النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
القِنَّالِ
عناصر الموضوع
مفهوم القتال
٨٦
القتال في الاستعمال القرآني
٨٧
الألفاظ ذات الصلة
٨٨
٩٠
مراحل تشريع القتال
١٠٠
أصناف المقاتلين
١١٤
أحكام القتال
١٣٨
نتائج القتال وعواقبه
المُجَلَدَ السَّابِعِ وَالعشْرُونْ

حرف القاف
مفهوم القتال
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة (قتل) تدل على إذلالٍ وإماتةٍ. وهما معنيان متقاربان(١).
وقال الراغب الأصفهاني: ((أصل القتل إزالة الروح عن الجسد كالموت، لكن إن اعتبر
بفعل المتولي لذلك يقال: قتلٌ، وإذا اعتبر بفوت الحياة يقال: موتٌ. يقال: قتله قتلًا وتقتالًا.
وقاتله مقاتلةً وقتالًا. والقتلة - بالكسر - الحال أو الهيئة التي يقتل عليها، يقال: قتله قتلة سوء.
والقتلة - بالفتح - المرة الواحدة. والقتلى: جمع قتيل، على وزن فعيل بمعنى مفعول للمفرد
المذكر والمؤنث)» (٢).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
من المعلوم أن هناك فرقًا في الدلالة والحكم بين القتل والقتال، وقد بين ذلك الفرق
بجلاء الشيخ الإمام محمد الصالح العثيمين رحمه الله، وذلك بقوله: ((القتل أخص من
القتال؛ فهناك فرق بين القتل والقتال، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، ولهذا نقاتل إحدى
الطائفتين المقتتلتين حتى تفيء إلى أمر الله، مع أنها مؤمنة لا يحل قتلها. أما القتل فليس
يلزم منه مقاتلة الجميع، فقد يكون واحدٌ من هؤلاء يستحق القتل فنقتله ولا نقاتل الجميع،
فتبين بهذا أنه لا تلازم بين القتال والقتل، وأن جواز القتال أوسع من جواز القتل؛ لأن القتل
لا يكون إلا في أشياء معينة)»(٣).
ومن هذا التفريق الدقيق بين المصطلحين يتبين دقة تعريف الإمام أبي بكر ابن العربي
رحمه الله في قوله: ((هو الصد عن الشيء بما يؤدي إلى القتل)) (٤).
وتستعمل كلمة: (القتال) اصطلاحًا بمعنى كلمة: (الجهاد) في اصطلاح الفقهاء، وهو
قتال الكفار بالبدن ، وإذا أطلقت كلمة الجهاد فلا يراد بها إلا هذا المعنى عندهم (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٦/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٣٩٣.
(٣) الشرح الممتع شرح زاد المستقنع ٤٨/٢.
(٤) أحكام القرآن ٢/ ٤٢٨.
(٥) انظر: المقدمات الممهدات، ابن رشد ١/ ٣٤٢، أصول العلاقات الدولية في فقه الإمام الشيباني
٩٠٨/٢.
٨٦
جونيور
القرآن الكريم

القتال
القتال في الاستعمال القرآني
وردت مادة (قتل) في القرآن الكريم (١٧٠) مرة (١)، يخص موضوع البحث منها (٧١)
مرة.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٦
﴿وَلَوْ قَتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْلَوَلَوْ اْلْأَدْبَرَ﴾ [الفتح: ٢٢]
الفعل المضارع
٢٨
أَلَا تُقَمِلُونَ قَوْمَا نَّكَنُواْ أَيْمَنَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣]
﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ
فعل الأمر
١٤
﴾ [المائدة: ٢٤ ]
(٢٤)
المصدر
١٣
◌َوَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا
﴾ [الأحزاب: ٢٥]
وجاء القتال في القرآن الكريم بمعنى: المقاتلة والمحاربة بين اثنين (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٥٣٣ -٥٣٦، المعجم
المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب القاف ص ٩٢٢-٩٢٥.
(٢) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٧٩٧/٥-١٧٩٨، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٥٦/٥-٥٧، المعجم
الوسط، مجمع اللغة العربية، ٧١٥/٢، نزهة الأعين النظائر، ابن الجوزي، ص٤٩٤-٤٩٧، بصائر
ذوي التمییز، الفيروزآبادي، ٢٣٨/٤ -٢٣٩.
www. modoee.com
٨٧

حرف القاف
الألفاظ ذات الصلة
الجهاد:
١
الجهاد لغة:
الجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب، أو اللسان، أو ما أطاق من شيءٍ، والاجتهاد
والتجاهد: بذل الوسع والمجهود(١).
الجهاد اصطلاحًا:
الجهاد والمجاهدة: استفراغ الوسع في مدافعة العدو (٢)، وزاد بعضهم وغلب استعماله
شرعا في الدعوة إلى الدين الحق(٣).
الصلة بين الجهاد والقتال:
الجهاد أشمل من القتال من وجوه، أهمها: أن الجهاد يغلب عليه جهاد الحق ضد الباطل
والقتال قد يكون من الحق على الباطل والعكس، وأن الجهاد مراتبه أربع، وهي: جهاد
النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد المنافقين، وجهاد الكافرين، والقتال يكون بالسلاح ضد
الكفار.
الحرب:
٢
الحرب لغةً:
الحرب: نقيض السلم، ورجل محرب أي: شجاع، وفلان حرب فلان أي: يحاربه،
وحربته تحريبًا أي: حرشته على إنسان فأولع به وبعداوته (٤).
الحرب اصطلاحًا:
«دفع بشدة عن اتساع المدافع بما یطلب منه الخروج؛ فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد
مستطاع))(٥).
الصلة بين الحرب والقتال:
القتال قد يقتضي هجومًا فتكون المقاتلة، وقد يقتضي الدفاع فتكون المقاتلة أيضًا، وهذا
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣٤/٣.
(٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٢٠٨.
(٣) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣٣.
(٤) انظر: كتاب العين، الفراهيدي ٢١٣/٣.
(٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي ص ١٣٧.
٨٨
جوبي
القرآن الكريم

القتال
بخلاف الحرب؛ الذي هو تکتیك إداري حینما یتطلب الدفع بشدة لاتساع المدافع بما یطلب
منه الخروج.
البأس:
٣
البأس لغةً:
يطلق على العذاب، والشدة في الحرب، يقال: بؤس، ككرم(١).
البأس اصطلاحًا:
الشدة على العدو وغلبته في الحرب.
الصلة بين البأس والقتال:
البأس هو ناتج عن الحرب، التي هي جزء لا يتجزأ من مفهوم القتال.
(١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي ص٥٣١.
www. modoee.com
٨٩

