النص المفهرس

صفحات 1-20

مَوْسُورَةُ النَّفِيَة المَوْضُوِى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الفقة
عناصر الموضوع
مفهوم الفقه
٣٦٦
الفقه في الاستعمال القرآني
٣٦٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٦٨
الفقه نعمة ربانية
٣٧٠
نسبة الفقه للقلوب
٣٧٤
مجالات الفقه
٣٧٧
وسائل تحصيل الفقه
٣٩٠
٣٩٥
موانع الفقه
٤٠٠
أثر الفقه الصحيح على الفرد والأمة
المُجَلَّ السَّادِسْ وَالعشْرُونْ

حرف الفاء
مفهوم الفقه
أولًا: المعنى اللغوي:
يدل أصل مادة (فقه) على إدراك الشيء والعلم به، تقول: فقهت الحدیث أفقهه، و کل علم
بشيءٍ فهو فقهٌ، ثم اختص بذلك علم الشريعة، فقيل لكل عالمٍ بالحلال والحرام: فقيهٌ(١).
والفقه: العلم في الدين، يقال: فقه الرجل يفقه فقهًا فهو فقيةٌ، وفقه يفقه فقهًا إذا فهم،
وأفقهته: بينت له، والتفقه: تعلم الفقه (٢).
والفقه: العلم بالشيء والفهم له، وغلب على علم الدين لسيادته وشرفه وفضله على سائر
أنواع العلم، كما غلب النجم على الثريا (٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
قال الجرجاني: الفقه: في الاصطلاح: ((هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب
من أدلتها التفصيلية، وقيل: هو الإصابة والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم،
وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد، ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل)) (٤)، والفقه: هو التوصل
إلی علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم (٥).
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٤/ ٤٤٢.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٣٧٠، تهذيب اللغة، الأزهري ٥/ ٢٦٣
(٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣/ ٥٢٢، الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٤٣، المخصص، ابن سيده
١/ ٢٦٠، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ٦٩٨.
(٤) التعريفات، الجرجاني ص ١٦٨.
وانظر: الإبهاج في شرح المنهاج، البيضاوي ١/ ٢٨، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، تاج
الدين السبكي ص ٢٤٤.
(٥) انظر: المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصبهاني ص ٦٤٢ - ٦٤٣.
٣٦٦
جوسين
القرآن الكريم

الفقه
الفقه في الاستعمال القرآني
وردت مادة (فقه) في القرآن الكريم (٢٠) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
﴿وَأَحْلُلْ عُقْدَةً مِّنْ لِسَانِ (٧)
يَفْقَهُواْ قولي
٢٨
﴾ [طه: ٢٧ -
الفعل المضارع
٢٠
٢٨]
وجاء الفقه في الاستعمال القرآني بمعناه في اللغة، وهو إدراك الشيء والعلم به (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٥٢٥.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٤٢/٤.
www. modoee.com
٣٦٧

حرف الفاء
الألفاظ ذات الصلة
العلم:
١
العلم لغةً:
نقيض الجهل، والمعرفة، واليقين، والعلامة: النسابة، وهو من العلم(١)، ويقال: ((علمت
الشيء أعلمه علمًا: عرفته))(٢).
العلم اصطلاحًا:
عرفه الجرجاني: ((العلم: هو الاعتقاد الجازم المطابق للواقع، ونقل عن الحكماء فقال: هو
حصول صورة الشيء في العقل))(٣).
الصلة بين العلم والفقه:
الفقه هو العلم، وهو العلم النافذ الذي يخترق العوائق لإدراك لب الدين (٤).
الفهم:
٢
الفهم لغة:
العلم بالشيء ومعرفته(٥).
وفي لسان العرب: الفهم معرفتك الشيء، وهو حسن تصور المعنى(٦).
الفهم اصطلاحًا:
هو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والقدرة على التفسير والشرح وإدراك المعلومات
التي تعرض، أو إدراك ما يعنيه شخص بالقول أو بالعمل أو بالاستنباط(٧).
الصلة بين الفهم والفقه:
الفقه والفهم بمعنى واحد (٨).
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري ٤١٨/٢، لسان العرب، ابن منظور ٣٠٨٣/٤.
(٢) الصحاح، الجوهري ١٩٩٠/٥.
(٣) التعريفات ص ١٩١.
(٤) انظر: زهرة التفاسير ٧/ ٣٤٨٤.
(٥) انظر: المعجم العربي الأساسي، ص ٩٥٣.
(٦) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤٥٩/١٢.
(٧) مفاتيح الغيب، الرازي ١/ ٤٢٠.
(٨) انظر: الصحاح، الجوهري ٦/ ٢٢٤٣.
٣٦٨
جوية
القرآن الكريم

الفقى
الإدراك:
٣
الإدراك لغةً:
أدرك المعنى بعقله: فهمه وتصوره عقله على الوجه الصحيح(١).
الإدراك اصطلاحًا:
قال الجرجاني: ((الإدراك: إحاطة الشيء بكماله))(٢).
الصلة بين الإدراك والفقه:
الإدراك يكون من خلال الإحاطة بالشيء بكماله، ولا يشترط ذلك في الفقه.
الاستنباط:
٤
الاستنباط لغةً:
كلمة تدل على استخراج شيء. واستنبطت الماء: استخرجته(٣).
الاستنباط اصطلاحًا:
هو استخراج ما خفي من النص بطريق صحيح (٤).
الصلة بين الاستنباط والفقه:
الاستنباط كالفقه يحتاج إلى فهم وتدبر، إلا أن الإستنباط فيه مبالغة وشدة عنه في الفقه.
الجهل :
٥
الجهل لغة:
ضد العلم، والجهالة: أن تفعل فعلًا بغير علم، وجهلت الشيء: إذا لم تعرفه(٥).
الجهل اصطلاحًا:
((أن تعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه))(٦).
الصلة بين الجهل والفقه:
الجهل نقيض العلم أي عدم العلم بالشيء، وأما الفقه فيعني العلم به.
(١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد عمر ١/ ٧٤٠.
(٢) التعريفات ص ١٤.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٨١/٥.
(٤) انظر: مفهوم التفسير والتأويل والاستنباط والتدبر والمفسر، مساعد الطيار ص١٦٠.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٢٩/١١، النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير ٣٢٢/٣.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٢٠٩.
وانظر: العين، الفراهيدي ٣/ ٣٩٠.
www. modoee.com
٣٦٩

