النص المفهرس
صفحات 41-54
القرآن الكريم الأدب مع القرآن بين القرآن بيانًا شافيًا أدب الناس مع القرآن. أولًا: أدبھم مع صحفه: وصف الحق سبحانه وتعالی کتابه بأنه في صحف مطهرة بأيدي سفرة: ﴿كَلَّ إِنَّهَا نَذْكِرَةٌ ، فَنْ شَآءَ ذَكَرُهُ فِ مُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أَرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةِ ل ◌ِأَيْدِى سَفَرَةِ كِرَامٍ بَرَزَقْ﴾ ١٣ [عبس: ١١ -١٦]. قال ابن عطية: ((وقال بعض المتأولين: الصحف هنا اللوح المحفوظ، وقيل: صحف الأنبياء المنزلة، وقيل: مصاحف المسلمين، واختلف الناس في (السفرة)، فقال ابن عباس: هم الملائكة؛ لأنهم كتبة يقال: سَفَرْتُ أي: كتبت، ومنه السِّغْرُ، وقال ابن عباس أيضًا: الملائكة سفرة؛ لأنهم یسفرون بین الله تعالی وبين أنبيائه، وقال قتادة: هم القراء، وواحد السفرة سافر، وقال وهب بن منبه: هم الصحابة؛ لأن بعضهم يسفر إلى بعض في الخبر والتعلم، والقول الأول أرجح)) (١). وأما قوله تعالى: ﴿فَلَآّ أُقْسِمُ بِمَوَقِع ﴿ وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ النُّجُومِ إِنَّهُ، لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ ) فِ كِنَبٍ مَّكْنُونٍ ء لَّا يَمَسُّهُ: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ) تَنِيلٌ مِّن (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٣٨/٥. رَّبِّ الْعَلَمِينَ ﴾ [الواقعة: ٧٥ -٨٠]. فهو محتمل لكونه خبرًا أو أمرًا، قال ابن العربي: ((فقيل: لفظه لفظ الخبر، ومعناه النهي، وقيل: هو نفي. وكان ابن مسعود يقرؤها: (ما يمسه إلا المطهرون)؛ لتحقيق النفي))(٢). وتفريعًا على ما سبق، فقد اختلف في المراد بالمس: أهو المس بالجارحة أم لا؟ وفي المراد بالمطهرين: هل هم المطهرون من الحدث أم من شيء آخر؟ قال القرطبي: (اختلف في معنى ﴿لََّ يَمَسُّهُ﴾ هل هو حقيقة في المس بالجارحة أو معنى؟ وكذلك اختلف في ﴿الْمُطَهَّرُونَ﴾ من هم؟ فقال أنس وسعيد بن جبير: لا يمس ذلك الكتاب إلا المطهرون من الذنوب وهم الملائكة. وكذا قال أبو العالية وابن زيد: إنهم الذين طهروا من الذنوب كالرسل من الملائكة والرسل من بني آدم، فجبريل النازل به مطهر، والرسل الذين يجيئهم بذلك مطهرون. الكلبي: هم السفرة الكرام البررة، وقيل: معنى ﴿لَّ يَمَسُّهُ﴾ لا ينزل به ﴿اَلْمُطَهَّرُونَ﴾ أي: الرسل من الملائكة على الرسل من الأنبياء. وقيل: لا يمس اللوح المحفوظ الذي هو الكتاب المكنون إلا الملائكة المطهرون. وقيل: إن إسرافيل (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٤/ ١٧٤. www. modoee.com ٣٠٩ حرف القاف هو الموكل بذلك، حكاه القشيري))(١). ويرى ابن العربي أن الملائكة لا تصل إلى اللوح المحفوظ، قال: ((أما قول من قال: إن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ فهو باطل؛ لأن الملائكة لا تناله في وقت، ولا تصل إليه بحال؛ فلو كان المراد به ذلك لما کان للاستثناء فیه محل. وأما من قال: إنه الذي بأيدي الملائكة من الصحف فإنه قول محتمل؛ وهو الذي اختاره مالك قال: أحسن ما سمعت في قوله: ﴿لَّا يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ أنها بمنزلة الآية التي في (عبس وتولى): ﴿فَن شَآءُ ذَكَرَهُ فِ مُحُفٍ مُكََّةٍ لَ نَّرُوعَةِ مُطَهََّقِم ◌ُ بِأَيْدِى سَفَرَةٍ( كِرَامٍ بَرَرَمَ﴾ یرید: أن المطهرين هم الملائكة الذين وصفوا بالطهارة في سورة (عبس) (٢). وقيل: إن المراد المصحف الذي بایدینا، قال الجصاص: ((روي عن سلمان أنه قال: لا يمس القرآن إلا المطهرون فقرأ القرآن ولم یمس المصحف حین لم یکن على وضوء، وعن أنس بن مالك في حدیث إسلام عمر قال: فقال لأخته: أعطوني الكتاب الذي كنتم تقرؤون، فقالت: إنك رجس وإنه لا يمسه إلا المطهرون! فقم فاغتسل أو توضأ، فتوضأ ثم أخذ الكتاب فقرأه -وذکر (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ٢٢٦/١٧. (٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ١٧٥. الحديث-، وعن سعد أنه أمر ابنه بالوضوء لمس المصحف، وعن ابن عمر مثله، وكره الحسن والنخعي مس المصحف على غير وضوء))(٣). واختاره القرطبي، قال: ((وقيل: المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا، وهو الأظهر. وقد روى مالك وغيره أن كتاب عمرو بن حزم الذي کتبه له رسول الله صلی الله عليه وسلم ونسخته: من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال، والحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال قيل ذي رعين ومعافر وهمدان: أما بعد؛ وكان في كتابه: ألّا يمس القرآن إلا طاهر. وقال ابن عمر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر). وقالت أخت عمر لعمر عند إسلامه وقد لاَ يَمَسَّه؟ دخل عليها ودعا بالصحيفة: إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ فقام واغتسل وأسلم، وعلى هذا المعنى قال قتادة وغيره: يَمَشُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ من الأحداث والأنجاس))(٤). ويلاحظ من الاستظهار على تقرير النهي عن مس المصحف بالأخبار السالفة أن دلالة الآية عليه محتملة وغير صريحة، قال الجصاص: ((إنْ حُمل اللفظ على حقيقة (٣) أحكام القرآن، الجصاص ٣٠٠/٥. (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٢٦/١٧، وانظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٤/ ١٧٥. ٣١٠ ◌ُالنَّسَبَة جوبيع القرآن الكريمِ القرآن الكريم الخبر فالأولى أن يكون المراد القرآن الذي لضرورة التعلم، أو التعبد عند بعضهم، وقد يكون الحكم مُسلَّمًا لا اعتراض عليه، عند الله والمطهرون الملائكة، وإن حُمل على النهي وإن كان في صورة الخبر كان إنما الذي لا يسلم هو أن يكون الحكم مأخوذًا من هذه الآية، فإنك لمست ما فيها عمومًا فينا، وهذا أولى؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في أخبار متظاهرة أنه کتب في كتابه لعمرو بن حزم: ولا يمس القرآن إلا طاهر، فوجب أن يكون نهيه ذلك بالآية؛ إذ فيها احتمال له)»، واقتصر الكيا هراسي على النص على أنها تدل على وجوب الوضوء لمس المصحف من غير تفصيل للمسألة فقال: ((قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ. لَقُرْءَانٌ كَرِمْ ا فِ كِنَبٍ تَكْتُونٍ ) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ يدل على منع مس المصحف من غير وضوء))(١). من احتمالات كثيرة، بل ويرجح بعض العلماء أن الكتاب هو اللوح المحفوظ، وأن الضمير في ﴿يَمَسُّدُ﴾ راجع إليه، وأنه حتى على فرض أن الكتاب القرآن، فليس هو المصحف، بل هو المصحف الذي بأيدي الملائكة، ولئن كان هو المصحف فالمطهرون یحتمل أن يراد منهم المؤمنون، ويراد من المس الإدراك، ويكون المعنى لا تفهمه إلا القلوب الطاهرة، وحرام على القلوب الملوثة أن تجد نور الإيمان. قال البخاري في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به» (٢). ويرى السايس أن منع المحدث من مس المصحف مستفاد من السنة، وذلك يغني عن تكلف إيجاد الدلالة عليه في الآية، قال: (من المفسرين من يريد إرجاع الضمير في: ﴿لَّا يَمَسُّهُ﴾ إلى القرآن الكريم، وأن من الآراء في ﴿اَلْمُطَهَّرُونَ﴾ رأيًا يقول: هم المطهرون من الناس، وأن طهارتهم هي الطهارة الشرعية من الحدثين. على هذين الاعتبارين يقوم استدلال بعض الفقهاء بالآية على عدم مس المحدثين للمصحف، وعدم مس المحدث للمصحف أمر يكاد يجمع عليه، ومن أجازه من الفقهاء أجازه (١) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٣٩٩/٤. ثم يقول: «إذا كان المفسرون تبعا للفقهاء يستدلون بالآية من وجهها الذي استدل بها منه ابن تیمیة علی الحکم کان حسنًا، حيث قال: إن الآية تدل على الحكم من باب الإشارة والتنبيه؛ لأنه ما دامت صحف القرآن في السماء لا يمسها إلا المطهرون، فالصحف التي بأيدينا كذلك ينبغي ألا يمسها إلا الطاهر» (٣). وبناء على ما سبق، يمكن أن نقول: إن (٢) تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٧٢١. (٣) المصدر السابق. www. modoee.com ٣١١ حرف القاف الطهارة عند لمس المصحف أدب يتأدب به المؤمن مشابهة للملائكة المطهرین، وهو يلقي في نفسه شعورًا بعظمة هذا الكتاب وجلال منزله والحفاوة التي صاحبت نزوله وتلاوته في الملأ الأعلى، فضلًا عن كونه واجبًا شرعيًا عند أكثر الفقهاء، قال القرطبي: ((الجمهور على المنع من مسه (لغير المتوضئ)؛ لحديث عمرو بن حزم. وهو مذهب علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد ابن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي. واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وقد روي هذا عن جماعة من السلف منهم ابن عباس والشعبي وغيرهما. وروي عنه أنه يمس ظاهره وحواشيه وما لا مكتوب فيه، وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. وقال مالك: لا يحمله غير طاهر بعلاقة ولا