النص المفهرس

صفحات 41-60

القتال
رسول الله صلی الله علیه وسلم، فقبضها أبو
بکر رضي الله تعالی عنه فعمل بها بما عمل
به فیھا رسول الله صلی الله علیه وسلم،
وأنتم حينئذ جميع.
وأقبل على علي وعباس فقال: تذكران
أن أبا بكر فعل فيه کما تقولان، والله يعلم
إنه فیها صادق بار راشد تابع للحق، ثم توفی
الله أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول الله صلى
الله عليه وسلم وأبي بكر فقبضتها سنتين من
إمارتي أعمل فيها بما عمل رسول الله صلى
الله عليه وسلم، وأبو بكر والله يعلم إني فيه
صادق بارٌ راشد تابع للحق، ثم جئتماني
كلاكما وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع
فقلت لكما: إن رسول الله صلى الله عليه
وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة).
فلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن
شئتما دفعته إلیکما علی أن علیکما عهد الله
وميثاقه لتعملان فيها بما عمل به رسول الله
صلی الله عليه وسلم وأبو بكر، وبما عملت
به فيها منذ وليتها وإلا فلا تكلماني فيها،
فقلتما: ادفعها إلينا بذلك فدفعتها إليكما؟
أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك؟ فو الله
الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي
فيها قضاءً غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن
عجزتما عنها فادفعاها إلي فإني أكفيكما (١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الفرائض، باب قول النبي صلى الله عليه
وسلم (لا نورث ما تركناه صدقة)، ١٢/ ٦،
وقوله عز وجل ﴿مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِ،
مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ يعني: من أموال كفار أهل
القرى، قال ابن عباس: هي قريظة والنضير
وفدك وخيبر وقرى عرينة ﴿فَلَّهِ وَالرَّسُولِوَلِذِى
اَلْقُرْبَى وَالْبَشَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾.
ومال الفيء كان لرسول الله صلى الله عليه
وسلم في حیاته یضعه حیث یشاء وکان ینفق
منه على أهله نفقة سنتهم ويجعل ما بقي
مجعل مال الله (٢).
وأما مصرف الفيء الذي أشارت إليه
الآيات الكريمة، فقد اختلف فيه العلماء.
قال محيي السنة البغوي رحمه الله:
واختلف أهل العلم في مصرف الفيء بعد
رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال:
قوم هو للأئمة بعده. وللشافعي فيه قولان:
أحدهما: هو للمقاتلة، والثاني: لمصالح
المسلمين، ويبدأ بالمقاتلة ثم بالأهم فالأهم
من المصالح (٣).
وأما مقدار ما يعطى وهل يخمس أم
لا؟ فيقول فيه البغوي أيضًا (٤): واختلفوا
ومسلم في صحيحه، كتاب الجهاد، باب حكم
الفيء، رقم ١٧٥٧، ١٣٧٧/٣ - ١٣٧٩.
(٢) قال الحافظ ابن حجر في الكافي الشافي
ص١٦٦ : ذكره الثعلبي بغير سند.
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٧٣.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٥/١٨، أحكام القرآن، الجصاص ٣١٧/٥،
أحكام القرآ، ابن العربي ٢١٣/٤-٢١٥.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٨/ ٧٣.
www. modoee.com
١٢٥

حرف القاف
في تخميس مال الفيء؛ فذهب بعضهم
إلى أنه يخمس، فخمسه لأهل الغنيمة،
وأربعة أخماسه للمقاتلة وللمصالح، وذهب
الأكثرونإلى أنه لا یخمس بل مصرف جميعه
واحد، ولجمیع المسلمین فیه حق، قرأ عمر
بن الخطاب: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ
الْقُرَى﴾ حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِرِينَ الَّذِينَ
أُخرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَِّهِمْ﴾. ﴿وَأَِّينَ
جَآءُو مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثم قال: هذه استوعبت
المسلمين عامة، وقال: ما على وجه الأرض
مسلم إلا له في هذا الفيء حق إلا ما ملكت
أیمانکم(١).
وقوله تعالى: ﴿كَ لَا يَكُونَ دُولَةٌ﴾ قرأ
العامة بالياء، ((دولة)) نصب أي: لكيلا
يكون الفيء دولة، وقرأ أبو جعفر: ((تكون)»
بالتاء (دولة)) بالرفع على اسم كان، أي:
كيلا يكون الأمر إلى دولة، وجعل الكينونة
بمعنى الوقوع وحينئذ لا خبر له. ((والدولة))
اسم الشيء الذي يتداوله القوم بينهم ﴿بَيْنَ
اٌلْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾ يعني: بين الرؤساء والأقوياء،
فيغلبوا عليه الفقراء والضعفاء، وذلك أن
أهل الجاهلية كانوا إذا اغتنموا غنيمة أخذ
الرئيس ربعها لنفسه، وهو المرباع، ثم
يصطفي منها بعد المرباع ما شاء، فجعله الله
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الإمارة، باب
في تدوين العطاء، ٢١٤/٤.
قال المنذري: وهذا منقطع، الزهري لم يسمع
من عمر.
لرسوله صلى الله عليه وسلم يقسمه فيما
أمر به، ثم قال: ﴿وَمَآ ءَانَنَكُمْ﴾ أعطاكم من
الفيء والغنيمة ﴿فَخُذُوهُ وَمَانَهَنَّكُمْ عَنْهُ﴾
الغلول وغيره ﴿فَأَنْنَهُواْ﴾. وهذا نازل في
أموال الفيء، وهو عام في كل ما أمر به النبي
صلى الله عليه وسلم ونهى عنه (٢).
٢. الغنيمة.
أصل الغنيمة في اللغة: الربح والفضل.
وفي الاصطلاح الفقهي: هي ما أخذ من
أموال أهل الحرب عنوة، والحرب قائمة.
وتجمع علی غنائم(٣).
وقد تناولت الآيات الكريمة أحكام
الغنائم وتوزيعها على الغائمين، وربطت
ذلك بالإيمان بالله تعالى والخضوع
لأحكامه، وأبانت أن الغنائم ليست هي
الهدف أو الغاية الأصلية من القتال، ولكن
الله تعالى أحلها لهم. فقال الله تعالى:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ.
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَى وَالْمَسَكِينِ
وَأَبْنِ السَبِيلِ إِن كُنتُمْ ءَامَنتُم بِاللَّهِ وَمَآ أَنْزَلْنَا
عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْقُرْقَانِ يَوْمَ اٌلْنَّقَى الْجَمْعَانِ
وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنفال: ٤١].
أي: ما أخذتم من مال الكفار قهرًا بحقٍ،
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٧٤/٨.
(٣) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٥٤٥/٢،
التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي
ص ٥٤٢، معجم المصطلحات المالية
والاقتصادية، نزیه حماد ص٣٤٨.
جَوَسُو ◌َرَ النَّتِيمـ
القرآن الكريمِ
١٢٦