حرف الفاء
الفقه نعمة ربانية
كثير من الناس يعاني من سقم الفهم
للقضايا والأحداث والأشخاص، فيقع
بسبب ذلك في أخطاء الحكم على الآخرين،
أو التفسير للمواقف والأحداث، وإذا
كان سوء الفهم سببًا في كثير من الأخطاء
والخلافات، فإن حسن الفهم، وصحته من
أهم أسباب سلامة الموقف، والبعد عن
الخلافات.
إن فهم ما يقول غيرنا ضروري لتحديد
الموقف الصحيح منهم، وهذا يحتاج إلى
عمق التفكير وصدق التأمل، وعدم التسرع
في الحكم على الأشياء، وفي حياتنا اليومية
مواقف محتدمة لا سبب لاحتدامها إلا سوء
الفهم للموقف، أو الرأي، أو الكلمة، مع ما
يصحب ذلك ويتبعه من سوء الظن، وعدم
سلامة الصدر.
قال ابن القيم: ((صحة الفهم وحسن
القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على
عبده بل ما أعطي عبد عطاء بعد الاسلام
أفضل، ولا أجل منهما بل هما ساقا الإسلام
وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق
المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم،
وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم،
ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت
أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط
المستقیم الذین أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا
صراطهم في كل صلاة.
وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب
العبد يميز به بين الصحيح والفاسد،
والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي
والرشاد، ويمده حسن القصد، وتحري
الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية))(١).
قال الله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَهَا سُلَيْمَنَّ
وَكُلّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمَأْ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ
الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرُ وَكُنَّا فَعِلِينَ
[الأنبياء: ٧٩]
٧٩
لن ينسى التاريخ الإنساني الدور القيادي
العظيم والجهاد والتضحيات للرسل
والأنبياء عليهم السلام، فلولاهم لكان
الناس في حيرة وضلال، ونزاع مستمر
واقتتال، ربما أدى إلى انقراض النوع
البشري، وكان من فضل الله وإنعامه: أنه
أعد هؤلاء الصفوة القادة إعدادا رائعا خاصا،
ليكونوا أهلا للقيادة، وأسوة حسنة للبشرية،
وأمدهم بنعم كثيرة، فضلا عن نعمة النبوة
والرسالة، منها الحكم والقضاء بين الناس،
والعلم والمعرفة السديدة، وعزة النفس
وقوة الإرادة، ووسائل الكسب الشريف.
ومن هذه النعم على داود وسليمان
عليهما السلام قضية الحكم في رعي راع
زرع قوم، في جنح الليل، وکان الله عالما
(١) انظر: إعلام الموقعين، ابن القيم ١/ ٦٩.
ـبُ النَفسِير
جَوَسُور
القُرآن الكَرِيْمِ
٣٧٠

الفقى
تام العلم بالقضاء والمقضي فیه، شاهدًا
بما حکم به داود وسليمان، لا تخفى عليه
خافية، وكان القضاء صادراً من الأب داوود،
والابن سليمان، اللذين كان كل منهما ملكًا
عدلًا، نبيًا، یحکم بالحق بین الناس.
واتجه کل من داوود وسليمان في حكمه
وجهة معينة من النظر السديد، فإن داوود
عليه السلام قضى بتملك الغنم لصاحب
الزرع، وسليمان عليه السلام قضى بتسليم
الغنم مدة عام إلى صاحب الحرث (الزرع)
ينتفع بألبانها وأولادها وأصوافها، وتسليم
الزرع للراعي، يستفيد مما تنتجه الأرض،
ويتعهدها بالسقاية والخدمة، حتى يعود
الزرع إلى ما كان عليه قبل الرعي، وكان
قضاء سلیمان أولى وأرفق وأحكم(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ
جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِ حِجَابًا
وَحَمَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ
مُسْتُورًا (@)
وَفِّ مَاذَانِهِمْ وَقْرَأْ وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِىِ الْقُرْءَانِ وَحْدَهُ،
وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَرِهِمْ نُفُورًا ﴾﴾ [الإسراء: ٤٥ -٤٦].
يبين المولى عز وجل في هذه الآيات
كيف حرم الكفار من نعمة الفهم بسبب
كفرهم بالله، وعدم إيمانهم فبين سبحانه
أنه يحمي نبيه صلی الله عليه وسلم من
مشركي مكة الذين كانوا يؤذونه، في وقت
قراءته القرآن وصلاته في المسجد الحرام،
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٢/ ١٦٠٢.
ويريدون مد اليد إليه، فلا تخف أيها النبي،
فإنك إذا قرأت القرآن على هؤلاء المشركين
الذين لا يصدقون بالآخرة، جعلنا بينك
وبينهم حجابًا مستورًا، أي حائلاً حاجزًا،
يمنع قلوبهم من فهم القرآن وتدبر آياته،
ومستورًا على أعین الخلق، فلا یدرکه أحد
برؤية كسائر الحجب بقدرة الله وكفايته،
وجعلنا على قلوبهم أغطية، بحيث لا
يتسرب إليها فهم مدارك القرآن، ومعرفة
أسراره وغاياته، وجعلنا في آذانهم ثقلًا، أو
صمما يمنع من سماع الصوت، وهذه كلها
استعارات للإضلال الذي حفهم الله به،
فعبر عن كثرة ذلك وعظمه بأنهم بمثابة من
غطي قلبه، وصمت أذنه، والإضلال بسبب
الضلال الذي سلكوه، وساروا في فلكه بغیًا
وعنادًا(٢).
وقال الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُواْ إِذَا
قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِى الْمَجَلِسِ فَأَفْسَحُواْ يَفْسَحِ
اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ أَنْشُرُواْ فَأَنْشُرُواْ يَرْفَعَ اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ دَرَحَتٍّ وَالهُ
بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [المجادلة: ١١].
لا شبهة أن للعالم منزلة عظيمة عند الله
لا تكون لغيره، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ
يَسْتَوِى الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا
الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٩].
ولذلك فإنه يقتدي بالعلم في كل أفعاله،
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ١٣٥٣.
www. modoee.com
٣٧١

