النص المفهرس

صفحات 21-40

القرآن الكريم
وسلم ﴿اَلْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَجِدَةٌ﴾ كما أنزلت إنزال الكتب السماوية كلها كما رد عليهم
التوراة على موسى جملة واحدة؟ قال الله:
﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ تنزيله
عليك الآية بعد الآية، والشيء بعد الشيء؛
لثبت به فؤادك نزلناه))(١).
في قولهم: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأَكُلُ
اُلْطَّعَامَ وَيَمْشِى فِ الْأَسْوَاقِ﴾، بقوله:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ
إِنَّهُمْ لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ
اٌلْأَسْوَاقِ﴾، وكما رد عليهم في قولهم:
ووجه استنباط ذلك أن المشرکین کانوا
في سؤالهم المبطن بالتعجب يقيسون على
حالة سبق العلم بها عندهم، ثم إن القرآن
الكريم أجابهم على خلاف أسئلتهم الأخرى
ببيان وجه الحكمة لا بإخبارهم بأن هذا سنة
الرسل من قبل.
﴿أَبَعَثَ اَللَّهُ بَشَرًا رَّسُولًا﴾، بقوله: ﴿ قُل
لَوْ كَانَ فِىِ الْأَرْضِ مَلَتَكَةٌ يَمْشُونَ
مُطْمَيِنِينَ لَغَزَّلْنَا عَلَيْهِمِ مِنَ السَّمَدِ
مَلَكًا زَّسُولًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا
قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِىّ إِلَيْهِمْ﴾.
قال القطان: ((أما الكتب السماوية
الأخرى -كالتوراة والإنجيل والزبور-
فکان نزولها جملة، ولم تنزل مفرقة، يدل
على هذا قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةٌ وَجِدَةً كَذَلِكَ
◌ِيُغَيْتَ بِهِ، فُؤَادَكٌ وَ رَتَّلْتَهُ تَرْبِيلًا ﴾، فهذه
الآية دليل على أن الكتب السماوية السابقة
نزلت جملة، وهو ما عليه جمهور العلماء،
ولو كان نزولها مفرقًا لما كان هناك ما يدعو
الكفار إلى التعجب من نزول القرآن منجمًا،
فمعنى قولهم: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ
عَلَيْهِ اَلْقُرْءَانُ جْلَةً وَحِدَةٌ ﴾: هلا أنزل عليه
القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب؟ وماله
أنزل على التنجيم؟ ولم أنزل مفرقًا؟
ولم يرد الله عليهم بأن هذه سنته في
(١) جامع البيان، الطبري ٢٦٥/١٩.
بل أجابهم الله تعالی ببيان وجه الحكمة
في تنزيل القرآن منجمًا بقوله: ﴿كَذَلِكَ
لِنُقَبْتَ بِهِ، فُؤَادَكَ﴾ أي: كذلك أنزل مفرقًا
لحكمة هي: تقوية قلب رسول الله ﴿وَرَثَّلْنَهُ
ترتیلاً ﴾ أي: قدرناه آیة بعد آیة، بعضه إثر
بعض، أو بيناه تبیینًا، فإن إنزاله مفرقًا حسب
الحوادث أقرب إلى الحفظ والفهم، وذلك
من أعظم أسباب التثبيت)) (٢).
ولما نزلت هذه الكتب جملة واحدة على
أُنبیاء پقرؤون ویکتبون، ثم کانت بید الأحبار
والرهبان من بعدهم مستأثرين بها من دون
عامتهم، فقد كان بمقدورهم تحريفها إما
خوفًا أو طمعًا، كما هو مدلول الوصية التي
أنزلت إليهم: ﴿فَلاَ تَخْشَواْ النَّاسَ
(٢) مباحث في علوم القرآن لمناع القطان ص
١٠٦.
www. modoee.com
٢٨٩

حرف القاف
وَأَخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُواْ بِشَايَتِي ثَمَنًا قَلِيلًاً يوافق الهوى وكتمان ما يخالفه ((أي: يجعلها
حملتها قراطيس، أي: قطعًا يكتبونها من
وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ نَأَوْلَئِكَ هُمُ
اُلْكَفِرُونَ ﴾ [المائدة: ٤٤].
الکتاب الأصلي الذي بأیدیھم ويحرفون فيها
ما يحرفون ويبدلون ويتأولون، ويقولون:
وقد وقع منهم هذا التحریف حقًّا.
﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٩].
وإذا تأملنا نصوص القرآن الكريم
وجدناها قد أشارت إلى ثلاث مستويات من
هذا التحريف:
١. إظهار بعضه وكتمان بعضه.
وقد دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَمَا
قَدَرُواْ اللَّهَ حَّ قَدْرِهِهِ إِذْ قَالُواْ مَآ أَنَزَلَ اللَّهُ عَلَى
بَشَرٍ مِّن شَىْءٌّ قُلْ مَنْ أَنَزَلَ الْكِتَبَ الَّذِى جَآءَ
◌ِهِ، مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِّ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ
تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًاً وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعَلَمُوا أَنْتُمْ
وَلَّ ءَابَاؤُكُمْ قُلِ اَللَّهُ ثُمَّ ذَرَهُمْ فِي خَوْضِهِمْ
يَلْعَبُونَ﴾ [الأنعام: ٩١].
فنصت الآية على أنهم كانوا يفرقون
الكتاب في صحف أو قراطيس، وقوله:
﴿تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ صفة لقراطيس،
أي: تبدون بعضها وتخفون كثيرًا منها، ففهم
أن المعنى: تجعلونه قراطيس لغرض إبداء
بعض وإخفاء بعض. وهذه الصفة في محل
الذم، فإن الله أنزل کتبه للهدى، والهدى بها
متوقف على إظهارها وإعلانها، فمن فرقها؛
ليظهر بعضًا ويخفي بعضًا فقد خالف مراد
الله منها))(١).
وجلى أن المقصود من ذلك: إظهار ما
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٦٥/٧.
أي: في كتابه المنزل، وما هو من عند
الله)) (٢).
٢. كتابة ما ليس منه فيه ونسبته إلى
الله.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ
لِلَّذِينَ يَكْثُبُونَ الْكِنَبَ بِأَيْدِبِهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ
هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ
فَوَيْلٌ لَهُم مِّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم
مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩].
فـ: ((توعد تعالى المحرفين للكتاب،
الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون:
﴿هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وهذا فيه إظهار
الباطل وكتم الحق، وإنما فعلوا ذلك مع
علمهم ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ، ثَمَنًا قَلِيلًاٌ ﴾
والدنیا کلها من أولها إلى آخرها ثمن قليل،
فجعلوا باطلهم شركًا يصطادون به ما في
أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة
تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم
بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم
ممن يأخذها غصبًا وسرقة ونحوهما، ولهذا
توعدهم بهذين الأمرين فقال: ﴿فَوَيْلٌ لَّهُم
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٠٠/٣.
٢٩٠
فَضْوَ
جَوْسُورَةُ النَّفِيَ
القرآن الكريمِ