حرف القاف
مراحل تشريع القتال
جاء تشريع القتال تحقيقًا للحكمة الربانية
في مواجهة الواقع الذي عاصره النبي صلى
الله عليه وسلم وأصحابه -رضوان الله
تعالى عليهم- بأحكام مرحلية تواجه كل
مرحلة بما تتطلبها وبما يتفق مع قدرة
المسلمين وعلاقتهم مع الأعداء.
فقد نزل الأمر بالقتال مرتبًا متدرجًا وفق
خطوات الإعداد التربوي لهذه الأمة التي
حملها الله تعالى مسؤولية إبلاغ هذا الدين
للعالمين. فقد كان القتال ممنوعًا في أول
الإسلام، ثم صار مأذونًا فيه ردًا للعدوان، ثم
مأذونًا فيه للدفاع عن النفس، ثم مأمورًا به
أمرًا عامًا مطلقًا.
وقد أجمل العلامة ابن قيم الجوزية
رحمه الله مراحل تشريع القتال بكلمات
جامعة دقيقة في كتابه ((زاد المعاد)) فعقد فيه
فصلاً بعنوان «ترتیب سیاق هدیه مع الكفار
والمنافقين من حين بعث إلى حين لقي الله
عز وجل» قال فيه:
أول ما أوحى إليه ربه تبارك وتعالى: أن
يقرأ باسم ربه الذي خلق، وذلك أول
نبوته، فأمره أن يقرأ في نفسه ولم يأمره
إذ ذاك بتبليغ. ثم أنزل عليه: ﴿يَأَيُّهَا
آڵمُدِيرُ﴾. فنباه بقوله: ﴿اقرا﴾ وأرسله بـ
﴿وَأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾. ثم أمره أن ينذر عشيرته
الأقربين، ثم أنذر قومه، ثم أنذر من
حولهم من العرب، ثم أنذر العرب
قاطبة، ثم أنذر العالمين. فأقام بضع
عشرة سنة بعد نبوته ينذر بالدعوة بغير
قتال ولا جزية، ويؤمر بالكف والصبر
والصفح.
ثم أذن له في الهجرة وأذن له في القتال،
ثم أمره أن يقاتل من قاتله ويكف عمن
اعتزله ولم یقاتله.
ثم أمره بقتال المشركين حتى يكون
الدین کله لله.
ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد
ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة؛ وأهل
حرب؛ وأهل ذمة.
فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم
وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد،
فإن خاف منهم خیانة نبذ إليهم عهدهم ولم
يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن
یقاتل من نقض عهده.
ولما نزلت: (سورة براءة) نزلت ببيان
حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل
عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية
أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد
الكفار والمنافقين والغلظة عليهم، فجاهد
الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة
واللسان (١).
(١) زاد المعاد، ابن القيم ١٤٣/٣.
٩٠
جوبي
◌َبُ النَّسِية
القرآن الكريم

القتال
لذلك يتناول هذا المبحث التطور
التاريخي للمراحل التي شرع فيها القتال.
ويمكن أن نجملها بأربعة مراحل:
أولًا: مرحلة الكف عن القتال
بدأ الوحي يتنزل على رسول الله صلى
الله عليه وسلم منذ أن فاجأه جبريل عليه
السلام بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ الَّذِى خَلَقَ
٢﴾ [العلق: ١].
ولم يأمره إذ ذاك بتبليغ الرسالة والدعوة.
ثم أمره الله سبحانه وتعالى بتبليغ الرسالة
وإنذار قومه بقوله: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّتُِّ قُرْنَذِرْ
﴾ [المدثر: ١ - ٢].
فبدأ بدعوة أهل بيته، ثم بدعوة عشيرته
الأقربين وقومه بالحسنى والموعظة، وأمره
مع ذلك بالصفح والإعراض عن المشركين،
فقال تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
اُلْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَأَصْفَحِ الصَّفْحَ
اَلْجَمِيلَ ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَقُ اَلْعَلِيمُ﴾
[الحجر: ٨٥- ٨٦].
ثم أمر الله تعالى نبيه عليه الصلاة
والسلام بالدعاء إلى الدين بالوعظ
والمجادلة بالأحسن فقال تعالى: ﴿وَلَا
تُحَدِلُواْ أَهْلَ الْكِتَبِ إِلَّ بِأَلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ إلَّا
الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمَّ وَقُولُوَاْ ءَامَنَا بَلَّذِىّ أُنْزِلَ إِلَيْنَا
وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَّهُنَا وَإِلَ هُكُمْ وَجِدٌ وَنَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٦].
وقال: ﴿أَدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ
وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَحَدِلْهُم بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنٌ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ، وَهُوَ
أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: ١٢٥].
وفي هذه المرحلة -ويمكن أن نقول
في هاتين المرحلتين المتصلتين في مكة
المكرمة- لم يكن هناك أمر بقتال دفعًا أو
هجومًا. ولذلك قال الإمام أبو بكر الرازي
الجصاص: ((لم تختلف الأمة أن القتال كان
محظورًا قبل الهجرة)»(١).
ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ
عَنْهُمْ وَأَصْفَحَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
[المائدة: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَدِهِلُونَ
قَالُواْ سَلَمًا ﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَجُوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ
وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنَّ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
وَالْأُمِنَ ءَ أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ أَهْتَدَوّاً
فَإِن تَوَلََّأْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَاللّهُ بَصِيرًا
بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٢٠].
وقوله تعالى: ﴿أَدَّفَعْ بِالَّتِى هِىَ أَحْسَنُ فَ!
اَلَّذِى بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَوَةٌ كَأَنَّهُ وَإِىُّ حَمِيدٌ
٣٤
وَمَا يُلَقَّنِهَآ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّنَهَا إِلََّ ذُو
حَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٤ -٣٥].
ولكن كبر على المشركين ما يدعوهم
(١) أحكام القرآن، الجصاص ٢٥٧/٣.
www. modoee.com
٩١