القتال
قليلًا كان أو كثيرًا ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُسَهُ﴾ أي: يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ذلك تبع
للمصلحة وهذا هو الأولى(١).
وباقيه لكم أيها الغانمون، لأنه أضاف
الغنيمة إليهم، وأخرج منها خمسها. فدل
على أن الباقي لهم، يقسم على ما قسمه
رسول الله صلى الله عليه وسلم: للراجل
سهم، وللفارس سهمان لفرسه، وسهم له.
وأما هذا الخمس، فيقسم خمسة أسهم،
سهم لله ولرسوله، يصرف في مصالح
المسلمين العامة، من غير تعيين لمصلحة،
لأن الله جعله له ولرسوله، والله ورسوله
غنیان عنه، فعلم أنه لعباد الله. فإذا لم یعین
الله له مصرفًا، دل على أن مصرفه للمصالح
العامة. والخمس الثاني: لذي القربى، وهم
قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم
وبني المطلب. وأضافه الله إلى القرابة دليلًا
على أن العلة فيه مجرد القرابة، فيستوي فيه
غنيهم وفقيرهم، ذكرهم وأنثاهم. والخمس
الثالث لليتامى، وهم الذين فقدت آباؤهم
وهم صغار، جعل الله لهم خمس الخمس
رحمة بهم، حيث كانوا عاجزين عن القيام
بمصالحهم، وقد فقد من یقوم بمصالحهم.
والخمس الرابع للمساكين، أي: المحتاجين
الفقراء من صغار وكبار، ذكور وإناث.
والخمس الخامس لابن السبيل، وهو
الغريب المنقطع به في غیر بلده.
وبعض المفسرين يقول: إن خمس
الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا
قال الفقهاء: إن أموال الحربيين الذين
لم يسلموا، إذا ظهر المسلمون عليهم في
الحرب فغنموا أموالهم، فيجب على إمام
المسلمين أن يقسم الغنيمة ويخرج خمسها
للأصناف الذين ذكرهم الله تعالى بقوله:
﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَىْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ حُسَهُ.
وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَاَلْيَتَفَى وَالْمَسَكِينِ
وَأَبْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١].
ويقسم الأربعة الأخماس على الغانمين
ولا خيار للإمام فيه، للنصوص الواردة في
ذلك، وعليه انعقد الإجماع (٢).
ولذلك لا يجوز للإمام أن يمن على
هؤلاء بأموالهم المنقولة المجردة فيردها
عليهم، لأنه لم يرد به الشرع في هذا المال،
ولأنه لا يدوم بل ينقطع، والجواز باعتبار
الدوام نظرًا لهم ولمن يجئ بعدهم. ولهذا
لا يجوز أيضًا المن بالرقاب وحدها بدون
الأرض، لأنه ينقطع بالموت والإسلام،
وإنما يجوز تبعًا للأراضي - كما سبق - كيلا
يشتغلوا بالزراعة عن الجهاد، ثم إذا من
علیهم بالأراضي والرقاب فإنه يدفع إليهم
من المنقول قدر ما یتھیأ لهم به العمل، لأن
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٢١ -
٣٢٢.
(٢) انظر: السير الكبير، الشيباني ١٠٠٤/٣، فتح
القدیر، ابن الهمام ٤/ ٣٠٥.
www. modoee.com
١٢٧

حرف القاف
عمر رضي الله عنه ترك لهم ذلك، وهو
القدوة في هذا الباب، ولأن منفعة الأرض
بالزراعة، وهم لا يقدرون على الزراعة إلا
بآلتها، فيكره له أن يكلفهم بها بدون الآلة (١).
وهو ما ذهب إليه جماهير العلماء واتفقوا
عليه، فقد قال الإمام أبو جعفر الطبري:
((أجمع الكل من الحجة لا خلاف بينها أن
أربعة أخماس الغنيمة للمقاتلة))(٢).
وكذلك نقل ابن حزم وابن هبيرة الاتفاق
على أن أموال أهل الحرب كلها -عدا
الأرض- تخمس، وتدفع الأربعة الأخماس
للغانمين، فقال ابن حزم: ((اتفقوا أن الخمس
يخرج مما غنم عسكر المسلمين، أو عشرة
من المسلمين الأحرار البالغين العقلاء
الرجال، من الحيوان - غير بني آدم- ومما
غنم من الأثاث والسلاح والمتاع كله الذي
ملکه أهل الحرب، بعد أن يخرج منه سلب
المقتولين، وما أكل المسلمون من الطعام أو
احتملوه)) (٣)
٠
وبعد هذا الإيجاز لحكم المسألة وأقوال
العلماء فيما تدل عليه الآيتان الكريمتان؛
فإن الموقف لا يسمح بتفسير كل الآيات
المتعلقة بذلك، فحسبنا أن نعرض بعضها
لما فيها من توجيهات، كقوله تعالى:
(١) انظر: المصادر السابقة.
(٢) اختلاف الفقهاء، الطبري، ص ٦٨.
(٣) انظر: مراتب الإجماع، ابن حزم، ص ١١٤،
الإفصاح، ابن هبيرة ٢٧٦/٢.
فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِبَأْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ
اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٦٩].
وهذه الآية الكريمة افتتحها الله تعالى
بحرف الفاء وهي تؤذن بتفريع هذا الكلام
على ما قبله. وفي هذا التفريع وجهان:
أحدهما: الذي جرى عليه كلام
المفسرين أنه تفريع على قوله: ﴿لَوْلاَ كِنَبٌ
مِنَ اَللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
(٦٨)﴾ [الأنفال: ٦٨].
أي: لولا ما سبق من حل الغنائم لكم
لمسكم عذاب عظيم، وإذ قد سبق الحل
فلا تبعة عليكم في الانتفاع بمال الفداء. وقد
روي أنه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَّيّ
أَن يَكُونَ لَهُوَ أَسْرَى﴾ [الأنفال: ٦٧].
أمسكوا عن الانتفاع بمال الفداء، فنزل
قوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَا طَيِّبًا﴾
وعلى هذا الوجه قد سمي مال الفداء غنيمة،
تسمية بالاسم اللغوي دون الاسم الشرعي؛
لأن الغنيمة في اصطلاح الشرع هي ما افتكه
المسلمون من مال العدو بالإيجاف عليهم.
والوجه الثاني: يظهر أن التفريع ناشئ
على التحذير من العود إلى مثل ذلك
في المستقبل، وأن المعنى: فاكتفوا بما
تغنمونه ولا تفادوا الأسرى إلى أن تثخنوا
في الأرض. وهذا هو المناسب لإطلاق
اسم الغنيمة هنا إذ لا ينبغي صرفه عن معناه
الشرعي. ولما تضمن قوله: ﴿لَوْلَا كِنَبٌ مِّنَ
١٢٨
جوسين
القرآن الكريم

القتال
اَللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨].
امتنانًا عليهم بأنه صرف عنهم بأس
العدو، فرع على الامتنان الإذن لهم
بأن ينتفعوا بمال الفداء في مصالحهم،
ویتوسعوا به في نفقاتهم، دون نكد ولا
غصة، فإنهم استغنوا به مع الأمن من ضر
العدو بفضل الله. فتلك نعمة لم يشبها أذى.
وعبر عن الانتفاع الهنيء بالأكل؛ لأن الأكل
أقوى كيفيات الانتفاع بالشيء، فإن الآکل
ينعم بلذاذة المأكول ويدفع ألم الجوع عن
نفسه- ودفع الألم لذاذة- ويكسبه الأكل قوة
وصحة- والصحة مع القوة لذاذة أيضًا (١).
وقوله سبحانه: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ
إِذَا أَنْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا
نَتَّبِعَكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُواْ كَلَمَ اللَّهِ قُلِ
أَن تَشَِّعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَـ اَللَّهُ مِن قَبْلٌ
فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَمْشُدُ ونَنَا بَلْ كَانُواْ لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا
قَلِيلًا ﴾ [الفتح: ١٥].
أي: سيقول المخلفون، إذا انطلقت
-أيها النبي- أنت وأصحابك إلى غنائم
(خیبر» التي وعدكم الله بها: اتركونا نذهب
معکم إلی ((خیبر)، یریدون أن يغيروا بذلك
وعد الله لكم. قل لهم: لن تخرجوا معنا
إلى ((خيبر))؛ لأن الله تعالى قال لنا من قبل
رجوعنا إلى ((المدينة)): إن غنائم ((خيبر))
هي لمن شهد ((الحديبية)) معنا، فسيقولون:
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٨/١٠-٧٩.
ليس الأمر كما تقولون، إن الله لم يأمركم
بهذا، إنكم تمنعوننا من الخروج معكم
حسدًا منكم؛ لئلا نصيب معكم الغنيمة،
وليس الأمر كما زعموا، بل كانوا لا يفقهون
عن الله ما لهم وما عليهم من أمر الدين إلا
يسيرًا(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَّكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ
كَثِيرَةَ تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَيْدِىَ
اَلنَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَبَهْدِيَكُمْ
صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا ، وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا
قَدْ أَحَاطَ اللهُ بِهَاً وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا
[الفتح: ٢٠ - ٢١].
والمعنى الإجمالي للآيات: وعدكم الله
مغانم كثيرة تأخذونها في أوقاتها التي قدرها
الله لكم فعجل لکم غنائم (خیبر»، وكف
أيدي الناس عنكم، فلم ينلكم سوء مما
كان أعداؤكم أضمروه لكم من المحاربة
والقتال، ومن أن ينالوا ممن تركتموهم
وراءكم في ((المدينة))، ولتكون هزيمتهم
وسلامتكم وغنیمتکم علامة تعتبرون بها،
وتستدلون على أن الله حافظکم وناصر كم،
ويرشدكم طريقاً مستقيما لا اعوجاج فيه.
وقد وعدكم الله غنيمة أخرى لم تقدروا
عليها، الله سبحانه وتعالى قادر عليها، وهي
تحت تدبيره وملكه، وقد وعدکموها، ولا
بد من وقوع ما وعد به. وكان الله على كل
(٢) التفسير الميسر ص٥١٢.
www. modoee.com
١٢٩

