النص المفهرس

صفحات 21-40

القتال
عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم في بيان الردة وما يترتب عليها، في تفسيره
لهذه الآية الكريمة:
ویوجب ذلهم وصغارهم(١)؛ وجب على
الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم. وإلا بأن لم
يفوا ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
لم يجز إقرارهم بالجزية، بل يقاتلون حتى
يسلموا(٢).
ثالثًا: المرتدون.
وهذا صنف ثالث من أصناف الذين
يقاتلهم المسلمون، ويكون قتالهم جهادًا
في سبيل الله؛ لأنه قتال لإعلاء كلمة الله
تعالى، بل قد يكون قتالهم أولى من قتال
الكفار الأصليين. وفي بيان حال المرتدين
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ
مِنكُمْ عَن دِينِهِ، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَكَ
حَبِطَتْ أَعْمَلُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةٌ وَأُوْلَئِكَ
أَصْحَبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة:
٢١٧].
قال الإمام عبد الحق ابن عطية رحمه الله
(١) قال الماوردي في تفسيره النكت والعيون
٣٥٢/٢ في معنى الصَّغَار: فيه خمسة
أقاويل: أحدها: أن يكونوا قيامًا والآخذ لها
جالسًا، قاله عكرمة. والثاني: أن يمشوا بها
وهم كارهون، قاله ابن عباس. والثالث: أن
يكونوا أذلاء مقهورين، قاله الطبري. والرابع:
أن دفعها هو الصغار بعينه. والخامس: أن
الصغار أن تجري عليهم أحكام الإسلام، قاله
الشافعي.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٤/٤، زاد
المسير، ابن الجوزي ٢٥٠/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣٣٤.
((أي: من يرجع عن الإسلام إلى الكفر.
قالت طائفة من العلماء: يستتاب المرتد فإن
تاب وإلا قتل.
وقال عبيد بن عمير وطاووس والحسن
-على خلاف عنه- والشافعي في أحد
قولیه: يقتل دون أن يستتاب. وروي نحو هذا
عن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل.
ومقتضى قولهما أنه يقال له للحين:
راجع. فإن أبى ذلك قتل، وقال عطاء بن
أبي رباح: إن كان المرتد ابن مسلمين قتل
دون استتابة، وإن کان أسلم ثم ارتد استتیب،
وذلك لأنه يجهل من فضل الإسلام ما لا
یجهل ابن المسلمین.
واختلف القائلون بالاستتابة: فقال
عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يستتاب
ثلاثة أيام. وبه قال مالك وأحمد وإسحاق
وأصحاب الرأي والشافعي في أحد قوليه.
وقال الزهري: يدعا إلى الإسلام، فإن
تاب وإلا قتل.
وروي عن علي أبي طالب رضي الله
عنه أنه استتاب مرتدا شهرًا فأبى فقتله، وقال
النخعي والثوري: يستتاب محبوسًا أبدًا. قال
ابن المنذر: واختلفت الآثار عن عمر في هذا
الباب.
قال القاضي أبو محمد: كان رضي الله
www. modoee.com
١٠٥

حرف القاف
عنه ينفذ بحسب جرم ذلك المرتد أو قلة وأموالهم، أو لا نترك الربا ولا الخمر ولا
جرمه المقترن بالردة»(١).
رابعًا: الطائفة الممتنعة عن أداء أحد
أركان الإسلام.
إن تتبع الأحكام الشرعية في قتال فئات
وطوائف تتصف بصفة معينة أو تمتنع عن
الالتزام بحكم من الأحكام الظاهرة أو تترك
شعيرة من شعائره يجعلنا نخرج بحكم كليّ
أو قاعدة عامة في قتال الطائفة الممتنعة عن
أداء أحد أركان الإسلام، وهو وجوب قتالها
حتى تعود إلى الإقرار والطاعة والالتزام،
فتتمتع عندئذ بالعصمة، أو تعود إليها
العصمة التي سقطت عنها بامتناعها عن أداء
الركن.
وقد أبان عن ذلك شيخ الإسلام ابن
تیمیة رحمه الله خیر بیان وأوضحه، واستدل
له بالآيات الكريمة الواضحة الدلالة فقال:
(«أجمع علماء المسلمين على أن كل
طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام
الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها حتى
يكون الدين كله لله، فلو قالوا: نصلي
ولا نزكي، أو نصلي الخمس ولا نصلي
الجمعة ولا الجماعة، أو نقوم بمباني
الإسلام الخمس ولا نحرم دماء المسلمين
(١) المحرر الوجيز ٢٤١/١.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٣١٦/٤-٣١٧،
معالم التنزيل، البغوي ١/ ٢٤٦.
الميسر، أو نتبع القرآن ولا نتبع رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا نعمل بالأحاديث
الثابتة عنه، أو نعتقد أن اليهود والنصارى
خير من جمهور المسلمين وأن أهل القبلة
قد کفروا بالله ورسوله ولم يبق منهم مؤمن
إلا طائفة قليلة، أو قالوا: إنا لا نجاهد الكفار
مع المسلمين، أو غير ذلك من الأمور
المخالفة لشريعة رسول الله صلى الله عليه
وسلم وسنته وما عليه جماعة المسلمين؛
فإنه يجب جهاد هذه الطوائف جميعها كما
جاهد المسلمون مانعي الزكاة، وجاهدوا
الخوارج وأصنافهم، وجاهدوا الخرمية
والقرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف
أهل الأهواء والبدع الخارجين عن شريعة
الإسلام.
وذلك لأن الله تعالى يقول في كتابه:
﴿وَقَائِلُوهُمْ حَّ لَا تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الِدِينُ لِلَّهِ فَإِنِ
أَنَّهَوْ فَلَاَ عُدْوَنَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩٣].
فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله
وجب قتالهم حتی یکون الدین کله لله.
وقال تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
فلم يأمر بتخلیة سبيلهم إلا بعد التوبة من
جميع أنواع الكفر وبعد إقام الصلاة وإيتاء
الزكاة.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَتَّقُواْ
١٠٦
القرآن الكريمِ

القتال
(٢٧٨)
اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِىَ مِنَ الْرِّبُواْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (
فَإِ لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِن
تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُهُوسُ أَمْوَلِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا
[البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩].
٧٩
تُظْلَمُونَ
فقد أخبر تعالى أن الطائفة الممتنعة إذا
لم تنته عن الربا فقد حاربت الله ورسوله،
والربا آخر ما حرم الله في القرآن فما حرمه
قبله أوكد.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَّوْاْ الَّذِينَ
يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَسْعَوْنَ فِىِ الْأَرْضِ
فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ
أَيْدِ يهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَفٍ أَوْ يُنفَوْاْ
مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: ٣٣].
فكل من امتنع من أهل الشوكة عن
الدخول في طاعة الله ورسوله فقد حارب
الله ورسوله، ومن عمل في الأرض بغير
کتاب الله وسنة رسوله فقد سعى في الأرض
فسادًا؛ ولهذا تأول السلف هذه الآية على
الكفار وعلى أهل القبلة؛ حتى أدخل عامة
الأئمة فيها قطاع الطريق الذين يشهرون
السلاح لمجرد أخذ الأموال، وجعلوهم
بأخذ أموال الناس بالقتال محاربين لله
ورسوله ساعين في الأرض فسادًا، وإن
كانوا يعتقدون تحريم ما فعلوه ويقرون
بالإيمان بالله ورسوله. فالذي يعتقد حل
دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم،
أولی بأن یکون محاربًا لله ورسوله، ساعيا
في الأرض فسادًا من هؤلاء. كما أن الكافر
الحربي الذي يستحل دماء المسلمين
وأموالهم ويرى جواز قتالهم، أولى
بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم
ذلك
وقد قال تعالى في كتابه: ﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَلْنَهُمْ
ثُمَّ لَا يَجِدُ واْفِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].
فكل من خرج عن سنة رسول الله صلى
الله عليه وسلم وشريعته فقد أقسم الله
بنفسه المقدسة أنه لا يؤمن حتى يرضى
بحکم رسول الله صلى الله عليه وسلم في
جمیع ما یشجر بينهم من أمور الدين والدنيا
وحتی لا یبقی في قلوبهم حرج من حکمه.
ودلائل القرآن على هذا الأصل كثيرة.
وبذلك جاءت سنة رسول الله صلى الله
عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين؛ ففي
((الصحيحين))(١): عن أبي هريرة قال: (لما
توفي رسول الله صلی الله عليه وسلم وارتد
من ارتد من العرب قال عمر بن الخطاب
لأبي بكر: کیف تقاتل الناس وقد قال رسول
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله
صلى الله عليه وسلم، ٢٥٠/١٣، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله .. رقم ٢٠،
٥١/١-٥٢.
www. modoee.com
١٠٧