القرآن الكريم
مِّنَّا كُنَبَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي: من التحريف
والباطل ﴿وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من
الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة،
وفي ضمنها الوعيد الشديد))(١).
وقوله: ﴿أَيْدِهِمْ﴾: ((تأكيد وهذا
الموضع مما يحسن فيه التأكيد كما تقول
لمن ینکر معرفة ما کتبه: یا هذا کتبته بيمينك.
أما قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ
اللَّهِ ﴾ فالمراد: أن من يكتب هذه الكتابة
ويكسب هذا الكسب في غاية الرداءة؛ لأنهم
ضلوا عن الدين وأضلوا، وباعوا آخرتهم
بدنیاهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن
من المعلوم أن الكذب على الغير بما يضر
یعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله
ويضم إلى الكذب الإضلال، ويضم إليهما
حب الدنيا والاحتيال في تحصيلها، ويضم
إليها أنه مهد طريقًا في الإضلال باقيًا على
وجه الدهر؟! فلذلك عظم تعالى ما فعلوه.
(وقد) حكى عنهم أمرين. أحدهما: كتبة
الكتاب، والآخر: إسناده إلى الله تعالى على
سبیل الكذب».
٣. تأوله على غير معناه.
وشاهده قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا
يَعْلَمُونَ الْكِنَبَ إِلَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا
يَظُنُّونَ﴾ [البقرة: ٧٨].
وفي معنى الأماني ثلاثة أقوال ترجع في
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٦.
جملتها إلى تأول اللفظ على غير معناه:
((أحدها: أنها الأكاذيب. قال ابن عباس:
إلا أماني: يريد إلا قولًا يقولونه بأفواههم
كذبًا. وهذا قول مجاهد واختيار الفراء.
وذکر الفراء أن بعض العرب قال لابن داب
وهو يحدث: أهذا
شىء رويته، أم شىء
تمنيته؟ یرید: افتعلته.
والثاني: أن الأماني: التلاوة، فمعناه: لا
يعلمون فقه الكتاب، إنما يقتصرون على ما
يسمعونه پتلی علیھم.
قال الشاعر(٢):
تمنی کتاب الله أول ليلة
تمني داود الزبور على رسل
وهذا قول الكسائي والزجاج.
والثالث: أنها أمانيهم على الله، قاله
قتادة)»(٣).
٤. كتمانه والتواصي بذلك.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُواْ أَلَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى
بَعْضِ قَالُواْ أَمُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ
لِيُحَاجُّوكُم بِهِ، عِندَ رَبَّكُمْ أَفَلَا نَعْقِلُونَ
أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُونَ وَمَا
يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٦ -٧٧].
ومعنى: ﴿ وَ إِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوا
ءَامَنَّا﴾ (يعني: منافقيهم. قالوا آمنا بأنكم
(٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٩٤/١٥،
ولم يعزه لأحد.
(٣) زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٨١.
www. modoee.com
٢٩١

حرف القاف
على الحق، وإن رسولكم هو المبشر به ثالثًا: أسباب حفظ القرآن الكريم:
في التوراة ﴿وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ
قَالُواْ﴾ أي: الذين لم ينافقوا منهم عاتبين
على من نافق ﴿أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ
عَلَيْكُمْ﴾ بما بين لكم في التوراة من نعت
محمد صلى الله عليه وسلم، أو الذين نافقوا
أعقابهم، إظهارًا للتصلب في اليهودية،
ومنعًا لهم عن إبداء ما وجدوا في كتابهم،
فينافقون الفریقین))(١).
وفي إنكار بعضهم على بعض هذا
التحديث دليل على هذه الصورة من
التواصي بالكتمان.
وقد تضافرت هذه الصور الأربعة على
تحريف الكتاب وجعله في قراطيس يبدون
بعضها ویکتمون بعضًا، وكتابتهم ما ليس
من الوحي فيها، وتأولهم لصحيحها على
غیر مراد الله منه، أو كتمانهم للحق کتمانًا
كاملاً والتواصي بذلك لا مجرد إظهار
بعضه تضليلًا وكتمان بعض. ولقد سهل
علیهم ذلك بسبب استئثارهم بها، أو استئثار
فئة خاصة منهم بها من دون سائر الناس.
فلما أنزل الله القرآن على محمد صلى الله
عليه وسلم وأمته جعله محفوظًا في صدور
صبیانهم قبل کتب علمائهم.
(١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٨٩/١.
على خلاف الكتب السابقة، نزل القرآن
الكريم على أمة أمية تعتمد على الحفظ أكثر
من الكتابة، ثم إن نزوله مفرقًا؛ ليقرأه النبي
صلى الله عليه وسلم على الناس على مكث
قد جعله محفوظًا عند عامتهم لا تستأثر به
طائفة: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى
مُكْثٍ وَنَزَّلْنَهُ نَزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
أي: «قطعناه آيةً آية وسورةً سورة في
عشرين سنة ﴿لِنَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾
تؤدة وترسلٍ؛ ليفهموه ﴿وَنَزَّلْتَهُ نَزِيلًا﴾
نجومًا بعد نجومٍ وشيئًا بعد شيءٍ) (٢).
وبناء على ذلك فقد علم بالحجة العقلية
القاطعة الحاصلة من التواتر الذي لا يختلف
فيه العقلاء ((أن القرآن، الذى هو متلو
محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذي
جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه هو
الذي تلاه علی من في عصره ثلاثًا وعشرين
سنة.
والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل
المتواتر، الذي يقع عنده العلم الضروري به.
وذلك أنه قام به في المواقف، و کتب به إلى
البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده
على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم
الظهور الذي لا یشتبه على أحد، ولا يخيل
أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه
(٢) الوجيز، الواحدي ص ٦٥٠.
٢٩٢
الْقُرآن الكَرِيمِ

القرآن الكريم
على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى وجودًا، فإنا نقول: إنه تحداهم إلى أن يأتوا
بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به، طول
السنين التي وصفناها، فلم يأتوا بذلك، فقد
ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا
بمثله.
انتشر ذلك في أرض العرب کلها، وتعدی
إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم
والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من
ملوك الأطراف.
ولما ورد ذلك مضادًا لأديان أهل ذلك
العصر كلهم، ومخالفًا لوجوه اعتقاداتهم
المختلفة في الكفر وقف جميع أهل
الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل
دینه الذین أکرمهم الله بالإيمان على جملته
وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه
الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير
والصغیر؛ إِذ کان عمدة دینهم، وعلمًا علیه،
والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب
استعماله في أحكامهم. ثم تناقله خلف عن
سلف هم مثلهم في کثرتهم وتوفر دواعیهم
علی نقله، حتى انتھی إلینا، على ما وصفناه
من حاله. فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن
يتشكك مع وجود هذه الأسباب، في أنه أتی
بهذا القرآن من عند الله تعالى))(١).
ويؤيد ذلك أنه تحداهم به ولم يزل
عجزهم عن معارضته قائمًا مع علمهم به
واطلاعهم عليه، فلو جاز أن يكون القرآن
الموجود بين أيدينا غير الذي تحدوا به؛
لنقل عنهم ذلك.
(١) إعجاز القرآن، الباقلاني ص ١٦.
وفي هذا أمران:
أحدهما: التحدي إليه.
والآخر: أنهم لم يأتوا له بمثل.
والذي يدل على ذلك النقل المتواتر
الذي يقع به العلم الضروري، فلا یمکن
جحود واحد من هذين الأمرين»(٢).
ويضيف الباقلاني أن العدد العظيم من
الناس الذين أخذوا القرآن وتعلموه لدواع
مختلفة ولو كانوا غير مسلمين، قد دل
اتفاقهم على هذا القرآن أنه هو نفسه الذي
جاء به محمد صلی الله عليه وسلم من عند
الله، ولا یمکن أن يتشكك في ذلك عاقل،
كيف والعقلاء لا يجيزون ذلك في مثل شعر
امرئ القيس الذي لو زيد فيه لفظ؛ لتبرأ منه
أصحابه؟!
قال: ((وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم
الآيات التي فيها ذكر التحدي، وإنما قرأ
عليهم ما سوى ذلك من القرآن، كان ذلك
قولًا باطلًا، يعلم بطلانه بمثل ما يعلم به
بطلان قول من زعم أن القرآن أضعاف هذا!
قال الباقلاني: ((وإذا ثبت هذا الأصل وهو يبلغ حمل جمل! وأنه كتم، وسيظهره
(٢) المصدر السابق ص ١٨.
www. modoee.com
٢٩٣