حرف القاف
إليه، فناصبوه العداء، وتفننوا في صنوف
الإيذاء والبلاء، يصبونهما على المؤمنين،
حتى وصل بهم الأمر أن يتآمروا على النبي
صلى الله عليه وسلم لتصفيته جسديًا.
كل هذا والقرآن الكريم يتنزل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره
بالصبر والصفح والکف، ولم يأذن له بقتال:
﴿أَلَمْتَرَ إِلَى الَّذِينَ قِلَ لَْ كُواْ أَيْدِيَّكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
وَمَاتُواْ﴾ [النساء: ٧٧].
ولما قال عبدالرحمن بن عوف
وأصحاب له: (يا رسول الله كنا في عزة
ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلاء! فقال
عليه الصلاة والسلام: (إني أمرت بالعفو،
فلا تقاتلوا القوم)(١).
وقد كانت نفوس بعض المسلمين
تتشوف إلى الإذن بالجهاد ليميلوا على
المشرکین میلة واحدة ولیدفعوا عن أنفسهم
العدوان الواقع عليهم؛ فقد قال العباس بن
عبادة بن نضلة ليلة بيعة العقبة: (والله الذي
بعثك بالحق إن شئت لنمیلن على أهل منى
غدًا بأسیافنا؟ فقال رسول الله صلی الله علیه
وسلم: (لم نؤمر بذلك، ولکن ارجعوا إلى
رحالكم)(٢).
(١) أخرجه النسائي في سننه، أول كتاب الجهاد،
٠٣/٦
وصححه الحاكم على شرط البخاري،
٦٦/٢ و٣٠٧، ولم يتعقبه الذهبي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٦٢/٣.
قال الإمام الحافظ ابن كثير الدمشقي
رحمه الله: ((كان المؤمنون في ابتداء
الإسلام وهم بمكة مأمورين بالصفح والعفو
عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا
يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا
من أعدائھم، ولم یکن الحال إذ ذاك مناسبًا
لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى
كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في
بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض،
فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقًا. فلهذا
لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت
لهم دارٌ ومنعة وأنصار)) (٣).
ويقف الأستاذ سيد قطب رحمه الله
عند آية سورة النساء يتلمس حكمة هذا
الموقف، والأمر بالكف عن القتال، وإقامة
الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال
حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى
والعذاب ما لا يطاق، وبعضهم يتجاوز
العذاب طاقته فیفتن عن دينه. وبعضهم لا
يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت
وطأته يقول قولة المؤمن الذي يتحرز عن
الجزم فيما لا يمكن الجزم به لئلا يقول على
قال الهيثمي في المجمع: ٤٥/٦: رجال
أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد
صرح بالسماع.
وانظر: السيرة، ابن إسحاق ص ٤٤٨،
الطبقات الكبرى، ابن سعد ٢٢٣/١، تاريخ
الأمم والملوك، الطبري ٢/ ٣٦٤.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٥٩/٢.
٩٢
القرآن الكريم

القتال
الله بغير علم، فحسبه أن یشیر إلی ما يراه
من حكمة ثم يكل العلم الحقيقي إلى الله
تعالی.
أما حكمة هذا: فلسنا في حلٍ من الجزم
بها؛ لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين
لنا من حكمة، ونفرض على أوامره أسبابًا
وعللًا، قد لا تكون هي الأسباب والعلل
الحقيقية، أو قد تكون ولكن يكون وراءها
أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها،
ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة.
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم
فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة
نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب على أنه
مجرد احتمال وندع ما وراءه لله، لا نفرض
علی أمره أسبابًا وعللا، لا يعلمها إلا هو ولم
يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح!
إنها أسباب اجتهادية تخطئ وتصيب،
وتنقص وتزيد، ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر
أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في
مجرى الزمان:
● ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت
فترة تربية وإعداد في بيئة معينة، لقوم
معينين، وسط ظروف معينة.
وربما كان ذلك أيضًا، لأن الدعوة
السلمية أشد أثرًا وأنفذ، في مثل بيئة
قريش ذات العنجهية والشرف والتي
قد يدفعها القتال معها -في مثل هذه
الفترة- إلى زيادة العناد وإلى نشأة
ثارات دموية جديدة.
وربما كان ذلك أيضًا، اجتنابًا لإنشاء
معركة ومقتلة في داخل كل بيت، فلم
تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي
تعذب المؤمنین و تفتنهم، إنما كان ذلك
موكولًا إلى أولیاء كل فرد، يعذبونه هم
ويفتنونه و((يؤدبونه))! ومعنى الإذن
بالقتال -في مثل هذه البيئة- أن تقع
معركة ومقتلة في كل بيت، ثم يقال:
هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى
والإسلام يأمر بالكف عن القتال!
فقد كانت دعاية قريش في الموسم،
في أوساط العرب القادمين للحج
والتجارة: إن محمدًا يفرق بين الوالد
وولده فوق تفريقه لقومه وعشيرته!
فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل
الوالد، والمولى بقتل الولي في كل
بیت وكل محلة؟
وربما كان ذلك أيضًا، لما يعلمه الله
من أن كثيرين من المعاندين الذين
يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم،
ويعذبونهم ويؤذونهم هم بأنفسهم
سیکونون من جند الإسلام المخلص،
بل من قادته ألم يكن عمر بن الخطاب
من بين هؤلاء؟!
وربما كان ذلك، أيضًا، لأن النخوة
٠
www. modoee.com
٩٣