حرف الفاء
ولا يقتدى بغير العالم؛ لأنه يعلم من كيفية في قبول الماء، فشبه من تحمل العلم
والحديث، وتفقه فيه بالأرض الطيبة،
الاحتراز عن الحرام والشبهات، ومحاسبة
النفس مالا يعرفه الغير، ويعلم من كيفية
الخشوع والتذلل في العبادة مالا يعرفه غيره،
ويعلم من كيفية التوبة وأوقاتها وصفاتها مالا
يعرفه غيره، ويتحفظ فيما يلزمه من الحقوق
مالا يتحفظ منه غيره(١).
أصابها المطر فتنبت، وانتفع بها الناس،
وشبه من تحمله ولم يتفقه بالأرض الصلبة
التي لا تنبت، ولكنها تمسك الماء، فيأخذه
الناس، وينتفعون به، وشبه من لم يفهم، ولم
يحمل بالقيعان التي لا تنبت، ولا تمسك
الماء، فهو الذي لا خير فيه)) (٣).
عن أبي موسى، عن النبي صلى الله
علیه وسلم قال: (مثل ما بعثني الله به من
الهدى والعلم، کمثل الغيث الكثير أصاب
أرضًا، فكان منها نقیةٌ، قبلت الماء، فأنبتت
الکلأ والعشب الکثیر، و کانت منها أجادب،
أمسکت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا
وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفةً أخرى،
إنما هي قيعانٌ لا تمسك ماءً ولا تنبت
كلّا، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه
ما بعثني الله به فعلم وعلم، ومثل من لم
یرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي
أرسلت به) (٢).
قال الإمام البغوي: ((فالنبي صلى الله
علیه وسلم جعل مثل العالم کمثل المطر،
ومثل قلوب الناس فيه، كمثل الأرض
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٩٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب فضل من عَلِم وعَلم، ١/ ٢٧، رقم ٧٩،
ومسلم في صحيحه، كتاب القضائل، باب
مثل ما بغث به النبي صلى الله عليه وسلم،
رقم ٤،٢٢٨٢ / ١٧٨٧.
قال ابن القيم: ((ولا يتمكن المفتي ولا
الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا
بنوعين من الفهم:
أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط
علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات
والعلامات حتى يحيط به علما.
والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع،
وهو فهم حكم الله الذي حكم به في
کتابه، أو على لسان قوله في هذا الواقع، ثم
يطبق أحدهما على الآخر؛ فمن بذل جهده
واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم أجرين
أو أجرًا؛ فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع
والتفقه فیه إلى معرفة حكم الله ورسوله،
كما توصل شاهد يوسف بشق القميص من
دبر إلى معرفة براءته وصدقه (٤).
وكما توصل أمير المؤمنين علي رضي
الله عنه بقوله للمرأة التي حملت كتاب
(٣) انظر: شرح السنة ١/ ٢٨٩.
(٤) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٣٩٦.
٣٧٢
جوبيبو
الْقُرآن الكَرِيْمِ

الفقى
حاطب ما أنكرته: (لتخرجن الكتاب أو
لتلقين الثياب، فأخرجته من عقاصها)(١).
إلى استخراج الكتاب منها (٢).
وعن أبي جحيفة، قال: قلت لعلي بن
أبي طالبٍ: هل عندکم کتابٌ؟ قال: (لا، إلا
کتاب الله، أو فهم أعطیه رجلٌ مسلمٌ، أو ما
في هذه الصحيفة، قال: قلت: فما في هذه
الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا
یقتل مسلمٌ بکافٍ) (٣).
وهنالك ضوابط يتحقق بها الفهم
الصحيح، حينما يحرص عليها الإنسان
سيكون قادرًا على الإفادة من هذه النعمة
العظيمة فى حياته، ومن تلك الضوابط:
التريث وعدم الاستعجال في تفسير ما
يسمع المرء، أو يقرأ من الأقوال.
التأمل فیما سمع أو قرأ حتی یتمکن من
الوصول إلى المعنى المراد.
إعادة الاستماع، أو القراءة أكثر من
مرة، حتى يتمكن الإنسان من الفهم
الصحيح.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب الجاسوس، ٤ / ٥٩، رقم
٣٠٠٧، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل
الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب من
فضائل أهل بدر، ٤ / ١٩٤١، رقم ٢٤٩٤.
(٢) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين، ابن
القيم ١ / ٦٩.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب كتابة العلم، رقم ١،١١١/ ٣٣.
# استخدام میزان (حسن الظن) و(سلامة
الصدر) في الحكم على الأقوال
والأفعال.
مراقبة الله عز وجل والخوف منه، وهذا
ضابط مهم يكتنف الضوابط الأخرى
ویوجھھا.
www. modoee.com
٣٧٣

حرف الفاء
نسبة الفقه للقلوب
لقد نسب الله الفقه للقلوب في أكثر من
آية، ليدلل على أن محل الفقه والفهم والتدبر
هي القلوب، ومن هذه الآيات:
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ
كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَاُلْإِنسِّ لَمْ قُلُوبٌ لَّا
يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُّنٌّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَيْ ءَانَانٌ
لَا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلَّ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ
هُمُ الْفَفِلُونَ )
[الأعراف: ١٧٩].
يبين المولى عز وجل في هذه الآية
كيف أنه خلق النار-التي يعذب الله فيها من
يستحق العذاب في الآخرة-کثیرًا من الجن
والإنس، لهم قلوب لا يعقلون بها، فلا
يرجون ثوابًا ولا يخافون عقابًا، ولهم أعين
لا ينظرون بها إلى آيات الله وأدلته، ولهم
آذان لا يسمعون بها آیات کتاب الله فیتفکروا
فيها، هؤلاء كالبهائم التي لا تفقه ما يقال لها،
ولا تفهم ما تبصره، ولا تعقل بقلوبها الخير
والشر فتميز بينهما، بل هم أضل منها؛ لأن
البهائم تبصر منافعها ومضارها وتتبع راعيها،
وهم بخلاف ذلك، أولئك هم الغافلون عن
الإيمان بالله وطاعته(١).
قال المراغي في تفسيره: «أي إنهم لا
يفقهون بقلوبهم ما تزكو به أنفسهم من توحيد
الله المبعد لها عن الخرافات والأوهام وعن
(١) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد،
ص١٧٤.
الذلة والصغار، فإن من يعبد الله وحده
تسمو نفسه بمعرفته فلا تذل بدعاء غيره ولا
الخوف منه ولا الرجاء فيه والاتكال عليه،
بل يطلب من الله ما يحتاج إليه، فإن كان
مما أقدر الله عليه خلقه بإعلامهم بأسبابه
وتمكينهم منها طلبه بسببه مع مراعاة سنته
فی خلقه، وإن لم یکن كذلك توجه إلى
الله لهدايته إلى العلم بما لم يعلم من سببه
وإقداره على ما يقدر عليه من وسائله أو
تسخير من شاء من خلقه لمساعدته عليه
كالأطباء لمداواة الأمراض، وأقوياء الأبدان
لرفع الأثقال، والعلماء الراسخين للفتوى
فى المسائل العلمية وحل إشكال ما غمض
من حقيقتها، ولا يتوجه في طلبه إلی غیر ما
يعرف البشر من الأسباب المطردة كالرقى
والعزائم والتبخيرات وكرامات الصالحين
من الأحياء والأموات والدعاء إليهم بما يعد
من العبادات فالله يقول: ﴿وَأَنَّالْمَسَجِدَ لِلَّهِ
فَلَا تَدْعُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨].
﴿بَّ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا
ويقول:
تُدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ
٤١
[الأنعام: ٤١].
كما لا يفقهون بقلوبهم الحياة الروحية
واللذات المعنوية الموصلة إلى السعادة
الأبدية: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَاوَهُمْ عَنِ
اُلْأَخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ ﴾ [الروم: ٧].
. ولا يفقهون أن ترك الشرور والمنكرات
٣٧٤
جُوَسبق
القرآن الكريم

