحيحٌ يدل
على تخلل شيءٍ، وثبات شيء، كالشيء
(١) روح المعاني، الألوسي ٢٤/١١.
(٢) انظر: حاشية الجمل ٣/ ٣٢٥.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٦/ ٨٠.
يغرز. من ذلك قول العرب، غللت الشيء
في الشيء إذا أثبته فیه، کأنك غرزته، ومن
الباب الغل، وهو الضغن ينغل في الصدر (٤).
الصدر)) (٥).
وهو العداوة، وغل يغل: إذا خان، وأغل:
أي: صار ذا أغلال، أي: خيانة (٦).
وفي استعمال القرآن الكريم جاء الغل
مرتبطا بالقلب صراحة في موضع واحد
هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ والدَّارَ وَالْإِيمَنَ
مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَّيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ
فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ
شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ )
وَالَّذِينَ جَدُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ
وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلَّا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَا إِنَّكَ
رَءُوفٌ رّحِيمٌ
﴾ [الحشر: ٩ - ١٠].
١٠
وقد بين المولى سبحانه وتعالى في هذه
الآية بعضًا من سجايا الأنصار وأخلاقهم،
فيقول عز وجل: ﴿وَاَلَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ
وَاَلْإِيمَنَ﴾ أي: اتخذوا المدينة منزلاً وسكنًا،
واعتقدوا الإیمان وأخلصوه من قبل کثیر من
المهاجرين يحبون من هاجر إليهم فيمدونهم
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٧٥/٤.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٢٢٢/٩]
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٣.
www. modoee.com
٤٢٩

حرف القاف
بالأموال وينزلونهم منازلهم ويحتفون بهم المؤمنين، وحث على الدعاء للصحابة،
وتصفية القلوب من بغض أحد منهم.
أیما احتفاء، وفوق هذا كله لا يجدون حزازة
ولا غيظًا مما أعطى المهاجرون من الغنيمة
دونهم، ويفضلون غيرهم بالمال وغيره،
ولو کانوا في غاية الاحتیاج إلیه، ومن حماه
الله من البخل والجشع والطمع فأولئك هم
الموفقون في الدنيا، المفلحون في الآخرة،
والذين جاؤوا من بعدهم وهم التابعون لهم
بإحسان في كل زمان ومكان يدعون ربهم
قائلين: يا ربنا اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين
الذين سبقونا بالإيمان بك، ولا تجعل في
قلوبنا بغضًا ولا حسدًا لأحد من المؤمنين
الموحدین، ربنا إنك رؤوف رحيم فاستجب
وتقبل منا یا ربنا.
وهاتان الآيتان بفضل الله تعالى استوعبتا
جميع شرائح المؤمنین في الدنيا.
يقول الفخر الرازي رحمه الله تعالى:
((اعلم أن هذه الآيات قد استوعبت جميع
المؤمنين؛ لأنهم إما المهاجرون أو الأنصار
أو الذين جاؤوا من بعدهم، وبين أن من
شأن من جاء من بعد المهاجرين والأنصار
أن يذكر السابقين -وهم المهاجرون
والأنصار- بالدعاء والرحمة، فمن لم يكن
كذلك، بل ذكرهم بسوء كان خارجًا من
جملة أقسام المؤمنين حسب نص الآية)) (١).
وفي الآية ذم للغل إذا كان على أحد من
سمع رجل وهو يتناول بعض
المهاجرين، فدعي فقرأ عليه قوله تعالى:
﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ
وَأَمْوَلِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] الآية.
ثم قيل له: هؤلاء المهاجرون أفمنهم
أنت ؟ قال: لا، ثم قرأ عليه: ﴿وَالَِّينَ
جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية. ثم قال أفمن هؤلاء
أنت؟ قال: أرجو. فرد علیه: لا والله ليس
من هؤلاء من سب هؤلاء، فكان أعظم ما
تميز به الصحابة رضوان الله عليهم خلو
قلوبهم من الغل.
وخلو القلب من الغل كان سببًا في أن
الصحابة - رضوان الله عليهم - حاروا في
رجل وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بأنه
من أهل الجنة، وما كانت فيه ميزة أعظم من
أنه یبیت وليس في قلبه غل ولا حقد ولا
حسد لأحد من المسلمین.
(فعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى
الله علیه وسلم قال ۔ في أیام ثلاثة - (يطلع
عليكم الآن رجل من أهل الجنة) فطلع فيها
رجل من الأنصار، فبات معه عبد الله بن
عمرو بن العاص ثلاث ليال مستکشفًا حاله،
فلم یر له کثیر عمل، فأخبره الخبر، فقال له:
ما هو إلا ما رأيت، غير أني لا أجد في نفسي
غلًا لأحد من المسلمين، ولا أحسده على
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨٩/٢٩.