حرف القاف
العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن ثانيًا: مرحلة الإذن بالقتال:
تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى،
ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى
واقعا على كرام الناس فيهم وقد وقعت
ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة
-في هذه البيئة - فابن الدغنة لم يرض
أن يترك أبا بكر -وهو رجل كريم-
يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك
عارًا على العرب! وعرض عليه جواره
وحمایته.
وربما كان ذلك أيضًا، لقلة عدد
المسلمين حينذاك، وانحصارهم في
مكة، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية
الجزيرة. أو بلغت أخبارها متناثرة
حيث كانت القبائل تقف على الحياد،
من معركة داخلية بين قريش وبعض
أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير
الموقف.
في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة
قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات
كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى. لأن
الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان
قائمًا -وقتها- ومحققًا، هذا الأمر
الأساسي هو ((وجود الدعوة)) (١).
أذن الله تعالى لنبيه صلی الله عليه وسلم
بالهجرة إلى المدينة، وبدأ بتأسيس المجتمع
الإسلامي الجديد فيها، وبدأ عهدٌ للإسلام
مجيد. ومع هذا لم يشرع القتال في أول
العهد بالمدينة، وإنما كان هناك أيضًا أمرٌ
بالكف والصبر الجميل، وعقد رسول الله
صلى الله عليه وسلم مع اليهود من أهلها
ومن بقي على الشرك من العرب فيها وفيما
حولها، معاهدة عرفت بصحيفة المدينة (٢).
ولعل الحكمة في عدم القتال في أول
العهد في المدينة تظهر أيضًا -علاوة على ما
سبق- في أمرین:
الأول: لأن هناك مجالًا للتبليغ والبيان،
لا تقف له سلطة سیاسیة تمنعه وتحول بین
الناس وبينه، فقد اعترف الجميع بالدولة
المسلمة الجديدة وبقيادة رسول الله
صلی الله عليه وسلم في تصريف شؤونها
السياسية. فنصت المعاهدة على ألا يعقد
أحد منهم صلحًا ولا يثير حربًا، ولا ينشئ
علاقة خارجية إلا بإذن رسول الله صلى
الله عليه وسلم وكان واضحا أن السلطة
الحقيقية في المدينة في يد القيادة المسلمة،
فالمجال أمام الدعوة مفتوح، والتخلية بين
(٢) انظر: السيرة النبوية، ابن هشام ٥٠١/١،
زاد المعاد، ابن القيم ٣ / ٦٥ - ٦٦، مجموعة
الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة
الراشدة، محمد حميد الله ص٥٧.
(١) في ظلال القرآن ٧١٤/٢- ٧١٥.
جَوُور
القرآن الكريمِ
٩٤

القتال
الناس وحرية الاعتقاد قائمة.
الثاني: إن الرسول صلی الله عليه وسلم
كان يريد التفرغ -في هذه المرحلة - لقريش
التي تقوم معارضتها لهذا الدين حجر عثرة
في وجه القبائل الأخرى الواقفة في حالة
انتظار لما ينتهي إليه الأمر بين قريش وبعض
بنیھا(١)!
ولكن هذا الموقف كان مما زاد في
عناد المشركين وزاد في كيدهم وعدوانهم
وتآمرهم. وعند ذلك أذن الله تعالى
للمسلمين بالقتال دفعًا، فقال سبحانه
وتعالى: ﴿أَذِنَ لِلَّذِينَ يُقَتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِّمُواْ
وَإِنَّ اللّهَ عَلَى نَصْرِ هِمْ لَقَدِيرٌ ) الَّذِينَ أُخْرِجُواْ
مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حٍَّ إِلَّ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا
اَللَّهُ وَلَوَلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِّعْضٍ لَِّمَتْ
صَوَمِعُ وَبِيَعُ وَصَلَوَتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيَا
اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ:
إِنَّ اللَّهَ لَقَوِىُّ عَزِيزُ الَّذِينَ إِن ◌َّكَّنَهُمْ
فِ الْأَرْضِ أَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ
وَأَمَرُواْ بِلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنكَرِّ وَلِلَّهِ
عَقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٣٩-٤١].
فكانت هذه الآية الكريمة أول آية نزلت
في الجهاد - كما قال غير واحد من العلماء-
فيها إذنٌ بالقتال لدفع العدوان ورده عن
المؤمنین، لم یکن فيها وجوبٌ ولا أمرٌ.
(١) في ظلال القرآن ١٤٣٩/٣.
ونقل الإمام محبي السنة البغوي (٢) عن
المفسرين في هذه الآية أنهم قالوا: ((كان
مشرکو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم فلا يزالون محزونين
من بين مضروب ومشجوج، ویشکون
ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال،
حتی هاجر رسول الله صلی الله عليه وسلم
فأنزل الله عز وجل هذه الآية(٣). وهي أول
آية أذن الله فيها بالقتال، فنزلت هذه الآية
بالمدينة. وقال مجاهد: نزلت هذه الآية في
قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى
المدينة، فكانوا يمنعون فأذن الله لهم في
قتال الكفار الذين يمنعونهم من الهجرة».
ثالثًا: مرحلة القتال دفاعًا:
ثم فرض الله تعالى القتال على المسلمين
بعد ذلك إذا كانت البداية من الكفار،
(٢) معالم التنزيل ٣٨٨/٥-٢٨٩.
(٣) قال ابن حجر في الكافي الشافي ص ١١٣ :
لم أجده هكذا. وعزاه الواحدي في الوسيط
للمفسرين، وهو منتزع من أحاديث، أقربها
ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق بكير بن
معروف عن مقاتل بن حيان قوله: (أذن للذين
يقاتلون بأنهم ظلموا)، وذلك أن مشركي أهل
مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا
النبي صلى الله عليه وسلم في قتالهم بمكة،
فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك،
فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى
المدينة أنزل الله عليه: (أذن للذين يقاتلون
بأنهم ظلموا).
www. modoee.com
٩٥