الفقى
والحرص على فعل الخيرات هو مناط على أن محل الفهم والفقه هو القلب (٣).
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ءَامَنُواْ ثُمَّ
كَفَرُواْ فَطَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ
[المنافقون : ٣].
السعادة فى الدنيا والآخرة، ولا سبيل إلى
ذلك إلا بالتربية البدنية الصحيحة. ولا
يفقهون سنن الله فى الاجتماع وتأثير العقائد
يبين المولى عز وجل حال هؤلاء
المنافقين الذين اتخذوا أيمانهم بالله
الدينية فى جمع الكلمة وقوة الجماعة ولا
سيما فى عهد النبوات ورمن المعجزات،
ولا يفقهون معنى الآيات الإلهية فى الأنفس ورسوله جنة، ثم كفروا بشکھم في ذلك
وتکذیبھم به(٤).
والآفاق ولا آياته التي يؤيد بها رسله من
علمية و کونیة وما أودعه منها کتابه»(١).
﴿كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ﴾ هم المطبوع
على قلوبهم الذين علم الله أنه لا لطف
لهم. وجعلهم في أنهم لا يلقون أذهانهم
إلى معرفة الحق، ولا ينظرون بأعينهم إلى
ما خلق الله نظر اعتبار، ولا يسماعون ما
یتلی علیھم من آيات الله سماع تدبر، کانھم
عدموا فهم القلوب وإبصار العيون واستماع
الآذان، وجعلهم - لإعراقهم في الكفر
وشدة شکائمهم فیه، وأنه لا یأتی منهم إلا
أفعال أهل النار - مخلوقين للنار، دلالة
علی توغلهم في الموجبات وتمكنهم فيما
يؤهلهم لدخول النار))(٢).
وقد استدل العلماء بهذه الآية على أن
محل العلم هو القلب؛ لأنه تعالى نفى الفقه
والفهم عن قلوبهم في معرض الذم، مما يدل
(١) تفسير المراغي ٩/ ١١٣ - ١١٤.
(٢) الكشاف ٢ / ١٧٩.
أي: ما نعي عليهم من مساوئهم بأنهم
وقال الزمخشري في تفسيره: « آمنوا أي ظاهرًا ثم كفروا أي سرًا فطبع على
قلوبهم أي ختم عليها بما مرنوا عليه من
التلون والتذبذب ورسوخ الهيئات المنكرة،
فحجبوا عن الحق فهم لا يفقهون أي حقية
الإيمان، وحكمة الرسالة والدين(٥).
جُ مَالُ وَلاَ
وقال الله تعالى:
بَنُونَ ﴿٣٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ )
[الشعراء: ٨٨-٨٩].
تبين الآية أن الذي ينفع عند الله والذي
ينجو به العبد من العقاب ویستحق جزيل
الثواب يوم القيامة القلب السليم، ومعناه
الذي سلم من الشرك والشك، ومحبة الشر،
والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم
من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من
الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير
وتزينه في قلبه، وأن تكون إرادته ومحبته
(٣) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٩/ ١٧١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٣٩٤.
(٥) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٩/ ٢٣٥.
www. modoee.com
٣٧٥

حرف الفاء
تابعة لمحبة الله وهواه تابعًا لما جاء عن
الله(١).
وعن النعمان بن بشير، قال: سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ألا
وإن في الجسد مضغةً:إذا صلحت صلح
الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله،
ألا وهي القلب)(٢).
فيه أن العقل والفهم إنما هو فى القلب
وموطنه، وما فى الرأس منه إنما هو عن
القلب ومنه سیبه(٣).
اتباع هواه، وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله،
فسدت حركات الجوارح كلها، وانبعثت
إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب
اتباع هوى القلب، ولهذا يقال: القلب ملك
الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع
هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته،
وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من
ذلك، فإن كان الملك صالحا كانت هذه
الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت
جنوده بهذه المثابة فاسدة، ولا ينفع عند الله
وجاء في شرح هذا الحديث ((فيه إشارة إلا القلب السليم)»(٤).
إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه،
واجتنابه المحرمات واتقاءه للشبهات
بحسب صلاح حركة قلبه، فإذا كان قلبه
سليما، ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه
الله، وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه،
صلحت حركات الجوارح كلها، ونشأ عن
ذلك اجتناب المحرمات كلها، وتوق
للشبهات حذرًا من الوقوع في المحرمات.
وإن كان القلب فاسدًا، قد استولى عليه
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٥٩٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب من استبرأ لدينه، ١/ ٢٠، رقم ٥٢،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب
أخذ الحلال وترك الشبهات، رقم ١٥٩٩،
١٢١٩/٢.
(٣) انظر: شرح صحيح البخارى، ابن بطال
٠١١٧/١
(٤) جامع العلوم والحكم، ابن رجب ١/ ٢١٠.
٣٧٦
مَةُ النَّفَيَدْ
جَوْسُبو
القرآن الكريمِ