٤٣٠
القرآن الكريم

القلب
خير أعطاه الله تعالى إياه.
وأصله يستعمل في الأجسام، لكن قد
فقال له عبد الله: هذه التي بلغت بك، يستعار للمعاني، قال سبحانه وتعالى:
وهي التي لا نطيق.
وفي رواية أنه قال: لو كانت الدنيا لي
فأخذت مني لم أحزن عليها، ولو أعطيتها
لم أفرح بها، وأبيت وليس في قلبي غل على
أحد.
فقال عبد الله: لكني أقوم الليل وأصوم
النهار، ولو وهبت لي شاة لفرحت بها، ولو
ذهبت لحزنت عليها، والله لقد فضلك الله
تعالى علينا فضلًاً بينًا) (١).
وبعد:
فالغل من الأمراض الفتاكة بالقلوب،
وعلاجه القناعة بقسم الله للعبد، وعدم
التطلع إلى الغير؛ لأن ذلك يورث القلب
همّا، والهم ينتج حقدًا وحسدًا، ولا يجوز
لمسلم أن يحمل في صدره هذا الداء إلا في
حالة واحدة، ويكون عين الداء أصل الدواء،
هذه الحالة تكون عندما يوجه الحقد والغيظ
والغل لأعداء الإسلام والمسلمين، لا من
المسلم ضد أخيه المسلم.
٤ . الغلظة.
من صفات القلوب المريضة: الغلظة.
الغلظة ضد الرقة، يقال: غِلْظَةٌ وغُلْظَةٌ،
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ١٦٦/٣، رقم
٢٥٦.
وصححه الألباني في السلسة الصحيحة، رقم
٢٥.
﴿قَدِلُواْ أَلَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ
وَلَيَجِدُواْ فِيَكُمْ غِلَّةٌ﴾ [التوبة: ١٢٣] أي:
خشونة أو قسوة (٢).
وأحسن ما قيل في الغلظة ما قاله
القرطبي: ((وغلظ القلب: عبارة عن تجهم
الوجه، وقلة الانفعال في الرغائب، وقلة
الإشفاق والرحمة.
وقد وردت هذه المادة في آي القرآن
الكريم، من ذلك قوله سبحانه وتعالى:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمَّ وَلَوْكُنْتَ فَظًّا
غَلِيظَ الْقَلْبِ لَأَنَفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ
وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمِيِّ فَإِذَا عَبْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِلِينَ ()﴾ [آل
عمران: ١٥٩].
هذه الآية الكريمة وردت في معرض
الحديث عن غزوة أحد، وذلك في سورة
آل عمران، هذه الغزوة التي أصيب فيها
المسلمون بمصيبة عدم النصر؛ وذلك لأمور
متعددة يعلمها الله عز وجل منها عدم تطبيق
الصحابة رضوان الله عليهم أوامر النبي
صلى الله عليه وسلم، فكان حاله صلى الله
عليه وسلم بين العقاب والعتاب للمخالفين،
فأنزل الله سبحانه وتعالى ﴿فَبِمَارَحْمَةٍ مِّنَ
اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة من الله
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٦٤.
www. modoee.com
٤٣١

حرف القاف
أو دعها قلبك یا محمد صلى الله عليه وسلم
فألنت جانبك لأصحابك مع مخالفتهم،
ولو كنت جافي الطبع، قاسي القلب لتفرقوا
عنك، ونفروا منك، فاعف عنهم، واصفح
واطلب المغفرة لهم، وأعد إليهم ثقتهم
بالله، ثم بأنفسهم وذلك بمشورتك إياهم
في الأمر، فإذا عزمت وصممت فتوكل على
الله، إن الله يحب المتوكلين عليه، والآية
يحمل مضمونها نفيًا صريحًا لكل معايب
الأخلاق عن النبي صلی الله عليه وسلم.
ومنها الفظاظة والغلظة كما بين عبد الله
ابن عمرو في حديث البخاري في وصف
النبي صلى الله عليه وسلم من أنه (ليس بفظٍ
ولا غليظٍ ولا سخابٍ في الأسواق ولا يدفع
بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر) (١).
الفظاظة: الجفوة في المعاشرة قولًا
وفعلًا.
والله سبحانه وتعالى منع نبيه صلى الله
عليه وسلم من الغلظة، وأمره بالغلظة في
قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ جَهِدٍ
الْكُفَّارَ وَالْمُنَفِقِينَ وَأَغْلُظْ عَلَيْهِمَّ وَمَأْوَنِهُمْ
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [التحريم : ٩].