حرف القاف
الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل مطابق لكتاب الله. وقد تواتر عن النبي صلى
الله عليه وسلم من وجوه كثيرة، وأخرج
منها أصحاب الصحيح عشرة أوجه ذكرها
مسلم في ((صحيحه)) وأخرج منها البخاري
غیر وجهٍ، وقال الإمام أحمد رحمه الله صح
الحديث في الخوارج من عشرة أوجه))(٢).
خامسًا: الطائفة المعتدية على الأخرى
من المؤمنين:
الناس حتی یشهدوا أن لا إله إلا الله وأن
محمداً رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا
مني دماءهم أموالهم إلا بحقها وحسابهم
على الله)؟ فقال أبو بكر: ألم يقل إلا بحقها؟
فإن الزكاة من حقها، والله لو منعونى عناقا
كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. فقال عمر:
فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح
صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق).
فاتفق أصحاب رسول الله صلى الله عليه
وسلم على قتال أقوام يصلون ويصومون
إذا امتنعوا عن بعض ما أوجبه الله عليهم من
زكاة أموالهم.
وهذا الاستنباط من صديق الأمة قد
جاء مصرحًا به. ففي ((الصحيحين))(١): عن
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت
أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا
الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة
ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني
دماءهم وأموالهم إلا بحقها).
فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه أمر
بقتالهم حتى يؤدوا هذه الواجبات. وهذا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة، ١/ ٧٥، ومسلم
في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ٥٣/١.
أقام الإسلام العلاقة بين المؤمنين على
أساس العقيدة والإيمان والأخوة الإسلامية
التي ينتفي معها القتال بين المؤمنين، لأن
العصمة وحرمة الدم والمال والعرض ثابتة
لكل منهم بإيمانه وإسلامه، فلا يجوز أن
يكون القتال بين فئتين مسلمتين، أو بين
دولتين مسلمتين -عندما توزعت الأمة
الواحدة إلى دول-إلا أن الإسلام يعالج
كل الاحتمالات والوقائع التي قد تطرأ
فتحمل بعض الناس من المؤمنين على بغي
أو عدوان على آخرين منهم، وهنا يجب
المبادرة إلى الإصلاح ورفع العدوان والبغي
الواقع من إحدى الطائفتين على الأخرى (٣).
(٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٤٦٩/٢٨-
٤٧٣.
(٣) انظر: المشروعية في النظام الإسلامي
د.مصطفى كمال وصفي، ص ٥٥، منهج
الإسلام في الحرب والسلام عثمان ضميرية،
ص١٤٦، الجهاد في سبيل الله عزة دروزة،
ص١٧٤ .
١٠٨
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم

القتال
قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَيِفَتَانِ مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ أَقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ بَغَتْ
إِحْدَ نهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْالَّتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَّةَ إِلَ
أَمْرِ اللّهِ فَإِنِ فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُواْ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ) إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُحَمُونَ﴾
[الحجرات: ٩-١٠].
وقد تضمنت الآيات تعلیمًا رائع المدى
بشأن ما قد يقوم من قتال بين فريقين من
المؤمنین. والتعلیم هنا موجه إلى فريق ثالث
ليس طرفا في القتال، يجب عليه ألا يقف
موقف المتفرج، بل علیہ أن یسارع إلى فض
القتال والإصلاح بين المتقاتلين المسلمين والعدل، ووجوب نصر من وقع عليه البغي
الذين هم إخوة لا يجوز أن يقع بينهم قتال - إذا أبى الباغي الإذعان لحكم الله- إلى أن
يذعن له(٢).
ولا نزال ولا بغي على أحد، ويعمل على
إحقاق الحق لأهله بدون محاباة، ونصرة
المظلوم ولو بالسلاح، إذا لم يرتدع الظالم
ويقف عند الحق والعدل وحدود الله.
وقد روى المفسرون أن الآيتين نزلتا في
مناسبة نزاع بین أسرتین أو عشیرتین أدى إلى
قتال بينهما(١)، ولكن الحكم يبقى أوسع
مدى من الواقعة التي نزلت الآيات بسببها؛
لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢٩/٢٦، معالم
التنزيل، البغوي ٧/ ٣٤٠، المحرر الوجيز،
ابن عطية ١٤٨/٥، الدر المنثور، السيوطي
٧/ ٥٦٠- ٥٦١، الهداية إلى بلوغ النهاية،
مكي بن أبي طالب ٦٩٩٩/١١.
السبب، كما يقول علماؤنا رحمهم الله
تعالی.
وهذا يسوغ القول بأن الآيات الكريمة
استهدفت تقريرا قاعدة عامة أوسع شمولًا،
وينطوى في حكمها أن يكون القتال بين
حكومتين إسلاميتين، أو فتنة قتالية بين
حكومة إسلامية ورعيتها مع وجود حكومة
أو حكومات إسلامية أخرى ليست طرفاً في
النزاع والقتال، وأن التوجيه الذي احتوته
الآيات هو وجوب تدخل هذه الحكومة أو
الحكومات بين المتقاتلين لإصلاح الأمر
وحل النزاع ووقف القتال على أساس الحق
والمعنى الإجمالي العام للآيات
الكريمة: وإن طائفتان من أهل الإيمان اقتتلوا
فأصلحوا -أيها المؤمنون- بينهما بدعوتهما
إلى الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله
صلى الله عليه وسلم، والرضا بحكمهما،
فإن اعتدت إحدى الطائفتين وأبت الإجابة
إلى ذلك، فقاتلوها حتى ترجع إلى حكم
الله ورسوله، فإن رجعت فأصلحوا بينهما
بالإنصاف، واعدلوا في حكمكم بأن لا
تتجاوزوا في أحكامكم حكم الله وحكم
(٢) انظر: الجهاد في سبيل الله، محمد عزة
دروزة، ص ١٧٤ - ١٧٥.
www. modoee.com
١٠٩