حرف القاف
شيء قدیرًا لا يعجزه شيء. ولو قاتلكم كفار كما في زماننا وأنظمتنا اليوم، فذلك سائغ
شرعًا، وهو من قبيل الاستصلاح في شؤون
الإدارة العامة.
قريش بـ ((مكة)) لانهزموا عنكم وولوكم
ظهورهم، كما يفعل المنهزم في القتال، ثم
لا يجدون لهم من دون الله وليا یوالیھم علی
حربکم، ولا نصیرًا يعينهم على قتالكم(١).
ويجدر أن أختم هذه الفقرة عن الغنائم
في العصر الحاضر بالقول: إن بعض العلماء
المعاصرین یری ان القرآن الکریم لم ينص
على وجوب توزيع الغنائم الحربية - حتى
المنقولة منها- بين المجاهدين الفاتحين،
وإنما نصت آية الأنفال على مصارف معينة
لخمس الغنائم، وأن توزيع الأخماس الأربعة
على الغانمين إنما جاءت به السنة، وهو من
السياسة الشرعية والتدابير المصلحية التي
يفعلها النبي عليه الصلاة والسلام بصفة
ولايته العامة في الحكم والإدارة، فلا تفيد
حقًّا تشریعیًا ثابتًا لا يتبدل.
بل إن كل من يخلف النبي صلى الله
عليه وسلم في هذه الولاية العامة أن يلجأ
إلی تدبير آخر عند الحاجة، كما كان ذلك
ممكنًا للنبي نفسه صلى الله عليه وسلم. فإذا
تبدلت الظروف واقتضت الحاجة نظامًا آخر
للجندية تقوم فيه حقوق الجيش المجاهد لا
على اقتسام الغنيمة، بل على أساس إعاشةٍ
ووظائف ماليةٍ مرتبة للجند، وتكون الغنائم
الحربية كلها للدولة ولا حق فيها للمقاتلين،
(١) المصدر السابق، ص ٥١٣.
غير أن نظام توزيع الغنائم كان في صدر
الإسلام هو التدبير الممكن من الوجهة
المالية، وهو الأصلح أيضًا لسياسة الجهاد
بالنسبة إلى العرب في ذلك الزمن من
الوجهة العرفية (٢).
٣. الجزية.
الجزية في اللغة: مشتقة من الجزاء -وهو
المكافأة على الشيء- يقال: جزاه به وعليه
جزاءً، وجازاه مجازاةً وجزاء. وهي على
وزن فعلة لأنها تدل على الهيئة - أي هيئة
أخذ المال- والجمع جزئً وجزيٌ وجزئً
وجزاءٌ(٣).
وفي الاصطلاح الفقهي: هي المال
الذي يؤخذ من الكفار بعقد الذمة مقابل
حمايتهم وعصمة دمائهم بخضوعهم لنظام
الإسلام، وإقامتهم في دار الإسلام. سميت
بذلك؛ لأنها تجزئ الذمي عن القتل، فإنه إذا
قبلها سقط عنه القتل؛ لأن الله تعالى جعل
إعطاءها -عند عدم الإسلام- سببًا لمنع
(٢) المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقا
١/ ١٨٢ - ١٨٣.
وانظر: آثار الحرب في الفقه الإسلامي
د.وهبة الزحيلي، ص ٦٣٥.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٣٠٢/٦-
٢٣٠٣، المصباح المنير، الفيومي ١/ ١٠٠.
١٣٠
العضو
جَوَسُولَة النَّتِيَّة
القرآن الكريم

القتال
القتل(١).
وحدوث آفة على الذمي تمنع وجوب
وكان وضع الجزية على الشعوب الجزية، كأن صار أعمى أو فقيرًا لا يقدر
على شيء، وإذا اجتمعت جزية سنين،
فتسقط عنه(٢).
المغلوبة عادة مألوفة منذ عهد طويل قبل
الإسلام، وقد سلك المسلمون سبيل من
والذي يذكر هنا أن الجزية على الذميين،
ونظام الذمة الذي بحثه الفقهاء، انتهى
العمل به في الواقع منذ نشأة الدولة القومية
المعاصرة، وعدم قيامها على أساس الدين
والعقيدة الدينية، وظهور الدولة المدنية
ونظام المواطنة والجنسية المعاصرة، منذ
أواخر عهد الدولة العثمانية.
سبقهم في هذه الوسائل المالية بعد أن
صبغها الإسلام بصبغة خاصة، وجعلها
عنوانًا على الخضوع العام للنظام الإسلامي،
وكان هذا يغلب على الجانب المالي، فكان
المسلمون يصالحون الذميين على الجزية،
ويعفون فريقًا منهم منها فيأخذونها باسم
الصدقة - كبنى تغلب- وقد يسقطونها عنهم
لأسباب ومسوغات.
وفي مشروعية الجزية التي تترتب على
عقد الذمة للكفار الذين يرتضون بها، يقول
الله تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَلَا بِلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِمُونَ مَا حَزَّمَ اللَّهُ
وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ
أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ
وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وأجمع العلماء على أن الجزية تؤخذ من
الرجل البالغ العاقل الصحيح البدن الموسر
إذا كان حرًّا. واختلفوا بعد ذلك في بعض
الجزئيات والصور. وتسقط الجزية بعد
وجوبها بأسباب أربعة: الإسلام و الموت؛
(١) انظر: فتح القدير، ابن الهمام ٤ /٣٦٧، الشرح
الكبير، الدردير ٢٠١/٢، مغني المحتاج،
الشربيني ٢٤٢/٤، كشاف القناع، البهوتي
١٠٨/٣.
٤. الأسرى.
الأسر في اللغة العربية هو الحبس
والإمساك. أو هو الشد بالقيد، مأخوذ من
قولهم: أسرت القتب، بمعنی شددته. ومنه
سمي الأسیر؛ لأنهم کانوا یشدونه بالقد وهو
الإسار. ثم كثر استعماله حتى سمي كل من
يؤخذ قهرًا: أسيرًا، وإن لم يشد أو يقيد(٣).
ويعرف الفقهاء الأسرى بأنهم الرجال
المقاتلون من الكفار الذين ظفر بهم
المسلمون في الحرب. كما يطلق الأسير
على الحربي الذي دخل دار الإسلام دون
عهد أو أمان فوقع في يد المسلمين قبل أن
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٢١/٣، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢٢٩/٢-٢٣٠.
(٣) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢/ ٥٧٨، مقاييس
اللغة، ابن فارس ١٠٧/١، لسان العرب، ابن
منظور ٤ /١٩ - ٢٠.
www. modoee.com
١٣١