فهاهنا نهاه عن الغلظة على المؤمنين،
وهناك أمره بالغلظة مع الكافرين، فهو كقوله
سبحانه وتعالى: ﴿أَذِلَّدٍ عَلَ الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا)،
الفتح ٨/ ٤٧٥.
﴾ [المائدة: ٥٤].
الكفرِينَ
رُجَاءُ بَيْنَهُمَّ تَرَّهُمْ رَكْعَا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩].
﴿أَشِدَآءُ عَلَى الْكَفَّارِ
وقوله سبحانه وتعالى:
وتحقيق القول فيه: أن طرفي الإفراط
والتفريط مذمومان، والفضيلة وسط، فورود
الأمر بالتغليظ تارة وأخرى بالنهي عنه إنما
كان لأجل أن نتباعد عن الإفراط والتفريط
فيبقى الأمر وسطا وكذلك جعلناكم أمة
وسطًا (٢).
والمراد بالوسطية العدل باستعمال الرأفة
والرحمة من المؤمنين، والغلظة والشدة مع
الكافرين لا سيما في الجهاد. إذن فالغلظة
من أمراض القلوب التي يجب على المؤمن
أن يتنزه عنها.
٥. اللھو.
من الصفات الممرضة للقلب: اللهو.
واللهو: ما يشغل الإنسان عما يعنيه
وبهمه. يقال: لهوت بكذا، ولهیت عن كذا:
اشتغلت عنه بلهو قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلَيَوَةُ
الدُّنْيَا لَعِبُّ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦].
﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾
[العنكبوت: ٦٤].
ويعبر عن كل ما به استمتاع باللهو. قال
تعالى: ﴿لَوْ أَرَّدْنَا أَنْ تَنَّخِذَ لَمَوَا﴾ [الأنبياء: ١٧].
وهو مأخوذ من قول العرب، لهیت عن
ذکر الشيء إذا ترکته وسلوت عنه، ألھی لھیًا
(٢) مفاتيح الغيب ٦٦/٩.
٤٣٢
جَوَسُوع
القرآن الكريمِ

القلب
ولهيانًا(١).
فاللهو: سهو وإعراض وتشاغل وذهول
وغفلة عن الحق، وقد جاء اللهو مقترنا
بالقلب في الاستعمال القرآني في قوله
تعالى: ﴿أَقْتَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِ
غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ) مَا يَأْنِهِم مِّن ذِكْرٍ
◌ِّن رَّهِم مُحْدَثٍ إِلَّا أَسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ
هَذَآ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ [الأنبياء: ١ -٣].
مطلع سورة الأنبياء يحمل تخويفًا
وترهیبًا وإنذارًا، تحسبًا لقرب وقت حساب
الناس على أعمالهم، وهم مستغرقون في
شهواتهم غافلون عن اليوم الذي تشيب له
النواصي.
وغفلتهم وإعراضهم لکونھم لا يعبؤون
بالقرآن، فما يأتيهم من شيء من القرآن
متجدد النزول فيه عظة لهم وتذكير إلا
استمعوه وهم يلعبون استهزاءًا ﴿لَاهِيَةً
قُلُوبُهُمْ﴾ والمعنى: أنهم وإن فطنوا فهم في
قلة جدوی فطنتھم کانھم لم یفطنوا أصلًا،
وثبتوا على رأس غفلتهم وسهوهم وذهولهم
عن التأمل والتبصر بقلوبهم (٢).
فاللهو والتشاغل عن ذكر الله من صفات
القلوب المريضة التي تحول بين القلب
(١) انظر المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٧٤٨.
(٢) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٥٦٢.
والجد، وإن كنا نرى اللهو في الجوارح،
إلا أنه في الحقيقة لو لم يله القلب لما لهى
عضو من أعضاء الجسد، أليس القلب رئيسه
وسيده المطاع.
٦. الزيغ.
ورد الزيغ في القرآن العظيم في آيات
متعددة بلغت ثمانيا منها أربعة متصلة
بالقلب، ثنتان منها في سورة آل عمران هما
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِنَبَ مِنْهُ
ءَايَلْتٌ تُحْكَمَتُ هُنَّ أُمُّ الْكِتَبِ وَأَخَرٌ مُتَشَيِهَتٌ
فَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيٌْ فَيَتَِّعُونَ مَا تَشَبَهَ مِنْهُ
أنْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَأَبْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَةُ: إِلَّا
اَللَّهُ وَالرَّسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ، كُلُّ مِنْ عِنْدِ
رَبَا لَا تُرْعُ
رَيْنَأُ وَمَا يَذَكَرُ إِلَّ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ®
قُلُوبْنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَقَّابُ ﴾ [آل عمران: ٧-٨].