حرف القاف
رسوله، إن الله يحب العادلين في أحكامهم وتدافع عنه بعنف حتى تبغي على غيرها،
القاضين بين خلقه بالقسط، فإنما المؤمنون ويترابط أفرادها بعضهم مع بعضٍ حتى
إخوة في الدین، فأصلحوا بین أخویکم إذا
اقتتلا وخافوا الله في جميع أموركم؛ رجاء
أن ترحموا (١).
قال الإمام أبو جعفر الطبري رحمه الله:
يقول تعالى ذكره: وإن طائفتان من أهل
الإيمان اقتتلوا، فأصلحوا أيها المؤمنون
بينهما بالدعاء إلی حکم کتاب الله، والرضا
بما فيه لهما وعليهما، وذلك هو الإصلاح
بينهما بالعدل، فإن أبت إحدى هاتين
الطائفتين الإجابة إلی حکم کتاب الله له،
وعليه وتعدت ما جعل الله عدلًا بين خلقه،
وأجابت الأخرى منهما، فقاتلوا التي تعتدي،
وتأبی الإجابة إلی حکم الله حتى ترجع إلى
حكم الله الذي حكم في كتابه بين خلقه؛
فإن رجعت الباغية بعد قتالكم إياهم إلى
الرضا بحكم الله في كتابه، فأصلحوا بينها
وبين الطائفة الأخرى التي قاتلتها بالعدل
في كتابه الذي جعله عدلًا بین خلقه(٢).
سادسًا: البغاة:
يخشى بأسهم، أو يصبحوا على حالة تؤدي
إلی تفرق الکلمة، وتجزئة الصف، بل ربما
تطمع تلك الحالة العدو بالمسلمين بعد
إظهار خلع طاعة الإمام الحاكم، وهؤلاء
هم البغاة الذين بغوا على أهل العدل، فسوغ
ذلك قتالهم، فیما أسماه علماؤنا بـ «حروب
المصالح» (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ
اَلْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَاْ فَإِنَّ بَغَتْ
إِحْدَنُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ أَلَتِى تَبْغِى حَّى تَفِىَّةَ إِلَّ
أَمْرِ اللّهِ فَإِنِ فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوََّ
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩].
البغي في اللغة العربية: هو طلب الشيء،
يقال: بغيت كذا إذا طلبته. ومن ذلك قوله
تعالى حكاية عن موسى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّاً
تَبْغَ﴾ [الكهف: ٦٤].
ثم اشتهر البغي عرفًا في التعدي وطلب
يعني: بالإنصاف بينهما، وذلك حكم الله ما لا يحل من الجور والظلم، وإن كانت
اللغة لا تمنع أن يكون البغي بحق، ومن
ذلك قوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِيَ اٌلْفَوَحِشَ
قد ترى جماعة من المسلمين في
المجتمع المسلم رأيًا فتتمسك به وتدافع
عنه، أو تتأول حكمًا تنفرد به وتتعصب له،
(١) التفسير الميسر ص٥١٦.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٢٩٢.
(٣) عقد الماوردي الباب الثالث من الأحكام
السلطانية للولاية على حروب المصالح،
وهي الردة والبغي والحرابة.
وانظر: الجهاد في سبيل الله، محمود شاكر،
ص٢٣١-٢٣٣، الجهاد في سبيل الله، محمد
عزة دروزة، ص١٧٤.
١١٠
جوية
القرآن الكريمِ

القتال
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَاَلْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
[الأعراف: ٣٣](١).
ويختلف الفقهاء في تعريف البغي
اصطلاحًا لاختلافهم في الشروط التي
يجب توافرها في البغاة، ولمحاولة الفقهاء
في أكثر من مذهب أن يجمعوا في التعريف
بین أرکان البغي وشروطه ورغبتهم أن یکون
التعريف جامعًا مانعًا، ونستطيع أن نعرف
البغي تعريفًا مشتركًا فيه كل المذاهب إذا
اكتفينا بإبراز الأركان الأساسية في التعريف
فنقول: إن البغي هو الخروج على الإمام
مغالبةٌ(٢).
ومن تعريف البغي يؤخذ تعريف البغاة،
وهي جمع لكلمة الباغي، وهو في الشرع:
الخارج على الإمام العدل. فالبغاة هم طائفة
من الناس جمعت بين ثلاثة أمور:
٤ الخروج على الإمام العدل. والمقصود
هو مخالفة الإمام والعمل لخلعة، أو
الامتناع عما وجب على الخارجين من
حقوق، وأن يكون الخروج مغالبة.
* الخروج على الإمام مغالبة. أي أن
یکون الخروج مصحوبًا باستعمال
القوة، فإذا كان الخروج غير مصحوب
(١) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٨١، لسان
العرب، ابن منظور ٧٥/١٤ ، المصباح
المنير، الفيومي ص٥٦ -٥٧.
باستعمال القوة فلا یعتبر بغیًا، کرفض
مبايعة الإمام بعد أن بايعت له الأغلبية،
ولو نادى الخارجون بعزل الإمام أو
بعصيانه وعدم طاعته أو بالامتناع عن
أداء ما عليهم من واجبات تقوم الدولة
على استيفائها.
* القصد الجنائي في الخروج (قصد
البغي)، فيشترط لوجود البغي أن يتوفر
لدى الخارج القصد الجنائي العام؛ أي
قصد الخروج على الإمام مغالبة، فإذا
كان الخارج لم يقصد من فعله الخروج
على الإمام أو لم يقصد المغالبة فهو
ليس باغيًا (٣).
فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة
فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل بتأويل
محتمل، ونصبوا إمامًا: فالحكم فيهم أن
یبعث الإمام إليهم ويدعوهم إلى طاعته، فإن
أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا
مظلمة، وأصروا على بغيهم، قاتلهم الإمام
حتی یفیٹوا إلى طاعته.
ثم الحکم في قتالهم: أن لا يتبع مدبرهم
ولا يقتل أسيرهم، ولا يجهز علی جریحھم،
فقد نادى منادي علي رضي الله عنه يوم
الجمل: ألا لا يتبع مدبر ولا يذفف على
جریح(٤).
(٣) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي ٢/ ٦٧١.
(٢) انظر: التشريع الجنائي الإسلامي ٦٧١/٢ - (٤) أخرجه البيهقي موقوفًا ١٨١/٨، وصححه
٦٧٢.
الحاكم في المستدرك: ١٥٥/٢ ولم يتعقبه
www. modoee.com
١١١