الفقى
مجالات الفقه
إن مجالات الفقه متعددة ومتنوعة، ومن
هذه المجالات:
أولًا: عظمة الله والإيمان به:
لا شك أن من أعظم مجالات الفهم
والمعرفة التفكر في عظمة الله تعالى
وتقديسه وتنزيهه عن كل ما لايليق به
سبحانه، والإيمان به.
قال الله تعالى: ﴿تُسَبِحُ لَهُ السَّمَوَتُ السَّبْعُ
وَالْأَرْشُ وَمَن فِيِنَّ وَإِنِ مِّنِ شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِحُ بِهِ،
وَكِنْ لَّا نَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ، كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا
﴾ [الإسراء: ٤٤].
ففي هذه الآية ينزه الله عز وجل نفسه
عما وصفه به المشركون من خلال بيان أن
السماوات السبع والأرض ومن فيهن من
المؤمنين به من الملائكة والإنس والجن،
يعظمون الله ويجلونه، وأنتم أيها المشركون
مع إنعامه علیکم، وجميل أياديه عندكم،
تفترون عليه بما تفترون، وأنه ما من شيء
من خلقه إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون
تسبيحهم ما عدا تسبيح من کان يسبح بمثل
ألسنتكم.
ثم بين المولى عز وجل حلمه فهو لا
يعجل بالعقوبة على خلقه، الذين يخالفون
أمره، ويكفرون به، ولولا ذلك لعاجل هؤلاء
المشركين الذين يدعون معه الآلهة والأنداد
بالعقوبة فهو الحليم الغفور الذي يستر
عليهم ذنوبهم، إذا هم تابوا منها بالعفو منه
لهم(١).
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ
الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَّةٌ وَلَا نَوْمٌ لَّهُمَا فِ السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِّ مَن ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِ"
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ
◌ِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِهِ إِلَّا بِمَا شَاءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يُودُهُ، حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِىُّ
الْعَظِيمُ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
أي:الله هو الذى يستحق أن يعبد دون
سواه، وهو الباقى القائم على شئون خلقه
دائمًا، الذى لا يغفل أبدًا، فلا يصيبه فتور ولا
نوم ولا ما يشبه ذلك لأنه لا يتصف بالنقص
فى شئ، وهو المختص بملك السموات
والأرض لا یشارکه فى ذلك أحد، وبهذا لا
يستطيع أى مخلوق كان أن يشفع لأحد إلا
بإذن الله، وهو سبحانه وتعالى محيط بكل
شئ عالم بما كان وما سيكون، ولا يستطيع
أحد أن يدرك شيئًا من علم الله إلا ما أراد أن
يعلم به من يرتضيه، وسلطانه واسع يشمل
السموات والأرض، ولا يصعب عليه تدبير
ذلك لأنه المتعالى عن النقص والعجز،
العظيم بجلاله وسلطانه(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤٥٥.
(٢) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص ٦١.
www. modoee.com
٣٧٧

حرف الفاء
ثانيًا: القرآن:
يعتبر القرآن الكريم المصدر الأول
والمرجع الأساس في الفقه والعلم
والمعرفة؛ لأنه كلام الله الذي لا يدانيه
كلام.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَِّى هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ
يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَمْ أَجْرًا كَبِيرًا
[الإسراء: ٩].
(« هكذا على وجه الإطلاق فيمن يهديهم
وفيما يهديهم، فيشمل الهدى أقوامًا وأجيالًا
بلا حدود من زمان أو مكان، ويشمل ما
یهدیهم إليه کل منهج وكل طريق، وكل خير
يهتدي إليه البشر في كل زمان ومكان. يهدي
للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور،
بالعقيدة الواضحة التي لا تعقيد فيها ولا
غموض، والتي تطلق الروح من أثقال الوهم
والخرافة، وتطلق الطاقات البشرية الصالحة
للعمل والبناء، وتربط بين نواميس الكون
الطبيعية ونواميس الفطرة البشرية في تناسق
واتساق.
ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق
بين ظاهر الإنسان وباطنه، وبين مشاعره
وسلوكه، وبين عقيدته وعمله، فإذا هي كلها
مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم،
متطلعة إلى أعلى وهي مستقرة على الأرض،
وإذا العمل عبادة متى توجه الإنسان به إلى
الله، ولو كان هذا العمل متاعا واستمتاعا
بالحياة.
ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة
بالموازنة بين التكاليف والطاقة، فلا تشق
التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من
الوفاء، ولا تسهل وتترخص حتى تشيع في
النفس الرخاوة والاستهتار، ولا تتجاوز
القصد والاعتدال وحدود الاحتمال.
ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس
بعضهم ببعض أفرادا وأزواجا، وحكومات
وشعوبًا، ودولاً وأجناسًا، ويقيم هذه
العلاقات على الأسس الوطيدة الثابتة التي
لا تتأثر بالرأي والهوى، ولا تميل مع المودة
والشنآن، ولا تصرفها المصالح والأغراض،
الأسس التي أقامها العليم الخبير لخلقه،
وهو أعلم بمن خلق، وأعرف بما يصلح
لهم في کل أرض وفي کل جیل، فیهدیهم
للتي هي أقوم في نظام الحکم ونظام المال،
ونظام الاجتماع، ونظام التعامل الدولي
اللائق بعالم الإنسان.
ويهدي للتي هي أقوم في تبني الدیانات
السماوية جميعها والربط بينها كلها، وتعظيم
مقدساتها، وصيانة حرماتها فإذا البشرية
كلها بجميع عقائدها السماوية في سلام
ووئام))(١).
ولهذا نجد أن المولى عز وجل عاقب
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٢١٥.
٣٧٨
جوبيع
القرآن الكريمِ