على وسادة. وقال أبو حنيفة: لا بأس بذلك. ولم يمنع من حمله بعلاقة أو مسه بحائل. وقد روي عن الحكم وحماد وداود بن علي أنه لا بأس بحمله ومسه للمسلم والكافر طاهرًا أو محدثًا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله. واحتجوا في إباحة ذلك بکتاب النبي صلی الله عليه وسلم إلى قيصر، وهو موضع ضرورة فلا حجة فيه. وفي مس الصبيان إياه على وجهين: أحدهما: المنع اعتبارًا بالبالغ. والثاني: الجواز؛ لأنه لو منع لم يحفظ القرآن؛ لأن تعلمه حال الصغر، ولأن الصبي وإن كانت له طهارة إلا أنها ليست بكاملة؛ لأن النية لا تصح منه، فإذا جاز أن يحمله على غير طهارة كاملة جاز أن يحمله محدثًا)) (١). ثانيًا: أدبهم عند سماعه: أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين أن يستمعوا وينصتوا إذا قرئ القرآن فقال: ﴿ وَإِذَا قُرِىَ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنْصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. ((وقد وردت الآية هكذا عامة في وجوب الاستماع والإنصات عند قراءة القرآن في كل الأحوال، وعلى جميع الأوضاع خارج الصلاة وداخلها، كل ذلك يجب فيه الاستماع والإنصات للقرآن الكريم إذا قرئ)»(٢). قال السعدي: ((هذا الأمر عام في كل من سمع کتاب الله يتلى، فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات، والفرق بين الاستماع والإنصات، أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه. وأما الاستماع له، فهو أن يلقي سمعه، (١) تفسير آيات الأحكام، السايس ص ٧٢١. (٢) المصدر السابق ص ٤٢٠. ٣١٢ إنـ جوي القرآن الكريمِ القرآن الكريم ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع، فإن من لازم واختلفوا في موضع هذا الإنصات على ثلاثة أقاويل: على هذين الأمرین حین یتلی کتاب الله، فإنه ينال خيرًا كثيرًا وعلمًا غزيرًا، وإيمانًا مستمرًا متجددًا، وهدى متزايدًا، وبصيرة في دينه، ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما، فدل ذلك على أن من تلي عليه الکتاب، فلم يستمع له وینصت، أنه محروم الحظ من الرحمة، قد فاته خیر کثیر)) (١). لكن حمل الآية على ظاهرها بهذه الصورة المطلقة لم يجر على ألسنة المفسرين، وأغلبهم لا يناقش حتى هذا المفهوم المتبادر؛ فعقد ابن العربي مثلا للحديث عنها ثلاث مسائل تناول في أولها: سبب نزولها -و کأنه رآه مخصصًا ومبينًا لما يفهم من عمومها-، ثم تحدث في الثانية والثالثة عن حكم القراءة خلف الإمام(٢). وأما أبو بكر الجصاص فقد اقتصر في الحديث في أحكامه تحت الآية على مسألة القراءة خلف الإمام فقط (٣)، وكذلك فعل الكيا هراسي الشافعي (٤). وَإِذَا وقال الماوردي: ((قوله عز وجل قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ ﴾ أي: لقراءته. ﴿وآنصِتُوا ﴾ أي: لا تقابلوه بكلام ولا إعراض ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْهُونَ﴾. (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣١٤. (٢) انظر أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ٣٦٤. (٣) أحكام القرآن، الجصاص ٢١٥/٤. (٤) أحكام القرآن، الكيا الهراسي ٣/ ١٤٢. أحدها: أنها نزلت في المأموم خلف الإمام ينصت ولا يقرأ، قاله مجاهد. والثاني: أنها نزلت في خطبة الجمعة ينصت الحاضر لاستماعها ولا يتكلم، قالته عائشة، وعطاء. والثالث: ما قاله ابن مسعود: كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة: سلام على فلان، سلام على فلان، فجاء القرآن من ﴿ وَإِذَا قُرِىَّ الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ: وَأَنْصِتُواْ﴾))(٥). وأما القرطبي فرغم تمسكه بالعموم في الرد على كل من زعم قصر الآية على موضع مخصوص فقال: ((قال بعضهم في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُواْ لَهُ, وَأَنصِتُواْ ﴾: كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصًّا ليعيه عنه أصحابه. قلت: هذا فيه بعد، والصحيح: القول بالعموم؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ والتخصيص يحتاج إلى دليل (٦). وقال أيضًا: ((وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضًا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام فهو عام. وهو الصحيح؛ لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها (٥) النكت والعيون، الماوردي ٢٩٠/٢. (٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧/ ٣٥٤. www. modoee.com ٣١٣ حرف القاف من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع يبين بعض إجمالها سياق الكلام والحمل أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة» (١). وَقَالَ على ما يفسر سببها من قوله تعالى: الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهِذَا أَلْقُرْءَانِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾، ويحال بيان مجملها فيما زاد على ذلك على أدلة أخرى. بل وذكر أنه يفيد (في اللغة) ما هو أعم من ذلك، فنقل عن النحاس: أنه ((في اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء)) (٢)، إلا أنه لم يصرح -بل ولم يناقش ولم يطرح مطلقًا- مسألة وجوب الإنصات خارج الصلاة. وقد ذكر الخازن في تفسيره أن الحسن والظاهرية أجروا الأمر على ظاهره، فقال: ((وظاهر الأمر للوجوب فمقتضاه أن يكون الاستماع والسكوت واجبين وللعلماء في ذلك أقوال: القول الأول: وهو قول الحسن وأهل الظاهر أن تجري هذه الآيات على العموم، ففي أي وقت وأي موضع قرئ القرآن یجب على كل أحد الاستماع له والسكوت. والقول الثاني: إنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. القول الثالث: إنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام)»(٣). قال ابن عاشور: ((هذه الآية مجملة في معنى الاستماع والإنصات، وفي مقتضى الأمر من قوله: ﴿فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ، وَأَنْصِتُواْ ﴾، (١) المصدر السابق ٣٥٣/٧. (٢) المصدر السابق ٣٥٤/٧. (٣) لباب التأويل، الخازن ٢٨٦/٢. وقد اتفق علماء الأمة على أن ظاهر الآية بمجرده في صور كثيرة مؤول، فلا یقول أحد منهم بأنه يجب على كل مسلم إذا سمع أحدًا يقرأ القرآن أن يشتغل بالاستماع وينصت، إذ قد يكون القارئ يقرأ بمحضر صانع في صنعته، فلو وجب عليه الاستماع لأمر بترك عمله، ولكنهم اختلفوا في محمل تأويلها: فمنهم من خصها بسبب رأوا أنه سبب نزولها، فنزلت هذه الآية في أمر الناس بالاستماع لقراءة الإمام. وهؤلاء قصروا أمر الاستماع على قراءة خاصة دل عليها سبب النزول عندهم على نحو يقرب من تخصيص العام بخصوص سببه، عند من یخصص به، وهذا تأويل ضعيف؛ لأن نزول الآية علی ھذا السبب لم يصح، ولا هو مما يساعد عليه نظم الآية التي معها، وما قالوه في ذلك إنما هو تفسير وتأويل، وليس فيه شيء مأثور عن النبي صلی الله عليه وسلم. ومنهم من أبقى أمر الاستماع على إطلاقه القريب من العموم، ولكنهم تأولوه على أمر الندب، وهذا الذي يؤخذ من كلام فقهاء المالكية، ولو قالوا: المراد من قوله: ٣١٤ مُوسُو ◌َةُ النَّصـ جوبيـ القرآن الكريمِ القرآن الكريم ﴿قُرِئَ﴾ قراءة خاصة، وهي أن يقرأه المقضي إلى الإيمان به، ولما جاء به من إصلاح النفوس، فالأمر بالاستماع مقصود به التبليغ واستدعاء النظر والعمل بما فيه، فالاستماع والإنصات مراتب بحسب مراتب المستمعين»(٣). الرسول - عليه الصلاة والسلام - على الناس لعلم ما فيه والعمل به للكافر والمسلم، لكان أحسن تأويلا)»(١). لكن هذا الذي يستحسنه قد اعترض عليه القرطبي -أيضًا- بعموم اللفظ كما تقدم. وبعيدًا عن الحكم الفقهي فإن الآية قد جاءت بأمر معلل تضمن أدبًا أُدب به المؤمنون: فأما الأدب فهو الاستماع للقرآن الكريم إذا تلي والإنصات له: ﴿وَإِذَا قُّرِينَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْءَانُ فَأَسْتَمِعُواْ لَهُ﴾ يعني: أصغوا إليه بأسماعكم؛ لتفهموا معانيه وتتدبروا مواعظه، ﴿وَأَنْصِتُوا ﴾ يعني: عند قراءته، والإنصات السكوت للاستماع. يقال: نَصَتَ وأَنْصَتَ وانْتَصَتَ بمعنى واحد (٢). وأما العلة: فهي رجاء المستمع المنصت أن تشمله رحمة منزله سبحانه وتعالى، وذلك حاصل من تدبر ما تضمنته آياته من معانٍ ودلائل ووصايا وأوامر ونواهٍ «فالاستماع والإنصات المأمور بهما هما المؤديان بالسامع إلى النظر والاستدلال، والاهتداء بما يحتوي عليه القرآن من الدلالة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٠/٩. (٢) لباب التأويل، الخازن ٢٨٦/٢. فإذا استبعدنا التفكير الفقهي الذي يربط المسألة بالإيجاب أو الندب، فإن محل الاتفاق أن الإنصات إلی آيات الذكر إذا تليت ليس أقل من أن يكون أدبًا عظيمًا يتأدب به العبد الراجي؛ لأن يكون من المشمولين برحمة منزله الرحمن الرحيم. ثالثًا: أدبهم مع دلالاته ومعانيه: في سياق مدحه لأوليائه، وصف الرحمن عباده المنسوبين تشريفًا إلى