حرف القاف
المهدي! أو يدعي أن هذا القرآن ليس هو ضبطه، فمنهم: من يضبطه؛ لإحكام قراءته
ومعرفة وجوهها، وصحة أدائها، ومنهم: من
الذي جاء به النبي صلی الله عليه وسلم،
وإنما هو شيء وضعه عمر أو عثمان، رضي
الله عنهما، حيث وضع المصحف، أو يدعي
فیه زيادة أو نقصانًا.
يحفظه؛ للشرائع والفقه، ومنهم: من يضبطه؛
ليعرف تفسيره ومعانيه، ومنهم: من يقصد
بحفظه الفصاحة والبلاغة، ومن الملحدين:
من يحصله؛ لينظر في عجيب شأنه.
وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه
الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده
الحق، وحكاية قول من قال ذلك يغني عن
الرد عليه؛ لأن العدد الذين أخذوا القرآن
في الأمصار وفي البوادي، وفي الأسفار
والحضر، وضبطوه حفظًا، من بين صغير
و کبیر، وعرفوه حتى صار لا یشتبه على أحد
منهم حرف لا يجوز عليهم السهو والنسيان،
ولا التخليط فيه والكتمان، ولو زادوا أو
نقصوا أو غیروا؛ لظهر، وقد علمت أن شعر
امرئ القيس وغيره على أنه لا يجوز أن
يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه،
ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة
إلیه إمساسها إلى القرآن لو زید فيه بیت، أو
نقص منه بیت، لا، بل لو غير فيه لفظ؛ لتبرا
منه أصحابه، وأنكره أربابه.
فإذا كان ذلك مما لا يمكن أن يكون في
شعر امرئ القيس ونظرائه، مع أن الحاجة إليه
تقع لحفظ العربية، فکیف یجوز أو یمکن ما
ذكروه في القرآن، مع شدة الحاجة إليه في
الصلاة التى هي أصل الدين، ثم في الأحكام
والشرائع، واشتمال الهمم المختلفة على
وكيف يجوز على أهل هذه الهمم
المختلفة والآراء المتباينة -على كثرة
أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت
أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير والتبديل
والكتمان؟! ویبین ذلك: أنك إذا تأملت ما
ذكر في أكثر السور مما بينا، ومن نظائره في
رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم: ﴿لَوَ
نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾، وقول بعضهم:
إن ذلك سحر، وقول بعضهم: ﴿مَا سَمِعْنَا
وَذَا فِ آلْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا أَخِلَقُ ﴾
إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في
الطعن عليه)»(١).
فالحجة العقلية الحاصلة من التواتر
تشهد بأن نصوص القرآن الكريم محفوظة
من التبديل أو التزييف أو التحريف، ولقد
هيئت له عناية إلهية خاصة منذ أزف نزوله
واقترب، فإذا الجن تلحظ تغيرًا لم تألفه في
السماء حين صارت تجد شهبًا قد ملئت بها
جوانبها تترصدها كلما اقتربت على خلاف
عهدها السابق: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَدْنَهَا
(١) المصدر السابق.
٢٩٤
جوي
القرآن الكريم

القرآن الكريم
مُلِثَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُيًّا ، وَأَنَّا كُنَّا لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ: ﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ, وَقُرْءَانَهُ.
﴿ فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَأَعْ قُرْءَانَهُ, ® ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا
(١٧
نَفْعُدُ مِنْهَا مَقَعِدَ لِلسَّمْعِّ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآَنَ
يَجِدْ لَهُ شِهَابًا وَّصَدًا ل وَأَنَّا لَا نَدْرِىَ أَشَرُّ أُرِيدَ
﴾ [القيامة: ١٦- ١٩].
بَيَانَهُ
بِمَن فِ اْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:
٨ -١٠].
ثم إنهم علموا أنهم قد عزلوا عن السماع
لأجل أمر عظيم: ﴿ وَمَا نَزََّتْ بِهِ الشَّيْطِيْنُ
٢١٠
وَمَا يَتْبَغِى لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٦) إِنَّهُمْ
عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء٢١٠-٢١٢].
ولقد اختير لهذه المهمة العظيمة أمين
كريم ذو قوة مكين ومطاع في أهل السماء:
نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ
٢٩٢
وَإِنَّهُ لَنَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ
اُلْأَمِينُ ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ
١٩٤
يَلِسَانٍ عَرَبٍِّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ -
١٩٤].
و کما اختیر أمین في السماء اختیر أمین
في الأرض، وتولى الله تنقية سريرته وتصفية
أمانيه: ﴿إِنَّهُ، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيٍ ذِى قُوَّةٍ عِندَ
ذِى الْعَرْشِ مَكِينٍ ) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير:
١٩-٢١].
وأعلن في الناس أنه لو أراد أن يبدله أو
يحرفه - وحاشاه أن يفعل - ما استطاع ذلك:
﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الَأَخَذْنَا مِنَّهُ
بَلْيَمِينِ ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ أَلْوَتِينَ فَا مِنْكُمُ
مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤-٤٧].
كما وعد بجمعه في صدره ثم يقرأه على
الناس فلا يخطئ منه حرفًا: ﴿لَا تُرِّكَ بِهِ،
وأعلن سبحانه في العالمين أنه هو من
يتولى حفظه: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ
لَفِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
وأن الباطل لا يقربه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ
بِالذِّكْرِ لَمَّا جَآءَهُمِّ وَإِنَّهُ لَكِنَبُّ عَزِيزٌ لَّا
يَأْنِيِدِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِةٍ تَنزِيلٌ
مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤١-
وأن أحدًا لن يستطيع له تبديلاً: ﴿ وَآَتْلُ
مَا أُوْجِىَ إِلَيْكَ مِن كِتَابٍ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ
لِكَلِمَتِهِ، وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا ﴾
[الكهف: ٢٧].
ولقد نزل منجما فحفظ ونقل تواترًا كما
سلف، وهو الكتاب الأوحد الذي ما يزال
دليل صدقه - إعجازه- قائمًا فيه.
www. modoee.com
٢٩٥