الفقى
الكفار والمشرکین بأن جعل علی قلوبهم
أغطية حتى لا تفقه القرآن؛ لأنهم لا
يستحقون هذه النعمة، كما قال الله تعالى:
﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكٌ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةٌ
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي ءَاذَانِمْ وَقْرَأْ وَإِن يَرَوَأْ كُلَّ ءَايَةٍلَّا
يُؤْمِنُواْ بِهَا حَّى إِذَا جَاءُ وَ يُجَدِ لُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا
إِنْ هَذَآ إِلَّا أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ [الأنعام: ٢٥].
والمعنى والمقصد من هذه الآية أن
مشرکی مکة کانوا في أعجز موقف، حین
حاولوا رد الحق القرآني بالدعوى المجردة،
ومنهم فريق كانوا يستمعون للنبي صلى
الله عليه وسلم وهم في أشد حالات الغباء
وصمم الآذان، يرون الآيات الناطقة بالحق
فلا يؤمنون بها.
وإذا جاؤوا المجادلة أي المقابلة في
الاحتجاج، قابلوا بدعوى مجردة فارغة
من البرهان المقبول، والعقل السليم لأن
الله تعالى - بسبب عنادهم وإصرارهم على
شركهم - جعل على قلوبهم أغطية لئلا
يفقهوا القرآن، وفي آذانهم ثقلا أو صمما
عن السماع النافع لهم، كما شبههم القرآن
بحال الطيور الناعقة بما لا تعي ولا تفهم.
لقد حُجِزُوا عن فهم القرآن وقبوله وتدبر
معانيه بسبب التقليد الأعمى للأسلاف،
وإعراضهم الناشئ عن تصميم وعناد وحزم
ألا ينظروا فیما يسمعون نظرة تأمل وإمعان،
ليميزوا بين الحق والباطل(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَ إِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ
نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنَكُم مِّنْ
أَحَدٍ ثُمَّ أَنْصَرَفُواْ صَرَفَ اَللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ
لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ [التوبة: ١٢٧].
أي: ((وإذا أنزلت سورة قرآنية فيها
فضيحة أسرارهم، تعجبوا وتأملوا وتسللوا
من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم،
وتلفتوا متغامزين قائلين: هل يراكم الرسول
أو المؤمنون إذا خرجتم؟! ثم ينصرفون عن
طريق الاهتداء، ويتولون عن الحق، فهذا
حالهم في الدنيا لا يثبتون عند الحق ولا
يقبلونه ولا يفهمونه، ولا يفهمون شيئا عن
الله ولا عن رسوله، ومن أعرض عن ساحة
الإیمان والخير، أعرض الله عنه، وصرف
الله قلوبهم عن الحق والإيمان، وعن الخير
والنور، وهذا إما دعاء علیهم به، أو إخبار
عن أحوالهم، وذلك الصرف الإلهي بسبب
أنهم قوم لا يفهمون الآيات التي يسمعونها،
ولا يريدون فهمها، ولا يتدبرون فيها حتى
يفقهوا، بل هم في شغل عن الفهم ونفور
منه»(٢).
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً
أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِيّ ◌َاذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الإسراء: ٤٦].
أي: صيرنا وأنشأنا أكنة تكون غلافًا
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٥٣٩.
(٢) المصدر السابق ١/ ٩٣٤.
www. modoee.com
٣٧٩

حرف الفاء
مانعًا قلوبهم عن أن تدرك وتصل إلى النور، الخير، وجعلنا في آذانهم ما يشبه الصمم،
فلم يسمعوه ولم ينتفعوا به، وإن تدعهم إلى
الإيمان فلن يستجيبوا لك، ولن يهتدوا إليه
أبدًا (٢).
وجعلنا في آذانهم صممًا وثقلا يمنعها من
أن تستمع إلى القرآن الحق، فالأكنة تمنع أن
یفقهوه لأن غلافًا وضع بينها وبین النور، فلم
تدرك وتتدبر في بلاغته، ومعانیه، وقصصه،
وعبره، وما فيه من نور الحق فلا تراه،
وجعلنا في آذانهم وقرًا عن سماع القرآن
وتذوق ألفاظه ونغمه، وجمال عباراته ونسق
بیانه.
ويصح أن نقول إن الكلام السامي ممثل
لحالهم في عدم فقههم للقرآن، وعدم
سماعهم لآياته سماع فهم وتدبر وتعرف
لبلاغته بحال من جعل الله تعالى على قلبه
غشاوة فلا يصل إلى الحق، وحال من في
آذانه ثقل فلا يسمع(١).
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلُهُ مِمَّن ذُكِّرَ
◌ِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَهُ إِنَّا
جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَاِهِمْ
وَقْرَاْ وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَىْ فَلَنْ يَهْتَدُوَأَ إِذَا أَبَدًا
[الكهف: ٥٧].
٥٧
ولا أحد أشد ظلمًا ممن وعظ بآيات
ربه الواضحة، فانصرف عنها إلى باطله،
ونسي ما قدمته يداه من الأفعال القبيحة فلم
يرجع عنها، إنا جعلنا على قلوبهم أغطية،
فلم يفهموا القرآن، ولم يدركوا ما فيه من
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٨/ ٤٣٩٣-
٤٣٩٤.
جاء في تفسير الشعراوي: «﴿يَفْقَهُوهُ ﴾
يفهموه، يفهموا آيات الله؛ لأنهم سبق أن
ذكروا بها فأعرضوا عنها، فحرمهم الله
فقهها وفهمها، وقوله تعالى: ﴿وَفِىّ ءَاذَاِهِمْ
وَقْرًا .. ﴾ أي: صمم فلا يسمعون، ﴿وَإِن
تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ وهذا
أمر بدهي، بعد أن ختم الله على قلوبهم
وعلى أسماعهم، وسد عليهم منافذ العلم
والهداية؛ لأن الهدى ناشئ من أن تسمع
كلمة الحق، فيستقبلها قلبك بالرضا، فتنفعل
لها جوارحك بالالتزام، فتسمع بالأذن،
وتقبل بالقلب، وتنفعل بالجوارح طاعةً
والتزامًا بما أمرت به، وما دام في الأذن وقر
وصممٌ فلن تسمع، وإن سمعت شيئًا أنكره
القلب، والجوارح لا تنفعل إلا بما شحن به
القلب من عقائد))(٣).
ثالثًا: كلام الرسل:
إن كلام الرسل يعتبر من أعظم المجالات
للفقه والفهم والاعتبار والاتعاظ كيف لا
وهم خير خلق الله، وقد أمرنا الله سبحانه
(٢) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص
٣٠٠.
(٣) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٩٤٤.
٣٨٠
جوبيية
القرآن الكريمِ