حرف القاف
يسلم. ويقسم الفقهاء الأسرى إلى أقسام، تقولون في هؤلاء؟) فقال أبو بكر: يا رسول
ولكل منهم أحكام تخصه(١).
وحسبنا هنا الإشارة إلى الآيات الكريمة
في الأسر وأحكام الأسرى ومعاملتهم،
مع إضاءات سريعة حول ذلك من أقوال
المفسرين وأهل العلم.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِّ أَنْ يَكُونَ
لَهُو أَشْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ
عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ ﴿ لَّوْلَا كِتَبٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
فِيمَآ أَخَذْ تُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ فَكُلُواْ مِمَّا غَيِّمْتُمْ
حَلًا طَيْبَأْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
﴾ [الأنفال: ٦٧ - ٦٩].
وقد نزلت هذه الآيات الكريمة هذه
معاتبة من الله لرسوله وللمؤمنین یوم ((بدر))
إذ أسروا المشركين وأبقوهم لأجل الفداء،
فكانت بيانًا لما هو الأجدر والأولى فيما
ينبغي في شأن الأسرى وتقرير مصيرهم.
قال الإمام محيي السنة البغوي رحمه
الله(٢): روى الأعمش عن عمر بن مرة، عن
أبي عبيد، عن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه قال: «لما کان يوم بدر وجيء بالأسرى،
فقال رسول الله صلی الله عليه وسلم: (ما
(١) انظر: شرح السير الكبير ٢١٩٥/٥ - ٢١٩٦،
المبسوط، السرخسي ٦٤/١٠، الأحكام
السلطانية، الماوردي، ص ١٣١، روضة
الطالبين، النووي ٢٥٠/١٠.
(٢) معالم التنزيل ٣٧٥/٣-٣٧٦.
الله قومك وأهلك فاستبقهم، واستأن بهم،
لعل الله أن يتوب عليهم، وخذ منهم فدية،
تكون لنا قوة على الكفار.
وقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله
كذبوك وأخرجوك، قدمهم نضرب أعناقهم،
مكن عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، ومكني
من فلان -نسیب لعمر- فأضرب عنقه، فإن
هؤلاء أئمة الكفر.
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله
انظر واديًا كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم
أضرم عليهم نارًا. فقال له العباس: قطعت
رحمك. فسكت رسول الله صلى الله عليه
وسلم فلم یجبھم، ثم دخل.
فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال
ناس: یأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ
بقول ابن رواحة.
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال (إن الله تعالی لیلین قلوب رجال حتی
تکون ألین من اللبن، ويشدد قلوب رجال
حتی تکون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا
أبا بكر مثل إبراهيم قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِىِ فَإِنَّهُ.
مِنِىِّ وَمَنْ عَصَانِ فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم:
٣٦].
ومثلك يا أبا بكر مثل عیسی حیث قال:
﴿إِن تَعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [المائدة: ١١٨].
جَوَنُوالَهُ النَّقِينَ
القرآن الكريمِ
١٣٢

القتال
وإن مثلك يا عمر مثل نوح حيث قال: أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض
علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، لشجرة
قريبة من رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأنزل الله تعالى هذه الآيات(٢).
﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾
[نوح: ٢٦].
ومثل موسى قال: ﴿رَبَنَا أَطْمِسْ عَلَى
أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
ثم قال رسول الله صلی الله عليه وسلم:
(أنتم الیوم عالة، فلا یفلتن منهم أحد إلا
بقداء أو ضرب عنق).
قال عبد الله بن مسعود: إلا سهيل بن
بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام، فسكت
رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما رأيتني
في يوم أخوف من أن تقع علي الحجارة
من السماء من ذلك اليوم، حتى قال رسول
الله صلی الله عليه وسلم: (إلا سهيل بن
بيضاء)(١).
قال ابن عباس: قال عمر بن الخطاب
فھوي رسول الله صلی الله عليه وسلم ما قال
أبو بکر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد
جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر قاعدین یبکیان، قلت: يا رسول الله
أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك،
فإن وجدت بکاء بکیت، وإن لم أجد بكاء
تباکیت لبکانکما؟ فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب التفسير،
تفسير سورة الأنفال، ٤٧٦/٨.
قال الترمذي: هذا حديث حسن، وأبو عبيدة
لم يسمع من أبيه.
وأخبرهم أنه لأجل ما علم في قلوبهم
من الخير غفر لهم فلم يعذبهم بتسرعهم
إلى إسار من لم يأمرهم به الرسول صلى الله
عليه وسلم للمفاداة دون توقف على إذنه،
ورحمهم فأحسن إليهم فأحل لكم الغنائم
ولما ساق سبحانه وتعالى هذه البشارة
في النذارة، سبب عنها قوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا
غَنِمْتُمْ﴾ أي: من الفدية وغيرها حال كونه
﴿حَكلًا﴾ أي: لا درك ولا تبعة فيه من جهتي
﴿طَيِّبًا﴾ أي: شھیًّا لكم ملائمًا لطباعکم.
وهذا إذا كان مع الشروط التي أقمتها لكم
من عدم الغلول والخيانة بوجه من الوجوه
والاستئثار وشدة الرغبة السائقة إلى ما لا
يليق من التنازع وغيره، ذلك فيما تقدمت
فيه إليكم ﴿وَاتَّقُوا اللهَ﴾ أي: الذي له جميع
صفات الكمال في جميع ذلك، فلا تغلوا
ولا تنازعوا ولا تقدموا إلا على ما يبيحه لكم
الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿إنَ اللَّهَ﴾
أي: المتصف بالجلال والإكرام ﴿غَفُورٌ﴾
أي: لمن يعلم من قبله أنه من أهل التقوى
﴿رَحِيمٌ﴾ له؛ لأنه أهل للرحمة، فلأجل
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٣٧٦/٣.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٨/ ٤٦، زاد المسير، ابن الجوزي ٢٢٤/٢.
www. modoee.com
١٣٣

حرف القاف
ما علم في قلوبكم من الخير غفر لكم فلم إنه مرة لما قدم على النبي صلى الله عليه
يعذبكم بتسرعكم إلى إسار من لم يأمركم به وسلم مال كثير، أتاه العباس فأمره أن يأخذ
منه بثوبه ما یطیق حمله، فأخذ منه ما كاد أن
يعجز عن حمله (٢).
الرسول صلی الله علیه وسلم للمفاداة دون
توقف علی إذنه، ورحمکم فأحسن إلیکم
وهذا الخير كله -وقد وعدهم الله
فأحل لكم الغنائم (١).
للتصرف و العفو عنهم فیما كان منهم خلاف
الأولى والأجدر، بعد هذا كله يلمس القرآن
الكريم قلوب الأسرى لمسة تحيي فيها
الرجاء، وتطلق فيها الأمل، وتشيع فيها
النور، وتعلقها بمستقبل خير من الماضي،
وبحياة أكرم مما كانوا فيه، وبكسب أرجح
مما فقدوا من مال وديار. وبعد ذلك كله
بالمغفرة والرحمة من الله.
قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَِّىُّ قُل لِّمَنْ فِيّ
أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَّ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِ قُلُوبِكُمْ
خَيْرًا يُؤْيِّكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٠].
وهذه الآية نزلت أيضًا في أسارى يوم
بدر، وكان في جملتهم العباس عم رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فلما طلب
منه الفداء، ادعى أنه مسلم قبل ذلك، فلم
يسقطوا عنه الفداء، فأنزل الله تعالى هذه
الآية جبرًا لخاطره، ومن كان على مثل حاله،
وقد أنجز الله وعده للعباس وغيره، فحصل
له - بعد ذلك- من المال شيء كثير، حتى
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٣٣١/٨-٣٣٢.
وبعد هذا البيان والعتاب ثم الإقرار به- معلق بأن تصلح قلوبهم، فتتفتح لنور
الإیمان، فیعلم الله أن فيها خيرًا، والخير هو
الإیمان حتی ما یحتاج إلی ذکر وتنصیص،
الخير محض الخير، ولا يسمى الشيء ما
خيرًا إلا أن يستمد منه وينبثق منه ويقوم
عليه.
إن الإسلام إنما يستبقي الأسرى لديه،
ليلمس في قلوبهم مكامن الخير والرجاء
والصلاح، وليوقظ في فطرتهم أجهزة
الاستقبال والتلقي والتأثر والاستجابة
للهدى. لا ليستذلهم انتقامًا، ولا ليسخرهم
استغلالًا کما کانت تتجه فتوحات الرومان،
وكما تتجه فتوحات الأجناس والأقوام!
عن الزهري عن جماعة سماهم قال: بعثت
قريش في فداء أسراهم، فقدى كل قوم
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٣٢٧.
قال أبو حيان في البحر المحيط: ٣٥٥/٥:
نزلت هذه الآية عقيب بدر في أسرى بدر
أعلموا أن لهم ميلا إلى الإسلام وأنهم يؤملونه
إن فدوا ورجعوا إلى قومهم، وقيل: في عباس
وأصحابه قالوا للرسول: آمنا بما جئت ونشهد
أنك رسول الله لننصحن لك علی قومنا.
١٣٤
القرآن الكريم