جلاله بأنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمَّا وعميانًا فقال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنَا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ اُلْجَهِلُونَ قَالُواْ سَلَمًا﴾ [الفرقان: ٦٣]. ثم قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان: ٧٣]. عن قتادة قال: «لم يصموا عن الحق ولم يعموا عنه، هم قوم عقلوا عن الله فانتفعوا بما سمعوا من کتاب الله. وقال مجاهد: کم من قارىء يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٩/٩. www. modoee.com ٣١٥ حرف القاف أعمى))(١). والمعنى: أنهم استمعوا إلى ما فيها من المواعظ وانتفعوا بها، قال أبو السعود: ((﴿وَأَلَِّينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِشَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ المنطوية على المواعظ والأحكام ﴿لَمْ يَخِزُواْ عَلَيْهَا صُمَّا وَعُمْيَانًا﴾ أي: أكبوا عليها سامعين بآذانٍ واعية مجلين لها بعيون راعية، وإنما عبر عن ذلك بنفي الضد تعريضًا بما يفعله الكفرة والمنافقون)) (٢) ومقصد الآية أن تثبت لهم الاتعاظ والانتفاع بعد حسن الإنصات والاستماع، فلما نفت ضده عنهم أضافت إلى ذلك معنی زائدًا، صورته الموازنة بين حالهم وحال هذا منهم أخرى، وقد يجتمعان معا. و(((الأصم): فاقد حاسة السمع، أو الذي لا یتدبر ما يسمع فلا ينتفع به، وهو المراد و(الأعمى): فاقد حاسة البصر، أو الذي لا یعتبر فیما یبصر فلا ینتفع به، ویکون الأعمى بمعنى فاقد الإدراك القلبي، وهو عمى البصيرة، وما هنا يحتمل الوجهين الأخیرین. وعبر بـ (إذا)؛ لأن التذكير مما هو واقع محقق، كالذي يسمع من القرآن في الصلاة (٤) المصدر السابق. (٥) المصدر السابق. (٦) التفسير القيم، ابن القيم ص ٤١٣. ٣١٦ جَوْسُو ◌َرَ النَّفْسَيد القرآن الكريم (١) الدر المنثور ٢٨٤/٦. (٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٣١/٦. (٣) تفسير ابن باديس ص ٢٣٣. ثم وصفهم هنا بإقبالهم على الحق، وإکبابهم عليه، متفهمين مستبصرين)» (٤). فأما (الخرور): فـ«هو السقوط كسقوط الساجد»(٥)، و ((هاهنا أمران: ذكر الخرور، وتسليط النفي عليه. وهل هو خرور القلب أو خرور البدن للسجود؟ وهل المعنى: لم یکن خرورهم عن صمم وعمه. فلهم علیھا خرور بالقلب خضوعًا، أو بالبدن سجودًا أو ليس هناك خرور، وعبر به عن القعود؟))(٦) كلَّ محتمل. وبناء على اختيار أحد المعنيين يكون حمل الخرور على وقوع السجود منهم حقيقة، أو وقوع الهيبة والشعور بعظمة منزل هذه الآيات في القلب، ولا ريب أن المخذولين على جهة الترغيب في هذا، الأمرين واقعان، يقع منهم هذا مرة، ويقع ونصبه في مقام القدوة، والترهيب من ذاك وبيان قبحه وتصويره في صورة النقيصة، ((وإذا كان الكلام مقيدًا بقيد كما هنا، فإن النفي ينصب على ذلك القيد في غالب هنا. الاستعمال العربي. ونظيره: ما رأيت زيدًا راكبًا، نفيًا للركوب لا للرؤية. ولا يلقاني مُسلِّمًا نفيًا للسلام لا للقاء. فلم ينف عنهم الخرور، وإنما نفى عنهم الصمم والعمى عند الخرور))(٣). على أنه قد تقدم ((وصفهم [هم أنفسهم]. فيما تقدم بإعراضهم عن الباطل، ومجانبتهم لأهله، وبعدهم عنه. القرآن الكريم ومن الخطب في الجمع. وبنى الفعل للنائب؛ لأن التذكير بالآيات يجب قبوله من أي مذکر کان»(١). وعلى هذا فهؤلاء الموصوفون -على جهة المدح والتشریف- بأنهم عباد الرحمن من صفاتهم التي استحقوا بها المنزلة والثناء ((أنهم إذا ذكرهم مذكر بآية ربهم التي أنزلها علی نبیهم - صلى الله عليه وآله وسلم- بما فيها من ذكر مخلوقاته وإنعاماته، وأيامه في أوليائه وأعدائه، ووعده ووعيده، وترغيبه وترهيبه- أقبلوا عليها، وأكبوا على سماعها، بآذان واعية، وأبصار راعية، وقلوب حاضرة، وعقول متدبرة. لا كمن يقبلون عليها ويكبون على سماعها، ولكنهم لا يسمعون ولا يبصرون؛ لأنهم لا يعقلون ولا يتدبرون»(٢). وعليه يكون الاتعاظ والانتفاع، والمبادرة والاستجابة والإسراع، من بعد حسن الإنصات والاستماع من أوجب الآداب التي يتأدب بها الطامع في رحمة ربه الراجي لها. هذا وقد ذكر كثير من المفسرين أن قوله جل وعلا في السورة نفسها: ﴿ وَقَالَ اُلَرَّسُولُ يَدْرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَشَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: ٣٠]. (١) تفسير ابن باديس ص ٢٣٣. (٢) المصدر السابق ص ٢٣٤. شامل لتارك التدبر والنظر