حرف القاف
فأوجب الله تعالى قتال من قاتلهم دون من
لم يقاتلهم. فقال الله تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوَاْ إِنَّ
اُللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: ١٩٠].
قال الإمام أبو جعفر ابن جرير الطبري
رحمه الله: ((اختلف أهل التأويل في تأويل
هذه الآية: فقال بعضهم: هذه الآية هي
أول آية نزلت في أمر المسلمين بقتال أهل
الشرك. وقالوا: أمر فيها المسلمون بقتال من
قاتلهم من المشركين، والكف عمن كف
عنهم، ثم نسخت بـ«براءة)﴾(١).
(١) أسرف بعض العلماء في قضية النسخ،
وجعلوا آية سورة براءة - أو آية السيف كما
يقولون- ناسخة لآيات كثيرة تأمر بالصفح
أو تنهى عن المسالمة. وهذا مردود عند
المحققين من العلماء. فقد قال الطبري رحمه
الله في التفسير ١٣٥/١٠: إن الناسخ الذي لا
شك فيه من الأمر، هو ما كان نافيًا كل معاني
خلافه، الذي كان قبله. فأما ما كان غير ناف
جميعه، فلا سبيل إلى العلم بأنه ناسخ إلا
بخبر من الله جل وعز، أو من رسوله صلى
الله عليه وسلم، وليس في قوله: (قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون
ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من
الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد
وهم صاغرون) دلالةٌ على الأمر بنفي معاني
الصفح والعفو.
وقال الزركشي، رحمه الله، في كتابه البرهان
في علوم القرآن ٢/ ٤٣-٤٤: ما لهج به كثير
من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف
من أنها منسوخة بآية السيف قول ضعيف،
فهو من المنسأ - بضم الميم - بمعنى: أن
كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما، لعلة
توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك
فعن الربيع قال: هذه أول آية نزلت في
القتال بالمدينة، فلما نزلت كان رسول
الله صلی الله عليه وسلم يقاتل من يقاتله،
ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت ((براءة)).
وقال آخرون: بل ذلك أمر من الله تعالى
ذكره للمسلمين بقتال الكفار، لم ينسخ.
وإنما الاعتداء الذي نهاهم الله عنه، هو نهيه
عن قتل النساء والذراري. قالوا: والنهي
عن قتلهم ثابتٌ حكمه اليوم، فلا شيء
نسخ من حکم هذه الآية. فعن یحیی بن
یحیی الغساني، قال: کتبت إلى عمر بن عبد
العزيز أسأله عن قوله: ((وقاتلوا في سبيل الله
الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب
المعتدين))، قال: فكتب إلي: ((إن ذلك في
النساء والذرية ومن لم ينصب لك الحرب
منهم)).
ثم قال رحمه الله: ((وأولى هذين القولين
بالصواب، القول الذي قاله عمر بن عبد
العزیز؛ لأن دعوى المدعي نسخ آیة یحتمل
أن تكون غير منسوخة، بغير دلالةٍ على
صحة دعواه، تحكمٌ. والتحكم لا يعجز عنه
أحد))(٢).
العلة إلى حكم آخر، ليس بنسخ، إنما النسخ:
الإزالة، حتى لا يجوز امتثاله أبدًا .. فليس
حكم المسايفة ناسخًا لحكم المسالمة، بل
كل منهما يجب امتثاله في وقته.
(٢) جامع البيان، الطبري ٣ /٥٦١-٥٦٣.
وانظر: معالم التنزيل، البغوي ٢١٢/١ -
٢١٤، المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٦٢/١،
جَوَسُور
القرآن الكريمِ
٩٦

القتال
فلم يأمر الله تعالى المسلمين بقتال جريج: حلف بالله عطاء بن أبي رباح: ما
يحل للناس أن يغزوا في الحرم، ولا في
الأشهر الحرم، إلا أن يقاتلوا فيها، وما
نسخت (١).
من طلب مسالمتهم ولا من هادنهم، قال
سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلِسَّلْمِ فَأَجْنَحْ لَهَا
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ اَلْعَلِيمُ﴾ [الأنفال:
٦١].
وينطوي في هذه المرحلة الأمر بالقتال
في بعض الأزمنة والأمكنة دون غيرها:
فقد أمر الله تعالى بالقتال بشرط انسلاخ
الأشهر الحرم، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا
أَنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ اَلُْرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُواْ لَهُمْ
كُلَّ مَنْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوُا
الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[التوبة: ٥].
وقد اختلف العلماء في تحريم القتال في
الأشهر الحرم؛ فقال قوم: كان كبيرًا ثم نسخ
بقوله تعالى: ﴿وَقَئِلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾
[التوبة: ٣٦].
کأنه یقول: فیھن وفي غیرهن. وهو
قول قتادة، وعطاء الخراساني، والزهري،
وسفيان الثوري، وقالوا: إن النبي صلى
الله عليه وسلم غزا هوازن بحنين، وثقيفًا
بالطائف، وحاصرهم في شوال وبعض ذي
القعدة.
وقال آخرون: إنه غير منسوخ. قال ابن
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٢/١-
٥٢٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٨٩ -٩٠.
ونهى عن القتال عند المسجد الحرام
فقال: ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ
حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا تُقَدِلُوهُمْ
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيَّةٍ فَإِن قَلُكُمْ
فَأَقْتُلُوهُمُّ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩١].
قال محبي السنة البغوي: «وكان هذا في
ابتداء الإسلام، كان لا يحل بدايتهم بالقتال
في البلد الحرام، ثم صار منسوخًا بقوله
تعالى: ﴿وَقَائِلُوهُمْ حَقّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾
[الأنفال: ٣٩].
هذا قول قتادة. وقال مقاتل بن حيان:
قوله ﴿وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ تَفِفْنُوهُمْ﴾ أي حيث
أدركتموهم في الحل والحرم، صارت هذه
الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُقَدِلُوهُمْ عِنْدَ
الْمُسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْ فِيدٌ﴾ ثم نسختها
آية السيف في براءة، فهي ناسخة منسوخة.
وقال مجاهد وجماعة: هذه الآية محکمة،
ولا يجوز الابتداء بالقتال في الحرم» (٢).
رابعًا: مرحلة القتال مطلقًا:
ثم أمر الله تعالى المسلمين بالقتال مطلقًا
للمشرکین کافة، إذ هم یقاتلونهم کافة.
(١) معالم التنزيل، البغوي ٤ /٤٥.
(٢) المصدر السابق ٢١٤/١.
www. modoee.com
٩٧

حرف القاف
فقال الله تعالى: ﴿وَأَقْتُلُهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُهُمْ
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ
وَلَا تُقَِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَتِلُوكُمْفِيَةٌ
١٩١
فَإِن قَتَلُوكُمْ فَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِينَ
فَإِ أَتَهُوَا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ () وَقَائِلُوهُمْ حَقَّ لَا
تَكُونَ فِئْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْ فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا
عَلَى الظَّلِينَ﴾ [البقرة: ١٩١ - ١٩٣].
وقال تعالى: ﴿وَقَتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤].
وقال تعالى: ﴿وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم ◌ِنْ
بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِ دِينِكُمْ فَقَِلُواْ
أَبِنَّةَ أَلْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنْتَهُونَ ٢ أَلَا تُقَدِّلُونَ قَوْمًّا نَّكَنُواْ
أَيْمَنَّهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمٍ
بَدَهُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةَ أَتَخْشَوْنَهُمْ
فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِن كُتُم ◌ُؤْمِنِينَ
٢٠١٣
قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ
وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ
مُؤْمِنِينَ
وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
[التوبة: ١٢ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَّا وأهل ذمة.
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا
حَزَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَتَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ
عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَقَئِلُواْ
الْمُشْرِكِينَ كَفَّةً كَمَا يُقَطِلُونَكُمْ
كَافَّةُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [التوبة:
٣٦ ].
فكانت هذه المرحلة الأخيرة التي استقر
عليها أمر الجهاد، إذ إن سورة التوبة -وفيها
آية السيف أو آية الجزية - من أواخر القرآن
الكريم نزولًاً (١).
قال الإمام أبو جعفر الطحاوي: ((فأمر
بقتال المخالفين لدين الإسلام كافة، حتى
لا یکون دین إلا دين الله تعالى الذي تعبد
به عباده))(٢).
وهذا هو الذي خلص إليه أيضًا العلامة
المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله حيث
قال بعد أن تتبع السياق التاريخي لهدي النبي
صلى الله عليه وسلم مع الكفار والمنافقين
من حین بعث إلی حین لقي الله عز وجل.
قال: «فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول
براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل
عهد، وأهل ذمة.
ثم آلت حال أهل العهد والصلح إلى
الإسلام، فصاروا معه قسمين: محاربين
والمحاربون له خائفون منه. فصار
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٢٥٦/١ -
٢٥٨، أحكام القرآن، ابن العربي ١٠٢/١،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٨/٣.
(٢) اختلاف العلماء، الطحاوي، اختصار
الجصاص ٤٢٦/٣.
٩٨
جَوَبُو
الْقُرآن الكَرِيْمِ