والثالثة في قوله تعالى: ﴿لَقَد تَّبَ
اللّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ
الَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ فِ سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ
مَا كَادَ يَزِيعُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ
عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
[التوبة: ١١٧].
والرابعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ، يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِ وَقَد
تَّعْلَمُونَ أَنِى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُواْ
أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ
٥﴾ [الصف: ٥].
www. modoee.com
٤٣٣

حرف القاف
ومعنى الزيغ: الميل عن الاستقامة، وصحة نسبة ذلك إلى الله تعالى مذهب
والتزايغ: التمايل، ورجل زائغ وقوم زاغة أهل السنة في أفعال العباد الظاهرة.
وزائغون (١).
وعلى ذلك فالزيغ إذا أضيف إلى القلوب يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى
کان معناه ابتعادها عن الاستقامة، وابتعادها
عن الاستقامة يعني: جنوحها إلى الضلال،
وقد ورد دعاء المؤمنين ألا يميل سبحانه
قلوبهم إلی الباطل بعد أن هداهم للإيمان
الحق في قوله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَِّا لَا تُرعُ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ
الْوَقَّابُ (٨)
﴾ [آل عمران: ٨].
ومعني ﴿وَهَبْ لَنَا مِن ◌َّدُنكَ رَحْمَةً﴾ أي:
امنحنا من فضلك وكرمك رحمة تثبتنا
بها على دينك الحق، إنك أنت الوهاب
المتفضل على عبادك بالعطايا والمنح.
وهذا الدعاء (٢) يحتمل أن يكون من
تمام مقالة الراسخين، ويحتمل أن يكون
على معنى التعليم، أي: قولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُرْعُ
قُلُوبَنَا﴾ عن نهج الحق إلى اتباع المتشابه
بتأويل لا ترتضيه بعد إذ هديتنا إلى معالم
الحق من التفويض في المتشابه أو الإيمان
بالقسمين أو التأويل الصحيح.
يقول الألوسي: ﴿لَا تُرِعْ قُلُوبَنَا﴾ أي:
لا تضلنا بعد الهداية؛ لأن زيغ القلوب في
مقابلة الهداية، ومقابل الهداية الإضلال،
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢١٧.
(٢). انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١٩٣.
جَوَسُولَةُ التقنية
القرآن الكريمِ
ومذهب أهل السنة: أن القلب صالح لأن
الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا
عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالی،
فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر فهي
الخذلان والإزاغة والصد والختم والطبع
والرين والقسوة والوقر والكنان، وغيرها من
الألفاظ الواردة في القرآن.
وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان
فھي التوفيق، والرشاد، والهداية، والتسديد،
والتثبيت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ
الواردة في القرآن الكريم.
وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي
الدرداء، قال: كان عبد الله بن رواحة إذا
لقيني قال: اجلس بنا نؤمن ساعة. فيجلس
نتذكر الله تعالی علی ما یشاء، ثم قال: يا
عويمر هذه مجالس الإيمان، إن مثل الإيمان
ومثلك کمثل قميصك، بینا أنت قد نزعته إذ
لبسته، وبینا أنت قد لبسته إذ نزعته، یا عویمر
للقلب أسرع تقلبًا من القدر إذا استجمعت
غليانًا(٣).
والإزاغة عقوبة ربانية لكل من اجترأ
على الله عز وجل. يقول القرطبي: ((هذه
الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل
(٣) روح المعاني، الألوسي ٣/ ٩٠.
٤٣٤

القلب
وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره بما
ينبغي، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولًا أن
ذلك الوقت إلى نصارى نجران))(١).
لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد
الفاسدة، ثم إنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا
من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة
وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة (٥).
ومن عدله سبحانه وإحسانه أن رتب
عقابه بالإزاغة على إجرام العبد في حق
نفسه بالزيغ ابتداءً. قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا
زَاعُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
اٌلْفَسِقِينَ﴾ [الصف: ٥].
أي: فلما أصروا على الزيغ والانحراف
عن الحق الذي جاء به عليه الصلاة والسلام
واستمروا عليه ﴿أَزَاغَ اَللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي:
صرفها عن قبول الحق والميل إلى الصواب
لصرف اختیارهم نحو العمى والضلال(٢).