القتال
أسيرهم بما رضوا (١).
وقال العباس بن عبد المطلب رضي
الله عنه: (یا رسول الله قد كنت مسلمًا!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله
أعلم بإسلامك، فإن تكن كما تقول فإن
الله يجزيك، وأما ظاهرك فقد كان علينا،
فافتد نفسك وابني أخیك نوفل بن الحارث
ابن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب بن
عبد المطلب، وحليفك عتبة بن عمرو أخي
بني الحارث بن فهر): قال: ما ذاك عندي با
رسول الله!
قال: (فأين المال الذي دفنته أنت وأم
الفضل، قلت لها: إن أصبت في سفري هذا
فهذا المال الذي دفنته لبني الفضل وعبد الله
وقئم؟). قال: (والله يا رسول الله إني لأعلم
أنك رسول الله. إن هذا لشيء ما علمه أحد
غيري وغیر أم الفضل، فاحسب لي یا رسول
الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان
معي!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا، ذاك شيء أعطانا الله تعالى منك).
فقدى نفسه وبني أخويه وحليفه، فأنزل
الله عز وجل الآية. قال العباس رضي الله
عنه: فأعطاني الله مكان العشرين الأوقية
في الإسلام عشرين عبدًا کلهم في يده مال
یضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله عز
(١) في ظلال القرآن ١٥٥٣/٣.
وجل)(٢).
وبعد نزول هذه الآيات الكريمة، نزلت
في سورة محمد (وهي أيضًا سورة القتال)
في إجراءات القتال وتحديد مصير الأسرى
بعد انتهاء القتال.
فقال الله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ
فَضَرْبَ أَلْرِقَابٍ حَّى إِذَا أَنْتَهُمُوهُمْ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ فَإِمَّا
مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءُ حَتَّى تَضَعَ اْرِبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ
◌َشَاءَ اللهُ لَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِبْلُوَّ بَعْضَكُمْ بِبَعْضِّ
وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد:
٤].
والخطاب في هذه الآية الكريمة موجه
إلى المسلمين كما هو المتبادر. وقد تضمنت
أمرًا لهم بأن عليهم إذا لقوا الكافرين في
الحرب أن يصدقوا في قتالهم، حتى إذا
أكثروا فيهم القتل وقهروهم وضمنوا
لأنفسهم الغلبة علیھم جنحوا إلى أسر ما
بقي منهم، ويظل أمرهم معهم على هذا
المنوال حتى تنتهي حالة الحرب، ويتخلص
الناس من أعبائها. كما تضمنت تشريعا في
حق الأسرى، فالمسلمون مخيرون فيهم
بعد ذلك: فإما أن يمنوا ويتفضلوا عليهم
فيطلقوهم بدون فداء وإما أن يطلقوهم
بفداء(٣).
قال البغوي رحمه الله: واختلف العلماء
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٧٨/٣.
(٣) انظر: الجهاد في سبيل الله، محمد عزة
دروزة، ص١٣٨ - ١٣٩.
www. modoee.com
١٣٥

حرف القاف
في حكم هذه الآية:
فقال قوم: هي منسوخة بقوله تعالى:
فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِ اَلْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ
﴿فَاقْتُلُوا
[الأنفال: ٥٧]. وبقوله:
◌َلْفَهُمْ
اُلْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة:٥].
وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك
والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي
وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على
من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.
وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة،
والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من
الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم، أو
يسترقهم، أو يمن عليهم فيطلقهم بلا عوض،
أو يفاديهم بالمال أو بأسارى المسلمين،
وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن،
وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول
الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق.
قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد
سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى:
﴿فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ﴾ (١).
وهذا الذي قاله ابن عباس وأكثر الصحابة
والعلماء هو الأصح والاختيار؛ لأنه عمل به
رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء
(١) عزاه السيوطي في الدر المنثور ١٠٨/٤ لابن
جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس
وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس رضي
الله عنهما.
بعده(٢).
وبعد هذه الإشارات إلى تقرير مصير
الأسرى، تأتي آيات كريمة في الدعوة
إلى معاملة الأسير معاملة تشي بالأخلاق
الإسلامية العالية والعدالة التي تسع
الجميع، وبالإحسان بكل مظاهره، وبخاصة
في الأمور المادية والمعيشية، وقرن الله
تعالى فيها الإحسان إلى الأسير -ولوكان
غير مسلم- بالإحسان إلى المسكين
واليتيم، وكلاهما يستحق الرعاية والإحسان
بمقتضى العقيدة والإيمان بالله تعالى (٣).
وهذا كله في سياق صورة وضيئة شفافة
لقلوب مخلصة جادة عازمة على الوفاء
لله بتكاليف العقيدة، مع رحمة ندية بعباده
الضعاف، وإيثار على النفس، وتحرج
وخشية لله، ورغبة في رضاه، وإشفاق
من عذابه، تبعثه التقوى والجد في تصور
الواجب الثقيل.
يقول الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الَّعَامَ عَلَى
حُبِِّ، مِسْكِينًا وَيَتِمًا وَأَسِيرًا (٥) إِنَّا نُطِعِمُكُوْ لِوَجْدِ اللَّهِ
لَا تُرِدُ مِنْكُرْ جَزَّهُ وَلَا شُكُورًا ) إِنَّا تَخَافُ مِنْ زَيْنَا يَوْمًّا
عَبُوسًا قَطَرِيرً ®
* [الإنسان: ٨-١٠].
(٢) معالم التنزيل، البغوي ٢٧٨/٧.
(٣) قال الرازي في تفسيره مفاتح الغيب
٧٤٦/٣٠: اعلم أن مجامع الطاعات
محصورة في أمرين: التعظيم لأمر الله
تعالى، وإليه الإشارة بقوله: (يوفون بالنذر)،
والشفقة على خلق الله، وإليه الإشارة بقوله:
(ويطعمون الطعام).
١٣٦
مَوَسُو
القرآن الكريمِ