حرف القاف
القرآن حجة الله على الناس
بين الله في كتابه أن القرآن الكريم هو
حجته الدامغة على الناس، وسوف نتناول
بیان ذلك فيما يأتي:
أولًا: القرآن منذر لمن بلغه:
لحكمةٍ ما شاء الله سبحانه وتعالى أن
تكون معجزة النبي عليه الصلاة والسلام
وحيًا، وأن ينزل بلسان عربي، وأن يظل قائمًا
ومحفوظًا، وأن يكون حجة على الناس
جميعًا، وأن يكون النبي صلى الله عليه
وسلم بسببه أكثر الأنبياء تابعًا يوم القيامة،
كما في الحديث: (ما من الأنبياء نبيٌ إلا
أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان
الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إلي، فأرجو أن
أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة) (١).
قال ابن حجر -وهو يستعرض الأقوال
في معنى الحديث -: ((وقيل: المراد أن
معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض
أعصارهم، فلم يشاهدها إلا من حضرها،
ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة،
وخرقه للعادة في أسلوبه وبلاغته وإخباره
بالمغيبات، فلا يمر عصر من الأعصار إلا
ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل
على صحة دعواه، وهذا أقوى المحتملات
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٦/ ١٨٢.
وتکمیله في الذي بعده»(٢) أي: قوله صلى
الله عليه وسلم: (فأرجو أن أكون أكثرهم
تابعًا يوم القيامة).
وهذا الذي ذكره ابن حجر یفید بأن الله
عز وجل قد أودع في هذا القرآن ما يجعله
معجزة مستمرة يتساوى في إدراكها السابق
واللاحق، وقد نصت آية سورة الأنعام على
أن لمن بلغه القرآن الكريم حكم من رأى
النبي صلى الله عليه وسلم من قيام الحجة
عليه بالبلاغ، كما قال تعالى: ﴿قُلُّ أَىُّ شَىْءٍ
أَكْبُرُ شَدَةٌ قُلِ اللهٌ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُرُّ وَأُوْجِىَ
إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ، وَمَنْ بَغْ أَيْتَّكُمْ
لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىَّ قُل لَّأَ
أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَّنِ بَرِعٌَ عِمّ
تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩].
قال ابن جرير: ((يقول تعالى ذكره لنبيه
محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء
المشركين الذين يكذبونك: ﴿اللَّهٌ شَهِيدٌ
بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَّكُم
بِهِ﴾ عقابه، وأنذر به من بلغه من سائر
الناس غيركم، إن لم ينته إلى العمل بما فيه،
وتحليل حلاله وتحريم حرامه، والإيمان
بجميعه نزول نقمة الله به»(٣).
ثم ذكر عن حسن بن صالح قال: ((سألت
ليثًا: هل بقي أحدٌ لم تبلغه الدعوة؟ قال:
(٢) فتح الباري، ابن حجر ٩/ ٧.
(٣) جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٩٠.
٢٩٦
مَؤْشَوَالَرُ الْتَفْسَيد
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ

القرآن الكريم
کان مجاهد یقول: حیثما يأتي القرآن فهو
داع، وهو نذير. ثم قرأ: ﴿لِأُنذِرَكُم بِهِ، وَمَنُ
بَلَغْ أَيْنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ﴾))(١).
وقال محمد بن كعب القرظي: ((من بلغه
القرآن فكأنما قد رأی محمدًا صلی الله علیه
وسلم وسمع منه. وفي الخبر أيضًا: من بلغته
آیة من کتاب الله فقد بلغه أمر الله أخذ به أو
تركه. وقال مقاتل: من بلغه القرآن من الجن
والإنس فهو نذير له))(٢).
وهذا المعنى مستفاد من قوله: ﴿وَمَنُ
بَلَغَ﴾: فأما قوله: ﴿وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ
لِأُنْذِرَّكُمْ بِهِ﴾ فالمراد: أنه تعالى أوحى
إلي هذا القرآن؛ لأنذركم به، وهو خطاب
لأهل مكة، وقوله: ﴿وَمَنْ بَغَ﴾: عطف
على المخاطبين من أهل مكة، أي: لأنذركم
به، وأنذر كل من بلغه القرآن، من العرب
والعجم، وقيل من الثقلين، وقيل: من بلغه
إلى يوم القيامة.
وعن سعيد بن جبير: من بلغه القرآن،
فكأنما رأی محمدًا صلی الله عليه وسلم،
وعلى هذا التفسير فيحصل في الآية حذف،
والتقدير: وأوحي إلي هذا القرآن؛ لأنذركم
به، ومن بلغه هذا القرآن، إلا أن هذا العائد
محذوف؛ لدلالة الكلام عليه، كما يقال
الذي رأيت زيد، والذي ضربت عمرو))(٣).
(١) المصدر السابق.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٩/٦.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٤٩٩.
E
على
ـنْ بَلَغَ
وحمل قوله: سبحانه
أن المراد منه: من بلغه القرآن هو الأشهر
والأوفق للسياق، ولذلك اقتصر عليه كثير
من المفسرين ولم ينصوا على أنه قد يراد من
الآية معنى غيره، ((وقيل: ومن بلغ الحلم.
ودل بهذا على أن من لم يبلغ الحلم ليس
بمخاطب ولا متعبد)» (٤). قال الرازي: ((وفي
تفسير قوله: ﴿وَمَن بلغ﴾ قول آخر، وهو أن
يكون قوله: ﴿وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي: ومن احتلم
وبلغ حد التكليف، وعند هذا لا يحتاج إلى
إضمار العائد، إلا أن الجمهور على القول
الأول)»(٥) .
هذا ويستفاد من معنى الآية أن أمة محمد
صلى الله عليه وسلم قائمة مقامه من بعده
في تبليغ القرآن الكريم وبه تقوم الحجة
على من بلغه، قال القرطبي: ((وتبليغ القرآن
والسنة مأمور بهما، كما أمر النبي صلى
الله عليه وسلم بتبليغهما، فقال: ﴿يَأَيُّهَا
الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، وفي
صحيح البخاري عن عبد الله بن عمرو عن
النبي صلى الله عليه وسلم: (بلغوا عني ولو
آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج،
ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من
النار)(٦)
كما ينبني على ذلك أيضًا أن رسالة محمد
(٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٩/٦.
(٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٢ / ٤٩٩.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩٩/٦.
www. modoee.com
٢٩٧

حرف القاف
صلی الله عليه وسلم ممتدة زمانًا ومكانًا
خلافًا لرسالات الرسل قبله، فهي تعم من
بلغه القرآن الكريم في سائر البلاد ولو لم
یر النبي صلى الله عليه وسلم في وقت كونه
صلی الله عليه وسلم حيًّا كالنجاشي الذي
آمن به ولم يره وتوفي مؤمنًا وصلى عليه
عليه الصلاة والسلام صلاة الغائب، كما تعم
(كل من يبلغه القرآن في جميع العصور))(١).
ومن ذلك ما ذكر ابن جرير في تفسيره:
((قال ابن زيد، في قوله: ﴿تَبَارَكَ اَلَّذِى نَزَّلَ
الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِه ◌ِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾
قال: النبي النذير. وقرأ: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا
خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ وقرأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ
قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ قال: رسل. قال:
المنذرون: الرسل. قال: وكان نذيرًا واحدًا
بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين،
ثم بلغ السدين، وكان نذيرًا، ولم أسمع
أحدًا يحق أنه كان نبيًّا. ﴿وَأُوْجِىَ إِلَّ هَذَا
الْقُرْءَانُ لِأُنْذِرَّكُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ ﴾ قال: من بلغه
القرآن من الخلق، فرسول الله نذيره. وقرأ:
وَيَتَأَيُّهَا النَّاسُ إِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ
جَمِيعًا﴾ وقال: لم يرسل الله رسولًا إلى
الناس عامة إلا نوحًا، بدأ به الخلق، فكان
رسول أهل الأرض كلهم، ومحمد صلى
الله عليه وسلم ختم به»(٢).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٦٨/٧.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٣٦/١٩.
وعليه، فإن هذا القرآن حجة الله القائمة
على خلقه إلى يوم القيامة، هو معجزة
النبي -عليه الصلاة والسلام- شاء الله
أن يظل قائمًا ومحفوظًا، ومن بلغه فكأنما
رأى محمدًا صلى الله عليه وسلم، وأمته
أمينة على تبليغه من بعده قائمة مقام نبيها،
ولأجل ذلك فالمسلمون أكثر أتباع الأنبياء
يوم القيامة.
ثانيًا: سماع القرّان وأثره في قيام
الحجة:
نصت سورة التوبة على أن سماع القرآن
الكريم كاف في إقامة الحجة على المشركين
ورفع العذر عنهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ
أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أُسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَّى
يَسْمَعَ كَلَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَثَلِفْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَّهُمْ
قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: ٦].
قال ابن جرير في بيان معناها: («يقول
تعالی ذکره لنبيه: وإن استأمنك، یا محمد،
من المشركين، الذين أمرتك بقتالهم وقتلهم
بعد انسلاخ الأشهر الحرم، أحدٌ؛ ليسمع
كلام الله منك -وهو القرآن الذي أنزله الله
عليه - ﴿فَلَجِرُهُ﴾، يقول: فأمنه حتى يسمع
كلام الله وتتلوه عليه ﴿ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ﴾،
یقول: ثم رده بعد سماعه كلام الله إن هو
أبى أن يسلم، ولم يتعظ لما تلوته عليه من
کلام الله فیؤمن إلی مامنه، يقول: إلی حیث
٢٩٨
جومبو
القرآن الكريم