حرف القاف
الأخری في حال القتال من نفس أو مال فلا
ضمان علیه. قال ابن شهاب الزهري: کانت
في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل
والمقتول، وأتلف فيها أموال كثيرة، ثم صار
الناس إلى أن سكنت الحرب بینھم، وجرى
الحکم علیهم، فما علمته اقتص من أحد ولا
أغرم مالًا أتلفه.
أما من لم يجتمع فيهم هذه الشرائط
الثلاث بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم،
أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إمامًا فلا
يتعرض لهم إن لم ينصبوا قتالًا ولم يتعرضوا
للمسلمين، فإن فعلوا فهم كقطاع الطريق (١).
روي أن عليا رضي الله عنه سمع رجلًا
يقول في ناحية المسجد: ((لا حكم إلا لله
تعالى))، فقال عليٍّ: كلمة حق أريد بها باطل،
لكم علينا ثلاث: لا نمنعكم مساجد الله أن
تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء
ما دامت أیدیکم مع أیدینا، ولا نبدؤكم
بقتال (٢).
الله: ((قد اقتضى ظاهر الآية الأمر بقتال الفئة
انظر: نصب الراية، الزيلعي ٤٦٣/٣،
التلخيص الحبير، ابن حجر ٤٣/٤، إرواء
الغليل، الألباني ١١٣/٨.
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٤٢/٧.
(٢) انظر: المصدر السابق.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان،
رقم ١،٧٨/ ٦٩.
١١٢
جوبيه
لِلْقُرْآن الكَرِيمِ
وما أتلفت إحدى الطائفتين على الباغية حتى ترجع إلى أمر الله، وهو عموم
في سائر ضروب القتال، فإن فاءت إلى
الحق بالقتال بالعصي والنعال لم يتجاوز به
إلى غيره، وإن لم تفئ بذلك قوتلت بالسيف
علی ما تضمنه ظاهر الآية. وغير جائزٍ لأحد
الاقتصار على القتال بالعصي دون السلاح
مع الإقامة على البغي وترك الرجوع إلى
الحق، وذلك أحد ضروب الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وقد قال النبي صلى الله
عليه وسلم: (من رأى منكم منكرا فليغيره
بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع
فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)(٣).
فأمر بإزالة المنكر باليد، ولم يفرق بين
السلاح وما دونه، فظاهره يقتضي وجوب
إزالته بأي شيء أمكن.
وذهب قوم إلى أن قتال أهل البغي إنما
يكون بالعصي والنعال وما دون السلاح
وأنهم لا يقاتلون بالسيف، واحتجوا بما
روينا من سبب نزول الآية وقتال القوم الذين
تقاتلوا بالعصي والنعال. وهذا لا دلالة فيه
قال العلامة أبو بكر الجصاص رحمه على ما ذكروا؛ لأن القوم تقاتلوا بما دون
السلاح، فأمر الله تعالى بقتال الباغي منهما
ولم يخصص قتالنا إياه بما دون السلاح
الذهبي.
وكذلك نقول متى ظهر لنا قتال من فئة على
وجه البغي قابلناه بالسلاح وبما دونه حتى

القتال
ترجع إلى الحق، وليس في نزول الآية على
حال قتال الباغي لنا بغير سلاح ما يوجب
أن يكون الأمر بقتالنا إياهم مقصورًا على
ما دون السلاح مع اقتضاء عموم اللفظ
للقتال بسلاح وغيره. ألا ترى أنه لو قال:
((من قاتلكم بالعصي فقاتلوه بالسلاح)) لم
يتناقض القول به؟ فكذلك أمره إيانا بقتالهم؛
إذ کان عمومه يقتضي القتال بسلاح وغيره،
وجب أن يجرى على عمومه وأيضا قاتل
علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفئة
الباغية بالسيف»(١).
ثم أبان عن واجب الإمام في التعامل
مع أهل البغي وما يبدؤهم به فقال(٢).
((أمر الله عند ظهور القتال منهم بالإصلاح
بينهما، وهو أن يدعوا إلى الصلاح والحق
وما يوجبه الكتاب والسنة والرجوع عن
البغي، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى
الأُخْرَى﴾ يعني -والله أعلم -: إن رجعت
إحداهما إلى الحق وأرادت الصلاح وأقامت
الأخرى على بغيها وامتنعت من الرجوع
فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله.
فأمر تعالى بالدعاء إلى الحق قبل القتال، ثم
إن أبت الرجوع قوتلت. وكذا فعل علي بن
أبي طالب - كرم الله وجهه - بدأ بدعاء الفئة
الباغية إلى الحق واحتج عليهم، فلما أبوا
(١) أحكام القرآن ٣/ ٥٣٢ - ٥٣٣.
(٢) المصدر السابق.
القبول قاتلهم.
وفي هذه الآية دلالة على أن اعتقاد
مذاهب أهل البغي لا يوجب قتالهم ما لم
يقاتلوا؛ لأنه قال: ﴿فَإِنَّ بَغَتْ إِحْدَمُهُمَا عَلَى
اٌلْأُخْرَىْ فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَقَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ﴾،
فإنما أمر بقتالهم إذا بغوا على غيرهم
بالقتال، وكذلك فعل علي بن أبي طالب مع
الخوارج؛ وذلك لأنهم حين اعتزلوا عسكره
بعث إليهم عبد الله بن عباس -رضي الله
عنهما- فدعاهم، فلما أبوا الرجوع ذهب
إليهم فحاجهم فرجعت منهم طائفة وأقامت
طائفة على أمرها، فلما دخلوا الكوفة خطب
فحكمت الخوارج من نواحي المسجد
وقالت: ((لا حكم إلا لله)» فقال علي رضي
الله عنه: ((كلمة حق يراد بها باطل، أما إن
لهم ثلاثًا: أن لا تمنعهم مساجد الله أن
يذكروا فيها اسمه، وأن لا نمنعهم حقهم
من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا، وأن لا
نقاتلهم حتى يقاتلونا)»(٣).
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
١١٣

حرف القاف
أحكام القتال
تنزلت الآيات الكريمة، وتواردت
الأحاديث النبوية الشريفة وتواترت الوقائع
العملية في السيرة النبوية في بيان أحكام
القتال، والشروط الواجب توفرها فيمن
يجب عليه القتال والجهاد.
ثم رسمت الآيات الكريمة والأحاديث
النبوية صورة مزرية المتقاعسين والمتخلفين
عن القتال بدون عذر، أو المتلمسين للأعذار
الكاذبة. واستتبع ذلك بيان الآثار المترتبة
على القتال في الأنفس والأموال، فقد أبانت
الآيات عن حكم الفيء والغنائم والجزية
التي تؤخذ من الكفار، وحکم الأسری الذین
يقعون في أيدي المقاتلين المسلمين.
وسيتم الحديث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: حكم القتال وشروطه:
١. حكم القتال.
الأصل العام والقاعدة المقررة أن
قتال الكفار - أو الجهاد بمعناه الخاص-
واجب على المسلمين إلا أنهم في سعة من
ذلك حتی یحتاج إلیهم. ويدل على أصل
الوجوب أو الفرضية آيات قرآنية كريمة
وأحاديث نبوية كثيرة.
فمن الآيات الكريمة؛ قوله تعالى:
فَإِذَا أَنسَلَخَ الْأَشْهُرُ لَلْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ
حَيْثُ وَجَدتُُّوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ
لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتَوْاْ الزَّكَوَةَ فَخَلُواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
وقوله تعالى: ﴿فَقَدِلُواْ أَيْمَّةَ الْكُفْرِ
إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾
[التوبة: ١٢].
وقوله تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا
تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ
لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَ كُزَّهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ وَعَسَقٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَّكُمٌّ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
﴿وَقَائِلُواْ
تعالى:
وقوله
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَتِلُونَكُمْ
كَافَّةٌ﴾ [التوبة: ٣٦].
وقوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا
وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهَّ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:
٤١].
وقال عليه الصلاة والسلام: (أمرت أن
أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله
وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة
ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا
مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام
١١٤
بَرُ النَّفِيَّة
جوبي
القرآن الكريم