فهم أولًا مالوا عن الحق فكان المترتب
عليه إمالة الله لقلوبهم عن الهدى.
وقيل: فلما تركوا ما أمروا به من احترام
الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعة الرب
خلق الله الضلالة في قلوبهم عقوبة لهم
على فعلهم(٣).
وفي هذا تنبيه على عظم إيذاء النبي صلى
الله عليه وسلم حتى إنه يؤدي إلى الكفر
وزيغ القلوب عن الهدى (٤).
يقول العلامة الفخر: ((اعلم أن تطهير
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠١٣/٤
والمقصود بالآية في كلام القرطبي، آل عمران
رقم ٨.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٨/ ٨٥.
(٣) المصدر السابق ١٨/ ٨٢.
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٣/٢٩.
ثالثًا: القلب الميت.
ويتصف هذا القلب المريض بعدة
صفات، منها:
١ . العمى.
من أمراض القلوب العمى، والعمى
كما يقول الراغب: يقال في افتقاد البصر
والبصيرة، ويقال في الأول: أعمى، وفي
الثاني: أعمى وعمٍ، فمن الأول: ﴿أَنْ جَهُ
اٌلْأَعْمَى ﴾ [عبس: ٢].
ومن الثاني: ما ورد من ذم العمى في
القرآن، نحو قوله سبحانه وتعالى: ﴿ ◌ُّ
بُكُمْ عُنْىٌ﴾ [البقرة: ١٨].
وقوله: ﴿فَعَمُواْ وَصَتُّواْ﴾ [المائدة: ٧١].
بل لم يعد افتقاد البصر في جنب افتقاد
البصيرة عمى، وجمع أعمى: عميٍّ وعميان،
وهو يحتمل لعمى البصر والبصيرة معًا (٦)
٠
وعند ابن فارس: ((العين والميم والحرف
(٥) المصدر السابق ٧/ ١٩٦.
(٦) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص
٣٤٨.
www. modoee.com
٤٣٥

حرف القاف
المعتل أصل واحد يدل على ستر وتغطية(١). عليه مرة بعد أخرى إلى أن يسود ويظلم
ویصیر بالکلیة محجوبًا عن الله.
وقد ورد العمى مقترنا بالقلب في
الاستعمال القرآني في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ
يَسِيرُواْ فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا
أَوْ ءَانَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَرُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِى فِي الصُّدُورِ ﴾
[الحج: ٤٦].
الآية الكريمة أهل مكة، وكل من على
شاكلتهم، فيقول: أفلم يسيروا: أي: يسافروا
ويرتحلوا ويسيحوا في الأرض؛ ليشاهدوا
ما حل بالكافرين من هلاك ودمار فيعتبروا
بهم ويما حل بديارهم، وهلا عقلوا ما يجب
أن يعقل من الإيمان والتوحيد فتكون لهم
آذان يسمعون بها المواعظ الزاجرة، فليس
العمى على الحقيقة عمى البصر، ولكن
العمی عمى البصيرة. فکم من مبصر حسیًا
كزرقاء اليمامة (٢) حدة في الإبصار، ولكنه
أعمى في ذات الوقت فلا یری الحق فيهتدي
ولا الباطل فيجتنب.
ويعبر الإمام الغزالي بعباراته المتفردة
عن العمى فيقول: «المعاصي دخان مظلم
يتصاعد إلى مرآة القلب، ولا يزال يتراكم
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤ /١٣٣.
(٢) كانت امرأة عربية حادة البصر تنظر إلى مسافة
بعيدة على غير قياس، فكانت مضرب المثل
في قوة الإبصار.
انظر: خزانة الأدب ٣١٩/٢.
ومهما تراكمت الذنوب طبع على
القلوب، وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك
الحق وصلاح الدين، ويستهين بأمر الآخرة
ويستعظم أمر الدنيا، ويصير مقصور الهم
عليها، فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها
يخاطب المولى تبارك وتعالى في هذه من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن،
ولم يستقر في القلب، ولم يحر كه إلى التوبة
والتدارك أولئك ﴿قَدْ يَبِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَابَيِسَ
اَلْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَبِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة:١٣]))(٣)
أقوال العلماء في عمى القلب، أعاذنا الله
منه.
يقول المحقق الألوسي أثناء تفسيره
آية الحج السالفة: «لا يعتد بعمى الأبصار،
وإنما يعتد بعمى القلوب، فكأن عمى
الأبصار ليس بعمى بالإضافة إلى عمى
القلوب، فالكلام تذييل لتهويل ما أبهم من
عدم فقه القلب، وأنه العمى الذي لا عمى
بعده، بل لا عمی إلا هو.