الفقى
وتعالى باتباعهم والإيمان بهم، وعدم
التفريق بينهم، كما قال تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ
بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِاللَّهِ
وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍمِّن
رُسُلِةٌ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
٢٨٥ ﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ الَّ
وعن أبي هريرة، أن رسول الله صلی الله
عليه وسلم قال: (فضلت على الأنبياء بستٍ:
أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب،
وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض
طھورًا ومسجدًا، وأرسلت إلى الخلق كافةً،
وختم بي النبيون)(١).
قال الله تعالی وهو یبین کفر قوم شعيب
حين ردوا على نبيهم عليه السلام قوله
واستخفوا به، فكانت سببًا في انتقام الله
منهم.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْتُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا
مِّمَا تَقُولُ وَإِنَّا لَغَرَكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
لَرَجَمْنَكٌّ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزِ ﴾ [هود: ٩١].
في هذه الآية يحدثنا المولى عز وجل عن
رد قوم شعیب علیه السلام علیه حین دعاهم
الإيمان والتوحيد، فقالوا يا شعيب ما نفهم
كثيرًا مما تقول كوجوب التوحيد، وحرمة
البخس، وما ذكرت دليلًا عليهما، وذلك
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التعبير،
باب المفاتيح في اليد، ٣٦/٩، رقم ٧٠١٣،
ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد
ومواضع الصلاة،، ١/ ٣٧١، رقم ٥٢٣.
لقصور عقولهم وعدم تفكرهم، وقيل قالوا
ذلك استهانة بكلامه، أو لأنهم لم يلقوا إليه
أذهانهم لشدة نفرتهم عنه، وأنك ضعيف
لا قوة لك فتمتنع منا إن أردنا بك سوءًا، أو
مھینا لا عز لك، ولولا قومك وعزتھم عندنا
لكونهم على ملتنا لا لخوف من شوكتهم،
فإن الرهط من الثلاثة إلى العشرة وقيل إلى
التسعة، لقتلناك برمي الأحجار أو بأصعب
وجه، وما أنت علينا بعزيز فتمنعنا عزتك عن
الرجم، وهذا دیدن السفیه المحجوج يقابل
الحجج والآيات بالسب، والتهديد (٢).
وقال الله تعالى وهو يبين دعوة موسى
عليه السلام ربه أن يحل عقدة من لسانه من
أجل أن يفقه القوم قوله، فقال تعالى على
وَأَحْلَلَ عَقْدَةَ مِّن
لسان موسى عليه السلام:
لِسَانِ يَفْقَهُوا قَوْلِيِ ﴾ [طه: ٢٧-٢٨].
و کان في لسانه علیه السلام ثقل لا یکاد
یفهم عنه الكلام كما قال المفسرون، وقد
أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام
قوله: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى
لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىِّ إِنَّ أَخَافُ أَن
يُكَذِبُونِ ﴾ [القصص: ٣٤].
فسأل الله أن يحل منه عقدة يفقهوا ما
يقول فيحصل المقصود التام من المخاطبة
والمراجعة، والبيان عن المعاني(٣).
(٢) انظر: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، البيضاوي
٣/ ١٤٦.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
www. modoee.com
٣٨١

حرف الفاء
قال ابن کثیر: «وذلك لما کان أصابه من
اللثغ، حين عرض عليه التمرة والجمرة،
فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه، وما
سأل أن یزول ذلك بالكلية، بل بحیث یزول
العي، ويحصل لهم فهم ما يريد منه وهو
قدر الحاجة، ولو سأل الجمیع لزال، ولکن
الأنبياء لا يسألون إلا بحسب الحاجة، ولهذا
بقیت بقیة، قال الله تعالى إخبارًا عن فرعون
أنه قال: ﴿أَمْ أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا
يَكَادُ بُبِينٌ ﴾ [الزخرف: ٥٢]. أي يفصح
بالكلام))(١).
وقال تعالى في معرض حديثه عن نوح
عليه السلام وهو يدعو قومه قائلا لهم:
﴿قَالَ يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلَلَةٌ وَلَكِنِّى رَسُولٌ
مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ آ أَبَلِغُكُمْ رِسَلَتِ رَبِ
وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ
﴾ [الأعراف: ٦١-٦٢].
٦٢
فقال: ((﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِىِ ضَلََةٌ﴾ أي:
لست ضالًا في مسألة من المسائل بوجه
من الوجوه، وإنما أنا هاد مهتد، بل هدايته
عليه الصلاة والسلام من جنس هداية
إخوانه، أولي العزم من المرسلين، أعلى
أنواع الهدايات وأكملها وأتمها، وهي هداية
الرسالة التامة الكاملة.
ولهذا قال: ﴿وَلَكِنِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ
الْعَلَمِينَ﴾ أي: ربي وربكم ورب جميع
الخلق، الذي ربى جميع الخلق بأنواع
التربية، الذي من أعظم تربيته أن أرسل
إلى عباده رسلا تأمرهم بالأعمال الصالحة
والأخلاق الفاضلة والعقائد الحسنة
وتنهاهم عن أضدادها.
ولهذا قال: ﴿أُبَلِّغُكُمْرِسَلَتِ رَبِِّ وَأَنْصَحُ
أي:وظيفتي تبلیغکم، بیان توحيده
وأوامره ونواهيه، على وجه النصيحة لكم
والشفقة عليكم، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا
نَّعْلَمُونَ﴾ فالذي يتعين أن تطيعوني وتنقادوا
لأمري إن كنتم تعلمون(٢).
وقال تعالى وهو يتحدث عن النبي صالح
عليه السلام: ﴿﴿ وَإِلَى تَمُودَ أَخَاهُمْ صَلِحًا
قَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ هُوَ
أَنشَأَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَأَسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ
تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِ قَرِيبٌ مُجِيبٌ ﴾﴾ [هود: ٦١].
أي: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحًا،
فقال لهم:یا قوم اعبدوا الله وحده ليس
لكم من إله يستحق العبادة غيره جل وعلا،
فأخلصوا له العبادة، هو الذي بدأ خلقكم
من الأرض بخلق أبيكم آدم منها، وجعلكم
عمارا لها، فاسألوه أن يغفر لكم ذنوبکم،
وارجعوا إلیه بالتوبة النصوح. إن ربي قریب
لمن أخلص له العبادة، ورغب إليه في
٥٠٤.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٢٨٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٩٣.
٣٨٢
القرآن الكريم