القتال
أهل الأرض معه ثلاثة أقسام: مسلمٌ مؤمن الإسلامي، وعلاقات المجتمع المسلم
به، ومسالمٌ له آمنٌ -أهل ذمة- وخائف بالمجتمعات الأخرى))(٢).
محارب))(١).
وهذا النظر للمراحل التي مر بها تشريع
القتال والجهاد يشير إلى الأحكام المرحلية
ليست أحكامًا نهائية تنسخ غيرها مثلاً أو
تتعارض معها، فإن الإسلام يواجه كل مرحلة
بما يناسبها. يقول الأستاذ سيد قطب رحمه
الله في تعريفه بسورة التوبة ((براءة)): ((هذه
السورة مدنية، من أواخر ما نزل من القرآن-
إن لم تكن هي آخر ما نزل من القرآن- ومن
ثم قد تضمنت أحكامًا نهائية في العلاقات
بين الأمة المسلمة وسائر الأمم في الأرض
والسورة- بهذا الاعتبار - ذات أهمية خاصة
في بيان طبيعة المنهج الحركي للإسلام
ومراحله وخطواته- حين تراجع الأحكام
النهائية التي تضمنتها مع الأحكام المرحلية
التي جاءت في السور قبلها - وهذه المراجعة
تكشف عن مدى مرونة ذلك المنهج، وعن
مدی حسمه كذلك.
وبدون هذه المراجعة تختلط هذه الصور
والأحكام والقواعد كما يقع كلما انتزعت
الآيات التي تتضمن أحكامًا مرحلية فجعلت
نهائية ثم أريد للآيات التي تتضمن الأحكام
النهائية أن تفسر وتؤول لتطابق تلك الأحكام
المرحلية وبخاصة في موضوع الجهاد
(١) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ١٦٠/٣.
(٢) في ظلال القرآن ١٦٩١/٣.
www. modoee.com
٩٩

حرف القاف
أصناف المقاتلين
ألمحت فيما سبق إلى أن القتال ظاهرة
اجتماعية، عرفتها البشرية منذ عهدها
الأول، وإلى أن القتال في الإسلام الذي هو
الجهاد في سبيل الله - كما تقدم- له غاية
وهدف، ولذلك تنوع القتال بحسب أصناف
المقاتلين، وفيما يأتي بيان لذلك بإيجاز، في
النقاط الآتية:
أولًا: الكفار وأئمتهم:
إِذا أطلقت كلمة القتال، فإن أول ما يتبادر
إلى الأذهان هو قتال الكافرين والمشركين
بعامة، وقد تواترت الآيات القرآنية
الكريمة في ذلك، فقال الله تعالى مبينًا أن
شأن الكفار هو قتال المؤمنين، فكان من
الواجب قتالهم لرد العدوان ودرء الفتنة عن
المسلمين: ﴿وَأَقْتُلُهُمْ حَيْثُ تَفِفْئُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم
مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِئْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِّ وَلَا تُقَدِلُوهُمْ
عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَدِّلُوكُمْ فِيَةٍ فَإِن قَتَلُوكُمْ
فَأَقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَآءُ الْكَفِرِينَ ( ١٦) فَإِ أَنَهَوْ فَإِنَّ اللّهُ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَقَائِلُوهُمْ حَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ
الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ أَنتَهَوْاْ فَلَ عُدْوَانَ إِلَّ عَلَى التَّلِينَ﴾
[البقرة: ١٩١ - ١٩٣].
وهذا أمرٌ بقتالهم، أينما وجدوا في كل
وقت، وفي كل زمان قتال مدافعةٍ، وقتال
مهاجمةٍ، ثم استثنى من هذا العموم قتالهم
﴿عِنْدَ اْسْجِدِ لَْرَامِ﴾ وأنه لا يجوز إلا أن
يبدؤوا بالقتال، فإنهم يقاتلون جزاءً لهم على
اعتدائهم، وهذا مستمر في كل وقت، حتى
ينتهوا عن كفرهم فيسلموا، فإن الله يتوب
عليهم، ولو حصل منهم ما حصل من الكفر
بالله والشرك في المسجد الحرام، وصد
الرسول والمؤمنين عنه، وهذا من رحمته
وكرمه بعباده.
ولما كان القتال عند المسجد الحرام،
يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، أخبر
تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك،
والصدعن دینه،أشدمن مفسدة القتل، فليس
عليكم - أيها المسلمون - حرج في قتالهم.
ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة،
وهي: ((أنه یرتکب أخف المفسدتین، لدفع
أعلاهما».
ثم ذكر تعالى المقصود من القتال في
سبيله، وأنه ليس المقصود به، سفك دماء
الكفار، وأخذ أموالهم، ولكن المقصود
به: أن ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ للَّهِ﴾ تعالی، فیظهر دين
الله تعالى على سائر الأديان، ويدفع كل
ما يعارضه، من الشرك وغيره، وهو المراد
بالفتنة، فإذا حصل هذا المقصود، فلا قتل
ولا قتال، ﴿فَإِنِ آَنَهَوْاْ﴾ عن قتالكم عند
المسجد الحرام ﴿فَلَاَعُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّلِينَ﴾
أي: فلیس علیهم منکم اعتداء، إلا من ظلم
منهم، فإنه يستحق المعاقبة، بقدر ظلمه
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٩.
جَوَسُو ◌َر النفسي
لِلْقُرْآنِ الْكَرِيْمِ
١٠٠