في آيات الله. أي: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ﴾ منادیًا لربه وشاکیًا له إعراض قومه عما جاء به، ومتأسفًا على ذلك منهم: ﴿يَرَبِّ إِنَّ قَوْمِى﴾ الذي أرسلتني لهدايتهم وتبليغهم، ﴿أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾ أي: قد أعرضوا عنه وهجروه وتركوه مع أن الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال على أحكامه، والمشي خلفه، قال الله مسليًا لرسوله ومخبرًا أن هؤلاء الخلق لهم سلف صنعوا كصنيعهم فقال: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ أي: من الذين لا يصلحون للخير ولا یزکون علیه یعارضونهم ويردون عليهم ويجادلونهم بالباطل (٣). وقد ذكر ابن كثير لهذا الهجر صورًا ومراتب فقال: ((يقول تعالى مخبرًا عن رسوله ونبيه محمد -صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين - أنه قال: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَثْرَبِّ إِنَّ قَوْمِى أَّخَذُواْ هَذَا الْقُرْءَانَ مَهْجُورًا﴾، وذلك أن المشركين كانوا لا يصغون للقرآن ولا يسمعونه، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَاَلْفَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ﴾، وكانوا إذا تلي عليهم القرآن أكثروا اللغط والكلام في غیره، حتی لا یسمعوه. فهذا من هجرانه، وترك علمه وحفظه أيضًا من هجرانه، وترك (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٨٢. www. modoee.com ٣١٧ حرف القاف الإيمان به وتصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه، وترك العمل به وامتثال أوامره واجتناب زواجره من هجرانه، والعدول عنه إلى غيره -من شعر أو قول أو غناء أو لهو أو كلام أو طريقة مأخوذة من غيره -من هجرانه، فنسأل الله الكريم المنان القادر على ما يشاء، أن يخلصنا مما یسخطه، ويستعملنا فيما يرضيه، من حفظ كتابه وفهمه، والقيام بمقتضاه آناء الليل وأطراف النهار، على الوجه الذي يحبه ويرضاه، إنه کریم وهاب»(١). يعد في أهل هذه الشکوی حتی یکون تالیًا متفهمًا متدبرًا لآيات الكتاب مستأنسًا بها مؤثرًا لها على غيرها. قال ابن باديس تحت عنوان (تحذير وتنبيه): ((قد صورت الآية حالة المؤمن بالقرآن الذي ینکب عليه، ويتلقاه بالقبول، ثم لا يتفهمه ولا يتدبره، بحالة الأصم الأعمى في عدم انتفاعه بما انكب عليه؛ تقبيحًا لعدم التفهم والتدبر من المؤمن للآيات، وتحذيرًا منه، وتنبيهًا على أن الانتفاع بالقرآن الذي تتفتح به البصائر، وتتسع به المدارك، وتتهذب به الأخلاق، وتتزكى به النفوس، وتتقوم به الأعمال، وتستقيم به الأحوال؛ إنما يكون بتفهمه، وتدبره، دون مجرد (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٠٨/٦. الانکباب علیه بلا تفهم ولا تدبر»(٢). وحينئذ فإن ((الناس عند تلاوة آيات القرآن على قسمين: معرضين، ومقبلين. فالمعرضون غير المؤمنين. والمقبلون على قسمين: مقبلين بظاهرهم دون باطنهم، ومقبلين بظاهرهم وباطنهم. فالمقبلون بظاهرهم دون باطنهم هم المنافقون. والمقبلون بظاهرهم وباطنهم على قسمین: مستمعین، مستبصرین، حاضرین، متدبرین. و غافلین غیر متدبرین غير سامعين وبناء على ما قال فلا يخرج العبد عن أن ولا مبصرين. والأقسام كلها مذمومة إلا قسم المقبلين بظواهرهم وبواطنهم، المستمعين المستبصرين. وهذا القسم هو الذي وصف به عباد الرحمن، فكانوا مباينين لأهل الإعراض من الكافرين والمنافقين، ولأهل الغفلة، وعدم التدبر من المؤمنين))(٣). (٢) تفسير ابن باديس ص ٢٣٥. (٣) المصدر السابق. ٣١٨ جَوَسُو ◌َر النفسية القرآن الكريمِ القرآن الكريم أثر القرآن على المكلفين والجمادات قد ورد أنه لو قدر لكلام أن يخلع الجبال عن أماكنها، ويقطع الأرض، أو أن يكلم الموتى في قبورهم به لكان هذا القرآن، وأن لآياته عظمة حقيقة بأن تخشع لها الجبال وتتصدع. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سُيِّرَتْ يٍِ الْجِبَالُ أَوْ قُِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِمَ بِهِ الْمَوْقَىّ بَل لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًاْ أَفَلَمْ يَأْيَسِ الَّذِينَ ءَامَنُوْ أَنْ لَّوْ يَشَآءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًاُ وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةُ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِن دَارِهِمْ حَّى بَأْتِىَ وَعْدُ اُللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِيعَادَ﴾ [الرعد: ٣١]. فلعظمة القرآن وإعجازه كاد يحدث هذا الأثر العجيب في ما هو شديد من المخلوقات کالجبال، ومع ذلك فقد كفر به خلق وصدوا عنه. قال ابن كثير: ((يقول تعالى مادحًا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، ومفضلًا له على سائر الكتب المنزلة قبله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْءَانًا سَيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها، أو تقطع به الأرض وتنشق، أو تكلم به الموتى في قبورها، لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره، أو بطريق الأولى أن يكون كذلك؛ لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنس والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله، ولا بسورة من مثله، ومع هذا فهؤلاء المشركون کافرون به، جاحدون له)»(١). فقد كادت آيات القرآن تخلع الجبال، وكذا فإنه لو أنزل عليها لتصدعت وخشعت مع أن قلوب البشر لا تفعل، قال تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَّأَيْتَهُ. خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اَللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]. فتضمنت الآية تعظيمًا لأمره، وتبيينًا لعلو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهُّ﴾ أي: فإن كان الجبل في غلظته وقساوته، لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه، لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف يليق بكم أيها البشر ألا تلين قلوبكم وتخشع، وتتصدع من خشية الله، وقد فهمتم عن الله أمره وتدبر تم كتابه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُّهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ (٢)، فمن تفكر علم أن في قلوب بعض الناس قسوة (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٦٠. (٢) المصدر السابق ٨/ ٧٨. www. modoee.com ٣١٩ حرف القاف تفوق قسوة الجبال. وبناء على ما سبق، فإنه يفترض حصول الخشوع في قلوب الناس عند سماع القرآن الكريم، كما نصت على ذلك الآية التي اشتملت على أمر غير مباشر بتحقيق هذا الخشوع، فعن ابن عباس قال: يقول تعالى: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله -عز وجل- الناس إذا أنزل عليهم القرآن أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَنَفَكَّرُونَ﴾ (١). ونص على ذلك القرطبي أيضًا فقال: ((قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْنَا هَذَا الْقُرْءَانَ عَلَى جَبَلٍ ◌ََّأَيْتَهُ خَشِعًا﴾ حث على تأمل مواعظ القرآن، وبين أنه لا عذر في ترك التدبر، فإنه لو خوطب بهذا القرآن الجبال مع تركيب العقل فيها، لانقادت لمواعظه، ولرأيتها على صلابتها ورزانتها خاشعة متصدعة، أي: متشققة من خشية الله. والخاشع: الذليل. والمتصدع: المتشقق))(٢). وهذا الخشوع أولى بأن يكون أثرًا في قلب المؤمن، وقد وصف القرآن الكريم حالة تحصل في نفس المؤمن تصاحب الخشوع سماها: (شرح الصدر) في قوله عز (١) جامع البيان، الطبري ٣٠١/٢٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤٤/١٨. وجل: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ، لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبْهِ، فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلَلٍ مُبِينٍ (٢ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِّ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِى بِهِ، مَن يَشَلَهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَا لَهُ، مِنْ هَادٍ ﴾ [الزمر: ٢٢ -٢٣]. ودل سياق الآيات على أن حالة الانشراح هذه مصاحبة للخشوع: فقد قابلتها الآية بصورة القلب القاسي، قال ابن كثير: «و قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اَلَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِ فَهُوَ عَلَى ثُورٍ مِّن رَّهِ﴾ ﴾ أي: هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟! كقوله تعالى: ﴿أَوَّمَن كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِ اَلْقُلْلُمَتِ [الأنعام: ١٢٢]؛ ولهذا لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهَّ﴾ أي: فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع ولا تعي ولا تفهم، ﴿أُوْلَِّكَ فِ ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ (٣)، ثم أعقبت ذلك ببيان أثر القرآن على الجلود والقلوب. ومعنى الآية: ((أفمن فسح الله قلبه لمعرفته، والإقرار بوحدانيته، والإذعان لربوبيته، والخضوع لطاعته ﴿فَهُوَ عَلَى يقول: فهو على بصيرة مما زيدِء نورِ مِّن (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩٣/٧. ٣٢٠ لِلْقُرآن الكَرِيمِ القرآن الكريم هو علیه ویقین، بتنوير الحق في قلبه، فهو لذلك لأمر الله متبع، وعما نهاه عنه منته فیما یرضیه، کمن أقسى الله قلبه، وأخلاه من ذكره، وضيقه عن استماع الحق، واتباع الهدى، والعمل بالصواب؟ وترك ذکر الذي أقسى الله قلبه، وجواب الاستفهام اجتزاء بمعرفة السامعين المراد من الكلام، إذ ذكر أحد الصنفین، وجعل مكان ذكر الصنف الآخر الخبر عنه بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهَّ﴾ فویل للذين جفت قلوبهم ونأت عن ذکر الله وأعرضت، يعني عن القرآن الذي أنزله تعالی ذکره، مذكرًا به عباده، فلم يؤمن به، ولم يصدق بما فيه. وقيل: ﴿مِّن ذِكْرِ اللَّهَّ﴾ والمعنى: عن ذكر الله، فوضعت (من) مکان (عن)، كما يقال في الكلام: أُتخمت من طعام أكلته، وعن طعام أكلته بمعنى واحد، هؤلاء القاسية قلوبهم من ذكر الله في ضلال مبين، لمن تأمله وتدبره بفهم أنه في ضلال عن الحق جائر)) (١). وكما نصت الآية على انشراح الصدر نصت أيضًا على لين القلب: ﴿ثُمَّ تَلِينُ (١) جامع البيان، الطبري ٢٧٧/٢١. جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾. ((واللين: ضد الخشونة، وقوله: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ فإشارة إلى إذعانهم للحق وقبولهم له بعد تأبیھم منه»(٢). وقد يكون هذا اللين هو المنصوص عليه في قوله عز وجل: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطْمَيْنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهُ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيْنُّ اٌلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]: أي: ((تسكن قلوبهم وتستأنس بذكر الله))(٣). ((و(طمأنينة القلوب) هي الاستكانة، والسرور بذکر الله، والسكون به كمالًا به. ورضی بالثواب علیه وجودة الیقین)» (٤). ودل قوله تعالى: ﴿أَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَيْنُّ الْقُلُوبُ﴾ على أن الطمأنينة لا تحصل إلا بذكر الله وحده. فتكون هذه الحالة النفسية من انشراح الصدر ولين القلب وطمأنينته مصاحبة لهذا الخشوع أو أثرًا له. وقد ذكرت آية سورة الزمر تأثيرًا آخر للقرآن الكريم على ما يظهر على أبدانهم فنصت على أن جلودهم تقشعر عند سماعه، ومقابلة صورتي (منشرح الصدر مقشعر كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ لَلْحَدِيثِ الجلد) و (قاسي القلب) تدل على أن هذا كِنَبًا مُتَشَبِهَا مَّثَانِيَ نَقْشَعِرُ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ الانشراح مرتبط بالخشوع. إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهدِی پِهِ، مَن (٢) المفردات، الراغب ص٧٥٢. (٣) جامع البيان، الطبري ١٦/ ٤٣٢. (٤) المحرر الوجيز، ابن عطية ٣١١/٣. www. modoee.com ٣٢١ حرف القاف يَشَّةُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ﴾ [الزمر: ٢٣]. فـ ((هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد. والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف))(١). موضوعات ذات صلة: الإنجيل، التوراة، الكتب المنزلة، محمد صلی الله عليه وسلم وهذه الحالة ترد عليهم أولًا، ثم تعقبها حالة أخرى هي لين الجلود والقلوب: ((﴿فُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه. قال السدي: ﴿ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي: إلى وعد الله))(٢). وفي قوله عز وجل: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ((دليل على أن هذه القشعريرة ناتجة عن شيء في القلب وهو الخشوع والخشية؛ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((الوجل في القلب كإحراق السعفة، أَمَا تجد له قشعريرة؟ قال: بلى! قال: إذا وجدت ذلك في القلب فادع الله، فإن الدعاء يذهب بذلك))(٣). أي: إنها حالة متفرعة من الخشوع والخوف والوجل، وسائر ذلك مما يرد على قلب المؤمن عند سماعه آیات التنزیل تتلى. (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٩٣. (٢) المصدر السابق. (٣) ٣٢٢ جوبيع القرآن الكريمِ