القتال
وحسابهم على الله)(١).
ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الجهاد
والأمر المطلق في هذه الآيات الكريمة فرض كفاية إن لم يكن النفير عامًا، إذا قام
والأحاديث النبوية الشريفة يقتضي اللزوم.
فاقتضى هذا أن القتال والجهاد فريضة
محکمة یکفر جاحدها، وقد ثبتت فرضيتها
بالكتاب والسنة والإجماع(٢).
وقد أجمع علماء المسلمين وفقهاء الأمة
الإسلامية - منذ العصور الأولى: على هذه
الفرضية. ولكن وقع الخلاف بينهم -بعد
ذلك- في نوع هذا الفرض و کیفیته، هل هو
فرض عين أو فرض كفاية؟
والأمر فیه لا يخلو من أحد وجھین: إما
أن يكون النغير عامًا (٣)، وإما أن لا یکون،
لأن الکفار مستقرون ببلادهم لم يبدؤونا
بالقتال، ولذلك نبحث حكم القتال في
هاتين الحالتين:
١. إذا لم یکن النفير عامًا.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة)، ٧٥/١،
ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب
الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله،
٥٣/١.
(٢) انظر: شرح السير الكبير، الشيباني ١٨٨/١،
المبسوط، السرخسي ٣/١٠، أحكام القرآن
الجصاص ٣/ ١١٤ - ١١٥.
(٣) معنى النفير أن يخبر أهل مدينة أن العدو قد
جاء يريد أنفسكم أو ذراريكم أو أموالكم.
فهو التحريض على الجهاد والنفير العام:
أن يحتاج إلى جميع المسلمين، فلا يحصل
المقصود - وهو إعزاز الدين - إلا بالجميع.
انظر: شرح السير الكبير ١١٢/١.
به بعض المكلفين ممن يتأدى بهم الفرض،
وتحصل بهم الكفاية، سقط الوجوب
عن الباقين وكانوا في سعة من تركه، لأن
المطلوب حصوله في نفسه من مجموع
المكلفين. وإن لم يقم به أحد من المكلفين
بقي الخطاب موجهًا إلى الجميع للقيام
به، وعندئذ یأثم کل قادرٍ إن لم یجاهد.
فالخطاب بالفرضية في ابتدائه موجه إلى
الجميع من القادرين على القيام به کفرض
العین، أو إلی مجموعهم ثم يختلفان في أن
فرض الكفاية يسقط بفعل بعض الناس له،
وفرض العين لا يسقط عن أحد بفعل غيره.
والدليل على أنه فرض كفاية: من القرآن
الكريم ومن السنة النبوية ومن المعقول
أيضًا.
فمن القرآن الكريم: قوله تعالى:
يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَدِ
وَالْمُجَهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ
الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةٌ وَكُلّا
وَعَدَ اَللّهُ الْحُسْنَىِّ وَفَضَّلَى اللَّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْقَعِدِينَ
أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥].
فلو كان الجهاد فرضًا على كل أحد في
نفسه لما كان القاعدون موعودین بالحسنى،
بل کانوایکونون مذمومین مستحقین للعقاب
بتركه، لأن القعود عن القيام بالفرض يكون
www. modoee.com
١١٥

حرف القاف
حرامًا (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَيِفَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَمُوْا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فالآية تدل على أن الجهاد ليس على
الأعيان وأنه فرض كفاية، إذ لو نفر الكل
لضاع من وراءهم من العیال، فليخرج فریق
منهم للجهاد، ولیقم فریق یتفقهون في الدین
ويحفظون الحريم، حتى إذا عاد النافرون
أعلمهم المقيمون ما تعلموه من أحكام
الشرع وما تجدد نزوله على النبي صلى الله
عليه وسلم (٢).
ومن السنة النبوية: عن أبي سعيد
الخدري أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم بعث بعثًا إلى بني لحيان من هذيل،
فقال: (لينبعث من كل رجلين أحدهما،
والأجر بينهما)(٣). ولو كان الجهاد فرض
عین في هذه الحال لکان لا یتوهم منه صلی
الله عليه وسلم القعود عنه بحال، ولا أذن
(١) أحكام القرآن، الجصاص ١١٦/٣.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٣٤١/٥- ٣٤٤، زاد المسير، ابن الجوزي
١٧٣/٢ - ١٧٥، روح المعاني، الألوسي
١٢١/٥ - ١٢٣.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٣٩/٨.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٤/ ١١١،
أسباب النزول الواحدي، ص ٣٠٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل إعانة الغازي، ١٥٠٧/٣.
لغيره بالتخلف عنه بحال(٤).
ومن المعقول: أن المراد من الجهاد
والمقصود به هو دفع شر الكفار وكسر
شوكتهم، وإعلاء كلمة الدين وإعزاز
الإسلام والمسلمين، وأن يأمن المسلمون
ویتمکنوا من القيام بمصالح دينهم ودنياهم،
فهو مقصود في نفسه لا باعتبار الفاعل، فلو
جعل فرضًا في كل وقت علی کل واحدٍ عاد
على موضوعه ومقصوده بالنقض والإبطال،
إذ لو اشتغل الكل بالجهاد لم يتفرغوا
للقيام بمصالح دينهم ودنياهم، وانقطعت
مادة الجهاد ووسيلته من الكراع والسلاح
والأقوات والتجارة، فيؤدي ذلك إلى تعطيل
الجهاد وتركه للعجز عن القيام به، ولهذا
ينبغي أن يتولى البعض الجهاد، والبعض
التجارة والزراعة والصناعة التي تقوم بها
المصالح، فكان فرض كفاية(٥).
وجدير بالذكر هنا الإشارة إلى أن الإمام
مالكًا رحمه الله يقول: الجهاد فرض
بالأموال والأنفس، فإن منعهم الضرر، أو
عاهة بأنفسهم، لم يسقط عنهم الفرض
بأموالهم(٦).
(٤) انظر: بدائع الصنائع، الصاغاني ٩/ ٤٣٠٠.
(٥) انظر: المبسوط السرخسي ٣/١٠، الكافي،
ابن عبد البر ٣٩٨/١، روضة الطالبين،
النووي ٢٠٨/١٠، المغني، ابن قدامة
٣٥٩/٩ - ٣٦٠.
(٦) مختصر اختلاف الفقهاء، الجصاص
٥٠٩/٣، التمهيد، ابن عبد البر ٣٠٣/١٨.
جَوَسُولَةُ النفسية
القُرآن الكَرِيْمِ
١١٦

القتال
وفي هذا كله يقول الإمام الشافعي رحمه وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١].
الله: «فإذا كان فرض الجهاد علی من فرض
عليه محتملًا لأن يكون كفرض الصلاة
وغيرها عامًا عينيًا.
ومحتملًا لأن يكون على غير العموم؛
فدل كتاب الله عز وجل وسنة نبيه صلى
الله عليه وسلم على أن فرض الجهاد إنما
هو على أن يقوم به من فيه كفاية للقيام به
حتی یجتمع أمران؛ أحدهما: أن یکون بإزاء
العدو المخوف على المسلمين من يمنعه،
والآخر: أن يجاهد من المسلمين من في
جهاده كفاية، فإذا قام بهذا من المسلمين
المأثم في ترك الجهاد، وكان الفضل للذين
ولوا الجهاد على المتخلفين عنه.
من فيه الكفاية به خرج المتخلف منهم من تخلف عنه عام الفتح، وغيره من غزواته
قال الله عز وجل: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَهِدُونَ
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِ الضَّرَدِ وَالْجَهِدُونَ فِي سَبِلِ
اللَّهِ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ بِأَمْوَلِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَعِدِينَ دَرَجَةً ﴾ [النساء: ٩٥].
وبينٌ إذا وعد الله عز وجل القاعدين
غير أولي الضرر الحسنى أنهم لا يأثمون
بالتخلف، ويوعدون الحسنى بالتخلف،
بل وعدهم - لما وسع عليهم من التخلف-
الحسنی إن کانوا مؤمنین لم یتخلفوا شگًا
ولا سوء نية وإن تركوا الفضل في الغزو.
وأبان الله عز وجل في قوله في
النفير حين أمرنا بالنفير: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَافًا
﴿إِلَّا تَنْفِرُواْ
وقال عز وجل:
يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩].
وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ
طَآئِقَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَمُوْا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
فأعلمهم أن فرض الجهاد على الكفاية
من المجاهدین.
ولم یغز رسول الله صلى الله عليه وسلم
غزاةً علمتها إلا تخلف عنه فيها بشرٌ؛ فغزا
بدرًا وتخلف عنه رجال معروفون. و کذلك
صلى الله عليه وسلم، وقال في غزوة تبوك،
وفي تجهيزه للجمع للروم: (ليخرج من کل
رجلين رجل فيخلف الباقي الغازي في أهله
وماله)(١).
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم
جیوشا وسرایا تخلف عنها بنفسه مع حرصه
على الجهاد على ما ذكرت. وأبان أن لو
تخلفوا معًا أثموا معًا بالتخلف بقوله عز
وجل: ﴿إِلَّ نَفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا
(١) أخرج الإمام مسلم في صحيحه، كتاب
الإمارة، باب فضل إعانة الغازي، رقم ٥٠١٦
عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم بعث إلى بنى لحيان ليخرج
من كل رجلين رجل. ثم قال للقاعد: أيكم
خلف الخارج في أهله وماله بخير كان له مثل
نصف أجر الخارج.
www. modoee.com
١١٧