القرآن الكريم
يأمن منك وممن في طاعتك، حتى يلحق إلى الاستجابة له، كما قال: جل وعلا:
﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ
بداره وقومه من المشركين ﴿ذَلِكَ يَأْنَهُمْ
قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾، يقول: تفعل ذلك بهم،
من إعطائك إياهم الأمان؛ ليسمعوا القرآن،
وردك إياهم إذا أبوا الإسلام إلى مأمنهم؛
من أجل أنهم قوم جهلة لا يفقهون عن الله
حجة، ولا يعلمون ما لهم بالإيمان بالله لو
آمنوا، وما علیھم من الوزر والإثم بترکھم
الإيمان بالله)) (١).
اَلْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ﴿ وَإِذَا
سَمِعُواْ مَآ أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ
ءَامَنَّا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢-
٨٣].
والمقصود بسماعه: «فهم المقصود من
دلالته على النبوة، وفهم المقصود به من
التکلیف، ولم یکن یخفی علی العرب وجه
الإعجاز فيه، وطريق الدلالة على النبوة،
لكونه خارجًا عن أساليب فصاحة العرب
في النظم والنثر، والخطب والأراجيز،
والسجع والأمثال، وأنواع فصل الخطاب؛
فإن خلق الله له العلم بذلك، والقبول له
صار من جملة المسلمین، فإن صد بالطبع،
ومنع بالختم، وحق عليه بالكفر القول رد
إلی مأمنه»(٢).
ولئن مال أكثر المفسرين إلى أن هذا
متحقق في شأن مشركي العرب خاصة؛
لما تهيأ لهم من معرفة وجه الإعجاز فيه،
فإن سورة المائدة قد وصفت طائفة من
القسيسين والرهبان بأنهم إذا سمعوه سارعوا
(١) المصدر السابق ١٣٨/١٤.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٤٥٩/٢.
فقد وصفت الآية هؤلاء الذين هم أقرب
الناس مودة للذين آمنوا بجملة من الصفات:
﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ
«منها:
وَرُهْبَانًا ﴾ أي: علماء متزهدين، وعبادًا في
الصوامع متعبدين. والعلم مع الزهد وكذلك
العبادة مما يلطف القلب ويرققه، ويزيل عنه
ما فيه من الجفاء والغلظة؛ فلذلك لا يوجد
فيهم غلظة اليهود، وشدة المشركين.
ومنها: ﴿وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
أي: ليس فيهم تكبر ولا عتوٌّ عن الانقياد
للحق، وذلك موجب لقربهم من المسلمين
ومن محبتهم، فإن المتواضع أقرب إلى
الخير من المستكبر.
ومنها: أنهم ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
اُلرَّسُولِ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم،
أثر ذلك في قلوبهم وخشعوا له، وفاضت
أعينهم بسبب ما سمعوا من الحق الذي
www. modoee.com
٢٩٩

حرف القاف
تيقنوه، فلذلك آمنوا وأقروا به فقالوا: ﴿رَبَّنَآ الثاني الأول، وهو حصول علم سابق يؤدي
إلى البكاء والسجود، ولذلك قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ﴾، وقال:
﴿مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ﴾ .. ففيض دموعهم،
لمعرفتهم بأن الذي يتلی عليهم من کتاب
الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌّ (٣).
ءَامَنَا فَأَكْتُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ وهم أمة
محمد صلی الله علیه وسلم، یشهدون لله
بالتوحيد، ولرسله بالرسالة وصحة ما جاؤوا
به، ويشهدون على الأمم السابقة بالتصديق
والتكذيب))(١).
ويهمنا في هذا المقام ما وصفتهم به
الآية من أن أعينهم تفيض من الدمع الذي
هو دليل معرفة وإذعان، ((وفيض العين من
الدمع: امتلاؤها منه، ثم سیلانه منها، کفیض
النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه
عن شدة امتلائه))(٢).
وتكرر هذا الوصف في قوله تعالى:
﴿وَقُرْءَانَا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَهُ, عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ
وَزَّلْتَهُ نَزِيلًا (٢٦) قُلْ ءَامِنُواْ بَِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ
إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ
١٠٧
يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴿
وَنَخِرُّونَ
١٠٨)
رَبِنَآَ إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا
[الإسراء:
لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
١٠٦- ١٠٩].
فقد جعلت الآية من صفة هؤلاء الذين
أوتوا العلم أنھم یخرون ساجدین وباکین
حين تتلى عليهم آيات القرآن الكريم، وقد
اشتملت الآية على وصفين ذكرا في الآية
السابقة يتفرع أحدهما عن الآخر وينتج
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤١.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٠ / ٥٠٧.
وقد تضمنت آية سورة الإسراء أثرًا
آخر وهو السجود، قال تعالى: ﴿قُلْ ءَامِنُواْ
بِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلِمَ مِن قَبْلِهِ:
إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَجِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا
(١٠٧
وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيِّنَا لَّمَفْعُولًا
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
(١٠٨)
خُشُوعًا﴾.
ومعنى الآية: ((ف: ﴿قُلْ﴾ لمن كذب
به وأعرض عنه: ﴿ءَامِنُواْ بِ= أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ
فليس لله حاجة فیکم، ولستم بضاریه شيئًا،
وإنما ضرر ذلك عليكم، فإن لله عبادًا
غيركم، وهم الذين آتاهم الله العلم النافع:
﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِزُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا ﴾
أي: يتأثرون به غاية التأثر، ويخضعون
له. ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَنَ رَيْنَا﴾ عما لا يليق
-بجلاله-، مما نسبه إليه المشركون.
﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا﴾، ﴿لَمَفْعُولًا﴾
لا
﴿ لَمَفْعُولًا
بالبعث والجزاء بالأعمال
خلف فيه ولا شك. ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ ؟
أي: على وجوههم ﴿يَكُونَ وَيَزِيدُهُمْ
(٣) المصدر السابق.
٣٠٠
جوية
القرآن الكريمِ