أو المعنى: أن أبصارهم صحيحة سالمة
لا عمى بها، وإنما العمى بقلوبهم، فكأنه
قيل: أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم
قلوب ذات بصائر، فإن الآفة ببصائر قلوبهم
لا بإبصار عيونهم، وهي الآفة التي كل آفة
دونها، فكأنه يحثهم على إزالة المرض،
(٣) إحياء علوم الدين ٣/ ١٢.
٤٣٦
جوية
القرآن الكريمِ

القلب
وینعي علیهم تقاعدهم عنها))(١).
فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِّنَ الرِّيحِ
قال قتادة: البصر الناظر جعل بلغةً فَيُغْرِقَكُم بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُواْلَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ،
ومنفعة، والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: لکل عین أربع أعین آیعني
لكل إنسان أربع أعين] عينان في رأسه
لدنياه، وعينان في قلبه لآخرته، فإن عمیت
عينا رأسه وأبصرت عينا قلبه فلم يضره عماه
شيئًا، وإن أبصرت عينا رأسه وعميت عينا
قلبه فلم ينفعه نظره شيئًا.
تتابع الكلام حول قوله سبحانه وتعالى:
﴿ وَمَن كَانَ فِى هَذِهِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِ الْآَخِرَةِ
أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ٧٢].
سبق تفسير هذه الآية بما قاله الإمام
القرطبي ((من أن من كان في هذه الدنيا
أعمى بقلبه عن الإسلام وإبصار الحق فهو
في الآخرة في النار، وهذا عين الإنصاف؛
لأنه لا ذنب للأعمی فیما حل به.
قال عكرمة: جاء نفر من أهل اليمن
إلى ابن عباس فسألوه عن هذه الآية فقال:
اقرؤوا ما قبلها:
﴿رَّبُّكُمُ الَّذِى يُزْحِ لَكُمُ
اٌلْقُلْكَ فِ الْبَحْرِ لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهَِّ إِنَّهُ كَانَ
وَإِذَا مَسَّكُمُ اَلُّرُ فِ الْبَحْرِ
بِكُمْ رَحِيمًا (٦)
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ
وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا (١) أَفَأَ مِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ
جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا
◌َّجِدُواْ لَكُوَكِيلًا ( أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ
(١) روح المعاني، الألوسي ١٧/ ١٦٧.
وَلَقَدْ كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ
بيعًا .
فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ اْلَيِّبَتِ
وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا
٧٠ ٢﴾ [الإسراء: ٦٦ - ٧٠].
قال ابن عباس رضي الله عنه: من كان في
هذه النعم والآيات التي رأی أعمى فهو عن
الآخرة التي لم يعاين أعمى وأضل سبيلًا.
قال الحسن: من کان في هذه الدنيا أعمی
عن حجج الله البالغة بعثه الله يوم القيامة
وَغْشَرُه، يوم
أعمى، كما قال سبحانه:
قَالَ رَبٍ لِمَ حَشَرْتَفِّ أَعْمَي
اٌلْقِيَمَةِ أَعْمَى )
وَقَدَّكُنْتُ بَصِيرًا ﴾ قَالَ كَذَلِكَ أَنَتْكَ ءَايَتُنَا فَنَسِينَهَا
وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ نُنسَى (١)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
وقيل: فهو في الآخرة أعمى: أي: أشد
عمى؛ لأنه من عمى القلب، ولا يقال مثله
في عمى العين (٢).
بقيت فائدة تخص ذكر الصدور وكونها
مكان القلوب قوله سبحانه وتعالى: ﴿تَعْمَى
الْقُلُوبُّ ◌َلَّتِي فِ الصُّدُورِ﴾ ومعلوم أن القلب
مكانه الصدر بداهة، فما الفائدة المترتبة
على ذكر ﴿الَّتِى فِ الصُّدُورِ﴾؟
والجواب على ذلك يكفينيه جار الله
الزمخشري طيب الله ثراه، فيقول:
«الذي قد تعورف علیه واعتقد أن العمی
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٨/١٠.
www. modoee.com
٤٣٧

حرف القاف
على الحقيقة مكانه البصر، وهو أن تصاب
الحدقة بما يطمس نورها، واستعماله في
القلب استعارة، فلما أريد إثبات ما هو
خلاف المعتقد من نسبة العمى إلى القلوب
حقيقة ونفيه عن الإبصار احتاج هذا التصوير
إلى زيادة تعيين وفضل تعريف؛ ليتقرر أن
مكان العمى هو القلوب لا الأبصار، كما
يقول: ليس المضاء للسيف ولكنه للسانك
الذي بين فكيك، فقولك: الذي بين فكيك
تقرير لما ادعيته للسانه وتثبيت؛ لأن محل
المضاء هو هو لا غير، وكأنك قلت: ما
نفيت المضاء عن السيف وأثبته للسانك فلتة
ولا سهوًا مني ولكن تعمدت به إياه بعينه
تعمدًا))(١).