القتال
ممثلًا في إطعام الطعام، مع حبه بسبب
الحاجة إليه(١).
فمثل هذه القلوب لا يقال عنها: إنها
تحب الطعام الذي تطعمه للضعاف
المحتاجين على اختلاف أنواعهم، إلا أن
تکون في حاجة هي إلى هذا الطعام، ولكنها
تؤثر به المحتاجین بأريحية نفس، ورحمة
قلب، وخلوص نية، واتجاه إلى الله بالعمل،
يحكيه السياق من حالهم، ومن منطوق
قلوبهم فهي الرحمة الفائضة من القلوب
الرقيقة الرفيقة، تتجه إلى الله تطلب رضاه،
ولا تبتغي بها جزاء من الخلق ولا شكرًا،
ولا تقصد بها استعلاء على المحتاجين
ولا خيلاء، كما تتقي بها يومًا عبوسًا شدید
العبوس، تتوقعه وتخشاه، وتتقيه بهذا
الوقاء(٢).
أما الأسير فقد اختلفوا فيه على أقوال(٣):
(١) أحدها: على حب الطعام وقلته وشهوتهم له
وحاجتهم، والثاني: على حب الله عز وجل.
والثالث: على قلته، قاله قطرب. والرابع: قال
الفضيل بن عياض: على حب إطعام الطعام.
انظر هذه الأقوال وأصحابها في: جامع البيان،
الطبري ٢٤ / ٩٦-٩٧، معالم التنزيل، البغوي
٨/ ٢٩٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٢٨/١٣.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٣٧٨١/٦-٣٧٨٢.
(٣) قال مجاهد وسعيد بن جبير وعطاء: هو
المسجون من أهل القبلة. وقال قتادة: أمر
الله بالأسراء أن يحسن إليهم، وإن أسراهم
يومئذ لأهل الشرك. وقيل: الأسير المملوك.
وهي تصور شعور البر والعطف والخير والذي يناسب السياق هو ما قاله ابن عباسٍ،
والحسن، وقتادة: إنه الأسير من المشركين،
فقد روي أنه عليه الصلاة والسلام کان یبعث
الأسارى من المشركين ليحفظوا وليقام
بحقهم، وذلك لأنه يجب إطعامهم إلى أن
يرى الإمام رأيه فيهم من قتل أو فداء أو
استرقاق، القتل في حال لا يمنع من الإطعام
في حال أخرى، ولا يجب إذا عوقب بوجه
أن يعاقب بوجه آخر، ولذلك لا يحسن فيمن
يلزمه القصاص أن يفعل به ما هو دون القتل.
ثم هذا الإطعام على من يجب؟ فنقول:
الإمام يطعمه، فإن لم يفعله الإمام وجب
على المسلمين (٤).
قال البقاعي رحمه الله: وقد نقل في
غزوة بدر أن بعض الصحابة رضي الله
عنهم كان يؤثر أسيره على نفسه بالخبز،
وکان الخبز إذ ذاك عزیزًا، حتی کان ذلك
الأسیر یعجب من مکارمهم حتی کان ذلك
مما دعاه إلى الإسلام، وذلك لأن النبي
صلى الله عليه وسلم لما دفعهم إليهم
قال: ((استوصوا بهم خيرًا)) ومن حكم
الأسير الحقيقي كل مضرور، يفعلون ذلك
وقيل: المرأة، لقول النبي صلى الله عليه
وسلم:)) اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم
عوان)).
انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤/ ٩٧ -٩٨،
معالم التنزيل، البغوي ٢٩٤/٨، زاد المسير،
ابن الجوزي ٤ / ٣٧٧.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٧٤٧/٣٠.
www. modoee.com
١٣٧

حرف القاف
والحال أنهم يقولون بلسان الحال أو القال
- إن احتيج إليه - إزاحة لتوهم المن أو توقع
المكافأة، مؤكدين إشارة إلى أن الإخلاص
أمر عزیز لا یکاد أحد يصدق أنه یتأتی لأحد:
﴿إِنّانْطِمُكُمْ﴾ أيها المحتاجون ﴿لِوَجْهِ اَلَّهِ﴾
أي: لذات الملك الذي استجمع الجلال
والإكرام؛ لكونه أمرنا بذلك(١).
(١) نظم الدرر، البقاعي ١٣٩/٢١.
وانظر: شريعة الإسلام في الجهاد والعلاقات
الدولية، أبو الأعلى المودودي، ص ١٩٣-
١٩٥.
نتائج القتال وعواقبه
للقتال والجهاد نتائج، ويعقبهما ثمرات
في الفرد نفسه وفي الأمة، فهو يربي النفس
على البذل والتضحية، ويشعر المسلم بالعزة
الحقيقية الكاملة، ويدفع خطر الأعداء
ويكسر شوكتهم، كما يدفع الفتنة وينشر
الأمن في المجتمع، وفيه شفاء لصدور
المؤمنين وإغاظة للكافرين والظالمين
المعتدين.
وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: تربية النفس على البذل
والتضحية:
في الجهاد والقتال يبذل المسلم المجاهد
غاية الجهد والوسع، فهو يبذل نفسه وماله
ووقته في سبيل الله تعالى لا يبتغي مكافأة
من الناس ولا شکرًا منهم وحمدًا، ولا یرید
علوًّا في الأرض ولا فسادًا، فيرتفع إلى
آفاق عالية من البذل والعطاء لخير البشرية
وهدايتها وصيانتها من العدوان والظلم،
لتشعر بحريتها الحقيقية في عبوديتها لله
واستسلامها لشرعه وخضوعها له. وبذلك
تتحقق الخيرية التي وصف الله تعالى بها
هذه الأمة في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ
الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
قال أبو هريرة رضي الله عنه في تفسيرها:
١٣٨
جوبيع
القرآن الكريمِ

القتال
(كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في
الأقياد والسلاسل حتى تدخلوهم الجنة،
يبذلون أموالهم وأنفسهم في الجهاد لنفع
الناس، فهم خير الأمم للخلق. والخلق عيال
الله، فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله» فصارت
الأمة بذلك خير أمة أخرجت للناس، وأفلح
بذلك المقاتلون. وهذا هو مقصود الأمر
بالمعروف والنهى عن المنكر، وهذا من
معنی کون محمدٍ صلی الله عليه وسلم ما
أرسل إلا رحمة للعالمين، فهو رحمة في
حق کل أحدٍ بحسبه، حتی المكذبين له هو
في حقهم رحمةٌ أعظم مما كان غيره رحمة
للناس(١).
وهذه بعض الآيات الكريمة التي تربي
نفس المؤمن على البذل والتضحية و
العطاء، قد تذکر نتیجة واحدة أو نوعًا واحدًا
من هذه التربية، وقد تجمعها كلها في سياق
واحد.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنِفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَلَا تُلَقُّوَاْ بِأَبْدِيَّكُمْ إِلَى النَُّلْكَةِ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ
الْمُحْسِنِينَ لُ
﴾ [البقرة: ١٩٥].
١٩٥
واختلف المفسرون في تأويل هذه الآية
الكريمة:
فقال بعضهم: هذا في البخل وترك
الإنفاق. أي: لا تلقوا أنفسكم بأیدیکم إلى
الهلاك بترك الإنفاق في سبيل الله. وهو قول
(١) انظر: فتاوى ابن تيمية ٣٣٨/٢، و٥٩/١٠.
حذيفة والحسن وقتادة وعكرمة وعطاء.
وقال ابن عباس في هذه الآية: أنفق في سبيل
الله وإن لم يكن لك إلا سهم أو مشقص (٢)،
ولا يقولن أحدكم: إني لا أجد شيئًا. وقال:
السدي: أنفق في سبيل الله ولو عقالًا، ولا
تقل: ليس عندي شيء. وقال: سعيد بن
المسيب ومقاتل بن حيان: لما أمر الله تعالى
بالإنفاق قال رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل
الله، ولو أنفقنا أموالنا بقينا فقراء، فأنزل الله
هذه الآية. وقال مجاهد: لا يمنعنكم من نفقة
في حقٌّ خيفة العيلة. قال أبو عبيدة: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من
أنفق نفقة فاضلة في سبيل الله فسبعمائة،
ومن أنفق نفقة على أهله فالحسنة بعشر
أمثالها)(٣).
وقيل: أنزلت الآية في ترك الجهاد،
قال أبو أيوب الأنصاري: نزلت فينا معشر
الأنصار؛ وذلك أن الله تعالى لما أعز دينه
ونصر رسوله قلنا فيما بيننا: إنا قد تركنا أهلنا
وأموالنا حتى فشا الإسلام ونصر الله نبيه،
فلو رجعنا إلى أهلينا وأموالنا فأقمنا فيها
فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله تعالى هذه
(٢) المشقص: سهم عريض له نصلٌ.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب فضائل
الجهاد، باب ما جاء في فضل النفقة في سبيل
الله: ٢٥٤/٥.
قال الترمذي: هذا حديث حسن.
وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند
١٤٤/٣.
www. modoee.com
١٣٩