القتال
قال الإمام أبو جعفر الطبري: يعني تعالى ورسوله من أهل الحرب، فاضربوا رقابهم
ذكره بذلك: واقتلوا - أيها المؤمنون- الذين حتى إذا غلبتموهم وقهرتم من لم تضربوا
يقاتلونكم من المشركين حيث أصبتم
مقاتلهم وأمکنکم قتلهم، وذلك هو معنی
قوله: ((حيث ثقفتموهم)) أي: اقتلوهم في
أي مكان تمكنتم من قتلهم، وأبصرتم
مقاتلهم. وأما قوله: (وأخرجوهم من حیث
أخرجوكم)) فإنه يعنى بذلك المهاجرين
الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة،
فقال لهم تعالی ذکره: أخرجوا هؤلاء الذين
يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم -
والشرك بالله أشد من القتل(١).
وتأتي الآيات الكريمة لتأكيد هذا
المعنى فيقول الله تعالى: ﴿ وَقَئِلُوهُمْ حَقَّ
لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ
لِلَّهِ فَإِنِ أَنْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ﴾ [الأنفال: ٣٩].
وقال سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ فَضَرْبَ الْرِقَابِ حَّى إِذَا أَنْخَتُهُوهٌ فَشُدُواْ أَلْوَثَاقَ
فَإِمَّا مَنَّأَبَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءَ حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَاْ ذَلِكَ وَلَوْ
يَشَاءُ اللّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُواْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضُِ
وَالَّذِينَ قُئِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَلَهُمْ﴾ [محمد:
٤].
يقول تعالى ذكره لفريق الإيمان به
وبرسوله: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ بالله
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣/ ٥٦٤.
رقبته منهم، فصاروا في أيديكم أسرى،
فشدوهم في الوثاق کیلا یقتلوکم، فیهربوا
منكم. فإذا أسرتموهم بعد الإثخان، فإما
أن تمنوا عليهم بعد ذلك بإطلاقكم إياهم
من الأسر، وتحرروهم بغير عوض ولا
فدية، وإما أن يفادوكم فداء بأن يعطوكم من
أنفسهم عوضًا حتى تطلقوهم، وتخلوا لهم
السبيل (٢).
قال الإمام البغوي رحمه الله: ((واختلف
من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها العلماء في حكم هذه الآية، فقال قوم: هي
منسوخة بقوله: ﴿فَإِمَّا نَثْقَفَنَّهُمْ فِ الْحَرْبِ
فَشَرِّدٌ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ﴾ [الأنفال: ٥٧].
﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ
وبقوله:
وَجَدْ تُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
وإلى هذا القول ذهب قتادة والضحاك
والسدي وابن جريج، وهو قول الأوزاعي
وأصحاب الرأي، قالوا: لا يجوز المن على
من وقع في الأسر من الكفار ولا الفداء.
وذهب آخرون إلى أن الآية محكمة،
والإمام بالخيار في الرجال العاقلين من
الكفار إذا وقعوا في الأسر بين أن يقتلهم أو
یسترقھم أو یمن علیھم، فيطلقهم بلا عوض
أو يفاديهم بالمال، أو بأسارى المسلمين،
وإليه ذهب ابن عمر، وبه قال الحسن،
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥٣/٢٢.
www. modoee.com
١٠١

حرف القاف
وعطاء، وأكثر الصحابة والعلماء، وهو قول
الثوري، والشافعي، وأحمد وإسحاق.
قال ابن عباس: لما كثر المسلمون واشتد
سلطانهم أنزل الله عز وجل في الأسارى:
﴿فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآَ﴾. وهذا هو الأصح
والاختيار، لأنه عمل به رسول الله صلی
الله عليه وسلم والخلفاء بعده)»(١).
ثم تتوارد الآيات الكريمة في الأمر بقتال
الكفار عندما يتولون ويعرضون عن الدين
والتزام الأمان والسلم، وعندما ينقضون
العهود والمواثيق، فيقول الله تبارك وتعالى:
﴿وَدُّواْ لَوَ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاءٌ فَلَا
نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّى يُّهَاجِرُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهَّ فَإِن
تَوَلَّوْ فَخُذُوهُمْ وَأَقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدِ ثُمُوهُمٌّ وَلَا
نَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: ٨٩].
ويقول سبحانه وتعالى: ﴿فَإِذَا أَنْسَلَخَ
الْأَشْهُرُ الْقُرُمُ فَاقْفُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُمُوهُمْ
وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَأَقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ
مَرْصَدٍّ فَإِنِ تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتَوا
الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾
[التوبة: ٥].
وهذه المعاني نصت عليها الآيات
الأخرى، وخصت بالذكر أئمة الكفر
وصناديده، وهم القادة في الكفر، من
الرؤساء الطاعنين في دين الرحمن،
الناصرین لدين الشيطان، وخصهم بالذكر
لعظم جنایتھم، ولآن غیرهم تبع لهم، ولیدل
على أن من طعن في الدين وتصدى للرد
عليه، فإنه من أئمة الكفر(٢).
﴿كَيْفَ يَكُونُ
فقال تعالى:
لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِه
إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ
فَمَا أَسْتَقَمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿ كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُواْ
عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُواْ فِيَكُمْ إِلَّ وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُم
◌ِأَفْوَرِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْتَرُهُمْ فَسِقُونَ
أَشْتَرَوْا بِثَايَتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَصَدُّواْ
٨
عَن سَبِيلِةٌ إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ
لَا يَرْقُبُونَ فِىِ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَا ذِمَّةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
الْمُعْتَدُونَ ) فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ
وَءَاتَوْ الزَّكَوَةَ فَإِخْوَتُكُمْ فِ الدِّينِ وَنُفَصِلُ
اُلَآَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١) وَإِن تَكَثُواْ أَيْمَنَهُم
مِنْ بَعْدٍ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِ دِينِكُمْ فَقَئِلُواْ
أَبِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَآَ أَيْمَنَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ
يَنْتَهُونَ ٢ أَلَا تُقَئِلُونَ قَوْمًّا نَّكَنُوا
أَيْمَنَهُمْ وَهَنُواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم
بَدَهُوكُمْ أَوَّلَـ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمَّ فَاَللَّهُ
أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٧
-١٣].
ثانيًا: أهل الكتاب:
وإذا كان القتال موجهًا في المطلب
(٢) انظر تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٣٣٠.
(١) معالم التنزيل ٢٧٨/٧.
جوببيو
الْقُرآن الكَرِيمِ
١٠٢