إذن فذكر الصدر جاء على سبيل
التأكيد وزيادة التعيين والتعريف، كما في
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَهِهِم﴾ [آل
عمران: ١٦٧].
وقولك: ((نظرت بعيني رأسي)).
نخلص إلى حقيقة الحقائق، وهي أن
العمى على سبيل الحقيقة الشرعية هو في
القلب، ويكون حسيًا في العين، ولكن لا
أثر له مع نور القلب، أعاذنا الله من العمى
والعمه، ونسأله أن ینور بصائرنا بنوره.
﴿وَمَنْ لَّْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾.
[النور: ٤٠].
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ١٧.
٢. الران.
مما يميت القلب - والعياذ بالله - تغشيه
بالران، وللإمام الفخر الرازي تفصيلات
تخص معنى الران ذكرها من خلال أهل
اللغة وأهل التفسير فيقول: ((ولأهل اللغة
في تفسير لفظة الرين وجوه، ولأهل التفسير
وجوه أخر.
أما أهل اللغة فقال أبو عبيدة: ران على
قلوبهم: غلب عليها، والخمر ترين على
عقل السكران، والموت يرين على الميت
فيذهب به.
قال الليث: ران النعاس والخمر في
الرأس إذا رسخ فیه، وهو یرین رینًا وریونا.
قال أبو زيد: يقال: رين بالرجل يران به
رينًا إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه.
قال أبو معاذ النحوي: الرين: أن يسود
القلب من الذنوب، وهو كالصدأ يغشى
القلب، ومثله العینین.
والطبع: أن يطبع على القلب، وهو أشد
من الرين.
والإقفال: أشد من الطبع، وهو أن يقفل
على القلب.
وأما أهل التفسير فلهم وجوه: منها: أنه
هو الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب
بالقلب وتغشاه، فيموت القلب.
ومنها أن القلب كالكف فإذا أذنب الذنب
انقبض، وإذا أذنب ذنبًا آخر انقبض وضم
٤٣٨
جوببيو
القرآن الكريم

القلب
أخرى - حتى ضم أصابعه كلها - ثم يطبع وسلم قال: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت
علیه، وهو الرین.
والإنسان إذا واظب على الإتيان ببعض
أنواع الذنوب حصلت في قلبه ملكة نفسانية
على الإتيان بذلك الذنب، ولا معنى للذنب
إلا ما يشغلك بغير الله، وكل ما يشغلك بغير
الله فهو ظلمة فإذن الذنوب كلها ظلمات
وسواد، ولكل واحد من الأعمال السالفة
التي أورث مجموعها حصول تلك الملكة
أثرٌ في حصولها، فذلك هو المراد من
قولهم: كلما أذنب الإنسان حصلت في قلبه
نكتة سوداء حتى يسود القلب، ولما كانت
مراتب الملكات في الشدة والضعف مختلفة
لا جرم كانت مراتب هذا السواد والظلمة
مختلفة، فبعضها یکون ریناً، وبعضها يكون
طبعًا، وبعضها إقفالًا.
قال القاضي الباقلاني: ليس المراد من
الرین أن قلبهم قد تغیر و حصل فيه منع، بل
المراد أنهم صاروا لإيقاع الذنب حالاً بعد
حال متجرئين عليه، وقويت دواعيهم إلى
ترك التوبة وترك الإقلاع فاستمروا وصعب
الأمر عليهم؛ ولذلك بين أن علة الرين لا
تمنع من الإقلاع والتوبة (١).
ولقد فسرت السنة النبوية المطهرة الران
بالسواد الذي يعلو القلب، فعن أبي هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١/ ٩٥ - ٩٦.
في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر
وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو
قلبه، وهو الران الذي ذكر الله ﴿كَلَّابَلْ رَانَ عَلَى
قُلُوبِهِمْ مَّا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾﴾ (٢).
إذن فالران ظلمة وسواد تحول بين
القلب ومعرفة الحق أو الاعتراف به. نسأل
الله العافية.