حرف القاف
الآية. فـ((التهلكة)) الإقامة في الأهل والمال بماله.
وترك الجهاد. فما زال أبو أيوب يجاهد
في سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها
بقسطنطينية في زمن معاوية فتوفي هناك
ودفن في أصل سور القسطنطينية، وهم
يستسقون به(١).
وهذان القولان متلازمان وهما غير
متناقضین، فإنَّ ترك الجهاد فیه إلقاء بالنفس
إلى الهلاك، وترك النفقة هو ترك للجهاد
بالمال، وانشغال بالزرع والمادة والمال
عن الجهاد. وهذا من اختلاف التنوع في
التفسیر، وليس من اختلاف التضاد(٢).
ثم تأتي آيات أخرى في سورة البقرة
توجیهًا للمنفقين في سبيل الله، وهم الذين
جادوا بالمال ابتغاء وجه الله، فكأن الجهاد
في سبيل الله والقتال لإعلاء كلمة الله
يعود المقاتل على البذل والإنفاق، فالنفس
والمال شقيقان، ومن يجود بنفسه لن يبخل
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢١٦/١.
(٢) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وغالب
ما يصح عن السلف في التفسير من الخلاف
يرجع إلى اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد.
وذلك صنفان: أحدهما: أن يعبر كل واحد
منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل
على معنى في المسمى غير المعنى الآخر. و
الصنف الثاني: أن يذكر كل منهم من الاسم
العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل وتنبيه
المستمع على النوع، لا على سبيل الحد
المطابق للمحدود في عمومه و خصوصه.
انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٣٣/١٣.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنَّا وَلَآ أَذَى
لا
لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٣٧ قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةُ خَيْرٌ مِّن
صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذَىُ وَاَللَّهُ غَنِىُّ حَلِيمٌ ﴾
[البقرة: ٢٦٢ - ٢٦٣].
وهاتان آيتان من سورة البقرة في سياق
البناء الاقتصادي والتكافل الاجتماعي، وقد
تكررت الدعوة إلى الإنفاق في هذه السورة،
والآن يرسم السياق دستور الصدقة في
تفصيل وإسهاب، مظللا بظلال حبيبة أليفة،
ويبين آدابها النفسية والاجتماعية؛ الآداب
التي تحول الصدقة عملًا تهذيبيًّا لنفس
معطیھا و عملًا نافعًا مربحًا لآخذیھا، وتحول
المجتمع عن طريقها إلى أسرة يسودها
التعاون والتكافل، والتواد والتراحم، وترفع
البشرية إلى مستوى كريم: المعطي فيه
والآخذ على السواء.
ومع أن التوجيهات التي وردت في هذا
الدرس تعد دستورًا دائمًا غیر مقید بزمن ولا
بملابسات معينة، إلا أنه لا يفوتنا أن نلمح
من ورائه أنه جاء تلبية لحالات واقعة، كانت
النصوص تواجهها في الجماعة المسلمة
يومذاك- كما أنها يمكن أن تواجهها في أي
مجتمع مسلم فيما بعد- وأنه كانت هناك
نفوس شحيحة ضنيئة بالمال تحتاج إلى
جَوُورُ
القرآن الكريم
١٤٠

القتال
هذه الإيقاعات القوية، والإيحاءات المؤثرة فيهما هذه الآية.
كما تحتاج إلى ضرب الأمثال، وتصوير
الحقائق في مشاهد ناطقة كيما تبلغ إلى
الأعماق! كان هناك من يضن بالمال. فلا
یعطیہ إلا بالربا. و کان هناك من ینفقه کارها
أو مرائيًا. وكان هناك من يتبع النفقة بالمن
والأذى. وكان هناك من يقدم الرديء من
ماله ویحتجز الجید، وکل هؤلاء إلى جانب
المنفقين في سبيل الله مخلصين له، الذين
یجودون بخير أموالهم، وينفقون سرًّا في
موضع السر، وعلانية في موضع العلانية في
تجرد وإخلاص ونقاء (١).
ونقل الإمام البغوي عن الكلبي: أن
هذه الآية نزلت في عثمان بن عفان، وعبد
الرحمن بن عوف -رضي الله تعالى عنهما-
جاء عبد الرحمن بأربعة آلاف درهم صدقةً
إلی رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله كانت عندي ثمانية آلاف،
فأمسكت منها لنفسي وعيالي أربعة آلاف
درهم، وأربعة آلاف أقرضتها ربي، فقال
له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بارك
الله فيما أمسكت لك وفيما أعطيت)، وأما
عثمان فجهز جيش المسلمين في غزوة تبوك
بألف بعير بأقتابها وأحلاسها(٢)، فنزلت
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٣/١.
(٢) الأقتاب: جمع قتب، وهو الإكاف على
قدر سنام البعير ليركب أو يحمل عليه.
والأحلاس: جمع حلس، وهو كساء يجعل
وقال عبد الرحمن بن سمرة: جاء عثمان
رضي الله عنه بألف دينار في جيش العسرة
فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فرأيت النبي صلی الله عليه وسلم
يدخل فيها يده ويقلبها ويقول: (ما ضر
ابن عفان ما عمل بعد اليوم)(٣) فأنزل الله
تعالى: ﴿اُلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَلَهُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ﴾﴾
في طاعة الله ﴿ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواْ مَنَّا﴾
وهو أن يمن عليه بعطائه فيقول: أعطيتك
كذا، ويعد نعمه عليه فيكدرها ﴿وَلَا أَذَّى﴾
أن یعیره فیقول: إلی کم تسأل؟ و کم تؤذيني؟
وقیل: من الأدی أن یذکر إنفاقه علیه عند من
لا يحب وقوفه عليه (٤).
ولذلك جاء التحذير من البخل بالنفقة
في سبيل الله، فإن المؤمن لا يكون بخيلاً
بماله وهو یجود بنفسه.
قال الله تعالى: ﴿مَأَنتُمْ هَؤُلَاءٍ تُدْعَوْنَ
لِنُنْفِقُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُمْ مَّن يَبْخَلَ وَمَن
على ظهر البعير تحت رحله. وهو أيضًا: بساط
يبسط في البيت.
انظر: المصباح المنير، الفيومي ١٤٦/١.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
١٠/ ١٩٣.
قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا
الوجه.
(٤) معالم التنزيل، البغوي ٣٢٥/١-٣٢٦.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٠٦/٣-٣٠٧، التحرير والتنوير، ابن
عاشور: ٣ / ٤١- ٤٢.
www. modoee.com
١٤١

حرف القاف
يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ، وَاللّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمُ
اَلْفُقَرَآءُ وَإِنْ تَتَوَلَوْ يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّلَا
• [محمد: ٣٨].
٣٨
يَكُونُواْ أَمْتَلَّكُمْ {
أي: ها أنتم -أيها المؤمنون- تدعون
إلى النفقة في جهاد أعداء الله ونصرة دينه،
فمنکم من يبخل بالنفقة في سبيل الله، ومن
يبخل فإنما يبخل عن نفسه، والله تعالى هو
الغني عنكم وأنتم الفقراء إليه، وإن تتولوا
عن الإيمان بالله و امتثال أمره یهلکم، ویات
بقوم آخرين، ثم لا يكونوا أمثالكم في التولي
عن أمر الله، بل يطيعونه ويطيعون رسوله،
ويجاهدون في سبيله بأموالهم وأنفسهم(١).
ثم جاءت التوجيهات الربانية في ظل
الوقائع والأحداث التاريخية في حياة
الأنبياء السابقين-على نبينا وعليهم أفضل
الصلاة وأتم التسليم - تتجه إلى الذين آمنوا
يحرضهم الله تعالى فيها على القتال، وعلى
الإنفاق في سبيل الله، واهب الحياة وواهب
المال، والقادر على قبض الحياة وقبض
المال، فهي تضحية بالنفس وبالمال.
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ
وَجُنُودِهِ، قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًّا
وَتَبِّتَ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
اَلْكَفِرِينَ ﴿ فَهَزَمُوهُم بِذْنِ اللَّهِ
وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُونَ وَءَاتَنَهُ اللّهُ الْمُلْكَ
وَاَلِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ، مِمَا يَشَاءُ وَلَوْلًا
دَفْعُ اَللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ
اَلْأَرْشُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى
٢٥١) [البقرة: ٢٥٠-٢٥١].
الْعَلَمِينَ
فإن القوم لما سألوا الله تعالى الصبر،
وأخذوا بأسباب النصر، ثم برزوا لجالوت
وجنوده استجاب الله لهم ذلك الدعاء
الإتيانهم بالأسباب الموجبة لذلك،
ونصرهم عليهم بإذن الله، وقتل داود عليه
السلام جالوت، أي: باشر قتل ملك الكفار
بيده لشجاعته وقوته وصبره، عندئذ من الله
علیه بتملکه على بني إسرائيل مع الحكمة،
وهي النبوة المشتملة على الشرع العظيم
والصراط المستقيم، ولهذا قال: ﴿وَعَلَّمَهُ.
مِنَايَشَآءُ﴾ من العلوم الشرعية والعلوم
السياسية، فجمع الله له الملك والنبوة،
وقد كان من قبله من الأنبياء یکون الملك
لغيرهم، فلما نصرهم الله تعالى اطمأنوا في
دیارهم وعبدوا الله آمنين مطمئنين لخذلان
أعدائهم وتمكينهم من الأرض، وهذا كله
من آثار الجهاد في سبيله، فلو لم يكن لم
يحصل ذلك(٢).
وفي آيات أخرى، في سور متعددة، تأتي
الإشارة إلى أثر القتال في البذل والتضحية
معًا، فتجمع بين الجهاد بالنفس والجهاد
بالمال. وهذا أثر من آثار عقيدة الجهاد
والقتال في سبيل الله تعالى، کقوله سبحانه:
(١) التفسير الميسر ص ٥١٠.
جَوَسُولَهُ النَّفسيد
الْقُرآن الكَرِيمِ
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٠٨.
١٤٢