القتال
السابق للكفار بعامة ولأئمتهم وصناديدهم مهانون، فلهذا لا يجوز إعزاز أهل الذمة ولا
بخاصة، فإن الأمر كذلك توجه للمؤمنين رفعهم على المسلمين، بل هم أذلاء صغرة
أشقياء(١).
بقتال صنف من الكفار، وهم أهل الكتاب،
فإنهم استجمعوا من الصفات ما يسوغ
قتالهم إلى أن يسلموا أو يدفعوا الجزية.
فقال الله تعالى: ﴿قَئِلُواْ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحُرِّمُونَ مَا
حَزَّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَدِينُونَ دِينَ أَلْحَقِّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حَقَّ يُعْعُواْ الْجِزْيَةَ
عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
وهذه الآية الكريمة نزلت أول الأمر بقتال
أهل الكتاب بعدما تمهدت أمور المشرکین
ودخل الناس في دين الله أفواجًا واستقامت
جزيرة العرب، أمر الله ورسوله بقتال أهل
الكتابين اليهود والنصارى، وكان ذلك في
سنة تسع؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى
الله عليه وسلم لقتال الروم ودعا الناس إلى
ذلك وأظهره لهم، وبعث إلى أحياء العرب
حول المدينة فندبهم، واجتمع من المقاتلة
نحو ثلاثين ألفًا، وتخلف بعض الناس
من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين
وغيرهم؛ وكان ذلك في عام جدب، ووقت
قیظ وحر، وخرج رسول الله صلى الله عليه
وسلم يريد الشام لقتال الروم فبلغ تبوك
فنزل بها وقوله: ﴿حَقَّ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ ﴾
أي: إن لم يسلموا ﴿عَن يدِ﴾ أي: عن قهر
لهم ﴿وهُمْ صَغِرُونَ﴾ أي: ذليلون حقیرون
وقد أخبر الله تعالى عن أهل الكتاب
أنهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر مع
إظهارهم الإيمان بالنشور والبعث. وذلك
یحتمل وجوهًا:
أحدها: أن يكون مراده لا يؤمنون باليوم
الآخر على الوجه الذي يجري حكم الله
فیه من تخليد أهل الكتاب في النار وتخليد
المؤمنين فى الجنة، فلما كانوا غير مؤمنين
بذلك أطلق القول فيهم بأنهم لا يؤمنون
باليوم الآخر، ومراده حكم يوم الآخر
وقضاؤه فيه، كما تقول: أهل الكتاب غير
مؤمنين بالنبي، والمراد بنبوة النبي صلى الله
علیه وسلم.
وقيل فيه: إنه أطلق ذلك فیهم على طريق
الذم؛ لأنهم بمنزلة من لا يقر به في عظم
الجرم، كما أنهم بمنزلة المشركين في عبادة
الله تعالى بكفرهم الذي اعتقدوه. وقيل
أيضًا: لما كان إقرارهم عن غير معرفة، لم
يكن ذلك إيمانًا، وأكثرهم بهذه الصفة.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ
اُلْحَقِّ﴾ فإن دين الحق هو الإسلام، قال الله
تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الْإِسْلَمُ﴾ [آل
عمران: ١٩].
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٦/٢.
www. modoee.com
١٠٣

حرف القاف
وهو التسليم لأمر الله وما جاءت به رسله ما حرم الله، فلا يتبعون شرعه في تحريم
المحرمات، ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾
أي: لا يدينون بالدين الصحيح، وإن زعموا
أنهم علی دین، فإنه دین غير الحق، لأنه إما
بين دين مبدل، وهو الذي لم يشرعه الله
أصلًا، وإما دين منسوخ قد شرعه الله، ثم
غيره بشریعة محمد صلى الله عليه وسلم
فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز.
والانقياد له والعمل به، والدين يتصرف
على وجوه: منها الطاعة، ومنها القهر،
ومنها الجزاء. ودين اليهود والنصارى غير
دین الحق لأنهم غیر منقادین لأمر الله ولا
طائعين له، لجحودهم نبوة نبينا صلى الله
علیه وسلم.
فهم يدينون بدين التوراة
فإن قيل:
والإنجيل معترفون به منقادون له؟
فالجواب على ذلك: في التوراة
والإنجيل ذكر نبينا، وأمرنا بالإيمان واتباع
شرائعه، وهم غیر عاملین بذلك بل تارکون
له، فهم غیر متبعین دین الحق.
وأيضًا: فإن شريعة التوراة والإنجيل
قد نسخت، والعمل بها بعد النسخ ضلال،
فليس هو إذًا دين الحق.
وأيضًا: فهم قد غيروا المعاني وحرفوها
عن مواضعها وأزالوها إلى ما تهواه أنفسهم
دون ما أوجبه علیهم کتاب الله تعالی، فهم
غير دائنين دين الحق (١).
والذي يتلخص بعد ذلك: أن هذه الآية
الكريمة فيها أمرٌ بقتال الكفار من اليهود
والنصارى من ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ
بِاَللَّهِ وَلَا بِأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إيمانًا صحيحًا
يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم، ولا يحرمون
(١) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٤/ ٢٨٢.
وانظر: في ظلال القرآن ١٦٢١/٣.
فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك،
لأنهم يدعون إلى ما هم عليه، ويحصل
الضرر الكثير منهم للناس بسبب أنهم أهل
كتاب. وغاية ذلك القتال ﴿حَتَّ يُعْطُوا
اَلْجِزْيَةَ﴾ أي: المال الذي يكون جزاء
لترك المسلمين قتالهم، وإقامتهم آمنين
على أنفسهم وأموالهم بين أظهر المسلمين،
یؤخذ منهم كل عام، كلٌّ على حسب حاله،
من غني وفقير ومتوسط، کما فعل ذلك أمیر
المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره من أمراء
المؤمنین.
وقوله: ﴿عَن يٍ﴾ أي: حتى يبذلوها
في حال ذلهم وعدم اقتدارهم ويعطونها
بأيديهم، فلا يرسلون بها خادما ولا غيره،
بل لا تقبل إلا من أيديهم ﴿وَهُمْ صَغِرُونَ﴾
فإذا كانوا بهذه الحال، وسألوا المسلمين
أن يقروهم بالجزية، وهم تحت أحكام
المسلمين وقهرهم، وحال الأمن من شرهم
وفتنتهم، واستسلموا للشروط التي أجراها
١٠٤
جوسي
القرآن الكريم