حرف القاف
أَلِمًا﴾ [التوبة: ٣٩].
يعني-والله تعالى أعلم- إلا إن تركتم
النفير كلكم عذبتكم. ففرض الجهاد -على
ما وصفت- يخرج المتخلفين من المأثم
القائم بالكفاية فيه، ويأثمون معًا إذا تخلفوا
معًا﴾(١).
وذهب سعيد بن المسيب رحمه الله إلى
أن الجهاد فرض عین مطلقًا علی کل مسلم،
لقوله تعالى: ﴿أَنْفِرُواْ خِفَانًا وَثِقَالًا
وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:
٤١].
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمُّ وَاَللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وقوله صلی الله عليه وسلم: (من مات
ولم یغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على
شعبة من النفاق)(٢).
كما استدل بجميع أدلة الجمهور التي
استدلوا بها على الكفاية، وحملها على
الدلالة على فرض العين، وقال: إن القاعدين
الموعودين بالحسنى - في آية سورة النساء
السابقة - كانوا حراسًا في سبيل الله، فهم
يقومون بفريضة الجهاد أيضًا.
(١) الأم، الشافعي ٤ / ٩٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب ذم من مات ولم يغز، رقم ٥٠٤٠.
وقال الداوودي: هو فرض عين على من
يلي الكفار (٣).
وحكي عن ابن عمر وسفيان الثوري
وابن شبرمة وعطاء وعبدالله بن حي: أن
الجهاد تطوع وليس فرضًا، وأن القائمين
به من المسلمين أنصار الله. وقال سحنون
-من علماء المالكية -: صار الجهاد تطوعًا
بعد فتح مكة.
واستدل بعضهم على هذا بأن قوله تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ إنما هو على
الندب لا الوجوب، کقوله تعالى: ﴿ گُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًا
اَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا
عَلَى الْمُثَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠].
فهي للندب. وبأن الآيات التي تدل على
الوجوب مخصوصة، حيث خص النبي
صلى الله عليه وسلم فئات لايجوزقتلها
كالنساء والصبيان، وعلى هذا فالآيات بعد
التخصيص لا تدل على الفرضية.
٢. أن یکون النفير عامًا.
وفي هذه الحالة اتفق جمهور العلماء
على أن القتال أو الجهاد فرض عين على
كل قادر مستطيع من المكلفين بالجهاد، لأن
المقصود من الجهاد - وهو دفع الكفار-
لا يحصل إلا بهم جميعًا، فالقادر على
(٣) انظر: القوانين الفقهية، ابن جزي ص ١٥١،
المبدع، ابن مفلح ٣٠٧/٣، نهاية المحتاج،
الشربيني ٤٥/٨ - ٤٦.
١١٨
القرآن الكريمِ

القتال
الجهاد يباشر الجهاد بنفسه، وغير القادر بهذه الأحكام فهي شروط التكليف
من المكلفين يخرج مع المجاهدين لتكثير بعامة، ويختص القتال ببعض الشروط.
سوادهم وإرهاب العدو. وعندئذ يخرج
الابن بغير إذن والديه، والمرأة بغير إذن
زوجها، لأن الخروج في مثل هذه الحال
فرض عین علی کل أحد.
وما يفوته بترك هذه الفريضة لا يمكنه
استدراكه، أما ما قد يفوته بالخروج لها بغير
إذن الوالدین -مثلا- فیمکن استدراكه بعد
هذا، فيشتغل بما هو الأهم. ولأن الضرر في
ترکه الخروج للجهاد أعم، فإن ذلك يتعدى
إليه وإلى والديه وإلى غيرهم من المسلمين.
ولأنه لا يحل لوالديه أن ينهياه عن هذا
الخروج، فیکون له أن يخرج ليسقط به الإثم
عنه وعنهما، ولا طاعة لهما عليه فيما كانا
عاصیین فیه.
ويدل على ذلك كثير من الآيات الكريمة
منها قوله تعالى: ﴿أَنفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا
وَجِهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْفِى سَبِيلِ اللَّهِ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة:
٤١]، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ
وَهُوَكُزْهُ لَّكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَ هُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ
لَّكُمْ وَعَسَقٌ أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّلَكُمُّ وَاللَّهُ
يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
٢. شروط القتال.
وأما شروط القتال التي يجب أن تتحقق
حتى يكون واجبًا على المكلفين المخاطبين
وهي بجملتها: الإسلام والبلوغ والحرية
والذكورة والقدرة البدنية والمالية للنفقة
أو انتفاء العذر. وفیما یأتي إيجاز سريع لها
استنباطًا من الآيات الكريمة والأحاديث
النبوية وقواعد الأصول (١).
١. الإسلام.
فإن الخطاب القرآني الكريم توجه للنبي
صلى الله عليه وسلم ولأتباعه من المؤمنين
المسلمين. فقال الله تعالى: ﴿فَقَائِلٌ فِي
سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ
عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاَللَّهُ أَشَدُّ
بَأَسَاوَأَشَدُّ تَنكِيلًا﴾ [النساء: ٨٤].
﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَرِضِ
وقال تعالى:
[الأنفال: من
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِّ
الآية ٦٥].
وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ
لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ
طَآئِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا
رَجَمُوْاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
٢. البلوغ والعقل.
وهما من شروط التكليف والمخاطبة
بالأحكام الشرعية، فإن الصغير الذي لم
يبلغ مبلغ الرجال، و المجنون الذي اختل
(١) انظر: فتح القدير، ابن الهمام ٤٤٢/٥،
الأم، الشافعي ١٦٣/٤، المغني، ابن قدامة
١٠/ ٣٦٥.
www. modoee.com
١١٩