القرآن الكريم
القرآن ﴿خُشُوعًا﴾))(١).
ويبدو أن سبب هذا السجود رغبة تلقائية
تحصل في نفوسهم من استشعار عظمة
منزل هذه الآيات. ومما يؤكد حصول هذه
الرغبة التلقائية قصة سجود المشركين
عند نزول آيات سورة النجم، ففي صحيح
البخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه، قال: (أول سورةٍ أنزلت فيها سجدةٌ
(والنجم)، قال: فسجد رسول الله صلی الله
عليه وسلم وسجد من خلفه إلا رجلًا رأيته
أخذ کفًّا من ترابٍ فسجد علیه! فرأيته بعد
ذلك قتل كافرًا، وهو أمية بن خلفٍ) (٢).
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال:
(سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم
وسجد معه المسلمون والمشركون والجن
والإنس)(٣).
فالمشركون أنفسهم على كونهم
مجاهرين بالعداوة لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ومكذبين بالوحي، لم
يتمالكوا أنفسهم حين سمعوه -عليه
الصلاة والسلام- يتلو سورة النجم، فلما
بلغ موضع السجدة منها سجد فخروا معه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (فاسجدوا لله واعبدوا)،
٦/ ١٤٢، رقم ٤٨٦٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب (فاسجدوا لله واعبدوا)،
١٤٢/٦، رقم ٤٨٦٢.
ساجدین، وهذا يدل على أن استشعار روعة
هذه الآيات يحرك في نفس سامعها رغبة
خفية في أن يخر ساجدًا باکیًا بين يدي بارئه
وفاطره.
وعليه، فإن لسماع القرآن سرًّا يجعل
سامعه أو طائفة من سامعيه يستشعرون
عظمة منزله ويسارعون إلى الإيمان به، وقد
يحصل له تأثير حتى على قلوب المعاندين
له، وإن كان كبرهم يغلب عليهم في النهاية
فیصرون على الصد عنه.
أما الذين زين الله قلوبهم بالإيمان
وحلاهم بكماله وأذاقهم حلاوته فإن
سماع القرآن يؤثر فيهم تأثيرًا خاصًّا، كما
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِنَبًا
مُّتَشَبِهَا مَثَانِىَ نَقْشَعُِ مِنْهُ جُلُودُ اَلَّذِينَ
يَخْشَوْنَ رَبَهُمْ ثُمَّ تَلِيْنُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ
إِلَى ذِكْرِ اللَّهَ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يهِی پِهِ، مَن
يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ اَللَّهُ فَمَا لَهُ، مِنْ هَادٍ﴾
[الزمر: ٢٣].
((أي: الله تعالى نزل بفضله ورحمته
عليك -يا محمد - ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ
كِنَبًا مُّتَشَبِهًا﴾ أي: يشبه بعضه بعضًا في
فصاحته وبلاغته، وفي نظمه وإعجازه، وفي
صحة معانیه وأحكامه، وفي صدقه وهداياته
وإرشاداته إلى ما يسعد الناس في دنياهم
وآخرتهم.
﴿مَثانى ﴾ أي: تثنی وتکرر فیہ القصص
www. modoee.com
٣٠١

حرف القاف
والمواعظ، والأمثال والأحكام والوعد جلودهم وقلوبهم إذا ما قرؤوا أو استمعوا
إلى آيات الرحمة والمغفرة)»(١).
والوعيد، کما تثنی وتكرر قراءته فلا تمل
علی کثرة الترداد، وإنما يزداد المؤمنون حبًّا
وتعلقًا بتلاوته كلما أكثروا من هذه التلاوة.
وسمی سبحانه كتابه حديثًا؛ لأن النبي
صلی الله عليه وسلم کان یحدث به قومه،
ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه. فلفظ
الحدیث هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى
كونه مقابلا للقديم.
ولفظ: ﴿كِنَبًا﴾: بدل من قوله:
﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾. وقوله: ﴿مُتَشَبِهًا
مَثَانى ﴾ صفتان للكتاب ووصف بهما وهو
مفرد، وكلمة: ﴿مَثَانِىَ ﴾ جمع، باعتبار
اشتماله على الكثير من السور والآيات
والقصص والمواعظ والأحكام.
أي: الله تعالى أنزل أحسن الحديث كتابًا
مشتملًا على السور والآيات والمواعظ.
التي يشبه بعضها في الإعجاز، والتي تثنى
وتکرر فلا تمل علی کثرة التكرار.
وقوله: ﴿نَقْشَعِرُّ﴾ من الاقشعرار، وهو
الانقباض الشديد للبدن. يقال: اقشعر جسد
فلان، إذا انقبض جلده واهتز، وهو هنا كناية
عن الخوف الشديد من الله تعالى.
أي: أن هذا الكتاب العظيم عند ما
يقرؤه أو يسمعه المؤمنون الصادقون الذين
يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة
ما اشتمل عليه من زواجر ونذر. ثم تلين
وبناء على ما سبق، فإن لسماع القرآن
تأثيرًا خاصًّا يتفاوت باختلاف السامعين
له، وأقل ذلك دلالته العقلية الظاهرة على
الحق، وارتفاع الحجة عمن سمعه -والله
أعلم -.
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ /٢١٥.
٣٠٢
جوبيع
لِلْعَرَآن الكَرِيمِ

القرآن الكريم
حديث القرآن عن مواقف الناس منه
تحدث القرآن عن مواقف الناس منه،
وهذا ما سوف نوضحه فيما يأتي:
أولًا: المستجیبون له:
قد تقدم أن القرآن الكريم قد وصف
الذين أوتوا العلم بالسجود والبكاء عند
سماع آيات القرآن الكريم، وذلك منهم
إقرار به وإذعان له.
قال تعالى: ﴿وَقُرْءَانًا فَرَقْتَهُ لِنَقْرَأَهُ, عَلَى
النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَزَّلْنَهُ نَِّيلًا (٢٦) قُلْ ءَامِنُواْ
بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ أَلْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْفَانِ سُجَّدًا (١٠) وَيَقُولُونَ
١٠٨
سُبْحَنَ رَيْئًا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا
وَيَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾
[الإسراء: ١٠٦- ١٠٩].
((ففيض دموعهم؛ لمعرفتهم بأن الذي
يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى
رسول الله حقٌ)) (١)، وسجودهم إذعان
منهم لمُنزله.
كما ورد هذا الوصف في حق طائفة
من القسيسين والرهبان: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ الْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ
ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَرَىَّ ذَلِكَ
◌ِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٠٧.
يَسْتَكْبُونَ (١) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى
الرَّسُولِ تَرَىٌ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا
عَرَقُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاَ ءَامَنًا فَأَكْثُبْنَا
مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ -
قال مجاهد: «هم الوفد الذين جاؤوا مع
جعفر وأصحابه من أرض الحبشة، وروي
عن عطاء نحو ذلك» (٢).
وعن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي
وفدًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقرأ
عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فأسلموا.
قال: فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ
النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَالَّذِينَ
أَشْرَكُواْ﴾، إلى آخر الآية. قال: فرجعوا
إلى النجاشي فأخبروه، فأسلم النجاشي،
فلم يزل مسلمًا حتى مات. قال: فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أخاكم
النجاشي قد مات، فصلوا عليه! فصلى عليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة،
والنجاشي ثم))(٣).
وقد روي أن قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَانَيْنَهُمُ
اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِهِ، هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ () وَإِذَا يُنْلَ
عَلَتِهِمْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا بِهِ: إِنَّهُ أَلْحَقُّ مِن زَيْئاً إِنَّا كُنَا مِن
قَبْلِهِ، مُسْلِمِينَ ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرََّيْنِ
بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا
رَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ اللَّغْوَ
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ١١٨٣/٤.
(٣) جامع البيان، الطبري ٤٩٩/١٠.
www. modoee.com
٣٠٣