والران في الاستعمال القرآني جاء في
معرض الحديث عن الفجار في قوله تعالى
﴿كَلَّ إِنَّ كِتَبَ الْفُجَّارِ لَفِى سِبِينٍ ، وَمَا أَذْرَئِكَ مَا
◌ِّينُ كِتَبٌ فَرْقُومُ ، وَيْلٌ يَوْمَيِدٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (
الَّذِينَ يَكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ
مُعْتَدٍ أَثٍِ ، إِذَا تُقْلَى عَلَيْهِ ءَبَنَا قَالَ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ
٢ كَا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
١٤
[المطففين: ٧-١٤].
تتحدث هذه الآيات عن الأشقياء
الفجار، وتصور جزاءهم في الآخرة، فيقول
الله عز وجل ردعًا وزجرًا للمطففين:
﴿كَلَا﴾ وهي للردع والزجر لهم عن غفلتهم
عن البعث والجزاء، إن كتاب الأشقياء لفي
مكان ضيق سحيق ﴿لَفِى سِبِينٍ﴾ وهو مأخوذ
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
باب ومن سورة ويل للمطففين، ٤٣٤/٥،
رقم ٣٣٣٤.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٣٤٢/١، رقم ٠١٦٧٠
www. modoee.com
٤٣٩

حرف القاف
◌َوَمَا أَدْرَتِكَ مَا سِّينَ
من السجن، وهو الضيق
وهل تعلم ما هو سجين ؟ استفهام في غاية
التهويل والتعظيم. ثم يجيب سبحانه وتعالى
﴿كِنَبُقُّومٌ﴾ ومكتوب لا ینسی ولا یمحی.
﴿وَل یومیدٍللمگذِينَ﴾ أي: هلاك ودمار
للمكذبين الذين يكذبون بيوم الجزاء
والحساب؛ لأنه لا يكذب به إلا كل متجاوز
للحد في الكفر والضلال مبالغ في العصيان
والطغيان.
قال: ﴿أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أي: حكايات
وأقاصيص وخرافات الأوائل سطروها
وحبروها في كتبهم، ثم يأتي الردع لهذا
المعتدي الأثيم عن قوله المتجرئ فیه علی
ربه تكذيبًا له: ﴿كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ
يَكْسِبُونَ﴾ بيان ما أدى بهم إلى التفوه بتلك
المقالة الباطلة: أي: ليس في آياتنا ما يصح
أن يقال في شأنها مثل تلك المقالة الباطلة،
بل ركب قلوبهم وغلب عليها ما استمروا
على اكتسابه من الكفر والمعاصي حتى
صار كالصدأ في المرآة، فحال ذلك بينهم
وبین معرفة الحق؛ فلذلك قالوا ما قالوا(١).
نسأل الله معافاته.
٣. الكفر.
من أخطر أسباب موت القلب الكفر.
وقد وردت مادة الكفر في القرآن العزيز
(١) انظر: روح المعاني الألوسي ٧٢/٣٠.
جوسين
القرآن الكريمِ
مرتبطة بالقلب في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا
مِيثَقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الُوَرَ خُذُواْ مَآً
ءَاتَيْنَكُمْ بِقُوَّةٍ وَأَسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا
وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِ قُلُوبِهِمُ اٌلْمِجْلَ
بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِتْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ:
إِيَمَنُكُمْ إِن كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: ٩٣].
هذه آية من آيات كثيرة في القرآن
الكريم تتحدث عن بني إسرائيل وفظائعهم
الفاضحة، فقد أخذ الله علیهم العهد المؤكد
هذا المكذب إذا تتلى عليه آيات القرآن - عن طريق رسله وأنبيائه-على العمل بما في
التوراة، وقد تهددهم الله تعالى برفع الطور
فوقهم فعلًا، قائلًا: ﴿خُذُواْمَآ ءَاتَيْنَكُم
بِقُوَّقِ﴾ أي: بعزم وحزم، وإلا طرحنا الجبل
فوقکم ﴿وَاسْمَعُوا ﴾ سماع طاعة وقبول،
فكان جوابهم: سمعنا قولك، وعصينا
أمرك ﴿وَأَشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْمِجْلَ﴾
أي: خالط حب العجل قلوبهم حتى امتزج
بدمائهم، ودخل السويداء، كما يدخل
الصبغ في الثوب، والماء في العود الأخضر،
كل ذلك بسبب ﴿يِكُفْرِهِمْ﴾ قل لهم
یا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿بِثْسَمَا
يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ
كما تزعمون (٢).
يقول الألوسي: ((وذكر القلوب لبيان
مكان الإشراب، وذكر المحل المتعين يفيد
المبالغة في الإثبات.
(٢) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ٧٩/١.
٤٤٠