حرف القاف
للخطاب، والمجنون كذلك لا يتأتى منه
الجهاد. فقد قال عليه الصلاة والسلام: (رفع
القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على
عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ،
وعن الصبي حتى يحتلم)(١).
٣. الحرية.
یپاپع الأحرار على الإسلام والجهاد، ویبايع
العبيد على الإسلام دون الجهاد (٢).
والعبد لا يملك المال والنفقة للجهاد،
وهو مشغول بأمر سیدہ المالك له، فلا يجب
عليه القتال. ويلاحظ أن الرق في عصرنا
بحث تاريخي فقط.
فلا يجب القتال إلا على الرجال، ولا
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم ٩٤٠،
وأبو داود في سننه، كتاب الحدود، باب
المجنون يسرق أو يصيب حدًا، رقم ٤٤٠٠.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
٦٥٩/١، رقم ٣٥١٢.
(٢) قال ابن الملقن في البدر المنير ٣٩/٩: هذا
الحديث صحيح لا يحضرني من خرجه
من هذا الوجه، ويغني عنه في الدلالة ما في
((صحيح مسلم)) من حديث جابر بن عبد الله
قال: جاء عبدٌ فبايع النبي صلى الله عليه وسلم
على الهجرة ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده
يريده فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:
بعنيه، فاشتراه بعبدين أسودين، ثم لم يبايع
أحدًا بعد حتى يسأله أعبدٌ هو ؟.
وقال سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا
عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجُ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ, يُدْخِلَهُ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَّحْتِهَا الْأَنْهَرُ وَمَن
يَتَوَلَّ يُعَذِّبَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧].
٦. وجود النفقة.
فلا يجب القتال على من تعوزه النفقة
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد،
باب جهاد النساء، رقم ٢٨٧٦،٢٨٧٥.
قال الحافظ ابن حجر تعليقًا عليه: لهن أن
يتطوعن بالجهاد، ولم يكن واجبًا عليهن،
لما فيه من مغايرة المطلوب منهن من الستر
ومجانبة الرجال. فتح الباري ٦/ ٧٦.
١٢٠
القرآن الكريم
عقله، كلاهما غير مخاطب لأنه فاقد الأهلية يلزم النساء، إلا أن يتطوعن فيه للحاجة، أو
عندما یکون فرض عین لا فرض كفاية. وفي
الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في
الجهاد، فقال: (جهادکن الحج)(٣).
٥. القدرة وسلامة البدن.
فلا يجب القتال على من فقد القدرة
لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان بسبب المرض أو العمى أو غير ذلك مما
يتعذر معه القتال، أو يعجز صاحبه عنه
كالعاجز والشيخ الكبير في السن، وضعيف
البنية، والمقعد والأعرج.
والله تعالى يقول: ﴿لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَآءِ
وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
هذا انتهى وجوده - بعامة - فالبحث في هذا مَا يُفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاَللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ٩١].
٤. الذكورة.

القتال
للجهاد (١)، فلا يجدها ولا يقدر عليها، المطلب إشارات إلى ما يقابل ذلك، حيث
تنزلت آيات كثيرة فيها تحذير من التخلف
عن القتال أو الاعتذار عنه مالم يكن للمرء
عذر، وتنوعت أساليب القرآن الكريم في
ذلك. وفيما يأتي طائفة منها.
وقد كان المجاهدون يخرجون للجهاد
وينفقون على انفسهم ويشترون أدوات
القتال والسلاح. وأما عندما تتكفل الدولة
بالنفقات والأدوات والأسلحة فإن فقد هذا
الشرط لا يؤثر في الحكم.
وإلى هذا الشرط الإشارة في الآيات
الكريمة كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَىَ الضُّعَفَآءِ
وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ
مَا يُنفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
اَلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
،وَلَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوَّكَ لِتَحْمِلَهُمْ
قُلْتَ لَآَ أَجِدُ مَا أَحْلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ
وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَّنَا أَلَّا يَجِدُواْ
مَا يُنفِقُونَ ﴿ إِنَّمَا السَّبِيِلُ عَلَى الَّذِينَ
يَسْتَشْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَآءُ رَضُواْ بِأَنْ يَكُونُواْ
مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا
يَعْلَمُونَ (٣)
[التوبة: ٩١- ٩٣].
ثانيًا: حكم الاعتذار والتخلف عن
القتال:
ألمحت فيما سبق إلى بعض الآيات
الكريمة التي تعلي من مكانة الجهاد، فهو
ذروة سنام الإسلام، وأحد مبانيه العظام،
وهو طريق العزة والكرامة. وفي هذا
(١) أعوز الرجل إعوازًا: افتقر. وأعوزه الدهر:
أفقره. انظر: المصباح المنير، الفيومي
٤٣٧/٢.
قال الله تعالى: ﴿وَمَآ أَصَبَّكُمْ يَوْمَ الْتَقَى
الْجَمْعَانِ فَإِذْنِ اَللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ () وَلِيَعْلَمَ
الَّذِينَ نَافَقُواْ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْ قَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِآَوِ
أَدْفَعُواْ قَالُواْ لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَأَتَّبَعْنَكُمْ هُمْ
لِلْكُفْرِ يَوْمَيِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ
يِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُونَ
(الَّذِينَ قَالُواْ لِإِخْوَنِهِمْ وَقَعَدُواْ لَوْ أَطَاعُونَا مَا
قُتِلُواْ قُلْ فَأَدْرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن
كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦ - ١٦٨].
فهؤلاء المتخلفون عن القتال والجهاد
بالنفس لم يحملهم على التخلف والتقاعس
إلا النفاق والكذب والمراوغة، فإذا دعاهم
الرسول والمؤمنون للجهاد والقتال، وقيل
لهم: تعالوا قاتلوا ودافعوا عن محارمكم
وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا
ذلك واعتذروا بأن قالوا: لو نعلم أنكم يصير
بینکم وبينهم قتال لاتبعناکم، وهم کذبة في
هذا، فقد علموا وتيقنوا، وعلم كل أحدٍ أن
هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ
على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد
بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه
من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم
www. modoee.com
١٢١

حرف القاف
قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على وَلَن نُقَائِلُواْ مَعِىَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ
مَرَّةٍ فَاقْعُدُ واْمَعَ الْخَلِفِينَ { وَلَا تُصَلّ عَلَى أَحَدٍ
مِنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا نَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ يِاللَّهِ
[التوبة:
وَرَسُولِ، وَمَاتُواْ وَهُمْ فَسِقُونَ
٨١ -٨٤] .
قتالهم، فمن کانت هذه حالهم، کیف یتصور
أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟
خصوصًا وقد خرج المسلمون من المدينة
وبرزوا لهم، هذا من المستحيل.
ولكن المنافقين ظنوا أن هذا العذر،
يروج على المؤمنين، فقال تعالى عنهم:
﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَيِدٍ﴾ أي: في تلك
الحال التي تركوا فيها الخروج مع المؤمنين
﴿أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَنِّ يَقُولُونَ يَفْوَهِهِم
مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ وهذه خاصة المنافقين،
یظهرون بکلامهم وفعالهم ما یبطنون ضده
في قلوبهم وسرائرهم(١).
وهذه نماذج أخرى غنية عن التعليق في
بيان حكم المتخلفين والمعتذرين والآثار
المترتبة على ذلك من وعيد وتهديد وذلة
في الدنيا مع ما ينتظرهم من عذاب في
الآخرة(٢).
قال الله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّقُونَ
بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ أَنْ يُجَهِدُواْ
بِأَمْوَهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ لَا نَنْفِرُواْ فِي
الْخَرَّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّأْ لَّوْ كَانُواْ يَفْقَهُونَ
فَلْيَصْحَكُوْ قَلِيلًا وَلْيَبَّكُوا كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ
، فَإِن رَّجَعَكَ اَللَّهُ إِلَى طَآئِفَقِمِنْهُمْ
يَكْسِبُونَ (١)
فَأَسْتَقْذَنُوَكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٥٦.
(٢) انظر: الجهاد في سبيل الله، محمد عزة
دروزة، ص٣٨ - ٥٠ و ١١٤-١٢٧.
وقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَكُرُواْ
نِعْمَةَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَ تَكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوَّهَاً وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرًا ) إِذْ جَآءُوكُمْ مِّن فَوْقَكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ
مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَرُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ
اَلْحَنَاجِرَ وَتَظْتُونَ بِاللَّهِالْفُنُونَ هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ
اْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالََّ شَدِيدًا (١) وَإِذْ يَقُولُ
الْمُنَفِقُونَ وَلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضَُّ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ
وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ، وَإِذْ قَالَت ◌َآيِفَةٌ مِّنْهُمْ
يَتَأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَرْجِعُواْ وَيَسْتَعْذِنُ
فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّقَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةُ وَمَا هِىَ
بِعَوْرَةٌ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (٢) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم
مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ الْفِتْنَةَ لَنَوْهَا وَمَا تَلَبَّئُواْ
بِآ إِلَّا يَسِيرًا ، وَلَقَدْ كَانُواْ عَنْهَدُواْ اللّهُ مِن
قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَرَّ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا
١٥)﴾ [الأحزاب: ٩- ١٥].
وقال الله تعالى أيضًا: ﴿أَلَوْتَرَ إِلَى الَّذِينَ
قِيلَ لَكُمْ كُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَقِيمُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ
فَلَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفِتَالُ إِذَا فِقٌّ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ
كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَثَبْتَ
عَلَيْنَا الْفِنَالَ لَوْلًاً أَخَّرْنَنَا إِلَ أَجَلِ قَرِبُ قُلْ مَنَعُ
الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ أَنَّقَى وَلَا نُظْلَمُونَ
١٢٢
مَوْسُو ◌َرَ النَّفسيد
القرآن الكريم