حرف القاف
أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَّا أَعْمَلُنَا وَلَكُمْ أَعْمَلُكُمْ
سَلَمْ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِى الْجَِهِلِينَ ﴾)) [القصص:
٥٢-٥٥]. نزل فيهم أيضًا.
واختار ابن جرير أن تكون الآية قد
أخبرت بذلك عن قوم هذه صفتهم من
غير تعيين ولا قصر على قوم مخصوصین
أو في زمن مخصوص، قال: ((والصواب
في ذلك من القول عندنا أن يقال: إن الله
تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم
من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان
بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم؛
لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهب
في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء
بکتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا یبعدون من
المؤمنين؛ لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا
يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه؛ لأنهم أهل
دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في
ذات الله، وليسوا کالیهود الذين قد دربوا
بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في
أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في
کتبه»(١).
وقال ابن كثير: ((يخبر تعالى عن العلماء
الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون
بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
اُلْكِتَبَ يَتْلُونَهُ، حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ
[البقرة: ١٢١].
(١) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٥٠٥.
جوسين
القرآن الكريم
وقال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ اَلْكِتَبِ لَمَنْ
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ
خَشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩].
وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِ إِذَا
يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠) وَيَقُولُونَ
سُبْحَانَ رَيِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَيْنَا لَمَفْعُولًا ﴾
[الإسراء: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَلْيَهُودَ وَاَلَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ
أَقْرَبَهُمِ قَوَدَّةٌ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَّا نَصَرَىُّ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِيسِينَ
وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبُونَ { وَإِذَا
سَمِعُواْ مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ
مِنَ الدَّمْعِ مِمَا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَاً
ءَامَنَّا فَأَكْثُبْنَا مَعَ الشَّهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢،
٨٣]»(٢).
وزيادة على إيمانهم به فقد أخبر القرآن
عنهم أنهم يفرحون به، كما قال تعالى:
وَلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَفْرَحُونَ بِمَآَ
أُنْزِلَ إِلَيْكٌ وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ.
قُلْ إِنَّمَا أُثِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أُشْرِكَ بِّ إِلَيْهِ
أَدْعُواْ وَإِلَيْهِ مَثَابٍ ﴾ [الرعد: ٣٦].
﴿ وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ
و ((قوله تعالى:
آلکتبَ ﴾ فیه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم مسلمو اليهود، قاله أبو
صالح عن ابن عباس. وقال مقاتل: هم عبد
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٤/٦.
٣٠٤

القرآن الكريم
الله بن سلام وأصحابه.
أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة،
والثاني: أنهم أصحاب رسول الله صلى والكتب السابقة، ومن جهة ما يشاهدون
الله عليه وسلم، قاله قتادة.
والثالث: مؤمنو أهل الكتابين من اليهود
والنصارى، ذكره الماوردي: ﴿وَأَلَّذِىّ أُنزِلَ
إِلَيْكَ ﴾ القرآن، فرح به المسلمون وصدقوه،
وفرح به مؤمنو أهل الكتاب؛ لأنه صدق ما
عندهم))(١).
وقد نص القرآن الکریم على أن الذین
أوتوا العلم یرون نصوصه حقًّا وتنزيلاً
من الله وهادية إلى صراطه، قال تعالى:
وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ الَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
مِن رَّبِكَ هُوَ الْحَقِّ وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ
اٌلْحَمِيدِ﴾ [سبأ: ٦].
قال السعدي: ((لما ذكر تعالى إنكار من
أنکر البعث، وأنھم یرون ما أنزل على رسوله
ليس بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد،
وهم أهل العلم، وأنهم يرون ما أنزل الله
على رسوله من الكتاب، وما اشتمل عليه
من الأخبار، هو الحق، أي: الحق منحصر
فيه، وما خالفه وناقضه، فإنه باطل؛ لأنهم
وصلوا من العلم إلى درجة اليقين.
ويرون أيضًا أنه في أوامره ونواهيه
﴿وَيَهْدِىّ إِلَى صِرَطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾
وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٤٩٨.
من أخبارها، التي تقع عيانًا، ومن جهة ما
يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها
في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة موافقتها
لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه.
ويرون في الأوامر والنواهي، أنها تهدي
إلى الصراط المستقيم، المتضمن للأمر
بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر،
وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص
وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان
إلی عموم الخلق، ونحو ذلك. وتنھی عن
كل صفة قبيحة، تدنس النفس، وتحبط
الأجر، وتوجب الإثم والوزر، من الشرك،
والزنا، والرباء والظلم في الدماء والأموال،
والأعراض.
وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، وعلامة
لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علمًا
وتصديقًا بأخبار ما جاء به الرسول، وأعظم
معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل
العلم الذين جعلهم الله حجة على ما جاء
به الرسول، احتج الله بهم على المكذبين
المعاندين، كما في هذه الآية وغيرها))(٢).
وقد دلت هذه الآيات على أن المتصفين
بالعلم، الذين لم يعم الكبر والعناد قلوبهم،
وجوه كثيرة: من جهة علمهم بصدق من إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم شهدوا
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٥.
www. modoee.com
٣٠٥

حرف القاف
بصدقها وأقبلوا عليها خاشعين مذعنين فإننا راضون كل الرضا بالعمل في ديننا،
مطيعين مستجیبین.
ثانيًا: الصَّادُّونَ عنه:
قص القرآن الكريم عن المشركين أنهم
في خضم معاندتهم للحق وصدهم عنه قالوا
إن قلوبهم مغلفة فلا يصل الحق إليها، وفي
آذانهم صمم فلا يسمعون ما يتلو النبي صلى
الله عليه وسلم، ومن بينهم وبينه حجاب فلا
یرونه.
قال تعالى:
تَنزِیلُ مِّنَ
﴿حمّ
الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ن كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ.
قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( بَشِيرًا وَنَذِيرًا
٤
فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا نَدْعُوْنَا إِلَيْهِ وَفِيّ
ءَاذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَأَعْمَلْ
إِنَّنَا عَلَمِلُونَ ﴾ [فصلت: ١ - ٥].
﴿ وَقَالُواْ﴾ أي: هؤلاء المعرضون
عنه، مبینون عدم انتفاعهم به، بسد الأبواب
الموصلة إليه: ﴿قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِنَّةٍ﴾ أي:
أغطية مغشاة ﴿مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيّ ءَاذَانِنَا
وَقَّرٌ﴾ أي: صم فلا نسمع لك ﴿وَمِنُ بَيْنِنَا
وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ فلا نراك.
القصد من ذلك، أنهم أظهروا الإعراض
عنه، من كل وجه، وأظهروا بغضه، والرضا
بما هم عليه، ولهذا قالوا: ﴿فَأَعْمَلْ إِنَّنَا
عَمِلُونَ ﴾ أي: كما رضيت بالعمل بدينك،
وهذا من أعظم الخذلان، حيث رضوا
بالضلال عن الهدى، واستبدلوا الكفر
بالإيمان، وباعوا الآخرة بالدنيا))(١).
وكما أخبروا عن أنفسهم أنهم لا
يسمعون تیئیسًا للنبي صلى الله عليه وسلم،
فقد تواصوا بعدم السماع للقرآن الكريم
وأمر بعضهم بعضًا بذلك: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَا تَسْمَعُواْ لِهَذَا الْقُرْءَانِ وَالْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ
تَغْلِبُونَ ﴾ [فصلت: ٢٦].
وَقَالُواْ قُلُوبُنَا
وهي: عطف على جملة
فِيَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ عطف القصة
على القصة، ومناسبة التخلص إليه أن
هذا القول مما ينشأ عن تزيين قرنائهم من
الإنس، أو هو عطف على جملة ﴿فَزَيَّنُواْ
◌َهُم﴾ وهذا حكاية لحال أخرى من أحوال
إعراضهم عن الدعوة المحمدية بعد أن
وصف إعراضهم في أنفسهم انتقل إلى
وصف تلقينهم الناس أساليب الإعراض،
فالذين كفروا هنا هم أئمة الكفر يقولون
لعامتهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْ لِذَا الْقُرْءَانِ﴾(٢).
وعلى هذا فإنهم مع زعمهم أن القرآن
الكريم لن يؤثر فيهم؛ لأنهم لا يسمعونه
وقلوبهم مغلفة عن أن يصل إليها، فإنهم لم
يستطيعوا الصبر عليه بحيث تواصوا باللغو
(١) المصدر السابق ص ٧٤٥.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٢٧٧.
٣٠٦
جوبي
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ

القرآن الكريم
فيه وتناهوا عن سماعه، وما ذلك منهم إلا فيما حكي عنهم ﴿أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ
ءَالِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦].
مخافة لتأثيره في بعضهم: «فإنهم علموا أن
القرآن كلام هو أكمل الكلام، شريف معاني
وبلاغة تراكيب وفصاحة ألفاظ، وأيقنوا أن
كل من يسمعه وتداخل نفسه جزالة ألفاظه
وسمو أغراضه قضی له فهمه أنه حق اتباعه،
وقد أدركوا ذلك بأنفسهم، ولكنهم غالبتهم
محبة الدوام على سيادة قومهم فتمالؤوا
ودبروا تدبيرًا لمنع الناس من استماعه،
وذلك خشية من أن ترق قلوبهم عند سماع
القرآن فصرفوهم عن سماعه.
وهذا من شأن دعاة الضلال والباطل أن
يكمموا أفواه الناطقين بالحق والحجة، بما
يستطيعون من تخويف وتسويل، وترهيب
وترغيب ولا يدعوا الناس يتجادلون بالحجة
ويتراجعون بالأدلة؛ لأنهم يوقنون أن حجة
خصومهم أنهض، فهم يسترونها ويدافعونها
لا بمثلها ولكن بأساليب من البهتان
والتضليل، فإذا أعيتهم الحيل ورأوا بوارق
الحق تخفق خشوا أن یعم نورها الناس الذين
فيهم بقية من خیر ورشد، عدلوا إلی لغو
الكلام ونفخوا في أبواق اللغو والجعجعة
لعلهم يغلبون بذلك على حجج الحق،
ويغمرون الكلام القول الصالح باللغو،
وكذلك شأن هؤلاء. فقولهم: ﴿لَا تَسْمَعُواْ
لِهَذَا الْقُرْءَانِ﴾ تحذيرًا واستهزاء بالقرآن،
فاسم الإشارة مستعمل في التحقير كما
وتسميتهم إياه بالقرآن؛ حكاية لما يجري
على ألسنة المسلمين من تسميته بذلك.
وتعدية فعل ﴿تَسْمَعُواْ﴾ باللام؛ لتضمينه
معنی: تطمئنوا أو ترکنوا.
واللغو: القول الذي لا فائدة فيه، ویسمی
الكلام الذي لا جدوى له لغوًا، فمعنى
﴿وَالْغَوْاْفِيهِ﴾: قولوا أقوالًا لا معنى لها أو
تکلموا کلامًا غیر مراد منه إفادة»(١).
في غمرة هذا العناد لم يشعر هؤلاء
المعاندون أنه قد طبع على قلوبهم حقًّا
وجعلت عليها أكنة وأغلفة مانعة من وصول
الحق إليها فلا يفقهون معانيها، وأن آذانهم
قد صمت عن سماع الحق، سماع من
یستجيب له.
كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن
يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ أَنْ يَفْقَهُوهُ
وَفِيَّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ ءَايَةٍ لَّا يُؤْمِنُواْ
◌َِأَ حََّ إِذَا جَاءُولَكَ يُجَدِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ
هَذَا إِلَّ أَسَطِيُ اَلْأَوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥].
وقال أيضًا: ﴿ وَإِذَا قَرَأَتَ الْقُرْءَانَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
وَحَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
حِجَابًا مَسْتُورًا
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَاْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ
فِيِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ، وَلَّوْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ تُفُورًا﴾
(١) المصدر السابق.
www. modoee.com
٣٠٧

حرف القاف
[الإسراء: ٤٥ - ٤٦].
ويغضبون إذا تليت عليهم: ﴿وَإِذَا نُتْلَى
عَلَيْهِمْ ءَتُنَا بَيْنَتٍ تَعْرِفُ فِىِ وُجُومِ الَّذِينَ
(وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً ﴾:
جمع (كنان)، الذي يغشى القلب ﴿أَنْ كَفَرُواْ الْمُكَرِّ يَكَادُونَ يَسْطُونَ
بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ ءَايَئِنَا قُلْ أَفَأَنَبِّئُكُم
بِشَرِّ مِن ذَلِكُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٧٢].
أي: لئلا يفهموا القرآن ﴿وَفِىّ
يفقهوة
مَاذَانِهِمْ وَقْرَاً﴾ وهو الثقل الذي يمنعهم من
سماع القرآن سماعًا ينفعهم ويهتدون به (١).
وهؤلاء يصل القرآن إلى آذانهم ولكنهم
لا يسمعونه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَْ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْهَمِّ بَلّ
هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤].
ويصير القرآن الذي هو نور عمّی علیھم.
﴿وَلَوْ جَعَلْنَهُ قُرْءَانًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُواْ لَوْلَا فُصِّلَتْ
ءَايَتُهُ { ءَأَعْمَيِىٌّ وَعَرَبِىٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ
هُدَّى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِيّ
ءَاذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمَىَّ أُوْلَكَ
يُنَدَوْنَ مِن مَّكَانٍِ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤].
وهؤلاء الصادون قد جحدوا بآيات الله،
وقد استيقنتها قلوبهم بما خالطها من مرض
وكبر وعناد، فهم يجادلون بكل باطل؛
ليدحضوا به الحق، فإذا تقطعت بهم السبل
وأعيتهم الحجة انقلب كبرهم غضبًا وبطشًا،
بل إن مجرد سماع آيات الله تتلی یستفز هذا
الغضب في نفوسهم، فإذا هم ﴿يَكَادُونَ
يَسْعُطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ مَيَدِنَا﴾.
ولأجل ذلك فهم لا ينتفعون بما فيه من
تذكير ومواعظ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن ذُكْرَ بِنَايَتِ
رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا جَعَلْنَا
عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَائِمْ
وَقْرَاْ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىْ فَلَنْ يَهْتَدُوَا إِذَا
أَبَدًا ﴾ [الكهف: ٥٧].
ولا تنشرح صدورهم لآياته: ﴿ وَلَا
يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ حَتَّى
تَأْنِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ
عَقِيمِ
[الحج: ٥٥].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨٢/٥.
مَوَسُو ◌َرُ النَّفِيد
القرآن الكريم
٣٠٨