القتال
﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُوا فِ سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُوْلَكَ هُ
اَلْفَآئِرُونَ ﴾ [التوبة: ٢٠].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٌ إلى الله، والعمل الصالح الذي يرفعه الله،
صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِیًا إِلَّا
كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ
﴾ [التوبة: ١٢١].
يَعْمَلُونَ (١)
وقوله سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْهَلْ أَذْلُكُوْ
عَلَى نِزَوْنُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِ تُؤْمِنُونَ بِأَهِوَرَسُولِهِ
وَتُهَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَبْ لَكُ
إِنْ كُ نَقَُونَ ﴿ يَغْفِرْ لَكُؤْذُنُوبُِّ وَيُدِْكُرْ جَنَّتِ
تَّرِى مِن تَمِهَا الْأَنْهَرُ وَمُسَكِنَ طَيِبَةُ فِى جَنَّتِ عَدْنٍ ذَلِكَ
الْقَوْزُ الْعَظِيمُ ( وَأُغْرَى تُُّّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَنْحٌ
قَرِيبُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٣].
ثانيًا: العزة والتمكين للمجتمع
الاسلامي:
من نتائج القتال وثمراته أن يحافظ
المسلمون على عزتهم وكرامتهم التي
يستمدونها من عزة الله تعالى القوي العزيز:
﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ آلْعِزَّةُ جَمِيعًاْ إِلَيْهٍ يَصْعَدُ
اَلْكَلُِّ الَّيْبُ وَالْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ، وَالَّذِينَ
يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ
أُوْلَكَ هُوَيَبُورُ﴾ [فاطر: ١٠].
وهذه الآية الكريمة جاءت فى سياق آيات
بين الله تعالى فيها برهان الإيمان ودلائله من
مشاهد الحياة النابضة في الموات، ثم انتقلت
إلى معنى نفسي ومطلب شعوري، إلى معنى
العزة والرفعة والمنعة والاستعلاء. وربطت
هذا المعنى بالقول الطيب الذي يصعد
إشارة إلى ما كان يمنع الكفار منه، وهو العزة
الظاهرة التي كانوا يتوهمونها من حيث إنهم
ما كانوا في طاعة أحد، ولم يكن لهم من
يأمرهم وينهاهم، فكانوا ينحتون الأصنام،
وكانوا يقولون: إن هذه آلهتنا، ثم إنهم كانوا
ينقلونها مع أنفسهم، وأية عزة فوق المعية
مع المعبود! فهم كانوا يطلبون العزة -وهي
عدم التذلل للرسول وترك الاتباع له- فقال
تعالى: إن كنتم تطلبون بهذا الكفر العزة في
الحقيقة، فهي کلها لله، ومن يتذلل له فهو
العزيز، ومن يتعزز عليه فهو الذليل. إن العزة
کلها لله، وليس شيء منها عند أحد سواه.
فمن كان يريد العزة فليطلبها من مصدرها
الذي ليس لها مصدر غيره. ليطلبها عند الله،
فهو واجدها هناك ولیس بواجدها عند أحد،
ولا في أي كنف، ولا بأي سبب ﴿فَلِلَّهِاَلْعِزَّةُ
جَيْعًا﴾
وهذه حقيقة أساسية من حقائق العقيدة
الإسلامية، وهي حقيقة كفيلة بتعديل القيم
والموازين، وتعديل الحكم والتقدير،
وتعديل النهج والسلوك، وتعديل الوسائل
والأسباب! ويكفي أن تستقر هذه الحقيقة
وحدها في أي قلب؛ لتقف به أمام الدنيا
www. modoee.com
١٤٣

حرف القاف
كلها عزيزًا كريمًا ثابتًا في وقفته غير مزعزع، والجهاد لإعلاء كلمته سبيلًا لهذه العزة،
عارفًا طريقه إلى العزة، طريقه الذي ليس وطريقًا للتمكين لهذا الدين والاستعلاء به،
ولهذه الأمة المستعلية بإيمانها وبربها فقال
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحْزَنُواْ
وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:
١٣٩].
هنالك سواه! إنه لن يحني رأسه لمخلوق
متجبر، ولا لعاصفة طاغية، ولا لحدث
جلل، ولا لوضع ولا لحکم، ولا لدولة ولا
لمصلحة، ولا لقوة من قوى الأرض جميعًا.
وعلام؟ والعزة لله جميعًا، وليس لأحد منها
شيء إلا برضاه(١).
وجاءت الآيات الكريمة في مواضع
أخرى تؤكد هذا المعنى، وهو أن العزة
الحقيقية هي لله تعالى حقيقة وبالذات،
فقال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمُْ إِنَّ
الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاْ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[يونس: ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَفِرِينَ
أَوْلِيَآءُ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ
اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ()﴾ [النساء: ١٣٩].
فلله العزة في الحقيقة وبالذات، وهي
لرسوله بواسطة القرب من العزيز وهو الله،
وللمؤمنين بواسطة قربهم من العزيز بالله
وهو الرسول، وذلك لأن عزة المؤمنين
بواسطة النبي صلى الله عليه وآله وسلم:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ
الْمُنَفِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١)﴾ [المنافقون: ٨].
وقد جعل الله تعالى القتال في سبيله
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٥/٢٦-
٢٢٦، في ظلال القرآن ٢٥٢٩/٥ -٢٥٣٠.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِى أَبْتِغَاءِ
اَلْقَوْرِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا
تَأْلَمُونٌَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَُ وَكَانَ
اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١٠٤].
فالجهاد من الإسلام ذروة سنامه، وهو
واحدٌ من طرق العزة والكرامة، كان ولا
يزال السبيل الذي تسلكه الأمم للحفاظ على
کیانها، ورد عادية من يعتدي عليها، ما تركه
قوم إلا سلط الله عليهم عدوهم، وما تمسك
به قوم إلا أعزهم الله ونصرهم.
ولنا من تاريخ أمتنا أصدق شاهد وأقوى
دليل على ذلك. فهي لما كانت متمسكة
بالجهاد، تقاتل في سبيل الله من كفر بالله،
يحج الفرد فيها عامًا ويغزو عامًا - كما نجد
في تراجم كثير من العلماء والقادة في تاريخ
الإسلام- كانت أمة قوية عزيزة مرهوبة
الجانب، تجبى إليها الثمرات من كل مكان،
ويخاطب الخليفة فيها السحابة قائلًا:
أمطري حيث شئت فسيأتيني خراجك !!
ولما تقاعست عنه، وبدأت تتلمس
المعاذير للتقاعس، وتدعو إلى السلم
صَوْسُورَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
١٤٤