الفقى
التوبة، مجیب له إذا دعاه(١).
وقال تعالى مبينا كيفية مناظرة إبراهيم
عليه السلام للنمرود فقال تعالى: ﴿أَلَمْ
تَرَ إِلَى الَّذِى حَكَّ إِبَهِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُهُ
اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَهِمُ بَنَّ الَّذِى يُحْيِء
وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحِىءٍ وَأُمِيتٌ قَالَ إِّرَهِعُمُ فَإِنَّ
اللَّهَ يَأْتِى بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ
اُلْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ
النَّلمِينَ
: [البقرة: ٢٥٨].
(٢٥٨
ألم تر إلى من عمى عن أدلة الإيمان
وجادل إبراهيم خليل الله فى ألوهية ربه
ووحدانيته، وكيف أخرجه غروره بملكه
-الذى وهبه ربه- من نور الفطرة إلى ظلام
الكفر فعندما قال له إبراهيم: إن الله يحيى
ويميت، بنفخ الروح فى الجسم وإخراجها
منه، قال: أنا أحيي وأميت بالعفو والقتل،
فقال إبراهيم ليقطع مجادلته: إن الله يأتى
بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب
إن کنت إلها كما تدعى.
فتحير وانقطع جدله من قوة الحجة
التی کشفت عجزه وغروره، والله لا یوفق
المصرين المعاندين لاتباع الحق (٢).
وهكذا نجد أن في أقوال الرسل مجالا
واسعًا للعلم والمعرفة والهداية لأحسن
(١) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد ص
٢٢٨.
(٢) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم ص
٦٢.
السبل، كما أن فيها العبرة والموعظة الحسنة
في جميع مناحي الحياة.
رابعًا: الآيات الكونية:
النظر في الآيات الكونية والتفكر والتدبر
فيها يعتبر من مجالات الفقه والمعرفة،
كما قال تعالى في آخر سورة آل عمران:
﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ
الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِ
عمران: ١٩٠].
قال الرازي في تفسيره: ((اعلم أن
المقصود من هذا الكتاب الكريم جذب
القلوب والأرواح عن الاشتغال بالخلق
إلى الاستغراق في معرفة الحق، فلما طال
الكلام في تقرير الأحكام والجواب عن
شبهات المبطلين عاد إلى إنارة القلوب بذكر
ما يدل على التوحيد والإلهية والكبرياء
والجلال، فذكر هذه الآية)) (٣).
قال ابن عميرٍ لعائشة رضي الله عنها:
(أخبرينا بأعجب شيءٍ رأيته من رسول
الله صلی الله علیه وسلم، قال: فسكتت
ثم قالت: لما کان لیلةٌ من اللیالي، قال: (پا
عائشة ذريني أتعبد الليلة لربي) قلت: والله
إني لأحب قربك، وأحب ما سرك، قالت:
فقام فتطهر، ثم قام يصلي، قالت: فلم يزل
بیکي حتى بل حجره، قالت: ثم بكى فلم
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ٤٥٨.
-
www. modoee.com
٣٨٣

حرف الفاء
یزل یبکي حتی بل لحيته، قالت: ثم بکی فلم
يزل يبكي حتى بل الأرض، فجاء بلالٌ يؤذنه
بالصلاة، فلما رآه پیکي، قال: یا رسول الله،
لم تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم وما تأخر؟،
قال: (أفلا أكون عبدًا شکورًا، لقد نزلت
علي الليلة آيةٌ، ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر
فيها ﴿إِنَّ فِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل
عمران: ١٩٠]) الآية كلها(١).
وكما دل على ذلك قوله تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِىِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ
حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ.
عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: ٥٣].
قد تعددت تأويلات المفسرين في هذه
الآية حيث قالوا: إنها عنت آيات الله ودلائل
وحدانيته وربوبيته في مختلف مشاهدالكون
ونواميسه، وفي تر کیب أجسامهم أنفسهم،
كما قالوا إنها عنت ما تحقق من وعد الله
ووعيده بما كان من هلاك طواغيت الكفر
منهم في بدر وغيرها وفتح مكة، واعتراف
جمهور العرب بأن الإسلام هو دين الحق،
ودخولهم فيه ثم انتصار الإسلام، وانتشاره
في آفاق الدنيا.
وكلا القولين وجيه ووارد، والقول
الثاني متسق مع البشائر والتطمينات القرآنية
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقائق،
باب التوبة، رقم ٢،٦٢٠ / ٣٨٦.
وجود إسناده الألباني في السلسلة الصحيحة،
١٤٧/١.
العديدة (٢).
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَنْ
يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ
أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُ بَأْسَ بَعْضٍُ أَنْظُرْ
كَيْفَ نُصَرِّفُ آلْأَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَّهُونَ (
٦٥
[الأنعام: ٦٥].
يبين المولى سبحانه وتعالى أنه هو وحده
القادر على أن يبعث عليكم في أي وقت
يريده عذابًا من فوقكم بإسقاط السماء قطعًا
أو شيء منها كالحجارة التي حصب بها قوم
لوط وأصحاب الفيل أو بتسليط أكابركم، أو
من تحت أرجلكم بالخسف أو إثارة الحيات
أو غيرها من الأرض كما وقع لبعض من
سلف، أو بتسليط سفلتكم وعبيدكم عليكم،
أو أن يجعلكم متفرقين، كل شيعة على
هوی، فیکون ذلك سببًا للقتل فيساوي في
ذلك بين الحرم وغيره، ويصير التخطف
بالنهب والغارات عامًا، كل هذا التصريف
في الوجوه البديعة النافعة البليغة ليكون
حالهم حال من یرجی فهمه وانتفاعه به، كان
هذا العذاب أو القرآن المشتمل على الوعد
والوعيد والأسباب المبينة للخلق جميع ما
ينفعهم ليلزموه وما يضرهم ليحذروه(٣).
وقال الله تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِى أَنشَا گُم ◌ِّن
نَّفْسِ وَحِدَةٍ فَُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا اُلْآَيَتِ
(٢) انظر: التفسير الحديث، عزة دروزة ٤/ ٤٣٣.
(٣) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٧/ ١٤٣ - ١٤٥.
جَوْنُوبَةُ النَّقِينَ
القرآن الكريم
٣٨٤