القتال
فَثِيلًا (٣)﴾ [النساء: ٧٧].
ثالثًا: حكم الفيء والغنيمة والأسر
والجزية:
إذا قام القتال ونشبت الحرب وظهر
المسلمون على أعدائهم، فإن هذا یرتب آثارًا
في أموال الحربيين وأشخاصهم، فيتملك
المسلمون الأموال والبلاد المفتوحة،
وهذه هي الغنائم، وقد يأخذون أموالًا
منهم بالصلح کالجزية، أو بدون حرب وهو
الفيء، ويكون الأشخاص أسرى وسبايا إذا
وقعوا في يد المسلمين بالقتال (١).
وفي هذا يقول العلامة علاء الدين
الكاساني: ((إذا ظهر الإمام على بلاد
أهل الحرب، فالمستولى عليه لا يخلو
من أحد أنواع ثلاثة: المتاع، والأراضي،
والرقاب))(٢).
ويقول ابن رشد الحفيد: ((وأما ما يجوز
من النكاية في العدو؛ فإن النكاية لا تخلو
أن تكون في الأموال، أو في النفوس، أو في
الرقاب، أعني: الاستعباد والتملك)) (٣).
هذه كلها آثار تترتب على قيام الحرب،
ولذلك نتناولها في الفقرات الآتية:
(١) انظر: أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام
محمد بن الحسن الشيباني، عثمان ضميرية
١١٨٥/٢-١٣٠٤.
(٢) انظر: بدائع الصنائع، الكاساني ٩/ ٤٣٤٧.
(٣) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ابن
رشد: ٢/ ٣٨٢.
١. الفيء.
الفيء في اللغة هو الرجوع. وفي
الاصطلاح الفقهي: هو ما أخذ من أموال
أهل الحرب صلحًا من غير قتال، أو بعد أن
تضع الحرب أوزارها، كالخراج والجزية
ونحو ذلك. وقد سمي هذا المال فيًا؛ لأن
الله أفاء به على المسلمين، ففاء إليهم - أي
رجع - بلا قتال (٤).
وقد تنزلت الآيات الكريمة في بيان أحكام
الفيء، فقال الله تعالى في بيان مشروعيتها
وحكمتها: ﴿وَمَا أَفَ اَللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْهُمْ فَمَا
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلِ وَلَا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يُسَلِطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
ج قَآَ أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، مِنْ أَهْلِ الْقُرَى
قَدِيرٌ
فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى الْقُرْبَ وَالْبَنََّى وَالْمَسْكِينِ وَأَبْنِ
السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَِّ مِنْكُمْ وَمَّ
ءَالَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا تَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ
وَأَتَّقُواْ اللَهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ل لِلْفُقَرَآءِ
اَلْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَدِهِمْ وَأَمْوَ لِهِمْ
يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟
أُوْلَكَ هُمُ الصَّدِقُونَ﴾ [الحشر: ٦ - ٨].
قال المفسرون: طلب المسلمون من
رسول الله صلی الله علیه وسلم أن یخمس
أموال بني النضير لما أجلوا، فنزلت هذه الآية
(٤) انظر: المصباح المنير، الفيومي ٥٤٥/٢،
٥٨٥، التوقيف على مهمات التعاريف،
المناوي ص ٥٦٨، معجم المصطلحات
المالية والاقتصادية، نزيه حماد، ص٣٥٦.
www. modoee.com
١٢٣

حرف القاف
تبين أنها فيءٌ لم تحصل لهم بمحاربتهم، يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا قال عباس:
يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا -وهما
وإنما هو بتسليط رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فهو له خاصة، يفعل فيه ما يشاء.
فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين
المهاجرين، ولم يعط الأنصار منه شيئًا، إلا
ثلاثة نفر کانت بهم حاجة، وهم: أبو دجانة،
وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة (١).
يختصمان في الذي أفاء الله على رسوله من
بني النضير- فقال الرهط: يا أمير المؤمنين
اقض بينهما وأرح أحدهما من الآخر، قال:
اتئدوا أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء
والأرض هل تعلمون أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)
یرید رسول الله صلی الله علیه وسلم نفسه؟
قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على علي
وعباس، فقال: أنشدكما بالله هل تعلمان أنّ
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك؟
قالا: نعم. قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر،
إن الله كان خص رسول الله صلى الله
عليه وسلم في الفيء بشيء لم يعطه أحدًا
غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا
أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَارِكَابٍ﴾ إلى قوله:
﴿قَدِيرٌ﴾.
وذلك أن بني النضير لما تركوا رباعهم
وضياعهم طلب المسلمون من رسول الله
صلی الله عليه وسلم أن يقسمها بينهم، كما
فعل بغنائم خيبر، فبين الله تعالى في هذه
الآية أنها فيءٌ لم يوجف المسلمون عليها
خيلًا ولا ركابًا، ولم يقطعوا إليها شقة ولا
نالوا مشقة، ولم يلقوا حربًا، فجعل أموال
بني النضير لرسول الله صلی الله عليه وسلم
خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول
الله صلی الله علیه وسلم بین المهاجرين،
ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا ثلاثة نفر
کانت بهم حاجة.
وروى البخاري عن مالك بن أوس بن
الحدثان النضري، أن عمر بن الخطاب رضي
الله عنه دعاه إذ جاءه حاجبه يرفأ فقال: هل
لك في عثمان وعبد الرحمن والزبير وسعد
يستأذنون؟ قال: نعم، فأدخلهم، فلبث يرفا
قليلًا ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي
(١) زاد المسير، ابن الجوزي ٤ / ٢٥٧.
وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٣/٢٣،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٨٦/٥.
وكانت هذه خالصة لرسول الله صلى
الله عليه وسلم ما احتازها دونكم ولا
استأثرها عليكم، لقد أعطاکموها وبثها
فیکم حتی بقي منها هذا المال، فكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم ينفق على أهله نفقة
سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله
مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله
صلى الله عليه وسلم حياته، ثم توفي النبي
صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر: أنا ولي
١٢٤
لِلْقُرآن الكَرِيمِ